مرتكزات الفكر الحداثي وتطبيقاته في قراءة التُّراث الإسلامي:
دراسةٌ تحليليَّة نقديَّة في ضوء المرجعيَّة الإسلاميَّة (5)

بقلم: د. زُبير سُلطان رَبَّاني
كاتب في الفكر وقضايا الإنسان والهُويَّة والتَّحوُّلات الحضاريَّة، ورئيس منبر أعلام الأمة (UST).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة الثالثة (3/5)
أثر الفكر الحداثي في المجتمع الإسلامي
تغادر الأفكار الكبرى حيِّز الكتب والمنابر المتخصِّصة كلَّما اتَّسعت دوائر تداولها؛ فتتحوَّل شيئًا فشيئًا إلى مفرداتٍ في الوعي العام، وإلى معايير تُقرأ بها القضايا، وتتشكَّل من خلالها المواقف. ومن هذا الباب امتدَّ أثر بعض الاتِّجاهات الحداثيَّة في البيئة الإسلاميَّة من المجال الأكاديمي والنَّقدي إلى التَّعليم والإعلام والثَّقافة والخطاب الاجتماعي، فأصبحت قضايا المرجعيَّة والهُويَّة والحريَّة والفرد والمجتمع والتُّراث محلَّ إعادة نظر وصياغة. ويتفاوت مقدار هذا الأثر باختلاف البيئات والتيَّارات؛ ولذلك يبدو الحديث عن آثار متعدِّدة أدقَّ في تصوير الحضور الحداثي وتجلِّياته.[1]
ويظهر أحد أعمق هذه الآثار في ترتيب المرجعيَّة؛ إذ منحت بعض الخطابات المعاصرة الخبرة الإنسانيَّة المتغيِّرة موقعًا معياريًّا في تقويم النُّصوص والأحكام، وربطت حُجِّيَّة بعض الدَّلالات بظروف تشكُّلها التَّاريخي والاجتماعي. وعند هذه النُّقطة يرتقي الخلاف من دائرة تنوُّع الاجتهاد إلى سؤالٍ يتَّصل بأصل السُّلطة المعرفيَّة: أيُّ مرجعٍ يملك حقَّ الحكم والتَّقويم؟ ويقيم التَّصوُّر الإسلامي الميزان على أصلٍ بيِّن: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40]؛ فتُستثمر الخبرة الإنسانيَّة في الفهم والتَّنزيل، ويظلُّ الوحي مصدر الهداية والمرجعيَّة العليا، وتعمل أدوات الاجتهاد في خدمته وفهم دلالاته.[2]
ويمتدُّ الأثر إلى الهُويَّة حين تُصاغ بوصفها بناءً تاريخيًّا مفتوحًا، وتتشكَّل عناصرها تبعًا لتحوُّلات الواقع والثَّقافة. أمَّا الرؤية الإسلاميَّة فتقيم الهُويَّة على توازنٍ يجمع الثَّبات بالحركة؛ فتثبت أصول الاعتقاد والقيم الكبرى، وتتَّسع الوسائل والصِّيغ الحضاريَّة والاجتماعيَّة لمقتضيات التَّجدُّد. ومن هنا يرتبط الانتماء للأمَّة بوحدة المرجعيَّة قبل وحدة العِرق أو الجغرافيا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]. وبهذا يصبح التَّجديد حركةً من داخل الذَّات الحضاريَّة؛ تستجيب للمتغيِّر، وتحفظ الأصل الذي يمنحها معناها واتِّجاهها.[3]
ويتجلَّى أثرٌ آخر في التَّربية وبناء الوعي؛ فالمناهج التَّعليميَّة تُنشئ في المتعلِّم تصوُّرًا عن المعرفة ومصادرها وحدودها، إلى جانب ما تمنحه من معلومات ومهارات. وحين تُقدَّم مفاهيم من قبيل تاريخيَّة النَّص، واستقلال العقل، ونسبيَّة الحقيقة بمعزل عن تحرير مجالاتها ومقدِّماتها، تتحوَّل أحيانًا من قضايا فلسفيَّة قابلة للفحص، إلى مسلَّمات تضبط طريقة النَّظر إلى الدِّين والأخلاق والوحي. ومن هنا تتأكَّد الحاجة إلى تربيةٍ تجمع بين قوَّة العقل ووضوح المرجع؛ تُنمِّي السُّؤال والنَّقد والبرهان، وتربط ذلك كلَّه بأصول الاعتقاد ومناهج الاستدلال ومقاصد الشَّريعة، حتى ينشأ العقل قادرًا على المحاورة بثبات، وعلى الإفادة بوعي، وعلى التَّمييز بين الانفتاح المعرفي والتَّبعيَّة الفكريَّة.[4]
وفي المجال القيمي اتَّسع النِّقاش حول الحريَّة والفرد والسُّلطة والأسرة والمسؤوليَّة الأخلاقيَّة، وتأثَّرت بعض صِيَغه بمفاهيم نشأت داخل الفلسفة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة الغربيَّة الحديثة. وقد أسهم جانب من هذا الحوار في إحياء أسئلة مهمَّة حول الكرامة والعدل ورفع الاستبداد وصيانة الحقوق؛ وهي معانٍ أصيلة في الشَّريعة. ويظهر التَّباين عند تحديد الأساس الذي تُردُّ إليه هذه القيم والحدود التي تضبطها؛ فالحريَّة في التَّصوُّر الإسلامي قيمةٌ مرتبطة بالتَّكليف والمسؤوليَّة، وكرامة الإنسان متَّصلة بعبوديَّته لله واستخلافه في الأرض، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. وبهذا تتكامل الحقوق والواجبات، ويتحقَّق حضور الفرد داخل منظومة الحقِّ والخير والمسؤوليَّة.[5]
ويقتضي الإنصاف التَّفريق بين أثر الحداثة الفلسفيَّة وثمرات التَّحديث الحضاري. فقد أفادت المجتمعات الإسلاميَّة من تطوُّر العلوم والطِّب والتِّقنية والإدارة والاتِّصال والمؤسَّسات، وهذه الخبرات تدخل في عمارة الأرض واكتساب القوَّة وتحسين حياة الإنسان. ويبدأ موضع الإشكال حين تُربط إمكانيَّة امتلاك هذه المنجزات بتبنِّي الفلسفة التي صاحبت بعض مراحل تشكُّلها، فيغدو التَّقدُّم العلمي مقرونًا بإعادة بناء الاعتقاد أو الأخلاق أو مفهوم الإنسان على صورة حضاريَّة مخصوصة. والمنجز التِّقني يثبت كفاءة وسيلته في مجالها، بينما تنتمي قضايا حقيقة الإنسان وغاية وجوده ومعايير الخير والشَّر إلى مجال معرفي أوسع، تتكامل فيه دلالة الوحي مع النَّظر العقلي السَّليم.[6]
ومن ثمَّ يُقاس أثر الفكر الحداثي في المجتمع الإسلامي بما يُحدثه من إعادة ترتيبٍ للعلاقة بين الوحي والعقل، والثَّابت والمتغيِّر، والهُويَّة والانفتاح، والحريَّة والمسؤوليَّة، والمنجز الحضاري والمرجعيَّة. وعند هذا المستوى يصبح التَّقويم قائمًا على التَّمييز الدَّقيق؛ فما يخدم العلم والعمران ويُعين على تحقيق المصالح يُستثمر في مجاله، وما يحمل تصوُّرًا ينقل السُّلطة المرجعيَّة إلى الإنسان أو التَّاريخ أو الأداة الفلسفيَّة يُعرض على ميزان الشَّرع والبرهان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]– لكحل فيصل، مشروع الحداثة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر: دراسة تحليليَّة نقديَّة (رسالة ماجستير، جامعة محمد خيضر–بسكرة، كليَّة العلوم الإنسانيَّة والاجتماعيَّة، 2014–2015)، ص337؛ عبد الحليم مهور باشة، «الحداثة الغربيَّة وأنماط الوعي بها في الفكر العربي المعاصر»، ص112-114.
[2] محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، تحقيق علي بن محمد الدخيل الله، (الرياض: دار العاصمة، ط1، 1408هـ)،ج3، ص1173؛ محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ج2، ص241؛ شرقيَّة فضيلة، وبن أحمد حليمة، إشكاليَّة الحداثة في الفكر العربي المعاصر: محمد أركون وطه عبد الرحمن نموذجًا (مذكِّرة ماستر في الفلسفة العامَّة وتعليميَّتها، إشراف محمد بن جديَّة، مستغانم: جامعة عبد الحميد بن باديس، كليَّة العلوم الاجتماعيَّة، 2016–2017)، ص68؛ محمد بن حجر حسن القرني، موقف الفكر الحداثي من أصول الاستدلال في الإسلام: دراسة تحليليَّة نقديَّة، ص221.
ويكشف هذا التَّوازن عن مفهومٍ إسلامي للتَّجديد يقوم على ثبات الأصول وحركة الوسائل؛ فالهُويَّة الحيَّة تحفظ مركزها المرجعي، وتُجدِّد طرائق حضورها في العمران بحسب تغيُّر الأحوال والمصالح. وقد قرَّر علماء الأصول والمقاصد هذا المعنى من خلال مراعاة ثبات الكلِّيَّات، وتغيُّر الوسائل والأحوال، واعتبار المصالح في تنزيل الأحكام على الواقع؛ انظر: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج1، ص41؛ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، الموافقات، ج1، ص505؛ أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق، (د.م.: عالم الكتب، د.ط.، د.ت.)، ج4، ص168؛ محمد الطاهر بن عاشور، جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور، جمع وقراءة وتوثيق محمد الطاهر الميساوي، (الأردن: دار النفائس للنشر والتوزيع، ط1، 1436هـ/2015م)،ج1، ص130.
[4]– ومن هنا تتَّضح قيمة التَّربية العلميَّة التي تجمع بين قوَّة البرهان وسلامة المرجع؛ لأنَّ بناء العقل يبدأ بتعليمه كيف يطلب الدليل، وكيف يميِّز بين المعرفة النافعة والمقدِّمات التي تُوجِّهها. وقد أصَّل علماء الأصول والعقيدة منذ وقتٍ مبكِّر لتهذيب النَّظر، وضبط الاستدلال، وردِّ الأحكام إلى البرهان المعتبر، مع بيان موقع العقل وحدوده داخل البناء المعرفي؛ انظر: أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، الاجتهاد من كتاب التلخيص، تحقيق عبد الحميد أبو زنيد (دمشق–بيروت: دار القلم ودارة العلوم الثقافيَّة، ط1، 1408هـ)، ص103؛ أبو عبد الله فخر الدِّين محمد بن عمر بن الحسن الرازي، معالم أصول الدِّين، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد (لبنان: دار الكتاب العربي، د.ط، د.ت)، ص22؛ تقي الدِّين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم (المملكة العربيَّة السعوديَّة: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة، ط2، 1411هـ/1991م)، ج9، ص49؛ شمس الدين أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي، لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، (دمشق: مؤسسة الخافقين ومكتبتها، ط2، 1402هـ/1982م)، ج1، ص275.
[5] في تأصيل مكانة الإنسان وتكريمه ومسؤوليته، انظر: أبو عبد الله فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن الرازي، التفسير الكبير، ج23، ص275؛ تقي الدين ابن تيمية، مختصر منهاج السنة، اختصار عبد الله بن محمد الغنيمان (صنعاء: دار الصديق للنشر والتوزيع، ط2، 1426هـ/2005م)، ص47؛ مازن بن محمد بن عيسى، الإيمان باليوم الآخر، وأثره على الفرد والمجتمع، رسالة ماجستير في العقيدة، إشراف صلاح إبراهيم عيسى (أم درمان: جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، 1433هـ/2012م)، ص572؛ وللاستزادة في مناقشة التصورات الحداثيَّة لمركزيَّة الإنسان والمرجعيَّة، انظر: شرقيَّة فضيلة، وبن أحمد حليمة، إشكاليَّة الحداثة في الفكر العربي المعاصر: محمد أركون وطه عبد الرحمن نموذجًا، ص68؛ عبد الحليم مهور باشة، «الحداثة الغربيَّة وأنماط الوعي بها في الفكر العربي المعاصر»، ص112.
[6]تأصيل الرؤية الإسلاميَّة للإنسان والمعرفة والعمران، انظر: عبد الرحمن بن خلدون، العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ضبط خليل شحادة، مراجعة سهيل زكار، (بيروت: دار الفكر، ط1، 1401هـ/1981م)، ج1، ص272؛ أبو أحمد محمد أمان بن علي جامي، الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه، (المدينة المنورة: المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية، ط1، 1408هـ)، ص178؛ محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ط.، د.ت.)، ج2، ص48، محمد الطاهر ابن عاشور، تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة، (تونس–القاهرة: دار سحنون للنشر والتوزيع ودار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ط2، 1429هـ/2008م)، ص63؛ محمد السيد الجليند، الوحي والإنسان: قراءة معرفية، (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، د.ط.، د.ت.)، ص205.
زر الذهاب إلى الأعلى