مرتكزات الفكر الحداثي وتطبيقاته في قراءة التُّراث الإسلامي

دراسةٌ تحليليَّة نقديَّة في ضوء المرجعيَّة الإسلاميَّة (5/5)

بقلم: د. زُبير سُلطان رَبَّاني
كاتب في الفكر وقضايا الإنسان والهُويَّة والتَّحوُّلات الحضاريَّة، ورئيس منبر أعلام الأمة (UST).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة الأولى
توضيحات أولية حول الفكر الحداثي

     وينطلق هذا التَّصوُّر من طبيعة الإنسان الاستخلافيَّة؛ فهو كائنٌ مكلَّف يُمارس حريَّته في دائرة المسؤوليَّة، ويبني تصوُّراته ومواقفه من خلال ما يتلقَّاه من ميراث سابق وما يُواجهه من تحوُّلات حاضرة. ومن هنا يغدو موقفه من الماضي والحاضر جزءًا من ابتلائه المعرفي والأخلاقي؛ فقد تتحوَّل سُلطة الموروث إلى معيار للحقيقة لمجرَّد قِدَمه، كما قد تتحوَّل الجِدَّة إلى معيار مقابل يمنح العصر الحاضر تفوُّقًا معرفيًّا وحضاريًّا لمجرَّد تأخُّره في الزَّمن. والميزان الأقوم يجعل قيمة الفكرة متعلِّقة بحقيقتها وبرهانها وآثارها، ويجعل التَّقدُّم ثمرةً لنموِّ المعرفة وصلاح الإنسان والعمران، لا وصفًا ملازمًا لكل لاحق في حركة التَّاريخ.
     وفي العصر الحديث تَشكَّلت الحداثة في البيئة الأوروبيَّة ضمن تحوُّلات متراكمة شملت عصر النَّهضة والإصلاح الدِّيني والأنوار والثَّورة العلميَّة والتَّغيُّرات السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والصِّناعيَّة. ويعرِّف أنتوني غيدنز (Anthony Giddens)الحداثة، في تقريب أولي، بأنماط الحياة والتَّنظيم الاجتماعي التي ظهرت في أوروبا منذ نحو القرن السَّابع عشر، ثم امتد تأثيرها عالميًّا؛ وهو تعريف يكشف بُعدها التَّاريخي والمؤسَّسي، في حين تكشف الكتابات الفلسفيَّة الحديثة أبعادًا أخرى تتصل بالعقل والذَّات والتَّاريخ ومصدر المعرفة.[1] وقد مثَّل إيمانويل كانط (Immanuel Kant)  جانبًا مؤثِّرًا من روح الأنوار، حين جعل شجاعة الإنسان في استعمال فهمه بنفسه عنوانًا للخروج من الوصاية، فتنامت داخل المشروع الحديث مركزيَّة العقل واستقلال الذَّات في إنتاج المعرفة وتقويم الموروث. [2]
     غير أن مصطلح الحداثة نفسه يتَّسع لخبرات ومدارس ومسارات متعدِّدة؛ فالفلسفة الحديثة، والعقلانيَّة، والأَنسنة، والتَّاريخيَّة، والهِرمِنْيُوطِيقَا، والبنيويَّة، والتَّفكيكيَّة، ومناهج العلوم الإنسانيَّة تتقاطع في مواضع وتختلف في أصولها وأدواتها ونتائجها. كما تكشف مناقشات يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) لمسار الخطاب الفلسفي للحداثة عن توتُّرات داخليَّة عميقة امتدَّت من هيغل ونيتشه إلى نقد العقل في فلسفات القرن العشرين. [3] وبذلك يحتاج استعمال عبارة «الفكر الحداثي» في هذه الدِّراسة إلى ضبطٍ يمنع جمع هذه التَّيارات في مشروع مُتجانس، مع إبراز المرتكزات التي تشترك فيها بعض صُورها بالقدر الذي يسمح بالمقارنة والنَّقد.
     وانتقلت أطروحات الحداثة إلى المجال العربي والإسلامي عبر الاحتكاك الثَّقافي، والبعثات العلميَّة، والتَّرجمة، والمؤسَّسات التَّعليميَّة، وانتقال المناهج والمعارف النَّقديَّة الغربيَّة، فاتَّسعت دائرة الجدل حول التُّراث والتَّجديد، وتَشكَّلت اتِّجاهات متباينة في القبول والنَّقد والتَّوفيق. [4] وهنا تبرز خصوصيَّة أخرى؛ فالحداثة العربيَّة جاءت في سياق حضاريٍّ وتاريخيٍّ مختلف عن البيئة الأوروبيَّة التي أنشأت المفاهيم الأولى، ولذلك حملت عمليَّات النَّقل وإعادة التَّوظيف صورًا متفاوتة؛ ظهر في بعضها توجُّه إلى تحديث المؤسَّسات والتَّعليم والعلوم والإدارة، واتَّجه بعضها الآخر إلى مراجعة بنية التُّراث ومصادر المعرفة وطرائق قراءة الوحي. ومن ثمَّ يقتضي التَّحليل التَّمييز بين الحداثة الغربيَّة في تنوُّع مدارسها، والحداثة العربيَّة في اختلاف مشاريعها ودرجات اتِّصالها بالأصول الغربيَّة وطرائق تطبيقها على الإسلام وتراثه.[5]
     ويتأكَّد هذا التَّفريق عند التَّمييز بين التَّحديث والحداثة الفلسفيَّة؛ فالتَّحديث في مجالات العلوم والتِّقنيّات والصِّناعة والإدارة وبناء المؤسَّسات يمثِّل خبرة إنسانيَّة تتَّسع فيها دائرة الإفادة والتَّطوير والمنافسة الحضاريَّة، وتدخل في عمارة الأرض وتسخير السُّنن واكتساب أسباب القوَّة. أمَّا الانتقال من نجاح المنهج التَّجريبي في مجاله إلى بناء أحكام كلِّيَّة على الإنسان والغيب والدِّين والقيم، فينقل البحث من دائرة الإنجاز العلمي إلى دائرة الاختيار الفلسفي. وهنا تحتاج الدَّعوى إلى برهان يُناسب طبيعتها؛ لأن الصَّرامة النِّسبيَّة التي تمنح التَّجربة العلميَّة نتائجها قابليَّةً للاختبار والتَّكرار تختلف عن طبيعة الاجتهادات الفلسفيَّة والتَّأويليَّة التي يدخل في بنائها الافتراض والتَّفسير واختلاف المنطلقات.
     ومن هذا الموضع تظهر إحدى القضايا التي يستهدفها البحث بالنَّقد: تحويل العقل من قوَّة للفهم والاكتشاف والمراجعة إلى مرجعيَّة مكتفية بذاتها في تقرير الحقيقة والقيمة. لقد أسهم تحرير العقل من كثير من صور الجمود والوصاية، في إطلاق طاقات علميَّة وفكريَّة واسعة، غير أن استقلاله الفلسفي المطلق يثير سؤالًا أعمق عن قدرة العقل المحدود بالتَّجربة والتَّاريخ واللغة، على الإحاطة بحقائق تتجاوز مجاله الحسِّي، وعن المعيار الذي يحتكم إليه العقل حين تختلف العقول وتتعارض تصوُّراتها وغاياتها. ومن هنا تميِّز المرجعيَّة الإسلاميَّة بين فاعليَّة العقل واستقلال المرجع؛ فالعقل عندها مناط للتَّكليف وأداة للنَّظر والاجتهاد، والوحي يهديه في المجالات التي تتجاوز قدرته الذَّاتيَّة، ويمنحه الميزان الأعلى للحق والقيمة.
     ويمتد الفحص إلى بعض التَّعميمات التي صاحبت اتِّجاهات من الحداثة الماديَّة، وبخاصَّة نقل الخبرة الأوروبيَّة في الصِّراع مع المؤسَّسة الكنسيَّة إلى حكم شامل على الدِّين، أو وصل التَّقدُّم العلمي برؤية ماديَّة للوجود، وكأن العلاقة بينهما علاقة لزوم. فالتَّجربة التَّاريخيَّة المحدَّدة تصلح مادَّةً للفهم والمقارنة، بينما يحتاج تعميم نتائجها على مختلف الأديان والحضارات، إلى فحص مستقل لخصوصيَّة كل تجربة ونصوصها وبنيتها المعرفيَّة. وفي هذا الموضع تتجلَّى أهميَّة التَّمييز بين نقد صورة تاريخيَّة للدِّين، وبين إصدار حكم فلسفي على أصل الإيمان بالله والوحي والغيبيَّات.
     وقد حمل مشروع الحداثة وعودًا واسعة بالتَّقدُّم والعقلنة والتَّحرُّر والرَّخاء، وأثمر منجزات كبيرة في العلم والتِّقنية والتَّنظيم؛ وفي الوقت نفسه كشفت التَّجربة الحديثة عن أزمات عميقة في الحرب والاستعمار والهيمنة، والتَّفاوت والاستلاب واضطراب العلاقة بين القدرة التِّقنيَّة والغاية الأخلاقيَّة. وأسهمت هذه التَّوتُّرات في نشوء مراجعات داخليَّة واسعة للحداثة نفسها، ثم في ظهور اتِّجاهات ما بعد الحداثة التي وجَّهت نقدًا لمقولات العقل الكلِّي، والسَّرديَّات الكبرى، ومركزيَّة الذَّات والمعنى الثَّابت. ومع ذلك ظلَّ تفسير هذه المرحلة محل اختلاف؛ فبينما تحدَّثت اتِّجاهات عن تجاوز الحداثة، رأى غيدنز أن المجتمعات الحديثة دخلت طورًا تتكثَّف فيه نتائج الحداثة وتتجذَّر، لا عالمًا خرج منها تمامًا، كما دافع هابرماس عن إمكان استكمال مشروعها عبر مراجعة اختلالاته بدل إعلان نهايته.[6] وهذا الخلاف نفسه يكشف أن الحداثة ونقدها وما بعد الحداثة فضاءات فكريَّة متعدِّدة تحتاج إلى تحليل مفاهيمها كلٌّ في سياقه.
     وهذا الخلاف نفسه يكشف أن الحداثة ونقدها وما بعد الحداثة، فضاءات فكريَّة متعدِّدة تحتاج إلى تحليل مفاهيمها كلٌّ في سياقه.
     ومن هنا تتحدَّد القضيَّة المركزيَّة** للدِّراسة**: كيف تستفيد الأمَّة من منجزات العصر، وتشارك في صناعة التَّقدُّم، وتفعِّل أسباب القوَّة العلميَّة والتِّقنيَّة والمؤسسيَّة، مع حفظ أصولها العقديَّة وبنيتها القيميَّة ورسالتها الحضاريَّة؟ وتقتضي الإجابة قراءةً تحليليَّة تفكِّك المفاهيم قبل محاكمتها، وتقرأ الحداثة في تعدُّد تياراتها وسياقاتها، وتكشف مرتكزاتها وطرائق انتقالها إلى المجال العربي والإسلامي، ثم تختبر تطبيقاتها في قراءة التُّراث والنُّصوص الإسلاميَّة في ضوء الوحي ومقاصد الشَّريعة وأصول الاستدلال.[7]
     وعلى هذا الأساس يبدأ المسار بضبط مفهوم الحداثة والمصطلحات المتَّصلة بها، وبيان نشأتها وجذورها الفلسفيَّة وتنوُّع مساراتها الغربيَّة، ثم ينتقل إلى تتبُّع تَشكُّلها في البيئة العربيَّة والإسلاميَّة، وتحليل أبرز مرتكزاتها المعرفيَّة والمنهجيَّة وتطبيقاتها في قراءة التُّراث الإسلامي، مع الاستعانة بنموذج تطبيقي يكشف طريقة اشتغال بعض هذه المناهج في مشروع حداثي عربي. ويعقب ذلك تحليل آثارها وتقويم أسسها في ضوء المرجعيَّة الإسلاميَّة، مع إبراز الفارق بين التَّحديث الحضاري المطلوب وبين التَّبنِّي المرجعي للمقولات الفلسفيَّة المناقضة للوحي.
     وتقوم هذه القراءة على الإنصاف في العرض، والدِّقَّة في تحرير المصطلح، وردِّ الأفكار إلى مصادرها وسياقاتها، وتمييز المشترك من المختلف داخل التَّيارات الحداثيَّة، ثم تحليل المقدِّمات ومناقشة النَّتائج. وبهذا يبتعد النَّقد عن التَّعميم المقابل، ويتَّجه إلى مساءلة كل دعوى بقدر دليلها ومجالها، وإلى بناء موقف يجمع بين قوَّة البرهان وعدالة الحكم؛ فالمقصود كشف مواضع الاختلال حيث تقوم حجَّتها، والإفادة من المنجز حيث تظهر قيمته، وحفظ المرجعيَّة في المواضع التي تتصل بحقيقة الإنسان والوحي والقيم وغاية العمران.
الفكر الحداثي: المفهوم والنَّشأة والجذور الفلسفيَّة
     تتطلَّب الحداثة قدرًا من التَّحرير يتناسب مع اتِّساع دلالتها؛ فقد غادرت منذ زمن حدود الدَّلالة الزَّمنيَّة التي تقابل القديم بالجديد، وأصبحت اسمًا لتحوُّلات مسَّت تصوُّر الإنسان لذاته، ومصدر معرفته، وصلته بالتَّاريخ والسُّلطة والدِّين. ومن هنا يكتسب التَّمييز بين المصطلحات المتداولة في هذا المجال قيمةً منهجيَّة؛ إذ يحمل كلُّ مصطلح منها تاريخًا خاصًّا، ومجالًا دلاليًّا، وأدواتٍ ونتائج لا تستوعبها عبارة «الفكر الحداثي» إذا استُعملت استعمالًا مطلقًا.[8]
     فالحداثة تشير، في أوسع دوائرها، إلى تحوُّل حضاريٍّ طال أنماط المعرفة والاجتماع والسِّياسة والمؤسَّسات؛ أمَّا الفكر الحداثي فيحيل إلى مشروعات فكريَّة استثمرت بعض المقولات التي أفرزتها تلك التَّحوُّلات في إعادة تصوُّر الإنسان والتَّاريخ والدِّين والتُّراث. وتبقى الفلسفة الحديثة فضاءً أرحب تتجاور داخله العقلانيَّة والتَّجريبيَّة والمثاليَّة والنَّقديَّة وسواها، لكلٍّ منها سؤالها ومنهجها وموقفها من المعرفة. أمَّا التَّحديث فيتصل أساسًا بتطوير العلوم والوسائل والمؤسَّسات وأدوات الإدارة والعمران. ويمنح هذا الفصل كلَّ مفهوم حدوده، ويحول دون نقل خصائص أحدها إلى الآخر من غير برهان.[9]
     وفي قلب هذه الخريطة تبرز مركزيَّة العقل بوصفها تحوُّلًا في موقع العقل داخل البناء المعرفي؛ إذ اتَّسعت وظيفته من الفهم والاستدلال إلى المشاركة في تأسيس المعايير التي تُقاس بها الحقيقة والقيمة. وتتصل بها الأَنسنة من جهة جعل الإنسان وكرامته وطاقاته وفاعليَّته محورًا للنَّظر، مع تعدُّد صورها بين أَنسنةٍ احتفظت بأفق ديني وأخرى اتَّجهت إلى تأسيس الإنسان داخل أفق دنيوي مستقل. أمَّا التَّاريخيَّة فتمنح السِّياق الزَّمني والاجتماعي وزنًا حاسمًا في فهم الأفكار والنُّصوص، وتتفاوت مدارسها في حدود هذا الوزن: من اعتبار التَّاريخ عنصرًا كاشفًا عن الدَّلالة إلى جعله إطارًا منشئًا لها.
     وتتحرَّك الهِرمِنْيُوطِيقَا[10] في حقل آخر؛ إذ تنصرف إلى شروط الفهم وعلاقة النَّص بالقارئ وأفق التَّأويل. وقد وسَّع هانس-غيورغ غادامير (Hans-Georg Gadamer) مفهوم الفهم حتى غدا حدثًا تاريخيًّا تتفاعل فيه آفاق المفسِّر مع ما يتلقَّاه. أمَّا البنيويَّة[11] فانتقلت بالاهتمام من العناصر المفردة إلى شبكة العلاقات التي تمنحها وظائفها وقيمتها داخل النِّظام، مستفيدةً من التحوُّل اللغوي الذي أسَّسه فرديناند دي سوسير(Ferdinand de Saussure). وجاءت التَّفكيكيَّة[12] عند جاك دريدا (Jacques Derrida) لتتتبَّع البنى الخفيَّة التي تتحكَّم في إنتاج المعنى، وتفحص الثُّنائيَّات التي تستقرُّ داخل الخطاب، وتمنح أحد طرفيها امتيازًا على الآخر.[13]
     ويكشف هذا التَّنوُّع عن حقيقة جوهريَّة: الحداثة الغربيَّة فضاءٌ من السِّجالات بقدر ما هي فضاء من التَّحوُّلات. فقد نشأت داخلها ثقةٌ واسعة بالعقل والتَّقدُّم، ثم أنجبت من داخلها نقدًا لهذه الثِّقة، ومراجعاتٍ لمفهوم الذَّات والحقيقة والمعنى والتَّاريخ. ولهذا يصعب ردُّها إلى فلسفة واحدة أو مسار مستقيم يبدأ بالعقلانيَّة وينتهي بالتَّفكيك؛ فبين هذه المحطَّات اختلافات عميقة في الأسئلة والمناهج والغايات، حتى إن بعض تيارات القرن العشرين اتَّخذ من نقد بعض مسلَّمات الحداثة نفسها نقطةَ انطلاقه.
     وحين دخلت هذه المفاهيم المجال العربي والإسلامي، انتقلت من بيئةٍ أنشأتها صراعاتها وأسئلتها الخاصَّة إلى بيئةٍ تحمل ميراثًا دينيًّا وحضاريًّا مختلفًا. وهنا لم يَعُد النَّقل مجرَّد انتقال ألفاظ أو أدوات؛ بل أصبح عمليَّة إعادة توظيف للمفهوم داخل أسئلة النَّهضة والتُّراث والوحي والسُّلطة المعرفيَّة. ولهذا تباينت المشروعات العربيَّة تباينًا واسعًا: منها ما أفاد من أدوات التَّحليل الحديثة مع إبقاء أصول المرجعيَّة الإسلاميَّة حاكمة، ومنها ما جعل بعض المناهج الحديثة مدخلًا لإعادة تعريف النَّص ذاته، ومصدر سلطته، وصلته بالتَّاريخ.[14]
     ويكشف مشروع محمد أركون عن هذا الوجه الأخير بوضوح؛ فقد سعى إلى نقل دراسة القرآن والخطاب الإسلامي، من إطار التَّفسير الموروث إلى فضاءٍ أوسع يستفيد من الألسنيَّات والسِّيميائيَّات والأَنْثْرُوبُولُوجيا والتَّاريخ ونقد الخطاب. وتكمن خصوصية نموذجه في أن انتقال المنهج عنده يصحبه انتقال في زاوية النَّظر إلى النَّص؛ فالأداة الحديثة تعمل داخل تصوُّر معيَّن للوحي والتَّاريخ والسُّلطة المعرفيَّة، ومن ثمَّ تتجاوز آثارها حدود المصطلح إلى طبيعة القراءة ونتائجها. ومن هذه النُّقطة تحديدًا يصبح نقد المنهج فحصًا لمقدِّماته قبل أن يكون اعتراضًا على أدواته، وموازنةً بين ما يضيفه إلى تحليل الخطاب وما يُحدثه من تحوُّل في موقع المرجعيَّة.[15]
     وهكذا تتَّضح الخريطة قبل الانتقال إلى تقويم مرتكزاتها: حداثةٌ بوصفها تحوُّلًا حضاريًّا واسعًا، وفكر حداثي بوصفه مشروعاتٍ متعدِّدة، وفلسفات حديثة متباينة في مصادرها ونتائجها، وتحديثٌ يتصل بالعمران والعلم والمؤسَّسات، ثم مناهج ومفاهيم ـ كالتَّاريخيَّة والأَنسنة والهِرمِنْيُوطِيقَا والبنيويَّة والتَّفكيكيَّة ـ لكلٍّ منها حقلها ومقدِّماتها وحدودها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]– Anthony Giddens, The Consequences of Modernity (Stanford, CA: Stanford University Press, 1990),
وفي السِّياق العربي يُنظر: طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلاميَّة (الدَّار البيضاء: المركز الثَّقافي العربي، ط1، 2005)، ص28–29.
[2]– Immanuel Kant, “An Answer to the Question: What Is Enlightenment?” in Practical Philosophy, ed. and trans. Mary J. Gregor (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), 17.
[3]Jürgen Habermas, The Philosophical Discourse of Modernity: Twelve Lectures, trans. Frederick G. Lawrence (Cambridge, MA: MIT Press, 1987), 1–22.
[4]– مصباحي علي، «الفكر الحداثي في السَّاحة النَّقديَّة العربيَّة المعاصرة بين القبول والرَّفض»، مجلة قرطاس، مج10، ع2 (يوليو 2018)، ص97-98.
[5]– طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلاميَّة، ص28–29؛ ومحمد سبيلا، الحداثة والحداثة العربيَّة (الدَّار البيضاء: المركز الثَّقافي العربي، 1998)، ص11-17.
[6]Anthony Giddens, The Consequences of Modernity, 45–53; see also, from a different philosophical perspective: Jürgen Habermas, The Philosophical Discourse of Modernity: Twelve Lectures,18.
[7]نور سهيل مهدي، «الحداثة وموقف الفكر الإسلامي منها»، مجلة الجامعة العراقيَّة، مج29، ع49، ج2 (31 يناير 2021)، ص6.
[8]– Anthony Giddens, The Consequences of Modernity (Stanford, CA: Stanford University Press, 1990), 1؛ طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلاميَّة، ص28–29.
[9]– طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلاميَّة، ص18، 25–29؛ وانظر في بيان خصوصيَّة الحداثة العربيَّة وتمييزها عن أصلها الغربي: محمد سبيلا، الحداثة والحداثة العربيَّة، ص11-19.
[10]– الهِرمِنْيُوطِيقَا: حقلٌ معرفيٌّ يُعنى بفهم النُّصوص وتأويلها، ويبحث في أثر اللُّغة والسِّياق وأفق القارئ في بناء الدَّلالة. وتبرز أهميَّتها في تحليل مسار الفهم، والكشف عن العوامل التي تُسهم في توجيه القراءة وتشكيل المعنى.(Hans-Georg Gadamer, Truth and Method, 302–306; Richard E. Palmer, Hermeneutics: Interpretation Theory in Schleiermacher, Dilthey, Heidegger, and Gadamer (Evanston, IL: Northwestern University Press, 1969), 33–36).
[11]– البنيويَّة: منهجٌ تحليليٌّ يدرس الظَّواهر من خلال البُنى والعلاقات التي تنتظم عناصرها داخل نسقٍ متكامل، ويجعل وظيفة العنصر وقيمته مرتبطةً بموقعه وصلاته داخل ذلك النِّظام. وتبرز أهميَّتها في الكشف عن القواعد العميقة التي تنظِّم اللغة والخطاب وتمنح وحداتهما دلالتها(Ferdinand de Saussure, Course in General Linguistics, 15, 120).
[12]– التَّفكيكيَّة: اتِّجاهٌ نقديٌّ يفحص البنية الداخليَّة للخطاب، ويتتبَّع ما تقوم عليه من ثنائيَّات وافتراضات ومسارات دلاليَّة متشابكة، مع العناية بما يكشفه النَّص من توتُّر بين ظاهر المعنى وبنيته العميقة. وتُسهم في إبراز تعدُّد مسارات القراءة وآليَّات تشكُّل الدَّلالة داخل الخطاب.(Jacques Derrida, Of Grammatology, 158–159).
[13]Hans-Georg Gadamer, Truth and Method, 2nd rev. ed., trans. Joel Weinsheimer and Donald G. Marshall (London: Continuum, 2004), 302–306; Ferdinand de Saussure, Course in General Linguistics, ed. Charles Bally and Albert Sechehaye, trans. Wade Baskin (New York: Philosophical Library, 1959), 15, 120; Jacques Derrida, Of Grammatology, trans. Gayatri Chakravorty Spivak, corrected ed. (Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 1997), 158–159.
[14]مصباحي علي، «الفكر الحداثي في السَّاحة النَّقديَّة العربيَّة المعاصرة بين القبول والرَّفض»، ص99-101؛ محمد بن حجر حسن القرني، موقف الفكر الحداثي من أصول الاستدلال في الإسلام: دراسة تحليليَّة نقديَّة (رسالة دكتوراه، مكَّة المكرَّمة: جامعة أم القرى، كليَّة الدَّعوة وأصول الدِّين، 1429–1430هـ)، ص116-123.
[15]مصباحي علي، «الفكر الحداثي في السَّاحة النَّقديَّة العربيَّة المعاصرة بين القبول والرَّفض»، ص101؛ محمد بن حجر حسن القرني، موقف الفكر الحداثي من أصول الاستدلال في الإسلام: دراسة تحليليَّة نقديَّة، ص116-123.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى