صورة الذات الإلهية في القراءات المعاصرة للقرآن

دراسة نقدية

الباحث: محمد ماجي

     هذا عنوان أطروحة دكتوراه جامعية تمت مناقشتها يوم الأربعاء 02 جمادى الأولى 1448 ه/ الموافق لـ 14 أكتوبر 2026 م – برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس. التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس.  وقد حضرها الطالب الباحث محمد ماجي “. وأشرف عليها الأستاذ الدكتور هشام مومني. في حين تكونت لجنة المناقشة إلى جانبه من السادة الأساتذة: – د. إدريس أوهنا مشرفا – د. امحمد الينبعي مقررا – د. أحمد مزهار  مقررا.
     وقد اشتغل الطالب الباحث في أطروحته ببيان صورة الذات الإلهية في القراءات المعاصرة للقرآن الكريم على مستوى صفاتها وأفعالها. من خلال دراسة إنتاجات خمسة من أصحاب هذه القراءات، وهم على التوالي: حاج حمد أبو القاسم ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري ومحمد شحرور.
     وتركز البحث على ما تقدمه هذه القراءات من تصورات لصفات الله تعالى وأفعاله، وعلى الأسس الفكرية والمنهجية التي تستند إليها. وينطلق البحث من ملاحظة حضور المناهج والنظريات المتداولة في الدراسات الغربية للنصوص الدينية ضمن بعض المشاريع العربية المعاصرة لإعادة قراءة القرآن، وما يثيره توظيفها من أسئلة تتصل بخصوصية النص القرآني وحدود التأويل وموقع الموروث التفسيري والكلامي.
     وتسعى الدراسة إلى وصف هذه التصورات وتحليلها وتقويمها من منظور عقدي نقدي، بالاحتكام إلى دلالات النص القرآني وما قرره الباحث من ضوابط الاستدلال. وقد حُدد نطاق البحث في صفات الذات الإلهية وأفعالها، باعتبارهما المجالين الأبرزين في المادة التي اختارها للفحص والمناقشة.
إشكالية البحث وأهدافه
     تتمحور الإشكالية الرئيسة حول السؤال الآتي: كيف صوّرت القراءات المعاصرة للقرآن الكريم الذات الإلهية، من حيث صفاتها وأفعالها وعلاقتها بالإنسان؟ ويتفرع عن هذا السؤال النظر في المرجعيات والمناهج المؤثرة في بناء هذه الصورة، وفي النتائج المترتبة على التأويلات المعروضة، ومدى اتساقها مع التصور القرآني للألوهية بحسب المنظور النقدي الذي يتبناه البحث.
     وعليه، يرمي العمل إلى رصد المقولات المرتبطة بصفات الله تعالى وأفعاله في نماذج محددة من القراءات المعاصرة، والكشف عن أسسها الحجاجية وطرائق استدلالها، ثم مناقشتها ونقدها. كما يتوخى إتاحة مادة علمية تساعد على تطوير البحث في العلاقة بين تجديد قراءة النص الديني وضوابط الفهم والتأويل.
المتن المدروس والمنهج المعتمد
     اعتمد الباحث عينة من مؤلفات خمسة مفكرين: أبو القاسم حاج حمد، ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، ومحمد شحرور. واستخرج منها النصوص ذات الصلة بالذات الإلهية، ثم نظمها وفق القضايا المشتركة التي تجمع بين الصفات والأفعال والعلاقة بالإنسان.
     واستند البحث إلى مقاربة مركبة تجمع ثلاثة مستويات متكاملة: الوصف، بعرض مواقف أصحاب القراءات المختارة في سياقاتها؛ والتحليل، بتفكيك مفاهيمها وحججها وصلاتها؛ والنقد، بمناقشة نتائجها ومرجعياتها ومدى سلامة الاستدلال فيها. وغلب المستوى الوصفي على الباب الأول، بينما تركز التحليل النقدي في الباب الثاني، مع حضور التحليل في البابين معًا.
بنية الأطروحة
     انتظمت الأطروحة في مقدمة وتمهيد وبابين وخاتمة، إلى جانب الفهارس العلمية. خصصت المقدمة لبيان الأهمية والأهداف والإشكالية والمنهج والدراسات السابقة والصعوبات. أما التمهيد فتناول تحديد المفاهيم المركزية، وبخاصة الذات الإلهية والقراءات المعاصرة للقرآن، مع التعريف بأصحاب المشاريع الخمسة المدروسة.
     وجاء الباب الأول في فصلين وصفيين: تناول أولهما كيفية تصوير صفات الذات الإلهية، وتناول ثانيهما كيفية تصوير أفعالها وتصرفاتها. أما الباب الثاني، فجاء في فصلين نقديين؛ بحث الأول أثر النظريات والمناهج الغربية في التصورات المدروسة، بينما ناقش الثاني مواقف هذه القراءات من التراث العلمي الإسلامي ومن العلاقة بين الفعل الإلهي وقدرات الإنسان ومكانته.
موقع الدراسة ضمن البحوث السابقة وصعوباتها
     استعرض الباحث مجموعة من الكتابات الناقدة للقراءات المعاصرة للقرآن، منها أعمال شوقي أبو خليل، ومنير محمد طاهر شواف، وقطب الريسوني، ويوسف الكلام، إلى جانب دراسات خُصصت لمشاريع بعض المفكرين، مثل محمد أركون ومحمد شحرور. وحدد وجه الإضافة التي يتطلع إليها بحثه في تخصيص دراسة جامعة لصورة الذات الإلهية، بدل الاكتفاء بالنقد العام للمشاريع التأويلية أو بتناول مفكر واحد.
     ومن أبرز الصعوبات التي أشار إليها اتساع المؤلفات التي يمكن إدراجها في المتن، وتشابه بعض الموضوعات وتكررها، فضلًا عن إشكال تفسير أقوال المؤلفين تفسيرًا منصفًا وعدم تحميل نصوصهم ما لا تحتمله، ولا سيما عند مناقشة مواقف مفكرين متوفين لا يمكن الرجوع إليهم لتوضيح مقاصدهم.
أبرز النتائج
     خلصت الدراسة، على مستوى توصيف المشاريع المدروسة، إلى تأكيد مركزية النص القرآني في اهتمامات أصحابها، وإلى تعدد مؤلفاتهم وقضاياهم التأويلية، بما فيها موضوع الصفات والأفعال الإلهية وصلته بالإنسان وغيره من المخلوقات.
     أما على مستوى النقد، فيرى الباحث أن بعض هذه القراءات تتجه إلى مراجعة سلطة التفسير والفقه الموروثين، والدعوة إلى التعامل المباشر مع النص القرآني، وأن عددًا من تأويلاتها للصفات والأفعال الإلهية يفضي، وفق تحليله، إلى إضفاء خصائص بشرية على الذات الإلهية أو إلى إعادة تصور حدود الفعل الإلهي والفاعلية الإنسانية. كما يخلص إلى أن توظيف بعض المناهج المستمدة من نقد الكتاب المقدس يحتاج إلى فحص دقيق قبل نقلها إلى دراسة القرآن الكريم، بالنظر إلى اختلاف السياقات والمرجعيات.
     وهذه الخلاصات تمثل نتائج الباحث وموقفه التأويلي والنقدي من العينة التي درسها، ولا يُقصد بها تعميم الحكم على جميع القراءات المعاصرة للقرآن أو اختزال تنوعها الفكري والمنهجي.
توصيات وآفاق البحث
     أوصى الباحث بتوسيع الدراسات العلمية المتخصصة في القراءات المعاصرة للقرآن، سواء من خلال دراسة مشروع فكري بعينه دراسة شاملة، أو بتتبع قضية محددة لدى عدد من المفكرين ومقارنة مواقفهم فيها. وأشار إلى قضايا تصلح للبحث المستقل، منها علاقة الوحي بتلقيه وتدوينه، وحدود التشريع الإنساني، ومسألة العلم الإلهي بالغيب، والموقف من التراث التفسيري.
     كما دعا إلى تعزيز دور المختبرات الجامعية في اقتراح موضوعات دقيقة للبحث، وإلى تطوير الندوات والبرامج العلمية التي تتيح مناقشة القضايا العقدية والتأويلية وفق قواعد الاستدلال والحوار الأكاديمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى