الجدل السردي والسياسي في الرواية العربية المعاصرة

قراءة نقدية في تحولات الشكل وصناعة الوعي

بقلم: د. زُبير سُلطان رَبَّاني
كاتب في الفكر وقضايا الإنسان والهوية والتحولات الحضارية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقدمة

من الحكاية الجمالية إلى مساءلة السلطة
تتحرك النماذج الروائية المدروسة في فضاء تتداخل فيه الوظيفة الجمالية بالوظيفة المعرفية؛ إذ غدت الرواية بناءً تخييليًا ينتج المتعة الفنية، وخطابًا ثقافيًا[1] يستكشف تحولات الإنسان العربي، ويفكك أنساق السلطة، ويعيد تشكيل العلاقة بين الذاكرة والتاريخ، وبين الهوية وتحولات الواقع[2]. ومن هذا الأفق اكتسب الجدل السردي والسياسي أهميته النقدية؛ لأنه يكشف أثر التحولات السياسية والاجتماعية في صناعة الشكل الروائي، ويبيّن كيف أصبح السرد أداةً لإنتاج الوعي، وتأويل التجربة التاريخية، وصوغ رؤى جديدة للذات والمجتمع[3].
وقد أفرزت التحولات التي شهدها العالم العربي منذ النصف الثاني من القرن العشرين واقعًا بالغ التعقيد، تشابكت فيه أسئلة الدولة والسلطة، والهزيمة والمنفى، والمدينة والهوية، والحرية والعنف. وأمام هذا الواقع اتجهت اتجاهات روائية متعددة إلى تجاوز الحكاية الخطية، فاستثمرت تعدد الأصوات، وتفكيك التسلسل الزمني[4]، وتوظيف الوثيقة[5]، والرمز[6]، والفانتازيا[7]، واستدعاء الذاكرة[8]. وبذلك امتد التحول من موضوع الرواية إلى طرائق السرد، وزوايا الرؤية، وبناء الشخصيات، وآليات توزيع المعرفة داخل النص؛ فأصبحت البنية السردية جزءًا من إنتاج الدلالة السياسية، ووسيلةً لكشف ما تستره الخطابات المباشرة[9].
ويبرز هذا التحول في «الزيني بركات» لجمال الغيطاني، حيث تستعاد مرحلة تاريخية من العصر المملوكي لتتحول إلى مرآة نقدية لآليات المراقبة وصناعة الخوف. وتتكون الرواية من شهادات وتقارير ورؤى متعارضة، فلا تصل الحقيقة إلى القارئ من مصدر واحد، بل تتشكل عبر التوتر بين الأصوات ومواقعها المختلفة من السلطة. ويكشف هذا التوزيع السردي للمعرفة أن السيطرة السياسية تبدأ من التحكم في الأخبار، وجمع المعلومات، وتوجيه نظرة المجتمع إلى ذاته. وهكذا تصبح تعددية وجهات النظر[10] تقنيةً تفكك احتكار السلطة للحقيقة، ويغدو القناع التاريخي[11] وسيلةً لقراءة الحاضر من خلال الماضي، مع حفظ المسافة الفنية التي تصون الرواية من المباشرة الوعظية.
وإذا كانت السلطة في «الزيني بركات» تظهر من خلال المراقبة وإدارة المعرفة، فإنها تتجسد في «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف داخل الجسد الإنساني ذاته. فالسجن والتعذيب والعزلة تعيد تشكيل وعي رجب إسماعيل وعلاقته بذاته وأسرته والعالم من حوله، حتى يتحول الجسد إلى سجلٍّ حي لآثار القمع السياسي. وتعتمد الرواية على تقاطع التجربة الداخلية مع صوت الأم ورسائلها وذاكرتها، فينتقل أثر الاستبداد من المعتقل إلى الأسرة والمجتمع. ومن خلال هذا البناء يتجاوز السجن حدوده المكانية ليصبح نظامًا يطبع اللغة والذاكرة والعلاقات بالخوف، فتتحول معاناة الفرد إلى مدخل لفهم البنية الأوسع للقمع.
وتكشف «اللجنة» لصنع الله إبراهيم وجهًا آخر للسلطة، يتمثل في البيروقراطية الحديثة وتحالف المعرفة بالمصلحة والنفوذ. فالبطل يقف أمام هيئة غامضة تمارس هيمنتها عبر التحقيق والتعليمات والأسئلة التي تبدو منضبطة ومحايدة، بينما تقوده تدريجيًا إلى عالم يختلط فيه الاقتصادي بالسياسي والثقافي. وتندمج الوثائق والتقارير والمعلومات داخل السرد، فتمنح الرواية مظهرًا بحثيًا ظاهريًا، ثم تكشف السخرية الكامنة فيها طريقة توظيف المعرفة لتبرير الهيمنة. وبذلك تؤدي الوثيقة وظيفة نقدية مزدوجة؛ فهي تعرض المادة التي تنتجها المؤسسات، وتدفع القارئ في الوقت نفسه إلى مساءلة من جمعها، وكيف رتبها، وأي مصالح تخدمها[12].
وتؤدي السخرية في «اللجنة» دورًا يتجاوز التخفيف أو المفارقة اللغوية؛ إذ تفضح المسافة بين انتظام خطاب المؤسسة وعبثية عالمها، وبين ادعاء الموضوعية وشمول السيطرة. فكلما بدت إجراءات اللجنة أكثر دقة، اتسعت هيمنتها على حياة الفرد وجسده واختياراته. وهنا تنتقل السياسة إلى شكل الرواية ذاته؛ لأن اللغة البيروقراطية تصبح مادةً فنية يعاد تركيبها لكشف ما تضمره من عنف رمزي[13]، ويغدو التهجين بين السرد والوثيقة والتقرير[14] أداةً لتفكيك الخطاب السلطوي من داخله.
أما «ميرامار» لنجيب محفوظ فتجسد مساءلة السلطة والتحول الاجتماعي من خلال تعدد الرواة واختلاف مواقعهم من التجربة السياسية. فالأحداث نفسها تعود عبر أصوات شخصيات تنتمي إلى أجيال وطبقات واتجاهات متباينة، وتكتسب في كل مرة دلالة جديدة تبعًا لذاكرة الراوي ومصلحته ورؤيته إلى الثورة والمجتمع. ولا تقدم الرواية تفسيرًا واحدًا للتحولات الجارية، بل تجعل الحقيقة مجالًا للتنازع والحوار؛ فيشارك القارئ في الموازنة بين الأصوات، ويكتشف أثر الموقع الاجتماعي في إنتاج الرؤية السياسية. وبذلك تصبح البوليفونية[15] مقاومةً سردية لاحتكار الحقيقة، وتتحول الشخصية من أداة حكائية إلى ذات تمتلك منظورها وخبرتها ولغتها الخاصة[16].
ويتخذ الجدل بين السياسي والسردي صورةً مغاربية في «اللاز» للطاهر وطار، حيث تُستعاد الثورة الجزائرية من خلال صراع الشخصيات واختلاف تصوراتها للوطن والتحرر والالتزام. وتفسح الرواية المجال أمام الخطابات الشعبية والدينية والثورية والأيديولوجية كي تتجاور وتتعارض، فتظهر الثورة تجربةً إنسانية مركبة تحمل البطولة والتوتر والاختلاف الداخلي معًا. ويمنع هذا التعدد اختزال التاريخ الوطني في صورة مكتملة، كما يكشف أن السلطة قد تنشأ داخل الخطاب الثوري نفسه حين يحتكر فريق بعينه تعريف الوطنية وتحديد حدود الانتماء. ومن خلال هذا النموذج يتسع المتن المدروس جغرافيًا وفكريًا، ويظهر اختلاف تمثيلات السلطة بين سياقات المشرق والمغرب العربي[17].
وتكشف المقارنة بين هذه النماذج عن تعدد الصور التي اتخذتها السلطة داخل البناء الروائي؛ فهي شبكة للمراقبة وتوزيع المعرفة في «الزيني بركات»، وقوة تنقش آثارها في الجسد والذاكرة في «شرق المتوسط»، ومنظومة بيروقراطية واقتصادية تتخفى خلف الوثيقة في «اللجنة»، ومجالًا لتنازع الرؤى الاجتماعية والسياسية في «ميرامار»، وخطابًا أيديولوجيًا يتشكل داخل تجربة الثورة في «اللاز». وعلى اختلاف هذه الصور، تشترك الروايات في نقل مساءلة السلطة من مستوى الموضوع إلى مستوى التقنية؛ فاختيار الراوي، وتوزيع الأصوات، وحجب المعلومات، وتفكيك الزمن، وتوظيف الوثيقة، كلها قرارات فنية تحدد الكيفية التي تظهر بها الحقيقة داخل النص[18].
ومن هنا تتأسس فرضية الدراسة على أن الجدل السردي والسياسي يتجلى في العلاقة التفاعلية بين بنية السرد وبنية الواقع؛ فقد دفعت التحولات السياسية إلى ابتكار أشكال أكثر تركيبًا لتمثيلها، وأسهمت هذه الأشكال في إعادة بناء وعي القارئ بالسلطة والإنسان والتاريخ. وتستند الدراسة إلى عينة منتقاة من الروايات العربية تمثل مراحل زمنية وبيئات ثقافية وتجارب فنية متنوعة، مع مراعاة الامتداد الجغرافي بين المشرق والمغرب العربي، والتعدد الموضوعي بين الاستبداد والثورة والهزيمة والمنفى والذاكرة والهوية والحرب. وتتوخى قراءة الاتجاهات التي تكشفها هذه العينة في حدود نصوصها وسياقاتها، بما يجعل النتائج ثمرةً للتحليل المقارن للنماذج المختارة، ويهيئ للانتقال إلى دراسة الكيفية التي دخلت بها السياسة في صميم البنية الروائية، وحولت الشكل نفسه إلى منتج للمعنى[19].
تسييس البنية وتحول الشكل الروائي
حين اتسعت الوظيفة النقدية في النماذج الروائية المدروسة، وغدت مساءلة السلطة والتاريخ والواقع جزءًا من رسالتها الثقافية، امتد التحول من الموضوع إلى صميم البنية السردية؛ فأصبح الشكل الروائي[20] مكوّنًا دلاليًا يشارك في إنتاج المعنى، ويجسد رؤية النص إلى العالم، ويوجه فعل القراءة، ويترجم ما يعتمل في المجتمع من تحولات فكرية وثقافية[21]. فالواقع العربي الذي تتداخل فيه الهزائم، وتبدلات السلطة، والتحولات الاجتماعية والثقافية، وأزمات الهوية، وانكسارات الإنسان، يستدعي بناءً سرديًا قادرًا على تمثيل التشظي والتعدد، وربط التجربة الفردية بمساراتها التاريخية والاجتماعية[22]. ومن هنا ارتبط تجديد الشكل الروائي بتغير طرائق إدراك الواقع؛ إذ تحولت التقنية الفنية من وسيلة لتنظيم الحكاية إلى أداة لتفكيك الخطاب المهيمن، وكشف ما يحجبه من علاقات القوة وآليات إنتاج الحقيقة[23].
وكان الزمن الروائي من أبرز المجالات التي ظهر فيها هذا التحول؛ فقد تجاوزت النماذج المدروسة التعاقب الخطي للأحداث، وبنت أزمنة تتداخل فيها الذاكرة مع التاريخ، والخبرة الشخصية مع الوعي الجمعي، والاسترجاع مع استشراف المصائر. ويظهر ذلك في «الزيني بركات» لجمال الغيطاني، حيث يستعاد زمن المماليك من خلال تقارير وشهادات وأصوات متداخلة، فيغدو التاريخ مرآة فنية لأسئلة السلطة والمراقبة في الواقع الحديث. فاضطراب الزمن وتعدد الوثائق يكشفان أن الماضي يعاد بناؤه بحسب موقع الراوي وعلاقته بالسلطة، وأن الحقيقة التاريخية تظل موضع تنازع بين أصوات تمتلك درجات متفاوتة من المعرفة والنفوذ. وتكتسب الاستعارة التاريخية[24] هنا قوتها من وصل زمنين متباعدين، بحيث يقرأ القارئ الحاضر عبر الماضي، ويعيد مساءلة الماضي في ضوء خبرة الحاضر.
ويتخذ الزمن وظيفة مختلفة في خماسية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف؛ إذ يتحول من إطار لحياة الشخصيات إلى سجل لتحول المكان والإنسان تحت ضغط السلطة والثروة والتحديث المتسارع. فالانتقال من المجتمع المحلي إلى المدينة النفطية الجديدة يجري عبر امتداد زمني يكشف انقطاع الذاكرة، واضطراب العلاقات الاجتماعية، وتبدل معنى المكان. وبذلك يصبح الزمن أداة لقياس الأثر السياسي والحضاري للتحول، ويظهر التغير الاجتماعي بوصفه مسارًا يمس بنية الوعي واللغة والعلاقات، لا مجرد تعاقب للأحداث. وتكشف المقارنة بين الروايتين أن الزمن في «الزيني بركات» يعيد تركيب الماضي لكشف آليات السلطة، بينما يرصد في «مدن الملح» ولادة واقع اجتماعي جديد وما يصاحبها من اقتلاع وتحول في منظومة القيم.
وشمل التسييس بنية الأصوات السردية؛ إذ انتقلت روايات عديدة من هيمنة الراوي الواحد إلى تعددية الأصوات والرؤى، فغدت الحقيقة الروائية ثمرة للحوار والتوتر والتعارض بين منظورات مختلفة. ويقدم نجيب محفوظ في «ميرامار» نموذجًا بارزًا لهذه التقنية؛ إذ تُروى الأحداث من خلال أربع شخصيات تتباين مواقعها الاجتماعية وخلفياتها السياسية ونظرتها إلى التحولات التي أعقبت الثورة المصرية. وتعود الوقائع نفسها في كل قسم بصوت جديد، فتتغير دلالتها تبعًا لزاوية الرؤية وذاكرة الراوي ومصلحته وموقعه من التاريخ. وهكذا تزعزع تعددية الأصوات احتكار تفسير الواقع، وتدفع القارئ إلى الموازنة بين الروايات المتنافسة عوض تلقي حكم نهائي جاهز[25]. وتقترب هذه التقنية مما سمّاه ميخائيل باختين[26] البوليفونية؛ أي حضور أصوات ذات استقلال نسبي تتفاعل داخل الرواية من غير ذوبان كامل في صوت المؤلف.
وامتد التحول إلى طبيعة المواد التي تدخل في نسيج الرواية؛ فاستثمرت بعض الأعمال الوثيقة، والتقرير، والخبر الصحفي، والرسالة، والسيرة، والمقتطف التاريخي، لتكشف إسهام الخطابات الرسمية والإعلامية في صناعة الواقع. ويتجلى ذلك بوضوح في «اللجنة» لصنع الله إبراهيم، حيث تتداخل السخرية بالتقرير والوثيقة والأسئلة البيروقراطية، ويخضع البطل لتحقيق متواصل أمام هيئة غامضة تمثل سلطة تتسع حدودها لتشمل الاقتصاد والثقافة والجسد واللغة. وتعمل الوثائق والمعلومات المتراكمة داخل الرواية على تعرية خطاب السلطة والشركات والهيمنة الاستهلاكية؛ فالمادة التوثيقية تعرض المعرفة المنتجة داخل المؤسسات، ثم تكشف طريقة ترتيبها وتوجيهها لخدمة شبكة المصالح[27]. أما السخرية فتفضح التناقض بين اللغة الرسمية المصقولة والواقع الذي تخفيه، وبذلك تغدو الوثيقة السردية موضوعًا للنقد، ويصبح شكل الرواية محاكاة ساخرة للمنطق البيروقراطي الذي يحاصر الفرد.
وفي تجارب أخرى اتخذ تسييس الشكل مسارًا عجائبيًا وفانتازيًا يستوعب واقعًا بلغت غرابته حدًا تضيق معه الواقعية المباشرة عن تمثيله. ففي «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي يتشكل كائن مركب من بقايا ضحايا التفجيرات، ثم يتحول إلى قوة تطالب بالثأر لهم، قبل أن تتداخل في وجوده هوية الضحية بهوية الجاني. ويمنح البناء العجائبي[28] الرواية قدرة على تجسيد الفوضى العراقية، وتداخل المسؤوليات، واستمرار دائرة العنف؛ فالجسد المركب يصبح استعارة لمدينة ممزقة تتنازعها ذاكرات الضحايا وخطابات الانتقام وأجهزة السلطة. والعجائبي هنا يكثف منطق الواقع الداخلي ويجعل تناقضاته مرئية، حتى يغدو الخيال وسيلة لفهم واقع تجاوز حدود المألوف.
ويظهر تشظي الوعي والسارد[29] بصورة أخرى في «حارث المياه» لهدى بركات؛ إذ تتشكل الحكاية من وعي شخصية تعيش في مدينة أنهكتها الحرب، وتتداخل في خطابها الذاكرة والهذيان والخوف والعزلة. فاضطراب السرد يعكس اضطراب الذات والمكان معًا، ويجعل القارئ يختبر انهيار المدينة من داخل وعي فردي فقد مرجعياته الثابتة. وتتحول الأشياء والملابس والأماكن إلى حوامل للذاكرة، بينما يضيق الحد الفاصل بين الواقع والتخيل، فتغدو بنية السرد المنكسرة صورة فنية لانهيار النظام الاجتماعي والسياسي. ومن خلال هذا التماهي بين تشظي السارد وتشظي المدينة، تؤكد الرواية أن الحرب تهدم العمران، وتعيد كذلك تشكيل اللغة والإدراك والهوية.
وقد أعادت هذه التقنيات تعريف العلاقة بين النص وقارئه؛ فالقراءة في هذه النماذج تتجاوز متابعة الحكاية إلى إعادة ترتيب الأزمنة، والموازنة بين الأصوات، وفحص الوثائق، وتأويل الرموز، وربط البنية الفنية بسياقاتها السياسية والثقافية[30]. ففي «ميرامار» يشارك القارئ في تركيب الحقيقة من روايات متعارضة، وفي «الزيني بركات» يميز بين التقارير والشهادات ومواقع أصحابها من السلطة، وفي «اللجنة» يكتشف ما تضمره اللغة البيروقراطية الساخرة، بينما يقرأ الجسد العجائبي في «فرانكشتاين في بغداد» بوصفه تمثيلًا لانقسام المجتمع واستدامة العنف. وهكذا يتحول الشكل الروائي إلى تدريب معرفي على المقارنة والتأويل والشك المنهجي، ويغدو القارئ الضمني[31] شريكًا في استكمال الدلالة التي توزعها الرواية بين الأزمنة والأصوات والوثائق والرموز.
وتدل هذه النماذج، الممتدة من ستينيات القرن العشرين إلى العقود المعاصرة، والمتوزعة بين مصر والعراق ولبنان والجزيرة العربية، على أن تحولات البنية السردية ارتبطت بتحول أعمق في رؤية الرواية إلى التاريخ والسلطة والإنسان. فتعدد الأصوات يفتح الحقيقة على الحوار، وتفكيك الزمن يعيد مساءلة الرواية الرسمية للماضي، والوثيقة تكشف صناعة الخطاب المهيمن، والعجائبي يكثف واقع العنف، وتشظي السارد يجسد انكسار الذات داخل المدينة والحرب. ومن ثم يغدو تسييس البنية تعبيرًا عن دخول السياسة في طريقة تنظيم المعرفة الروائية ذاتها؛ أي في اختيار من يتكلم، وما الذي يُروى، وكيف يرتب الزمن، ومن يملك المعلومة، وأي دور يمنح للقارئ في إنتاج الدلالة[32]. ومن هذا الأفق تمهد تحولات الشكل للانتقال إلى الذاكرة الروائية بوصفها مجالًا لإعادة بناء الهوية، ومقاومة المحو، وصياغة الوعي الثقافي.
الذاكرة البديلة وإعادة بناء الهوية
أفضت التحولات التي أصابت البنية السردية في النماذج الروائية المدروسة إلى انتقال نوعي في علاقتها بالتاريخ؛ فغدا الماضي مادةً حية يعاد اكتشافها وتأويلها في ضوء أسئلة الحاضر، بدل التعامل معه بوصفه سجلًّا مكتملًا للأحداث[33]. ومن هذا الأفق تحولت الذاكرة إلى مكوّن مؤسس للخطاب الروائي؛ تعيد ترتيب الوقائع، وتكشف ما ترسب فيها من جراح ودلالات، وتصل الخبرة الفردية بالتحولات الجمعية. وبذلك يكتسب التاريخ وجهه الإنساني، ويعود إلى الظهور من خلال البيت والجسد والمكان والعلاقات اليومية، فتشارك الرواية في بناء الوعي بالماضي، وتستنطق أثره الممتد في الحاضر.
ويكشف هذا التحول عن تمايزٍ بين التاريخ بوصفه خطابًا تؤسسه المؤسسات والقوى الغالبة، والذاكرة بوصفها خبرةً إنسانية تحفظها الجماعات والأفراد الذين غابت أصواتهم عن السرديات الرسمية[34]. فقد استعادت النماذج المختارة تجارب المهجّرين والضحايا والنساء والمهمشين والمجتمعات المهددة بالمحو، وحولت تفاصيل حياتهم إلى شواهد ثقافية على ما أحدثته الوقائع السياسية في الإنسان [35]. ومن هنا اكتسبت الذاكرة وظيفة معرفية؛ لأنها توسع دائرة الشهادة، وتصل القرار السياسي بآثاره النفسية والاجتماعية، وتجعل الرواية أرشيفًا حيًّا للأسماء والبيوت والروائح والعادات والروابط التي تحفظ للتجربة معناها الإنساني. ويمكن تفسير هذا المسار في ضوء مفهوم «الذاكرة البديلة»[36]؛ أي الذاكرة التي تستكمل صورة الماضي باستعادة الخبرات التي همشتها السرديات المهيمنة[37].
وتتجلى الذاكرة الصدامية في «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني؛ إذ تتحول عودة سعيد وصفية إلى منزلهما بعد سنوات من النزوح إلى مواجهة أخلاقية مع آثار النكبة ومعاني الوطن والمسؤولية والانتماء[38]. فالبيت يتجاوز وظيفته المكانية ليصبح موضعًا لتنازع الذاكرة والهوية، كما يتحول الابن المفقود إلى سؤال يكشف أن الهوية تتكون عبر التربية والاختيار والفعل، إلى جانب رابطة الأصل. وتقوم البنية السردية على استعادة الماضي خلال حركة العودة، فيتداخل الطريق الخارجي إلى حيفا بالطريق الداخلي إلى لحظة الفقد، وتغدو الذاكرة قوة تدفع الشخصيتين إلى مراجعة تصوراتهما عن الوطن والغياب والواجب[39]. وهكذا تستعيد الرواية الحدث الفلسطيني من داخله الإنساني، وتحول الذاكرة من حنين ساكن إلى مساءلة أخلاقية للحاضر، ومن استرجاع للفقد إلى محاسبة للذات على علاقتها بالتاريخ.
وتتخذ الذاكرة الفلسطينية بناءً أكثر اتساعًا وتعددًا في «باب الشمس» لإلياس خوري؛ إذ تتوالد الحكايات من فعل السرد الذي يمارسه خليل أمام يونس الراقد في غيبوبته، فتتشابك الذاكرة الفردية بالذاكرة الجماعية[40]، وتتحول القصص الشفوية إلى أرشيف إنساني للقرى والتهجير والمخيم والمقاومة والحياة اليومية. وتقدم الرواية ذاكرة متعددة الطبقات، تفسح المجال للضعف والخوف والحب والتردد إلى جانب البطولة والصمود، فتحفظ التجربة الفلسطينية من الاختزال في خطاب سياسي مغلق، وتستعيد الإنسان في تنوعه وتعقيده. وبذلك تؤدي الحكاية الشفوية وظيفة تتجاوز حفظ الوقائع؛ إذ تعيد توزيع سلطة السرد بين أصوات عديدة، وتمنح الأسماء والأماكن حضورها في مواجهة الغياب. وتقترب هذه البنية من مفهوم الحوارية[41]؛ لأن المعنى يتشكل من تفاعل الخبرات والأصوات وتوترها، لا من خضوعها لرؤية أحادية مكتملة.
وفي «زمن الخيول البيضاء» لإبراهيم نصر الله تتصل الذاكرة بتاريخ الأرض الفلسطينية قبل النكبة وخلال التحولات التي مهدت لها، فتغدو القرية والعائلة والحصان والعادات اليومية عناصر في بناء ذاكرة مكانية ممتدة. ويمنح السرد التفاصيل الصغيرة قيمة تاريخية؛ لأن ضياع الأرض يسبقه تحول طويل في علاقات الناس بالسلطة والملكية والاستعمار والمكان. ومن هنا تستعيد الرواية الماضي لتفسير الكيفية التي يتشكل بها الاقتلاع عبر تراكمات سياسية واجتماعية، ولإبراز أن الهوية الفلسطينية تنمو من صلة الإنسان بالأرض والعمل واللغة والميراث الجمعي. وإذا كانت «عائد إلى حيفا» تبني ذاكرتها حول لحظة المواجهة والعودة، و«باب الشمس» يصوغها من شبكة حكايات شفوية متشعبة، فإن «زمن الخيول البيضاء» يمدها عبر زمن تاريخي طويل، ويجعل المكان محورًا لاستمرارها وتوارثها.
وتظهر الذاكرة الثقافية في سياق مختلف في «ثلاثية غرناطة» لرضوى عاشور، حيث يروى سقوط الأندلس وما أعقبه من محاولات محو اللغة والدين والعادات من خلال تعاقب أجيال أسرة أندلسية. وتغدو الكتب والأسماء واللغة العربية والممارسات اليومية وسائل لحفظ الهوية في مواجهة سياسات الإقصاء والاندماج القسري. وتمنح الرواية للتاريخ وجهه المعيش؛ فبدل الاقتصار على أخبار الملوك والمعاهدات، تتابع أثر التحول السياسي في الزواج والتعليم والملبس والبيت والذاكرة العائلية. ومن خلال امتداد الحكاية بين الأجيال يتبين أن الهوية فعل حفظ ونقل ومقاومة، وأن الذاكرة الثقافية تستمر داخل التفاصيل الصغيرة حتى في أزمنة الانكسار. وهكذا تختلف ذاكرة الثلاثية عن الذاكرة الفلسطينية؛ فهي تتشكل أمام مشروع طويل لمحو اللغة والخصوصية الثقافية، وتقاومه عبر توريث المعنى وحماية رموزه داخل الأسرة والحياة اليومية.
أما في «ذاكرة الجسد» لأحلام مستغانمي، فتتشكل الذاكرة الوطنية الجزائرية من خلال جسد خالد بن طوبال وجرحه وعلاقته بالثورة وبمرحلة ما بعد الاستقلال. فالذراع المفقودة تحمل أثر النضال، وتحول الجسد إلى سجل للتاريخ، بينما تكشف العلاقة العاطفية عن التوتر بين المثال الثوري والواقع الذي آلت إليه البلاد. وتمتزج الذاكرة السياسية بالحب والفن والمدينة والمنفى، فتغدو الهوية الوطنية تجربة داخلية تعبر الجسد واللغة والحنين، وتتجاوز حدود الشعار المجرد. ومن خلال هذا التداخل تعيد الرواية قراءة الثورة من منظور مناضل يواجه المسافة بين الحلم ونتائجه، فتكشف أن الذاكرة قد تكون مصدر اعتزاز وألم ومراجعة في وقت واحد. وهكذا تتحول الذات الفردية إلى وسيط لقراءة التحول الوطني، وينتقل السرد من تمثيل التاريخ إلى مساءلة مآلاته وقياس أثره في الإنسان.
وتكشف المقارنة بين هذه النماذج أن الذاكرة الروائية تتخذ وظائف متعددة بحسب طبيعة التجربة التاريخية. ففي «عائد إلى حيفا» تأتي الذاكرة مواجهة أخلاقية مع الفقد والمسؤولية، وفي «باب الشمس» تنفتح على حكايات جماعية متشعبة تحفظ تعدد التجربة الفلسطينية، وفي «زمن الخيول البيضاء» ترتبط بالأرض والامتداد التاريخي، بينما تصون «ثلاثية غرناطة» الهوية الثقافية أمام سياسات المحو، وتجعل «ذاكرة الجسد» من الجسد والحب والفن ممرات لقراءة الثورة وما بعدها. ومن خلال هذا التنوع تتجاوز الذاكرة وظيفة استرجاع الماضي، وتصبح أداة لفحصه وكشف صراعاته، واستعادة أصوات الغائبين، وإعادة بناء الهوية في ضوء التحولات التي أصابتها.
وتدل العينة المدروسة على أن الهوية الثقافية في هذه النماذج عملية تاريخية متجددة، تتشكل في الحوار بين الذات والآخر، وبين المكان والاقتلاع، وبين الموروث والتحول، وبين الذاكرة الفردية والخبرة الجمعية. وتحمل الشخصية الروائية آثار ما عاشته وما ورثته معًا، ثم تعيد ترتيب انتماءاتها في ضوء تجربتها الراهنة، فتغدو الهوية مجالًا للمراجعة وإعادة البناء. وتختلف صور هذا البناء باختلاف السياقات؛ فالهوية الفلسطينية تتصل بالأرض والعودة والاقتلاع، والهوية الأندلسية تتمسك باللغة والميراث الثقافي أمام الإقصاء، بينما تنشغل الهوية الجزائرية بمراجعة العلاقة بين الذاكرة الثورية وواقع ما بعد الاستقلال. وبهذا التحديد تستند النتيجة إلى النماذج المختارة وسياقاتها، وتتجنب تعميمها على مجمل الرواية العربية.
واقتضى بناء هذه الذاكرة المتعددة تطوير جماليات قادرة على استيعاب طبقاتها؛ فاستثمرت الروايات تداخل الأزمنة، وتعدد الأصوات، والحكاية داخل الحكاية[42]، والرموز المكانية والجسدية، والشهادات، وربطت الخاص بالعام واليومي بالتاريخي[43]. وبذلك غدت الجماليات نفسها جزءًا من مقاومة المحو؛ لأن طريقة رواية الماضي تحدد ما يبقى منه في الوعي، ومن يُمنح حق الكلام، وكيف تُصان التجربة من الاختزال. ومن هذا الأفق يمهد حضور الذاكرة والهوية للانتقال إلى جماليات المقاومة في الخطاب الروائي، حيث تتحول اللغة والرمز والفانتازيا والسخرية وتعدد الحكايات إلى وسائل فنية لمساءلة الهيمنة وصناعة وعي بديل.
جماليات المقاومة في الخطاب الروائي
حين اتسعت الوظيفة النقدية في النماذج الروائية المدروسة لتشمل مساءلة السلطة، واستعادة الذاكرة، وإعادة بناء الهوية، اقتضى ذلك جماليات تستوعب تشابك الخبرة الإنسانية وتمنحها صورة فنية تتجاوز التقرير والموعظة. ومن هنا أصبح الشكل الروائي شريكًا في المقاومة؛ إذ غدت طريقة بناء الحكاية، واختيار اللغة، وتوزيع الأصوات، وصياغة الرمز، وإدخال الوثيقة والعناصر العجائبية، وسائل تكشف الخطابات المهيمنة، وتفتح أمام القارئ أفقًا أوسع لفهم الواقع[44]. وتجلّى هذا التحول في تذويت الخطاب، وتشظي المحكي، وتهجين اللغة، وتوسيع المكوّن المعرفي، بما جعل الجماليات جزءًا من إنتاج الرؤية السياسية والثقافية، ومكّن الرواية من مقاومة اختزال الإنسان والتاريخ داخل تفسير أحادي[45].
ويأتي الرمز السردي[46] في مقدمة هذه الجماليات؛ إذ يصل التجربة الفردية بالمعنى التاريخي والحضاري، ويحرر النص من أسر المباشرة، ويفتحه على طبقات متراكبة من الدلالة. فالمدينة قد تتحول إلى صورة مكثفة للوطن، والبيت إلى مستودع للذاكرة، والجسد إلى سجلّ للثورة والحرب، والرحلة إلى تمثيل لمسار التحول التاريخي. ويبرز هذا بوضوح في رواية «الزيني بركات» لجمال الغيطاني، حيث يغدو العصر المملوكي قناعًا تاريخيًا يكشف استمرار آليات المراقبة والتجسس وصناعة الخوف[47]. فالرواية تستحضر زمنًا قديمًا، ثم تعيد بناءه عبر التقارير والشهادات المتعارضة والأصوات المتعددة، ليصبح الماضي وسيطًا جماليًا لقراءة أنماط السلطة في الحاضر. وبذلك تتجاوز الاستعارة التاريخية[48]وظيفة الإيحاء، وتتحول إلى استراتيجية مقاومة تتيح للنص تفكيك الاستبداد من داخل بنية حكائية تصون أدبية الرواية من المباشرة، وتمنح القارئ مساحة لاكتشاف الصلة بين الأزمنة.
وتظهر الرمزية الثقافية في سياق آخر داخل «ثلاثية غرناطة» لرضوى عاشور؛ إذ تحمل الكتب واللغة العربية والأسماء والبيوت والعادات اليومية معنى يتجاوز وجودها المادي، لتغدو علامات على هوية مهددة بالمحو. فالكتاب المخفي يمثل استمرار المعرفة، والاسم يحفظ صلة الفرد بجماعته، والبيت يصون ذاكرة الأسرة والمكان. ومن خلال هذه الرموز تتحقق المقاومة في التفاصيل الصغيرة التي تبدو بعيدة عن الفعل السياسي المباشر، بينما تؤدي في عمقها وظيفة حفظ الوجود الثقافي. وتكشف المقارنة بين الروايتين اختلاف عمل الرمز؛ فهو في «الزيني بركات» يكشف امتداد منظومة السلطة، بينما يحفظ في ثلاثية غرناطة عناصر الهوية أمام الإقصاء، وفي الحالتين تنبع الدلالة السياسية من البناء الجمالي ذاته.
وتتسع جماليات المقاومة عبر الحوارية وتعدد الأصوات؛ فالرواية تستوعب لغات اجتماعية ورؤى متعارضة، وتعيد تنظيمها داخل فضاء تتفاعل فيه الأصوات من غير أن تُختزل في موقف واحد[49]. وقد ارتبط مفهوم الحوارية بالناقد الروسي ميخائيل باختين، الذي بيّن أن اللغة الروائية تحتضن تعدد الخطابات والمواقف الاجتماعية، وأن المعنى ينشأ من تفاعلها وتوترها. وتبرز هذه الجمالية في «باب الشمس» لإلياس خوري، حيث تتوالد الحكايات التي يرويها خليل ليونس، وتتداخل معها أصوات النساء والمقاتلين واللاجئين وأهل القرى، فتُبنى التجربة الفلسطينية من شبكة من الشهادات والذكريات. ويحول هذا التعدد دون اختزال الفلسطيني في صورة بطولية أو مأساوية واحدة، ويستعيد تنوعه الإنساني، لتصبح كثرة الحكايات مقاومة للنسيان وللخطابات التي تحصر التاريخ في سردية مغلقة.
وتؤدي تعددية الأصوات وظيفة قريبة في «ميرامار» لنجيب محفوظ، حيث تُروى الوقائع نفسها عبر شخصيات متباينة اجتماعيًا وسياسيًا، فتتغير دلالة الحدث باختلاف موقع المتكلم وذاكرته ومصلحته. وتضع الرواية القارئ أمام رؤى متنافسة تستدعي المقارنة والتأويل، فيغدو تعدد الأصوات مقاومة لاحتكار المعرفة؛ لأنه يوزع حق الكلام بين الشخصيات، ويكشف أثر الموقع الاجتماعي والسياسي في صياغة الرؤية وتفسير الحدث.
وإلى جانب الرمز والحوارية، تنهض السخرية بوظيفة مقاومة حين تكشف التناقض بين لغة السلطة وواقع ممارساتها. ويتجلى ذلك في «اللجنة» لصنع الله إبراهيم، حيث يواجه البطل هيئة غامضة تمارس سلطتها عبر التحقيق والأسئلة والتعليمات واللغة البيروقراطية. وتُدمج التقارير والمعلومات والوثائق داخل النسيج الروائي، فتبدو في ظاهرها حاملة للموضوعية، بينما تكشف طريقة ترتيبها عن تداخل المعرفة بالمصلحة والاقتصاد والهيمنة. وتفضح السخرية المسافة بين الخطاب الرسمي المصقول والواقع الذي يحجبه؛ فكلما ازدادت لغة اللجنة انتظامًا، ازداد عالمها عبثًا وقسوة.
وتكتسب الوثيقة في هذه الرواية وظيفة مزدوجة؛ فهي تقدم مادة معرفية للقارئ، ثم تدعوه إلى مساءلة الجهات التي تنتج المعلومات وتتحكم في تداولها. وبذلك تتحول من دليل جاهز على الحقيقة إلى موضوع للنقد، وتغدو الرواية محاكاة ساخرة للمنطق البيروقراطي الذي يحاصر الفرد. وهنا تتحقق المقاومة عبر شكل الخطاب نفسه؛ إذ يهدم تهجين الخطاب[50] الحدود التي تفصل السرد عن الوثيقة والتقرير، ثم يعيد توظيف لغة المؤسسات لكشف ما تضمره من علاقات القوة.
كما حضرت الفانتازيا والعجائبي بوصفهما وسيلتين لإعادة تركيب واقع بلغت تناقضاته حدًا يصعب تمثيله بالوصف المباشر. ففي «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي يتشكل كائن من بقايا ضحايا التفجيرات، ويحمل في جسده آثار موت متفرق وهويات متنازعة، ثم يبدأ بملاحقة المسؤولين عن تلك الجرائم. غير أن سعيه إلى القصاص يدخله في دائرة جديدة من العنف، فتتداخل داخله هوية الضحية بهوية المنتقم، ويغدو الجسد المركب صورةً لمدينة مزقتها الحرب واضطربت فيها الحدود بين البراءة والمسؤولية.
وتكثف غرابة هذا الكائن منطق الواقع العنيف؛ فكل عضو فيه ينتمي إلى ضحية مختلفة، وكل عملية انتقام تستدعي ضحايا جددًا لإدامة الجسد، بما يحوّل البناء العجائبي إلى مساءلة أخلاقية لدائرة الثأر. وتكشف الرواية عبر هذا المتخيل تشظي الدولة والمدينة والهوية، وتجعل الفانتازيا أداة لفهم واقع تجاوز المألوف، ووسيلة لمنح العنف صورة محسوسة يستطيع القارئ تأمل تركيبها وآثارها.
وتتخذ مقاومة الواقع صورة استشرافية في الديستوبيا[51]، وهي بناء تخييلي يصور مجتمعًا مختلًا تهيمن عليه الرقابة أو العنف أو التفاوت، بقصد التحذير من مآلات اتجاهات قائمة في الحاضر[52]. ويقدم أحمد خالد توفيق في «يوتوبيا» عالمًا منقسمًا بين أقلية تعيش داخل تجمع محصّن وتتمتع بالثروة والحماية، وأكثرية محاصرة بالفقر والانهيار خارج أسواره. ومن خلال المبالغة المقصودة في رسم الانقسام الاجتماعي، تدفع الرواية منطق التفاوت إلى نهايته الممكنة، فتجعل المستقبل مرآة نقدية للحاضر[53]. ويكتسب المكان المنقسم دلالة سياسية؛ لأن الأسوار تجسد انهيار المجال الاجتماعي المشترك، وتحول الآخر إلى مادة للاستهلاك والعنف. ومن ثم تقاوم الديستوبيا اعتياد الاختلال عبر تصوير عاقبته القصوى، واستثارة وعي القارئ قبل تحوله إلى واقع مكتمل[54].
ويبرز تهجين اللغة بوصفه مظهرًا آخر من جماليات المقاومة؛ إذ تتفاعل الفصحى والتعبيرات اليومية واللغة التراثية والخطابان السياسي والتاريخي داخل النسيج الروائي[55]. ويتجلى ذلك في «اللاز» للطاهر وطار، التي تنقل صراع الثورة الجزائرية عبر أصوات ومواقف تتباين في تصورها للوطن والثورة والالتزام. وتحمل اللغة آثار البيئة الاجتماعية والخلاف الأيديولوجي وتجربة المقاومة، فينشأ المعنى من احتكاك الخطابات الثورية والدينية والشعبية والسياسية. ويسهم هذا التنوع اللغوي في تفكيك الصورة الموحدة للثورة، ويمنح التجربة الجزائرية تعددها الإنساني والفكري، محققًا حضورًا مغاربيًا يوسع المتن الجغرافي والزمني للدراسة.
وتكشف هذه الأمثلة كذلك عن تذويت الخطاب[56]؛ أي انتقال القضايا العامة من مستوى الشعار المجرد إلى خبرة تعيشها الذات في جسدها وذاكرتها وعلاقاتها. ففي «ذاكرة الجسد» لأحلام مستغانمي تمر الثورة الجزائرية عبر جسد خالد بن طوبال وذراعه المفقودة وحبه وفنه ومنفاه، فيتجسد التاريخ الوطني داخل جرح شخصي مفتوح. ويمنح هذا التذويت الحدثَ السياسي عمقه الإنساني، ويكشف المسافة بين المثال الثوري وتجربة ما بعد الاستقلال. وهكذا تقاوم الرواية اللغة السياسية الجاهزة بإعادة التاريخ إلى الإنسان الذي حمل آثاره في جسده ووعيه.
وقد أعادت هذه الجماليات صياغة العلاقة بين النص وقارئه؛ فالقارئ في «الزيني بركات» يربط القناع التاريخي بأسئلة السلطة المعاصرة، وفي باب الشمس يجمع شتات الحكايات لبناء الذاكرة الجمعية، وفي «اللجنة» يفكك الوثيقة ولغة المؤسسات، وفي «فرانكشتاين في بغداد» يؤول دلالة الجسد المركب، بينما يستشرف في «يوتوبيا» مآلات التفاوت والانقسام. وبهذا تتجاوز القراءة متابعة الأحداث إلى المشاركة في إنتاج معناها؛ إذ يتتبع القارئ الإحالات، ويوازن بين الأصوات، ويكتشف صلات الظاهر بالمضمر، ويعيد بناء العلاقة بين التخييل والواقع [57].
وتدل العينة المختارة، الممتدة بين مصر والعراق وفلسطين والجزائر والأندلس المتخيلة، وعبر مراحل متعددة من تطور الرواية العربية، على تنوع صور المقاومة الجمالية ووظائفها. فالرمز يكشف استمرارية السلطة أو يحفظ الهوية، والحوارية تقاوم احتكار الحقيقة، والسخرية والوثيقة تعريان لغة المؤسسات، والعجائبي يجسد تشظي العنف، والديستوبيا تستشرف مآلات الاختلال، وتهجين اللغة يستعيد تعدد المجتمع، بينما يعيد تذويت الخطاب القضايا الكبرى إلى التجربة الإنسانية الحية[58]. ومن ثم تظهر المقاومة في هذه النماذج بوصفها فعلًا فنيًا يتشكل داخل طريقة بناء الرواية، بقدر حضورها في موضوعاتها ومواقف شخصياتها؛ فالجماليات تصنع مسافة نقدية من الواقع، وتمنح القارئ قدرة على رؤيته من زوايا جديدة، وتمهد للانتقال إلى مساءلة صورة الإنسان في الرواية العربية بعد اهتزاز اليقين الأيديولوجي وتراجع التفسيرات الشاملة.
ختامًا،
تكشف هذه الدراسة أن الجدل السردي والسياسي في الرواية العربية المعاصرة يمثل تحولًا جوهريًا أعاد تعريف مفهوم الرواية ووظيفتها الثقافية؛ إذ غدت الرواية فضاءً لإنتاج المعرفة وبناء الوعي، بعد أن تجاوزت حدود الحكاية إلى مساءلة السلطة، والتاريخ، والهوية، والإنسان. وقد بينت الدراسة أن هذا التحول شمل الموضوع والبنية معًا، فارتبط انتقال الرواية من تمثيل الواقع إلى مساءلته بتطور أدواتها السردية، وأصبحت تقنيات الزمن، وتعدد الأصوات، والتناص، والوثيقة، والذاكرة عناصر فاعلة في إنتاج الدلالة، لا مجرد وسائل فنية. كما أبرزت أن استعادة الذاكرة أسهمت في إعادة بناء الهوية بوصفها مشروعًا ثقافيًا متجددًا، وأن توظيف الرمز، والفانتازيا، والديستوبيا، والتخييل التاريخي وسّع القدرة التعبيرية للرواية، وحوّل الجماليات إلى أداة للتحليل الثقافي وصناعة الوعي. وتؤكد هذه النتائج أن الجدل السردي والسياسي ظل أحد أبرز محركات تطور الرواية العربية على مستوى الرؤية، والبنية، والوظيفة، ورسخ حضور الإنسان بوصفه محور التجربة السردية وغاية المشروع الثقافي، كما عزز حضور الرواية العربية في المشهد الأدبي العالمي من خلال الجمع بين خصوصية التجربة العربية والأسئلة الإنسانية الكونية. ومن ثم تظل الرواية العربية فضاءً متجددًا لاستيعاب التحولات الحضارية، وإثراء الوعي النقدي، وفتح آفاق بحثية جديدة لدراسة أثر السرد الرقمي والذكاء الاصطناعي في مستقبل الكتابة الروائية العربية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]الخطاب الثقافي: منظومة من المعاني والقيم والتصورات التي ينتجها النص، ويتفاعل من خلالها مع قضايا المجتمع والتاريخ والهوية والسلطة، بحيث تتجاوز دلالته حدود الحكاية المباشرة. انظر: عبد الله إبراهيم، السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي، ص18
[2]عبد الله إبراهيم، السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1992م)، 17-20.
[3]سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط3، 1997م)، ص 15–28؛ ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ص 28-29.
[4]تفكيك التسلسل الزمني: إعادة تنظيم زمن الحكاية بحيث يتجاوز الترتيب الزمني المتتابع، ويتشكل من الاسترجاع والاستباق والتداخل الزمني، بما يجعل ترتيب الأحداث جزءًا من إنتاج الدلالة. انظر: سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط4، 2005)، ص19–21.
[5]الوثيقة السردية: إدماج الرسائل والتقارير والأخبار والملفات والنصوص التاريخية أو الإدارية داخل البناء الروائي، بحيث تؤدي وظيفة فنية ومعرفية، وتكشف آليات إنتاج الخطاب والسلطة، ولا تقتصر على التوثيق الشكلي. انظر: سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير، ص319.
[6]الرمز: وسيلة تعبيرية يستعملها الروائي للإحالة إلى معانٍ أو قضايا أوسع من مدلولها المباشر، فيمنح النص كثافة دلالية، ويتيح مساءلة الواقع والتاريخ بصورة غير مباشرة. انظر: صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي (القاهرة: دار الشروق، ط1، 1998م)، ص302؛ محمد أحمد فتوح، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر (القاهرة: دار المعارف، 1984م) ص37-38.
[7]الفانتازيا: بناء تخييلي يوظف عناصر غير مألوفة أو خارقة للعادة داخل العالم الروائي، لتكثيف الواقع وكشف تناقضاته السياسية والاجتماعية والنفسية، دون أن يكون هدفه الانفصال عن الواقع. انظر: ريما الحكيم، «الفانتازيا في الأدب»، في: الموسوعة العربية، المجلد الرابع عشر (دمشق: هيئة الموسوعة العربية، 2006م)، ص 266.
[8]استدعاء الذاكرة: تقنية سردية يُستعاد بها الماضي عبر وعي الشخصيات أو الحكايات أو الشهادات، لإعادة تأويل الخبرة الماضية في ضوء أسئلة الحاضر، وربط التجربة الفردية بالسياق التاريخي والاجتماعي. انظر: عبد الله إبراهيم، السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013)، ص127.
[9]يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، ص 21–49؛ عبد الرحيم الكردي، السرد في الرواية المعاصرة: الرجل الذي فقد ظله نموذجًا (القاهرة: دار الثقافة، ط1، 1992م)، ص26.
[10]تعددية وجهات النظر: تقديم الأحداث والشخصيات من زوايا إدراكية متعددة، بما يسمح بتباين تفسير الواقعة الواحدة وفق موقع كل راوٍ أو شخصية ومعرفتها ومصلحتها، وتتصل بمفهوم التبئير؛ أي الجهة التي تُرى الأحداث من خلالها ومقدار المعرفة المتاحة لها. انظر: يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي (بيروت: دار الفارابي، ط3، 2010م)، ص22–24.
[11]القناع التاريخي: توظيف مرحلة أو شخصية أو واقعة تاريخية داخل النص الروائي لإضاءة قضايا الحاضر بصورة غير مباشرة، بما يتيح مساءلة الواقع عبر نظيره التاريخي. انظر: فيصل درّاج، الرواية وتأويل التاريخ (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2004م)، ص128–129.
[12]فيصل درّاج، الرواية وتأويل التاريخ (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2004م)، ص128–129.
[13]العنف الرمزي: مفهوم يصف أشكال الهيمنة التي تمارس عبر اللغة والمعرفة والقيم والتصنيفات الاجتماعية، فتبدو السلطة مقبولة أو طبيعية من غير اعتماد مباشر على القوة المادية. وقد ارتبط تطوير هذا المفهوم بعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. انظر: بيير بورديو وجان كلود باسرون، إعادة الإنتاج: في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم، ترجمة: ماهر ترمس (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007م)، ص54؛ محمد الجوهري، علم الاجتماع وقضايا التنمية في الوطن العربي (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2005م)، ص167.
[14]التهجين بين السرد والوثيقة والتقرير: مزج الخطاب الحكائي بأنماط تعبيرية ذات طابع توثيقي أو إداري أو إعلامي، بما يتيح للرواية استيعاب لغة المؤسسات وإعادة توظيفها لكشف بنيتها ومصالحها وآليات تأثيرها. انظر: عبد الله إبراهيم، موسوعة السرد العربي، ج1 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005م)، ص381.
[15]البوليفونية أو تعدد الأصوات: مفهوم ارتبط بميخائيل باختين، ويشير إلى حضور أصوات ووجهات نظر متعددة داخل الرواية، تمتلك قدرًا من الاستقلال الدلالي والفكري، ويتولد المعنى من حوارها وتعارضها بدل خضوعها الكامل لصوت واحد. انظر: ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة (القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1987م)، ص174.
[16]عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998م)، ص218؛ حميد لحمداني، بنية النص السردي: من منظور النقد الأدبي (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط3، 2000م)، ص171.
[17]بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة: ترجمة جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة)، ص 94؛ د. بن حليمة خديجة، «الرواية العربية كوعاء للذاكرة الجمعية: تشكيل الوعي بالهوية في مواجهة تشظي الخطاب الرسمي»، مجلة حفريات المعرفة، مج4، ع2 (2024م)، ص 67.
[18]حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي: الفضاء، الزمن، الشخصية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط2، 2009م)، ص136-140؛ عبد الملك مرتاض، تحليل الخطاب السردي: معالجة تفكيكية سيميائية مركبة للرواية (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1995م)، ص97.
[19]عبد الرحيم الكردي، السرد في الرواية المعاصرة (الرجل الذي فقد ظله نموذجًا) (القاهرة: دار الثقافة، ط1، 1992م)، 30-32.
[20]الشكل الروائي: مجموع العناصر الفنية التي تنتظم بها الرواية، ومنها الزمن، والسارد، ووجهة النظر، وبناء الشخصيات، واللغة، والفضاء، وترتيب الأحداث؛ بحيث يسهم تنظيمها في إنتاج الدلالة إلى جانب الحكاية. انظر: سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، ص73؛ يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي، ص41.
[21]سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير، ص73؛ يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، ص41؛ عبد الله إبراهيم، السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي، ص52.
[22]حميد لحمداني، بنية النص السردي: من منظور النقد الأدبي، ص28-30.
[23]عبد الله إبراهيم، السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي، 45-47.
[24]الاستعارة التاريخية: توظيف مرحلة أو واقعة أو شخصية تاريخية في بناء روائي يستحضر الماضي لإضاءة قضايا الحاضر، وكشف أوجه التشابه بين أنماط السلطة والتحولات الاجتماعية عبر الأزمنة، مع المحافظة على استقلال العالم التخييلي للرواية. انظر: فيصل درّاج، الرواية وتأويل التاريخ، ص128–129.
[25]عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998م)، ص221–223؛ شجاع مسلم العاني، البنية السردية في الرواية العربية (عمّان: دار الشروق، 2010م)، ص118؛ حميد لحمداني، بنية النص السردي: من منظور النقد الأدبي، ص71-73.
[26]ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة وتقديم: محمد برادة (القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1987م)، ص174. وميخائيل باختين (1895-1975): ناقد وفيلسوف روسي، من أبرز منظري الرواية الحديثة، اشتهر بنظرية الحوارية ومفهوم تعدد الأصوات (البوليفونية)، وكان لها أثر واسع في النقد السردي المعاصر.
[27]ميشيل فوكو، أركيولوجيا المعرفة، ترجمة سالم يفوت (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1987م)، ص 182–185.
[28]العجائبي: نمط سردي يقوم على حضور أحداث أو كائنات تتجاوز قوانين الواقع المألوف، وتؤدي داخل الرواية وظيفة رمزية أو معرفية تكثف تناقضات الواقع السياسية والاجتماعية والنفسية. انظر: محمد برادة، أسئلة الرواية أسئلة النقد (الدار البيضاء: منشورات الرابطة، 1996م)، ص143.
[29]تشظي الوعي والسارد: اضطراب تماسك الوعي الذي تصدر عنه الحكاية، وتفتّت انتظام الخطاب السردي بفعل الحرب أو الصدمة أو العزلة، بحيث تنعكس أزمة الشخصية والمكان في طريقة الحكي، وفي تداخل الذاكرة بالهذيان والواقع بالتخييل. انظر: حصة بنت أحمد بن عبد الله الدوسري، «تيار الوعي في رواية نقطة النور: الرؤية ومفارقات البنية»، مجلة جامعة بابل للعلوم الإنسانية، مج32، ع12 (2024م)، ص36–37.
[30]سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير، ص187–190؛ يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي (بيروت: دار الفارابي، ط3، 2010م)، ص185–1187.
[31]القارئ الضمني: صورةٌ للقارئ تفترضها بنية النص، وتوجِّه إليها إشاراتها وفراغاتها، فيشارك في إنتاج المعنى من خلال وصل مكونات الخطاب واستكمال ما يتركه النص مفتوحًا للتأويل، وهو مفهوم ارتبط بنظرية التلقي عند فولفغانغ إيزر. انظر: حكيمة بوقرومة، «تشكيل القارئ الضمني في النص القرآني»، مجلة الخطاب، مج5، ع5 (2009م)، ص276–288؛ سعاد خراجي، «مبادئ التلقي لدى فولفغانغ إيزر»، مجلة المعيار، مج6، ع1 (2015م)، ص115.
[32]يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، ص185-190.
[33]بن حليمة خديجة، «الرواية العربية كوعاء للذاكرة الجمعية: تشكيل الوعي بالهوية في مواجهة تشظي الخطاب الرسمي»، ص17–18؛ فيصل درّاج، ذاكرة المغلوبين: الهزيمة والصهيونية في الخطاب الروائي الفلسطيني (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002م)، ص97–100.
[34] المرجع السابق.
[35]عبد الله إبراهيم، السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي، ص215.
[36]الذاكرة البديلة: ذاكرة تستعيد خبرات الأفراد والجماعات التي همَّشتها السرديات الرسمية، فتسهم في استكمال صورة الماضي وإعادة بنائه من منظور إنساني، وتمنح الأصوات المقصاة مجالًا للمشاركة في صياغة الهوية والتاريخ. انظر: بن حليمة خديجة، «الرواية العربية كوعاء للذاكرة الجمعية: تشكيل الوعي بالهوية في مواجهة تشظي الخطاب الرسمي»، ص17–18؛ بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، ص94.
[37]د. بن حليمة خديجة، «الرواية العربية كوعاء للذاكرة الجمعية: تشكيل الوعي بالهوية في مواجهة تشظي الخطاب الرسمي»، ص17.
[38] د. بن حليمة خديجة، «الرواية العربية كوعاء للذاكرة الجمعية: تشكيل الوعي بالهوية في مواجهة تشظي الخطاب الرسمي»، ص18؛ أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد (بيروت: دار الآداب، ط1، 1993م)، ص123.
[39]فيصل درّاج، ذاكرة المغلوبين: الهزيمة والصهيونية في الخطاب الروائي الفلسطيني، ص97-100.
[40]الذاكرة الجماعية: مجموع التصورات والصور والخبرات المشتركة التي تحتفظ بها جماعة بشرية عن ماضيها، وتعيد تشكيلها داخل أطرها الاجتماعية والثقافية، عبر الحكايات والرموز والعادات والمؤسسات؛ إذ يتشكل تذكّر الفرد في ضوء انتمائه إلى الجماعة ومرجعياتها. انظر: ليلى العرباوي، «الذاكرة الجماعية: الأصل والتفرعات»، أماراباك، مج5، ع13 (2014م)، ص145–147.
[41]الحوارية: مفهوم نقدي ارتبط بميخائيل باختين، ويشير إلى تفاعل أصوات ورؤى وخطابات متعددة داخل النص، بحيث يتولد المعنى من الحوار والتوتر بينها، بدل خضوعها لوجهة نظر واحدة مهيمنة. انظر: سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي: النص والسياق، ص96.
[42]الحكاية داخل الحكاية: تقنية سردية تندرج فيها حكاية فرعية داخل الحكاية الرئيسة، وقد تتولد منها حكايات أخرى، بما يوسع مستويات السرد، ويتيح تعدد الذاكرات والأصوات ووجهات النظر. انظر: سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، ص86؛ يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي، ص144.
[43]بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ص312؛ سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير، ص 86؛ يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، ص 144.
[44]عبد الرحيم الكردي، السرد في الرواية المعاصرة (الرجل الذي فقد ظله نموذجًا)، ص37-40.
[45]فاطمة قسول، محاضرات في قضايا السردية العربية الحديثة والمعاصرة، ص36.
[46]الرمز السردي: عنصر أو صورة أو شخصية أو مكان يحمل، إلى جانب معناه المباشر، دلالات تاريخية أو نفسية أو سياسية أوسع، وتتكون قيمته من موقعه وعلاقاته داخل البناء الروائي. انظر: سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي: النص والسياق (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1989م)، ص96–98.
[47]سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي: النص والسياق، ص96–98.
[48]الاستعارة التاريخية: توظيف مرحلة أو واقعة تاريخية في بناء روائي يستحضر الماضي بقصد إضاءة قضايا الحاضر، وكشف أوجه التشابه بين أنماط السلطة والتحولات الاجتماعية عبر الأزمنة. انظر: عبد الله إبراهيم، التخيّل التاريخي: السرد، والإمبراطورية، والتجربة الاستعمارية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011)، ص17-18.
[49]يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي (بيروت: دار الفارابي، ط3، 2010م)، ص80–87.
[50]تهجين الخطاب: مزج الخطاب الحكائي بأنماط لغوية وأجناس تعبيرية مختلفة، مثل الوثيقة والتقرير والخبر والرسالة والخطاب الإداري أو الشعبي، داخل بنية روائية واحدة، بما يتيح إنتاج دلالات تنشأ من تفاعل هذه الخطابات وتعارضها، وكشف المؤسسات والمصالح التي تمثلها. انظر: ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ص28–29.
[51]الديستوبيا: تصور تخييلي لمجتمع مضطرب تسوده الرقابة أو القمع أو التفاوت أو انهيار القيم، ويُبنى عادةً للتحذير من امتداد اختلالات الحاضر ومآلاتها. انظر: مصطفى عطية جمعة، الرواية العربية وتحولات الواقع (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013م)، ص227–229.
[52]مصطفى عطية جمعة، الرواية العربية وتحولات الواقع (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013م)، ص226–229.
[53]المرجع السابق.
[54]سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير، ص84؛ عبد الرحيم الكردي، السرد في الرواية المعاصرة، ص37.
[55] سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير، ص187–190.
[56] تذويت الخطاب: تحويل القضية التاريخية أو السياسية العامة إلى تجربة ذاتية تعيشها الشخصية في وعيها وجسدها وذاكرتها وعلاقاتها، فتظهر آثار الحدث في الإنسان بدل بقائه فكرة مجردة. انظر: عبد الله إبراهيم، السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2003م)، ص90–93.
[57]حبيب بوهرور، «العتبات وخطاب المتخيل في الرواية العربية المعاصرة»، ص111؛ حميد لحمداني، بنية النص السردي: من منظور النقد الأدبي (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط3، 2000م)، ص188-198.
[58]عبد الله إبراهيم، السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2003م)، ص90–97.
لائحة المراجع
1ـ أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد (بيروت: دار الآداب، ط1، 1993م).
2ـ إدوارد سعيد. الثقافة والإمبريالية. ترجمة: كمال أبو ديب. بيروت: دار الآداب، ط2، 1998م.
3ـ باختين، ميخائيل. الخطاب الروائي. ترجمة وتقديم: محمد برادة. القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1987م.
4ـ بول ريكور. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة: جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009م.
5ـ بيير بورديو وجان كلود باسرون، إعادة الإنتاج: في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم، ترجمة: ماهر ترمس (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007م).
6ـ حبيب بوهرور. «العتبات وخطاب المتخيل في الرواية العربية المعاصرة». مجلة العلوم الإسلامية والحضارة، العدد 2، مايو 2016م.
7ـ حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي: الفضاء، الزمن، الشخصية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط2، 2009م).
8ـ حصة بنت أحمد بن عبد الله الدوسري، «تيار الوعي في رواية نقطة النور: الرؤية ومفارقات البنية»، مجلة جامعة بابل للعلوم الإنسانية، مج32، ع12 (2024م).
9ـ حكيمة بوقرومة، «تشكيل القارئ الضمني في النص القرآني»، مجلة الخطاب، مج5، ع5 (2009م).
10ـ حميد لحمداني، بنية النص السردي: من منظور النقد الأدبي (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط3، 2000م).
11ـ د. بن حليمة خديجة. «الرواية العربية كوعاء للذاكرة الجمعية: تشكيل الوعي بالهوية في مواجهة تشظي الخطاب الرسمي». مجلة حفريات المعرفة، مج4، ع2، ديسمبر 2024م.
ريما الحكيم، «الفانتازيا في الأدب»، في: الموسوعة العربية، المجلد الرابع عشر (دمشق: هيئة الموسوعة العربية، 2006م).
12ـ سعاد خراجي، «مبادئ التلقي لدى فولفغانغ إيزر»، مجلة المعيار، مج6، ع1 (2015م).
13ـ سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي: النص والسياق (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط4، 1989م).
14ـ شجاع مسلم العاني، البنية السردية في الرواية العربية (عمّان: دار الشروق، 2010م).
15ـ صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي (القاهرة: دار الشروق، ط1، 1998م).
16ـ عبد الرحيم الكردي. السرد في الرواية المعاصرة (الرجل الذي فقد ظله نموذجًا). القاهرة: دار الثقافة، ط1، 1992م.
17ـ عبد الله إبراهيم. السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1992م.
18ـ عبد الله إبراهيم، التخيّل التاريخي: السرد، والإمبراطورية، والتجربة الاستعمارية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011).
19ـ عبد الله إبراهيم، السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2003م).
20ـ عبد الله إبراهيم، موسوعة السرد العربي، ج1 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005م).
21ـ عبد الملك مرتاض، تحليل الخطاب السردي: معالجة تفكيكية سيميائية مركبة للرواية (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1995م).
22ـ فاطمة قسول. محاضرات في قضايا السردية العربية الحديثة والمعاصرة. البليدة، الجزائر: جامعة البليدة 2، كلية الآداب واللغات، 2022–2023م.
23ـ فيصل درّاج، الرواية وتأويل التاريخ (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2004م).
24ـ فيصل درّاج، ذاكرة المغلوبين: الهزيمة والصهيونية في الخطاب الروائي الفلسطيني (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002).
25ـ ليلى العرباوي، «الذاكرة الجماعية: الأصل والتفرعات»، أماراباك، مج5، ع13 (2014م).
26ـ محمد أحمد فتوح، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر (القاهرة: دار المعارف، 1984م).
27ـ محمد الجوهري، علم الاجتماع وقضايا التنمية في الوطن العربي (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2005م).
28ـ محمد برادة، أسئلة الرواية أسئلة النقد (الدار البيضاء: منشورات الرابطة، 1996م).
29ـ مصطفى عطية جمعة. الوعي والسرد: نقد. القاهرة: دار النسيم للنشر والتوزيع، ط1، 2016م.
30ـ مصطفى عطية جمعة، الرواية العربية وتحولات الواقع (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013م).
31ـ ميشيل فوكو، أركيولوجيا المعرفة، ترجمة سالم يفوت (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1987م).
32ـ يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي (بيروت: دار الفارابي، ط3، 2001م).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى