استخلاف الإنسان في الأرض باعتباره مقصدا عاما للقرآن والشريعة والحضارة.

عبد السلام محمد الأحمر


      ويعتمد البحث الانطلاق من مفهوم راجح للاستخلاف، وانتهاج منهجية قائمة على التتبع والاستقراء للنصوص والمقاصد الشرعية، لإثبات مدى استيعاب مقصد الاستخلاف لغيره من المقاصد الإسلامية القرآنية والشرعية والحضارية، وذلك ببيان ارتباط المقاصد العامة في هذه المجالات بمقصد الاستخلاف.
      ومن المنتظر أن تبرز أهمية هذا البحث من خلال ما سيفتحه من آفاق، منها الانتقال من الكلام عن تعدد المقاصد العامة أو الكلية للقرآن أو الشريعة أو الحضارة، كما هو معتاد فيما كتب حول هذا الموضوع إلى اليوم. إلى تحديد مقصد أساسي موحد لها، والذي تتفرع عنه جميع تلك المقاصد العامة أو الكلية، وكذا بيان أهمية الانطلاق من الاستخلاف مقصدا أساسيا للمقاصد القرآنية والشرعية والحضارية، في تعبئة النفس بوعي ومسؤولية، لحسن فهم القرآن والشريعة الإسلامية، وحسن تمثل هديهما في الحياة، والانخراط بفعالية في تحقيق التنمية الشاملة واستئناف الإنجاز الحضاري.
      وكان الباعث على اقتحام هذا الموضوع أن غالب الاجتهادات المقدمة في بيان المقاصد القرآنية تنطوي على فوائد كبيرة وإضافات معرفية نوعية، إلا أنها تكاد تشترك جميعها في عدم تجاوز الكلام عن المقاصد المتعددة إلى استنتاج مقصد عام واحد يشملها كلها.
والتي تحدثت منها عن مقصد واحد عام في موضع، جاءت بمقصد أو اثنين عامين آخرين في موضع ثاني، دون بيان العلاقة بينها، وهل يمكن لأحدها أن يستوعب الآخرين.
فنجد مثلا العز بن عبد السلام يؤكد بأن معظم مقاصد القرآن، تدور حول الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها، ويقصد بالمصالح مصالح الدنيا، ومصالح الآخرة، التي هي الخلود في الجنان ورضا الرحمن، مع النظر إلى وجهه الكريم[1].
وفي هذا الكلام إقرار صريح بوجود مقاصد أخرى لا تدخل تحت الأمر باكتساب المصالح  والزجر عن المفاسد، وذهب إلى أن “أجمع آية في القرآن للحث عن المصالح كلها والزجر عن المفاسد بأسرها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].
لكن المقصد من نزول القرآن أكبر من مجرد أوامر ونواه لتحقيق المصالح ودرء المفاسد.
وفي توجه آخر نحو تلمس نظرة شاملة لمضمون القرآن أو صياغة مقصد عام له يقول:”وقد نظرت في القرآن فوجدته ينقسم إلى أقسام: أحدها الثناء على الإله، والثاني: الأحكام، والثالث: توابع الأحكام ومؤكداتها وهي أنواع ذكر منها ثمانية”[2]، فهذه اتجاهات ثلاثة، يمكن أن تقود إلى صياغة مقصد عام للقرآن الكريم، لكنها أيضا تعكس الصعوبة في اعتمادها وأمثالها، لبلورة مقصد عام واحد لمضمون كتاب الله.
إن القرآن الكريم كما تكلم عن الله وشرعه، تكلم عن عباده المكلفين، الذين يملكون القدرة على الامتثال لأحكام الله ومخالفتها في ذات الآن، وهو ما يشكل الحكمة السابقة والمهيمنة على كل المقاصد.
كما أن الطاهر بن عاشور، أولى مقاصد القرآن المجيد، عناية خاصة في تفسيره التحرير والتنوير، فاهتم بذكر مقاصد السور حيث قال:”ولم أغادر سورة إلا بينت ما أحيط به من أغراضها، لئلا يكون الناظر في تفسير القرآن مقصورا على بيان مفرداته ومعاني جمله كأنها فقر متفرقة، تصرفه عن روعة انسجامه وتحجب عنه روائع جماله”[3].
وقدم تصوره للمقصد العام للقرآن، فحصره في إصلاح الإنسان فردا وجماعة، ليضطلع بأعباء الإصلاح العمراني الشامل، فقال:”إن القرآن أنزله الله تعالى كتابا لصلاح أمر الناس كافة، رحمة لهم لتبليغهم مراد الله منهم، قال الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل: 89]، فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال الفردية والجماعية، والعمرانية”[4]، ثم بين بأن تشريعات القرآن اعتقادا وعبادة وأخلاقا، وسائل لتحقيق الصلاح الإنساني الضروري للصلاح العمراني.
لكن الصلاح الإنساني الذي قصده القرآن ودعا إليه، لايتحقق في الواقع إلا بإرادة الإنسان، وإدراكه لأبعاد مسؤوليته عنه في حياته وبعد مماته، ولكي تكتمل صياغة هذا المقصد القرآني العام، فلا بد من استحضار مسؤولية الإنسان المكلف بتفعيل محتوى القرآن على مستوى النفس والواقع.
وهكذا ظل الحديث عن مقاصد القرآن لدى علمائنا الأولين والآخرين على هذا المنوال مقتصرا على التوسع في تعدادها، وإذا راموا حصرها في مقاصد عامة محددة، فإنهم لايبينون إمكانية اعتمادها في صياغة منظومة مقاصدية متماسكة.
 وقد حاول طه جابر العلواني حصرها في خمسة وهي: التوحيد والتزكية والعمران والأمة والدعوة، ثم اختزلها في ثلاثة وهي: التوحيد والتزكية والعمران، والتي أرى أنها يمكن اعتبارها مقاصد فروعية كبرى لمقصد واحد، هو مقصد استخلاف الإنسان في الأرض، الذي يشملها كلها ويؤطرها بصورة واضحة.
    وأما الدراسات والأبحاث المعاصرة، التي تقدم في ملتقيات علمية حول مقاصد القرآن الكريم، فإنها غالبا ما تختص بإبراز جوانب من مقاصد القرآن الجزئية مثل مقاصد العدل، الرحمة، الأمن.. ونادرا ما تتطرق للمقاصد الكلية، أو تقوم بذلك دون الاتجاه إلى الكلام عن المقصد الشامل لها والمؤطر لدراستها، كما أن بعض الأبحاث قد تتجه إلى تأكيد أهمية الانتقال من النظر التجزيئي الموقع في السطحية المعرفية إلى مكابدة النظر الكلي، القادر على تسديد فهم مقاصد الوحي، وحسن تنزيل هديه في الواقع المعاصر، ومع ذلك فإنها لاتخطو خطوات حاسمة في هذا الصدد.
لذلك عندما أعمق النظر في هذه البحوث النافعة أزداد اقتناعا بأهمية استثمارها، في بلورة مقصد عام واحد تتصل به جميع مقاصد القرآن والشريعة والحضارة.
أولا: المفهوم الراجح للاستخلاف ومسوغات اختياره مقصدا أساسيا للمقاصد الإسلامية والإنسانية.
1) المفهوم الراجح لاستخلاف الإنسان في الأرض.
1ـ تفسيرات العلماء السابقين لمعنى الاستخلاف[5]
اتجه تفسير جمهور العلماء في تحديد معنى استخلاف الإنسان، إلى كون مجيئه يكون بعد من كان قبله في الأرض من الكائنات الأخرى، والتي أفسدت فيها وسفكت الدماء.
وأيضا فسر بتوالي وجود البشر على الأرض جيلا بعد جيل، وقوم بعد قوم آخرين عند امتلاك أسباب السيطرة والبأس، واستعمار الأرض والغلبة على من دونهم.
وهكذا أورد المفسرون لمعنى خليفة معنيين:
الأول: أنه تعالى لما نفى الجن من الأرض، وأسكن فيها آدم عليه السلام، كان خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه.
الثاني: إنما سماه الله خليفة، لأنه يخلف الله في الحكم بين المكلفين من خلقه، وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس والسدي، وهذا الرأي مدعوم بقوله تعالى عن داوود عليه السلام:{يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26][6].
واستبعد آخرون أن يكون الإنسان خليفة لله، إذ الخلافة في اللغة: تعنى النيابة عن الغير، ولا بد فيها من استخلاف المستخلف بكسر اللام، للمستخلف بفتحها وإذنه له بها، ولا تصح في اللغة بغير هذا المعنى. ف”الخلافة النيابة عن الغير إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته وإما لعجزه.”[7] وكل هذه المعاني مجافية لكمال الله واستغنائه عن المعين والنائب.
قال ابن تيمية: “والله لا يجوز له خليفة؛ ولهذا لما قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله، قال: لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبي ذلك.”[8]
ويقول ابن قيم الجوزية: “إن أريد بالإضافة إلى الله أنه خليفة عنه، فالصواب قول الطائفة المانعة منها، وإن أريد بالإضافة أن الله استخلفه عن غيره ممن كان قبله، فهذا لا يمتنع فيه الإضافة، وحقيقتها خليفة الله الذي جعله الله خلفا عن غيره”[9] ثم يشرح معنى إضافة الخليفة إليه سبحانه فيقول: “فالإضافة هنا للتشريف والتخصيص كما يضاف إليه عباده كقوله تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان”[10].
وفي هذا السياق يكره وصف السلطان بأنه “خليفة الله أو نائب الله في أرضه، فإن الخليفة والنائب إنما يكون عن غائب، والله سبحانه وتعالى خليفة الغائب في أهله، ووكيل عبده المؤمن”[11].
فهذا الاتجاه في التفسير يحصر الخلافة في مجرد التعاقب على الأرض، أو تولية الإمارة والرياسة على الناس، ولا يرى في الخلافة عن الله إلا مفهوم النيابة، الذي يستحيل في حقه تعالى، مع احتمالها معنى النيابة في حدود ضيقة، تمنح فيها للإنسان حرية الاختيار، التي يكون بها مسؤولا عن إرادته ومعتقده وسلوكه خلافا لباقي المخلوقات.
إن الحرص على استبعاد معاني النيابة عن الله من دلالات الاستخلاف، صرفه غالبا إلى مجرد التعاقب على الأرض جيلا بعد جيل أو حضارة بعد أخرى، مما حال دون استحضار المعاني الجليلة القدر التي يشتمل عليها، وتبرز مكانته السامية وأساسيته في تجلية حقيقة الإنسان ومسؤوليته الجسيمة على ظهر الأرض ومركزه المرموق بين الكائنات، وذلك من خلال استعراض سياقات وروده عبر الخطاب الشرعي.
وهو ما يمكن ملاحظته في الآيات، التي تطرقت لموضوع الاستخلاف: {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129]، {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74] وفي الحديث: ” أما بعد فإن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون”[12]  فالاستخلاف من خلال هذه النصوص ينبني على إطلاق حرية الإنسان في الأرض ليصلح إن شاء ويفسد إن شاء، تحت عين الله الذي يراقب عمله ويحصيه عليه، ثم يجزيه به يوم الحساب نعيما أو جحيما.
وبهذا الفهم يكون الاستخلاف هو أن الله تعالى منح الإنسان مسؤولية الاختيار والفعل في مجال الحياة الدنيا، ليتولى محاسبته على اختياراته وأفعاله في الدار الآخرة، وكأن الإنسان خلف الله في جانب ضئيل مما هو من شأنه الخاص، المتعلق بتدبير أمر الخلائق كلها، ولم يستثن من ذلك إلا الإنس والجن اللذين وكل حيزا ضيقا من تدبيره المطلق إليهما، وهو المتعلق بالصيرورة السلوكية للذات الإنسانية وعملها العمراني، بحيث تصنع مصيرها بنفسها على الأرض وفي العالم الآخر.
وهكذا تأخذ خلافة الإنسان عن الله بعدا أخطر وأشرف في ذات الوقت”بمعنى أن الله تعالى قد أعطاه من قوة العقل والتفكير والتدبير، والسيطرة على نفسه، وعلى ما في الوجود، وفي الأرض، التي خلفه الله تعالى عليها ليكون خليفة خلافة  نسبية عن الله تعالى.”[13].
فهذا استخلاف بالمعنى العام، ويدل على كون الآدميين مفضلين عما سواهم من المخلوقات الأخرى، بالنيابة عن الله في بعض اختصاصه وشأنه العظيم، الذي ليس لأحد من خلقه أن يخالف فيه إرادة الخالق في قليل أو كثير، ولا يسعه إلا الطاعة الكاملة والإقرار بفضله على الخلائق، وتدبيره لما دق وجل من أمرها، فهو سبحانه يوجدها من العدم على النحو الذي تقتضيه حكمته، ويحدد لها مهمتها في الوجود بمحض إرادته دون شريك أو معين، ولا تملك حق الاعتراض عليه أبدا.
لكن الله تعالى شاء أن يخلق الإنسان، ويعرض عليه أمانة تقرير مصيره وتشكيله بإرادته الحرة في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة، بحيث يكون في وسعه أن يعترف بألوهية الله أو يرفضها، وأن يطيعه أو يعصاه، وأن يعبر عن موقفه الخاص في كل ما يتعلق بحياته الشخصية أو الاجتماعية، وأن يتحمل مسؤولياته كاملة عما يفعل أو يترك، وعما يحب أويكره، وأن يسعد ويهنأ بحسن فهمه وسديد رأيه، ويجني ثماره في العاجل والآجل. أو يشقى ويخزى إذا أساء التقدير فخالف قانون الخالق وتدبيره وحكمته من خلقه.
2ـ الاستخلاف بمعنى تحمل مسؤولية الحكم والقيادة.
بعد الكلام عن الاستخلاف العام، ودلالته على حرية الإنسان المقيدة بمسؤوليته عن مختلف أعماله فوق الأرض، ومحاسبته عليها بين يدي الله في الدار الآخرة، نتحدث عن الاستخلاف بمعنى تولي المسؤولية العامة على الناس، سواء حصل ذلك من قبل شخص على قومه، أو من قبل أمة على غيرها من الأمم والشعوب.
فالفرد الذي يستخلفه قومه عليهم، يتحمل مسؤولية جسيمة، تتعلق بتدبير شؤونهم العامة، فتصلح أمور الناس بصلاحه وإقامته للعدل، وقيامه بالمهام الموكولة إليه بأمانة وإخلاص وكفاءة، أو يفسد نظام المجتمع بفساده وانحرافه وضعف كفاءته، وتسوء أحواله وتفشو فيه المظالم والقلاقل.
قال تعالى مخاطبا داوود عليه السلام: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص:26]، فداوود خليفة عن الله من حيث هو إنسان تجمعه صفة الاستخلاف الأصلية مع كل الناس، ولكنه يمتاز عليهم بكونه خليفة بتكليف من الله على قومه، يحكم بينهم بالحق والعدل تطبيقا لشرع الله، في إطار ما آتاه الله من النبوة والملك.
فكل إنسان خليفة عن الله في حكم نفسه بنفسه، وقد يضيف الله له فضلا عن تدبير أمر نفسه تدبير أمر غيره من زوجة وأولاد وأناس آخرين في مهنته الخاصة، أو من خلال تولية مهام إدارية عامة، مديرا أو حاكما أو أميرا.
ويستخلف الله قوما على غيرهم، استحقاقا لهم على قدر التزامهم بالاستقامة على شرع الله،{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[النور:55]، فقد وعد الله أن يمنح المؤمنين أسباب النصر والغلبة، وأن يحصلوا صفة التمكين لدينهم والأمن والاستقرار في أوطانهم، فإذا تراجعوا عن الاستمساك بهدي الدين وتساهلوا في العمل به، دب إليهم الوهن والفساد، وخسروا العزة في دنياهم والفوز في أخراهم.
كما أن الاستخلاف تكليف واختبار للفئة المؤمنة، التي إذا تهيأت لها ظروف الريادة والقيادة لغيرها من الأمم الأخرى، وحكمت شرع الله، وأصلحت دنيا الناس بمنهج الله القويم، دام لها المجد والسؤدد، وإذا تقاعست عن ذلك وأخلت بشروط الاستخلاف الإسلامي انتكست وخابت، وصارت محكومة بغيرها بعد أن كانت حاكمة لغيرها.
وهذا من سنن الله الجارية التي لاتتخلف في الزمان والمكان، و يمكن ملاحظتها في كل النصوص الشرعية، التي تطرقت لموضوع الاستخلاف، مثل قول هود لقومه عاد: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف:69].
فما من قوم يحيد عن القيام بأمانة الاستخلاف العام في الأرض، إلا استبدل الله به غيره، الذي تؤول إليه الهيمنة على شؤونه العامة والخاصة.
3ـ الاستخلاف بمعنى النيابة بين الناس في تأمين مصالحهم الفردية والجماعية.
والخلافة بمعنى النيابة في إطار حرية الإنسان ومسؤوليته، تتسع أيضا لخلافة بني الإنسان بعضهم عن بعض، فردا عن جماعة وجماعة عن فرد، وأفرادا عن أمة، وجيلا عن جيل وخلفا عن سلف.
 فالحاكم يخلف الشعب في تدبير شؤونه العامة، وكل فرد يمارس الخلافة من خلال مهنته أو وظيفته المعلومة في المجتمع، لتأمين خدمة معينه لصالح غيره من الناس ونيابة عنهم، وذلك لاستحالة قيام الفرد بتوفير حاجاته كلها بنفسه، وإنما تتكامل جهود البشر على ظهر الأرض، بدءا من القرية وداخل المدينة وفي إطار الدولة، وانتهاء على مستوى العالم.
والعلماء ورجال الفكر والتربية والتوجيه يخلفون الأمة في رعاية تدينها، وحمايته من تسرب الانحراف إليه سواء على مستوى الفهم أو السلوك.
ويشهد لهذا النوع من الاستخلاف نصوص شرعية منها: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142]، وفي الحديث: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا»[14].
والاستخلاف بهذا المعنى كغيره من أنواع الاستخلاف الأخرى، يتوقف على كيفية ممارسة كل فرد للأمانة، التي هي أساس الاستخلاف في الأرض، ومدى تمثل قيمها المختلفة كالصدق والنزاهة والمسؤولية والإتقان.. حيث يتأرجح حال الإنسان بين الصلاح والفساد تبعا لتحلي النفس بالأمانة، أو تخليها عنها واتباع أهواء النفس وشهواتها.  
2) مسوغات اعتبار الاستخلاف مقصدا عاما للمقاصد الإسلامية
1ـ أسبقية مقصد الاستخلاف على غيره من المقاصد.
لقد بين الله مقصده من خلق الإنسان، حين أخبر الملائكة بأنه سيستخلفه في الأرض، بحيث تعرفوا على طبيعته التي اختص بها من دون باقي الخلائق وضمنهم الملائكة أنفسهم، وأنه سيكون من أفعاله الإفساد في الأرض وسفك الدماء، والتي هي نتيجة ما يتصف به من الحرية والمسؤولية، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:30]، وهاتان الصفتان الحرية والمسؤولية هما ما يتمكن بهما الإنسان من حمل الأمانة التي استثقلتها السماوات والأرض والجبال، {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72]، ومن ثم فإن مقصد استخلاف الإنسان في الأرض هو أساس كل مقصد يأتي بعده، فلا يمكنه أن يخرج عن إطاره أو يختلف عنه في قليل أو كثير، ولكنه سيكون بالضرورة بيانا وتفصيلا، لما يختزله مفهوم الاستخلاف من معاني، ومسؤوليات وغايات مبينة وشارحة لحقائقه وكلياته وجزئياته.
بل إن حقيقة مقصد الاستخلاف هي تحميل الإنسان أمانة الاختيار في الحياة الدنيا، بين الإحسان والإساءة فطرة وعقلا، عند عدم بلوغ الوحي إليه، وبين الإيمان والكفر عند وجوده، وبعد مرحلة الدنيا تليها محاسبة الله على الاختيارات، وتحمل تبعاتها في الآخرة.
2ـ ارتباط الاستخلاف بمسؤولية الإنسان[15]
لقد أحيط حدث استخلاف الإنسان بما ينبئ عن عظم شأنه، وخطورة أمره، وأنه حدث جلل، يدل على ذلك إخبار الله لملائكته به، وتساؤلهم الذي ينطوي على استغرابهم الواضح اتجاهه، {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:30].
فقد علمت الملائكة من خصائص هذا الكائن المستخلف، أنه خلافا لماهم عليه من الطاعة الخالصة لله تعالى، يملك جرأة فائقة على معصية الله تعالى عن طريق الإفساد في الأرض وسفك الدماء. “ولا شك أن تساؤلهم نشأ من فهم المعنى المراد من الخليفة وما يقتضيه من العلم غير المحدود والإرادة المطلقة، وكون هذا العلم المصرف للإرادة لا يحصل إلا بالتدريج، وكون عدم الإحاطة مدعاة للفساد والتنازع المفضي إلى سفك الدماء كما تقدم”[16].
وقد توالت الآيات القرآنية، التي تصف الملائكة بالانقياد التام لأمر الله، الذي لايشوبه زيغ أوفتور، كما هو شأن باقي المخلوقات في الكون غير الجن والإنس، منها قوله تعالى:{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ  يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل:49-50].
فعندما “أخبر الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة، فهموا من ذلك أن الله يودع في فطرة هذا النوع الذي يجعله خليفة، أن يكون ذا إرادة مطلقة واختيار في عمله غير محدود، وأن الترجيح بين ما يتعارض من الأعمال التي تعن له تكون بحسب علمه، وأن العلم إذا لم يكن محيطا بوجوه المصالح والمنافع فقد يوجه الإرادة إلى خلاف المصلحة والحكمة وذلك هو الفساد،.. فعجبوا كيف يخلق الله هذا النوع من الخلق وسألوا الله تعالى معرفة البيان والحكمة”[17].
فالاستخلاف عن الله يرتبط أساسا بتمكين الله للإنسان من حرية التصرف في نفسه وفي الأرض، وفعل ما أمره به من واجبات وصالحات، وما نهاه عنه من محرمات ومفاسد، وذلك في دائرة ما منح من قدرات وطاقات محدودة، ثم المثول بعد ذلك بين يدي الله المستخلِف له ليحاسبه على الطريقة التي مارس بها مهام الاستخلاف إحسانا وإصلاحا أو إساءة وإفسادا.
ثانيا: بيان كون الاستخلاف مقصدا عاما للقرآن والشريعة والحضارة
1) الاستخلاف مقصد عام للقرآن الكريم.
يصح القول بأن أساس استخلاف الإنسان في الأرض، هو ما زوده الله به من فطرة وعقل، يهتدي بهما -على وجه العموم- إلى التمييز بين المنافع والمضار، وبناء منظومة فكرية تحدد تصوره لنفسه وللحياة من حوله، فإذا بلغه الوحي اعتمدت نفسه على الفطرة والعقل فسلمت بأنه الحق والرشاد، واحتكمت إلى توجيهاته وبيناته واهتدت بها في دروب الحياة، أو مالت إلى تكذيب بياناته وحادت عن هديه ونهجه، {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29].
يقول عباس محمود العقاد: “الإنسان في عقيدة القرآن هو الخليفة المسؤول بين جميع ما خلق الله، يدين بعقله فيما رأي وسمع، ويدين بوجدانه فيما طواه الغيب، فلا تدركه الأبصار والأسماع”[18]، فالوحي المنزل أساس لمن بلغه فآمن به وصدقه، لممارسة الاستخلاف في اتجاه الإيمان بالله وتحكيم شرعه، فيما جل ودق من سعي المؤمن على ظهر الأرض، والذي يوصله إلى سعادة الدنيا والآخرة.
كما أن الكفر بالوحي وتنكب سبيله واجتناب هديه، ممارسة أخرى للاستخلاف تفضي إلى شقاء الدنيا والآخرة.
فالاستخلاف الإنساني لايخرج عن أحد المسارين: مسار يتوجه فيه الآدمي في حياته بهدي الوحي المنزل من الله، والمبلغ على يد رسله الأخيار، وفي هذه الحالة يناسب أن نسميه استخلافا إيمانيا، أو مسار يقوم على أساس عقلي محض، وهو ما يناسب تسميته بالاستخلاف الوضعي.
ولهذا لما أهبط الله آدم وحواء إلى الأرض خاطبهما محددا مهمتهما في الاختيار بين أحد الطريقين إما اتباع دين الله وهديه المبين، وإما الإعراض عنه والاكتفاء بالعقل وحده. {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 38-39].
فكل المقاصد القرآنية، تندرج بداهة في إطار توضيح وتفعيل مقصد الاستخلاف الإيماني، وتحديد مسؤولياته وتكاليفه العملية، التي تمتد لتعم قضايا ومناشط الحياة كلها.
ومن هذا المنطلق يمكن تحديد علاقة كل مقصد قرآني بمقصد الاستخلاف، وفهمه في إطار مدلوله، المرتكز على مسؤولية المكلف الثابتة عن إرادته وتصوراته وأفعاله، امتثالا لبيانات الوحي وتحديداته.
فالإيمان الذي هو الخطوة الأولى على نهج دين الله، ويعد التعريف به وبيانه من أول المقاصد القرآنية الكبرى، يعتبر المدخل الرئيسي إلى الاستخلاف الإيماني، حيث يخرج به المرء من الجهل بالله إلى معرفته سبحانه، وإدراك صفاته وكمالاته وعلاقته بالمخلوقين، والتعرف على مراده منهم، وحكمته من خلقهم وخلق الوجود من حولهم، وأنه تعالى خلق الدنيا وجعلها دار العمل والاختبار لبني آدم، وخلق الآخرة وجعلها دار الجزاء بالنعيم الأبدي والعقاب بنار الجحيم.
والإيمان من حيث هو تصديق بالقلب ونطق باللسان وعمل بتكاليف الشرع، يعتبر ممارسة للاستخلاف على مستوى النفس، التي استخلف الله الإنسان عليها، يزكيها ويوجهها لما يصلح لها ويسعدها دنيا وأخرى، أو يفسدها بالكفر والشرك ويدنسها بالمعاصي والآثام، {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:7-10].
فالله خلق النفس وجعلها قابلة للهداية والضلال، والطاعة والمعصية، والاستقامة والانحراف، والإيمان والكفر، وجعل مهمة الإنسان في الحياة منحصرة في توجيهها نحو أحد الاتجاهين، {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان:3]، وقد فطر الله ابن آدم على اختيار أحد المسلكين، مسلك الإيمان أو مسلك الكفر من تلقاء نفسه وبقراره الخاص، بما يعني أن الإيمان فعل إنساني خالص، منح الله للإنسان حرية القيام به، فيصدق خبر وحيه إن شاء، أو يكذبه إن شاء، وهنا تتجلى مسؤولية الإنسان في أكمل صورها، ويتضح معنى الاستخلاف وتمام حقيقته.
فإذا حسم اختيار الإيمان في قرارة نفسه، وأكد عزمه عليه وباشر مقتضياته العملية، وواظب عليها ولم يتقاعس أو يتوانى، فإن الله حينئذ يحبب إليه الإيمان ويزينه في قلبه ويكره له الكفر والعصيان، {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات:6-7] وكلما نوى الاستزادة من الإيمان والعمل الصالح، أعانه الله ووفقه على قدر صدقه وحرصه، في ابتغاء درجات أعلى من الطاعة والانقياد لشرع الله، {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد:17].
وفي المقابل لذلك فإن الإنسان إذا تلقى الوحي بالرفض والاعتراض على مضمونه، وأصر على الكفر به وجحود حقائقه، فإن الله بعد ذلك يزين له موقفه وييسر له الاستمرار عليه، وأيضا يسوق له ما قد يجعله يراجع نفسه ويصحح اختياره، فإذا أبى إلا الغي والعناد، وصم آذانه عن سماع الحق والخضوع له، فإن الله تعالى إن آجلا أو عاجلا يطمس على قلبه ويمنعه الاستبصار والإنابة للرشد، {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:125].
وهكذا نخلص إلى أن الإيمان، ممارسة استخلافية تأسيسية لكثير من التصورات الفكرية ولأفعال القلب والجوارح، التي دعا إليها القرآن وصارت من مقاصده المعلومة، مثل: توحيد الله، والخوف منه، ورجاؤه، وذكره، والتوبة إليه، ودعاؤه، والتقوى، والإنفاق، وكل العبادات المفروضة مثل الصلاة والصوم والحج… وكل التكاليف القرآنية الأخرى مثل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتزام العدل، والتحلي بالأخلاق الحميدة والتفكر في آيات الأنفس والآفاق، وتولي المؤمنين وبر الوالدين وصلة الرحم وتدبر القرآن..
وكل هذه المقاصد وأمثالها تعتبر امتدادا لمقصد الاستخلاف وتطبيقا سلوكيا له، فمن خلالها وعبر الامتثال لها وتمثلها في الفكر والسلوك، يترسخ مقصد أساسي واحد هو المسؤولية الاستخلافية التي تتخذ صورا عديدة سواء كانت معتقدات قلبية أو التزامات سلوكية أو مزيجا بينهما.
2) الاستخلاف مقصد عام للشريعة الإسلامية.
إن استخلاف الله للإنسان على مدى وجوده الأرضي، يعد كذلك استخلافا على شريعته يؤمن بها ويتفقه فيها، ويطبق أحكامها في مجالات حياته المختلفة، وفي هذا النسق فإن جميع مقاصد الشريعة العامة والجزئية، لا يمكن إلا أن تكون موصولة بمقصد الاستخلاف، ومجسدة له في واقع التدين اعتقادا وعبادة ومعاملات.
وأمثل لعلاقة المقاصد العامة للشريعة الإسلامية بمقصد الاستخلاف، فأسوق ما ذكره أبو إسحاق الشاطبي[19] في بيان قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة فقال:”المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا”.
فاتباع أوامر الشريعة واجتناب نواهيها، يقوي الإرادة في الاستقامة على الدين، ويحد من تأثير الأهواء وضغط الشهوات، ويصحح وجهة الاستخلاف الإيماني، ويحول دون الزيغ عنه، وذلك مالا يتحقق إلا باستشعار الذات لمراقبة الله في السر والعلن، والاحتكام في كل الشؤون الفردية والجماعية لتوجيهات الشريعة، والتزام الحذر الشديد من اتباع الهوى، الذي يبتعد بالنفس عن هدى الله والحق المبين.
وما من مقصد من مقاصد الشريعة إلا ويرتبط تحققه بتحقق مقصد أسبق عليه وأوسع منه، وهو مقصد الله من خلق الإنسان، ليستخلفه في الأرض ويحمله مسؤولية العمل بالشريعة فهما وتطبيقا، فيثيبه على ما أحسن من عمل، وأخلص فيه القصد لله تعالى، ويؤاخذه على ما قصر فيه وتراخى عنه.
فكل مقصد عام للشريعة يقتضي إرجاعه إلى المقصد الإلهي الأصلي من استخلاف الإنسان في الأرض، وتكليفه بتحديد موقفه النظري والسلوكي من الوحي والشريعة المنزلة.
ومثال آخر لمزيد من التوضيح، قال العز بن عبد السلام: “ما أمر الله بشيء إلا وفيه مصلحة عاجلة أو آجلة أو كلاهما، وما نهى عن شيء إلا وفيه مفسدة عاجلة أو آجلة أو كلاهما.”[20] وهو ما يدل على أن من مقاصد الشريعة العامة، تحقيق المصالح وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها.
 لكن هذا المقصد يلزم وضعه في إطار المقصد الإلهي الأسمى من خلق الإنسان والحياة الأرضية، وهو تحميل الإنسان أمانة الاستخلاف في الأرض، حيث إن جلب المصلحة ودفع المفسدة، يعتبران تكليفا مقصودا لله من خلق الإنسان وإنزال الشرائع.
فلا يعجز الله تعالى تحقيق جميع المصالح الإنسانية، وإعدام جميع المفاسد، ولكنه تعالى اقتضت حكمته ومشيئته أن يكل أمر ذلك للإنسان ويحمله مسؤولية العمل من أجله، فيرضى عنه ويكرمه إن استفرغ جهده وكابد مشقة القيام به، ويغضب منه ويعذبه إن تقاعس عن ذلك ولم يقدر المسؤولية التي حمله الله إياها.
فالله تعالى لن يحاسب الناس لماذا لم يحققوا كل المصالح ويدفعوا كل المفاسد، وإنما يحاسبهم لماذا لم يستشعروا ثقل أمانة التكليف الإلهي لهم بذلك، ويجتهدوا قدر المستطاع دون تراخ أو تقصير، لفعل ما أمروا به وترك ما نهوا عنه.
وسعيا لتأطير مقاصد الشريعة بالمقصد الأساس الذي هو الاستخلاف، يمكننا استحضار بعد التكليف والابتلاء عند صياغة أي مقصد، على نحو المثالين التاليين:
ـ المقصد العام للشريعة الإسلامية هو تكليف الإنسان بجلب المصالح ودفع المفاسد.
ـ المقصد الشرعي من وضع الشريعة، تكليف الإنسان بإخراج نفسه عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا.
3) الاستخلاف مقصد عام للعمران الإنساني والإسلامي.
1ـ الاستخلاف مقصد عام للعمران الإنساني
لقد ربط الله مهمة استخلاف الإنسان بمجال الأرض، التي سيعيش على ظهرها ويقتات من ثمارها ومنتوجاتها، ويستفيد من عطاءات أنهارها وبحارها وسهولها وجبالها، وكل ذلك حتى يتمكن من ممارسة أمانة الاستخلاف في الأرض، والتي تضم على رأس مسؤولياتها الأساسية، التفكر في آيات الله المبثوثة في الأنفس والآفاق، والتعرف من خلالها متضافرة مع آيات الوحي إذا بلغته، على الله وطريقة عبادته كما شرع.
 كما يتحمل مسؤولية حسن استغلال ما يتوفر على ظهر الأرض، وفي باطنها من ثروات ومعادن، قياما بواجب الحفاظ على حياته، وتأمين مختلف حاجاته من الغذاء والسكن واللباس، وطلب العلم النافع، والتماس العلاج الطبي، وضمان ترقية وجوده بتطوير العلوم الزراعية والصناعية.
فهذه المهمة العمرانية يضطلع بها الجنس البشري، في إطار استخلاف الله له في الأرض، والذي قد يمارسه اعتمادا على مجرد عقله، والتجارب المتوارثة عبر تاريخ الإنسانية، ونتائجها المتراكمة في شتى مجالات الحياة، أو استنادا إلى الفهم السائد لتعاليم الوحي وفقه مقاصده، فيكون سعيه فيها صلاحا ورخاء وأمنا، أو فسادا وشقاء واضطرابا، فيجني ثمار نهجه العاجلة فوق الأرض، ويتعرض لحساب الله الآجل في الدار الآخرة.
فعمران الأرض يغدو وحده المقصد المهيمن في إطار الاستخلاف الوضعي، القائم على أساس المناهج الفكرية البشرية، المنكرة لوجود الله ولشرعه وحسابه لخلقه من الآدميين، أو المستند إلى تعاليم الأديان السماوية المحرفة، وكذا الأديان الأرضية المجافية لمضمون الوحي الصحيح.
ولقد عرفت البشرية على امتداد وجودها إلى اليوم، ميلا شديدا لاتخاذ منظومات اعتقادية وفلسفية، تحصر همها ومنتهى سعيها في دائرة الحياة الدنيا، وتقصي الإيمان بالغيب والبعث بعد الموت، والخضوع للحساب ثم الجزاء والعقاب. {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم:7-8]. “يعني علمهم منحصر في الدنيا، وأيضا لا يعلمون الدنيا كما هي، وإنما يعلمون ظاهرها وهي ملاذها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها وهي مضارها ومتاعبها، ويعلمون وجودها الظاهر، ولا يعلمون فناءها”[21].
وهؤلاء هم أصحاب الدنيا الذين آثروا القيام بمهام الاستخلاف، بحبس هممهم وحصر تطلعات نفوسهم، داخل الواقع الأرضي المحدود باللحد في القبور، فتحملوا مسؤولية فهمهم الخاطئ، فخابوا في الدنيا وخسروا في الآخرة.
وخلاصة القول أن الفعل البشري العمراني، في أي اتجاه جرى زمانا ومكانا، يجسد مقصد الله العام من استخلاف الإنسان في الأرض.
2ـ الاستخلاف مقصد عام للعمران الإسلامي
إذا كانت الإنسانية عامة تمارس مهام العمران في الأرض، في ظل مناهج فكرية وضعية، أو انطلاقا من بقايا ديانات سماوية أو أرضية، فإن المسلمين ينهضون بأعباء العمران بتوجيه من تعاليم الوحي الخاتم، الذي يلزم أتباعه بتعمير الدنيا بالدين وإقامة الدين في الدنيا، التي جعلها الله مزرعة للآخرة، ولا مهرب من العبور منها إلى الدار الآخرة.
فالدنيا والآخرة يلتحمان في منظور الإسلام، ويمتزجان في سلوك المسلم ويتكاملان، حتى يمكنه القيام بأعباء الخلافة في الأرض على الوجه الإيماني الصحيح.
فالقرآن رسم المنهج الإسلامي لابتغاء الحياة الآخرة الباقية، بالعمل في الحياة الأولى الفانية، {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:77]، فالمسلك الأصوب، هو أن يكون قصد المؤمن بكل ما أوتي من مال وصحة وجاه وعلم وخبرة، وبكل ما يبني ويشيد، وما يبيع وما يشتري، وما يبرم من عقود ويعطي من عهود، هو نيل رضى الله والفوز بنعيم الدار الآخرة الدائمة، والاحتراز من التوسل إلى شيء من مكاسب الدنيا بما يفسدها ولا يحل في شرع الله.
فالدنيا دار ابتلاء وامتحان، والآخرة دار ثواب وجزاء، فهي وكل ما يشغل المكلف في أرجائها فتنة شديدة، قد لايفلح في مواجهتها إلا بمجاهدة مستمرة ومعاناة متواصلة، وما ينتج عنهما من توفيق الله وتثبيته، {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك:2]، ومن ذلك “أن موقع الدنيا من حيث الترتيب الزمني بالنسبة للآخرة يعد من أقوى عوامل الابتلاء، فالنفس البشرية تؤثر العاجل على الآجل، وتتسرع في الأمر كله، وهو ما يقوي افتتانها بالدنيا وانشغالها بها دون الآخرة المتأخرة زمنيا، ثم إن الدنيا معيشة ومشاهدة، تملك على الإنسان السمع والبصر والفؤاد، يلتذ بأطاييبها ويتنفس هواءها، ويرى سريعا نتائج سعيه فيها، ويكابد محنها ويحس ضغوطها عليه، ويعاني من حاجاتها، وضروراتها الملحة والمتكررة، لهذه الأسباب يجد الإنسان نفسه منغمسا في طلب الدنيا، متورطا في حبها بدافع غريزة حب البقاء، وبحكم الاندماج التام بين الحياة ذاتها، وطبيعتها الدنيوية.”[22].
والمسلم يؤمن بأن خلافته النسبية عن الله كما سلف، تجعل مهامه العمرانية ليست تفاعلا بينه وبين الطبيعة ومكوناتها فحسب، وإنما هي تفاعل بين جهده المحدود وبين شرع الله وقدرته وإرادته، فالمساحة التي استخلف الله فيها الإنسان لاتخرج عن دائرة القصد والنية، وما يفعله بعد ذلك فهو بإقدار الله له وتيسيره عليه، يقول الفضيل بن عياض:”إنما يريد الله عز وجل منك نيتك وإرادتك”[23]
وقد ذهب علال الفاسي إلى اعتبار عمارة الأرض مقصدا عاما للشريعة الإسلامية فقال: “والمقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض، واستنباط لخيراتها وتدبير لمنافع الجميع.”[24]
فربط عمارة الأرض بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بمختلف التكاليف الإسلامية في مجالاتها المادية والروحية، يدخل المهام العمرانية كلها تحت المقصد الاستخلافي، الذي تحدد قبل خلق آدم وحواء، وترسخ بالممارسة الفعلية خلال الإنجازات العمرانية المتميزة للحضارة الإسلامية.
ومن الخطإ المنهجي البين، أن نتحدث عن الإنجاز العمراني الإسلامي، بمعزل عن بيان مدى ارتباطه وتوجهه بمقاصد الاستخلاف وانضباطه بقيمه السامية.
ثالثا: الاستخلاف باعتباره حافزا أساسيا للنفس في بناء الحضارة، واعتبارها ممارسة لحقيقته واضطلاعا بمسؤولياته المتعددة.
1) الاستخلاف حافز أساسي لبناء الحضارة ورقيها.
تعتبر الحضارة نتيجة الممارسات الاستخلافية، للكيانات البشرية المتعاقبة على وجه الأرض عبر الزمان والمكان، فهي حصيلة تضافر الجهود الجماعية لأمة ما، انطلاقا من رؤية خاصة، تشكل تصورا معينا للوجود وللإنسان ودوره فيه، تكون مستمدة من وحي إلهي أو اجتهاد بشري.
يقول الطاهر بن عاشور: “فالخليفة آدم وخلَفيته قيامه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض بالإلهام أو بالوحي، وتلقين ذريته مراد الله تعالى من هذا العالم الأرضي”[25].
ويتمحور مضمون الرؤية الحضارية، حول مبدإ مركزي، تتشربه النفوس بالتربية والتنشئة الاجتماعية، ويمثل محركا ثابتا لها في اتجاه عمارة الأرض. ويسمى هذا المبدأ المحرك أيضا روح الحضارة.
وكان غوستاف لوبون Gustave le bon  (1841-1931) من الذين أكدوا دور المعتقدات الدينية في نشأة الأمم والحضارات، إذ يقول: “وتَكَونَ من المعتقدات الدينية في كل وقت أهم عنصر في حياة الأمم، ومن تم في تاريخها، وكان ظهور الآلهة وموتها أعظم الحوادث التاريخية، وتولد مع كل مبدإ ديني جديد حضارة جديدة، وما انفكت المسائل الدينية تكون من المسائل الأساسية في قديم الأجيال وحديثها.”[26]
والحضارات التي لم تبن على الدين، فإنها تبنى على موقف معين منه، مثل العلمانية التي ترى فصل الدين عن الدنيا، والشيوعية التي تعتبر الدين أفيونا للشعوب..
وتقوم الحضارة الإسلامية على أساس الشريعة الإسلامية، وما تشتمل عليه من إيمان بالله وتوحيده، تنفيذا لاستخلاف الله للإنسان في الأرض، بعد تسويته والنفخ فيه من روحه، وتمكينه من اكتساب المعارف والخبرات، مما أهله ليتحمل أمانة الخلافة عن الله، بالاستقامة على الدين في نفسه وفي مجتمعه، والقيام بمسؤوليات عمارة الأرض وإنشاء حضارة إيمانية رشيدة.
وهذا يتطلب اكتساب وعي حضاري وهو “إدراك الفرد ومؤسسات المجتمع المختلفة لمسؤولياتهم الكبرى في بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة، والسعي في دفع عملية النهضة والتقدم المعنوي والمادي من خلال إصلاح الفكر والسلوك والواقع”[27]
فالاستخلاف الإيماني يمثل حافزا قويا للإنسان على إعمار الأرض، بتنمية الخير والصلاح والهداية بين الناس، وتقليل الشر و الحد من أسباب الفساد، وذلك عندما يتحرك نحو العمل، باستشعار عظمة الأمانة التي طوق بها الله أعناق الآدميين، وربط صلاح الإنسان وفلاحه وسعادته في الدنيا والآخرة، بإدراك ثقلها وأساسيتها ومختلف أبعادها في الوجود الإنساني.
فكل مقصد يُرَى بأنه يحقق غايات إنسانية دنيوية وأخروية، ترتفع فعاليته عند ربطه بمقصد المسؤولية الاستخلافية، التي تمثل مقصد الله من خلق الجنس البشري، وبسط سلطانه في الأرض، يسخر مقدراتها في الخير كما في الشر، ويصلح فيها أو يفسد.
وهذه المسؤولية الاستخلافية، تتخذ نهج الإيمان بالله وعبادته لدى المسلمين، وغيرهم من أتباع الرسل عليهم السلام، والعمل على استحقاق رضى الله، والفوز بالاطمئنان النفسي في الدنيا، وبالمقام في جنات الخلد بعد النشر والحساب، وتتخذ نهوجا مختلفة عند غير المؤمنين بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر.
فالإيمان بالله يتحقق نتيجة إحساس عميق بالمسؤولية، تجاه الله الخالق الرازق المحيي المميت، الذي لاتعد أفضاله ونعمه على الإنسان، وأنه يجب عليه أن يبذل ما يستطيع من الجهد الفكري، ليتعرف على الله ويتعلم من الوحي كيف يقوم بحقه عليه، ويدخل نفسه في سلك طاعته وعبادته كما أراد وشرع.
والإيمان أيضا يحصل نتيجة استشعار الإنسان للمسؤولية تجاه نفسه، التي إذا عرفت الله والتزمت بعبادته وانتهت عما يغضبه، أمنت عقابه الشديد، وظفرت بجزائه العظيم في نعيم جنانه.
أما عبادة الله التي هي غاية الخضوع الطوعي لله مع حبه، فعن طريقها يمارس المؤمن مسؤولية تحمل عناء التكليف بها والرغبة في أدائها بصدق وإخلاص، لينال رضى الله وأجره العظيم، ويتجنب سخطه وتبعات تركها أو التهاون فيها.
فالعبادة إذن تأتي تنفيذا لمقتضيات الإيمان بالله، الذي يكون بدوره بعد قيام الإنسان بالخطوة الأولى على طريق الاستخلاف، وهي ممارسة المسؤولية الحاسمة، باختيار التعرف على الله والإيمان به، وعبادته كما شرع، والسير على نهجه مدى الحياة.
فالإنسان يمارس المسؤولية في إنشاء الأعمال التكليفية ابتداء، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “إنما الأعمال بالنيات…”[28] وفي أدائها بإتقان، ثم إنهائها على أحسن حال.
إن كل أعمال الآدميين على الأرض تحقق المقصد الاستخلافي، من حيث كونها ممارسة بوجه من الوجوه لمسؤولية حرية الفعل، وتحمل نتائج اختياره ومعاناة أدائه، وما يترتب عليه من تنعم أوإيلام دنيا وأخرى.
فإذا أيقن المؤمن بصدق وعد الله للطائعين بالجنة، ووعيده للعصاة بالجحيم، فإنه يتحفز لفعل أي أمر إلهي واجتناب أي نهي، فيسترخص كل غال ويتحمل كل مشقة ومعاناة، ويكابد كل ما يعترض طريقه من صعاب ومتاعب.
ومن هنا نتبين قيمة المسؤولية، التي تنشأ في النفس في إطار الاستخلاف الإيماني، مقارنة بغيره من أنواع الاستخلاف الأخرى، وهو ما ينعكس على الأفعال العمرانية التي يقوم بها المسلمون الصادقون، فتكون صلاحا وبناء ونماء في كل ميادين الحياة، ورخاء وإحسانا وإسعادا لكل أفراد المجتمع المسلم، ونشرا للهداية والعدل والرحمة والأخلاق الحميدة في العالمين.
2) الحضارة باعتبارها ممارسة استخلافية.
ليست الحضارة مجرد إنجازات مادية، تعكس المستوى الفكري والمهاري للأمة التي ساهمت في بنائها، وإنما هي أكثر من ذلك تنفيذ بوعي أوبدونه، لمهمة الاستخلاف في الأرض، نشأت عن إرادة جماعية، وفهم معين لدور الإنسان في الوجود، وتأكدت وترسخت في النفوس عبر السنين والأحقاب، فأفرزت معارف وعلوما وفنونا وقيما وعادات وأخلاقا، تشكل بمجموعها دلالة خاصة لأمانة الاستخلاف وممارسة كاملة لها.
وكما أنها تخضع لتأثير الإنسان فيها، يخضع هو أيضا لتأثيراتها فيه، وخصوصا فئة الصغار الذين يستوعبون إيحاءاتها بعفوية، وتنساب قيمها وأخلاقها في نفوسهم، وتنطبع فيها على الدوام. لذلك يعد بناء الأجيال، وإعدادها لتحمل الأمانات والنهوض بالمسؤوليات العمرانية، أهم إنجازات الأديان والحضارات على الإطلاق! فنجد أنبياء الله يحرصون على أن يخلفوا ذرية صالحة تسير على نهجهم من بعدهم، اقتداء بإبراهيم عليه السلام الذي أوصى بنيه بالحفاظ على ملة الإسلام: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [البقرة: 132، 133]
ولهذا دخلت مهمة تربية الأجيال في صلب بعض تعاريف الحضارة، كما عند مالك بن نبي الذي يرى أنها:”توفر مجموع الشروط الأخلاقية والمادية، التي تتيح لمجتمع معين أن يقسم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه”[29].
فاستخلاف أجيال صالحة قادرة على مواصلة المهام العمرانية للأمة، أو بالأحرى الحفاظ على روح حضارتها، بل وإصلاح ما فسد في رؤيتها الاستخلافية، والحيلولة دون اهتزاز أساسها في نفوسهم، يعد من أهم مسؤوليات الاستخلاف في الأرض، إذ أساس العمران قائم بالنفوس، فإذا لحقه تبدل وتغير، تغيرت تبعا له الأوضاع العامة واضطربت مسيرة الأمة، وتراجع عطاؤها الحضاري وفق سنن الله الغالبة، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [الرعد:11]. {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء:16]
فالله تعالى استخلف الإنسان في نفسه ودينه مع استخلافه في الأرض، ليبدأ بإصلاح نفسه بالدين، وهو يعدها لخوض غمار الإصلاح الحضاري.
وإعداد النفس للقيام بالواجبات الإعمارية، يرتكز على إحياء وتنمية حس المسؤولية فيها، عن طريق التربية والتعليم، وممارسة الدين اعتقادا وعبادات وأخلاقا، بالنسبة لمن بلغتهم الرسالات السماوية، أواعتمادا على الفطرة والعقل وحدهما، وتفاعلا نفسيا مع تحديات الواقع، وفي هذا الصدد يقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي  Arnold Toynbee (1889-1975): “إن التفسير الوحيد الذي يشرح لنا تماما فكرة النشوء الحضاري، تفسير نفسي النزعة، قائم على مفهوم التحدي والاستجابة: تحدي من الطبيعة والظروف البيئية والاجتماعية الصعبة، واستجابة ناجحة من طرف الإنسان، أي رد التحدي الخارجي بالتحدي البشري النفسي، على هذه العوارض في طريق الانطلاق الحضاري.”[30]
وما دام الاستخلاف الإنساني ممارسة للمسؤولية العمرانية وكافة الواجبات المتفرعة عنها، فإن الأمم لاتنفك عن بلورة مدلولات خاصة بها لمعنى المسؤولية، تتحرك بها في إقامة حضاراتها، وتدل طبيعة تمدنها في الواقع على مدى تقديرها لقيمة المسؤولية، فكلما وجدت لديها إنجازات عمرانية راقية، افترض معها وجود حس مرتفع للمسؤلية لدى أفرادها.
فإذا تشبعت النفس بقيمة المسؤولية، سهل عليها اكتساب أي صفة حميدة أو خلق رفيع، فغدت متصفة بحب العمل وإتقانه، والوفاء بالالتزامات والعهود والعقود، والتضحية بالوقت والجهد والمال لخدمة الوطن والمصلحة العامة، كما تتصف ببغض الظلم والغش والكذب والزور وكل القبائح.
وعلى أساس نهوض الأمة بمسؤولياتها التربوية الإصلاحية، داخل الوطن الإسلامي وخارجه، تتأهل لاستحقاق الاستخلاف الرسالي في الأرض بين الأمم الأخرى، فتقيم حضارة الإيمان والعقل، والعدل والإحسان، وسعادة الدنيا والآخرة. {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]
فإذا تراخت الأمة في تحمل مسؤولية الهداية والإصلاح لنفسها ولغيرها، توالت عليها الأزمات والنكبات، وتلاشت قوتها واختلت أوضاعها، حتى تعود من جديد لحمل أمانة الاستخلاف الرسالي، الذي هو قدرها إلى يوم الدين.
خاتمة:
اتجه البحث إلى إبراز إمكانية الانطلاق من مهمة الاستخلاف في الأرض، باعتباره المقصد الأساس الذي تتفرع عنه جميع المقاصد الإلهية الأخرى سواء، كانت إنسانية عامة أو إسلامية خاصة، وبيان مدى استيعابه لغيره من المقاصد الإسلامية القرآنية والشرعية والحضارية.
وقد سعى إلى ترجيح أن الاستخلاف بالمعنى العام، يحتمل معنى النيابة عن الله في حدود ضيقة، تمنح فيها للإنسان حرية الاختيار، التي يكون بها مسؤولا – حال المثول بين يدي الله- عن إرادته ومعتقده إيمانا أو كفرا وعن سلوكه صلاحا وفسادا.
والاستخلاف بالمعنى الخاص تكليف واختبار للفئة المؤمنة، إذا تهيأت لها الظروف المواتية، للاضطلاع بمهام الريادة والقيادة لغيرها من الأمم الأخرى.
كما بين أن مقصد الله الأول من خلق الإنسان، كان واضحا حين أخبر الملائكة بأنه سيستخلفه في الأرض، وأنه سيكون من أفعاله الإفساد فيها وسفك الدماء، والتي هي نتيجة ما يتصف به من الحرية والمسؤولية، وهاتان الصفتان الحرية والمسؤولية هما ما يتمكن بهما الإنسان من حمل الأمانة، التي استثقلتها السماوات والأرض والجبال.
واستنتج البحث أن مقصد استخلاف الإنسان في الأرض، هو أساس كل مقصد يأتي بعده، ولا يمكن أن يخرج عن إطاره أو يختلف عنه في قليل أو كثير، ولكنه سيكون بالضرورة بيانا وتفصيلا لما يختزله مفهوم الاستخلاف من معاني ومسؤوليات وغايات، مبينة وشارحة لحقائقه وكلياته وجزئياته.
فالإيمان الذي يعد مقصدا قرآنيا عاما، يعتبر ممارسة استخلافية تأسيسية لكثير من التصورات الاعتقادية والفكرية وأفعال القلب والجوارح، التي دعا إليها القرآن وصارت من مقاصده المعلومة، مثل توحيد الله، والخوف منه، ورجائه، والتقوى، والتوبة، والصدقة، والصلاة والصوم والحج…
وكل هذه المقاصد وأمثالها تمثل امتدادا لمقصد الاستخلاف وتطبيقا سلوكيا له، فمن خلالها وعبر الامتثال لها وتمثلها في الفكر والسلوك، يترسخ مقصد أساسي واحد هو المسؤولية الاستخلافية، التي تتخذ صورا عديدة سواء كانت معتقدات قلبية أو التزامات سلوكية أو مزيجا بينهما.
كما أوضح أن استخلاف الله للإنسان على مدى وجوده الأرضي، يعد كذلك استخلافا لمن بلغه الوحي على شريعته، يؤمن بها ويتفقه فيها ويطبق أحكامها في مجالات حياته المختلفة، وفي هذا النسق فإن جميع مقاصد الشريعة العامة والجزئية، لايمكن إلا أن تكون موصولة بمقصد الاستخلاف ومؤكدة له في واقع التدين اعتقادا وعبادة ومعاملات.
وأكد أن الجنس البشري يضطلع بالمهمة العمرانية، في إطار استخلاف الله له في الأرض، والذي قد يمارسه اعتمادا على مجرد عقله، أو استنادا إلى تعاليم الوحي وفقه مقاصده، فيكون سعيه فيها صلاحا ورخاء وأمنا، أو فسادا وشقاء واضطرابا، فيجني ثمار نهجه العاجلة فوق الأرض، ويتعرض لحساب الله الآجل في الدار الآخرة.
وخلص في النهاية إلى كون الاستخلاف الإيماني يصبح حافزا قويا للمسلم، على إعمار الأرض بتنمية الخير والصلاح والهداية بين الناس، وتقليل الشر وأسباب الفساد، وذلك عندما يتحرك نحو العمل باستشعار جسامة الأمانة الاستخلافية، وربط صلاح الإنسان وفلاحه وسعادته في الدنيا والآخرة، بإدراك ثقلها وحسابها الشديد، ومختلف أبعادها في الوجود الإنساني.
وهكذا استطاع البحث تقديم مفهوم موسع للاستخلاف في الأرض، ليشمل مطلق الإنسان على اختلاف نهجه في الحياة، كما استعرض الملامح العامة لملاءمة مبدإ الاستخلاف ليكون مقصدا أساسيا وشاملا للمقاصد العامة لكل من القرآن والشريعة والحضارة الإنسانية والإسلامية.
مما يغري بالتوسع في البحث، والعمل على زيادة تمحيص لمدى قدرة الاستخلاف فعلا على تأطير جميع المقاصد الجزئية لكل من القرآن والشريعة والحضارة، وغير ذلك من المجالات الأخرى.
وتبقى أهم نتيجة لهذا البحث، هو استنهاض همم العلماء والباحثين في مجال الدراسات المقاصدية، إلى استفراغ الجهد في التوصل إلى مقصد واحد عام وجامع للمقاصد الإسلامية كلها، سواء كان هو الاستخلاف أو غيره، وذلك سعيا للخروج من حالة التشتت الفكري والمنهجي التي تمنع من حسن استثمار النهج المقاصدي في تطوير وتجديد المعرفة الإسلامية، وتفعيل توظيفها في تأطير وتحفيز نهضة فكرية وحضارية رشيدة ومعاصرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – انظر العز، بن عبد السلام أبو محمد، قواعد الأحكام في مصالح الأنام،، راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، 1414هـ/ 1991م، 1ج، ص8.
[2] – نفسه ج1، ص162.
[3] – بن عاشور، محمد الطاهر، تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، تونس، الدار التونسية للنشر، 1984م، ج1ص8.
[4] – نفسه ج1، ص38.
[5]–  انظر، عبدالسلام الأحمر، الاستخلاف في الأرض نحو رؤية قرآنية كلية، ضمن أعمال الندوة الدولية:القرآن الكريم ورؤية العالم مسارات التفكير والتدبير،سلسلة ندوات علمية (07)، تنظيم الرابطة المحمدية للعلماء، 1435ھ/2014م. ص302.
[6]–  الرازي، فخر الدين – مفاتيح الغيب– بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420هـ، ط3. ج2، ص389.
[7]–  الكفوى، أبو البقاء، الكليات، معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، المحقق: عدنان درويش- محمد المصري، بيروت، مؤسسة الرسالة، ج1،ص670.
[8]– ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس، الفتاوى الكبرى، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1408هـ/1987م، ج5، ص122.
[9]–  ابن قيم الجوزية، مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، بيروت، دار الكتب العلمية، ج1، ص152.
[10]–  نفسه
[11] – ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد،  بيروت،  مؤسسة الرسالة، الكويت، مكتبة المنار الإسلامية، ط 27، 1415هـ/1994م، ج2، ص434.
[12] –  مسند الإمام أحمد بن حنبل، المحقق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة1، 1421 هـ – 2001 م، (17/ 227)  وضعفه الألباني
[13] – انظر أبو زهرة، زهرة التفاسير، دار الفكر العربي، (1/ 194).
[14] – البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت، دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ، (ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي) ج4 ص27، رقم الحديث 2843،  كتاب الجهاد والسير، باب فضل من جهز غازيا أو خلفه بخير.
[15]–  انظر، عبدالسلام محمد الأحمر، مقال الاستخلاف في الأرض نحو رؤية قرآنية كلية، سلسلة ندوات علمية (07)، مرجع سابق، ص304-305.
[16] –  رشيد رضا، تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990م، ج1، ص217.
[17] –  نفسه، ج1ص 213.
[18]– العقاد، عباس محمود، الإنسان في القرآن، مصر، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2001م، ص7.
[19]– انظر الشاطبي، أبوإسحاق، الموافقات، تحقيق أبو عبيدة آل سلمان، القاهرة، دار ابن عفان، ط1، 1417ھ/1997م، ج2، ص289-290.
[20]– عز الدين بن عبد السلام، الفوائد في اختصار المقاصد، تحقيق إياد خالد الطباع. دمشق. دار الفكر، 1416ھ. ص143.
[21]– الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق ج25، ص81.
[22]– انظر الأحمر، عبد السلام، المسؤولية أساس التربية الإسلامية، الرباط، مطبعة طوب بريس، ط1، 1428ھ/2007م، ص33-34.
[23] –  ابن رجب، الحنبلي، جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، المحقق: شعيب الأرناؤوط – إبراهيم باجس،  بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة7، 1422هـ /2001م، ج1، ص71.
[24]– الفاسي، علال، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، المنصورة، دار الكلمة للنشر والتوزيع،ط1، 2014م، ص58-59.
[25]– بن عاشور، التحرير والتنوير مرجع سابق، ج1، ص399.
[26]– غوستاف لوبون، السنن النفسية لتطور الأمم، نقله إلى العربية عادل زعيتر، مصر، دار المعارف، 1950م، ص157.
[27]– القحطاني، مسفر بن علي، الوعي الحضاري- مقاربات مقاصدية لفقه العمران الإسلامي، بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2012م، ص66.
[28]– البخاري، ج1، رقم الحديث01، كتاب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب بدء الوحي، وتتمة الحديث:«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة بقوله، قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنية رقم الحديث 1907، (مرجع سابق).
[29]– بن نبي، مالك، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، بيروت، دار الفكر، ط5، 2005م. ص50.
[30]– انظر مقال: فلسفة التاريخ عند أرنولد توينبي، مجلة دعوة الحق العدد 46، موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب. http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/1054  أطلع عليه في 16/01/2017.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى