تقديم وتحقيق
الطالب الباحث: الطيب الهلالي
عنوان أطروحة دكتوراه من إعداد الطالب الباحث: الطيب الهلالي وإشراف الدكتور: محمد بوطربوش
بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة ابن طفيل بالقنيطرة المغرب.
تاريخ المناقشة: 16 محرم 1448هـ / 02 يوليوز 2026م
لجنة المناقشة:
ـ الدكتور سالم أبريش
ـ الدكتور عبد المجيد محب
ـ الدكتور عبد السلام اجميلي
ـ الدكتور عبد الصمد الكلموسي
ـ الدكتور زيد الشريف
ملخص التقرير:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
وبعد؛ فإن الفقه في الدين من أعظم ما ينبغي للطالب الاشتغال به، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [1]، وقال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» [2]. ومن هنا كان علم الفقه من أجلّ العلوم منزلة، وكان الاشتغال به من أقرب القربات إلى الله عز وجل، وأولى ما صُرفت فيه فواضل الأوقات، إذ عليه صلاح العباد، ومدار سعادتهم وفوزهم في الدارين.
ولذلك عُنيت الأمة الإسلامية بتأليف الأمهات والمصنفات جمعًا لمادتها، وحفظًا لأحكامها، فقدروها حق قدرها، ورعوها حق رعايتها، حتى أصبحت هذه العناية ميزة من مميزات الشريعة الإسلامية وخصوصية من خصوصياتها؛ إذ أعد الله سبحانه وتعالى لهذه المهمة النبيلة رجالًا أكفاء مخلصين في خدمة الدين، فكانوا بحق جهابذة الفقه وعباقرته، حملوا مشاعل العلم والهداية للخلق، واستنبطوا الأحكام وضبطوا قواعد الحلال والحرام.
وإن الفقه الإسلامي بصفة عامة، والفقه المالكي بصفة خاصة، يزخر بكثير من المتون الجامعة والمختصرات المانعة التي تشتمل على أصول المطولات وكلياتها، وقد ازدانت هذه المتون واكتملت بما كُتب حولها من شروح وحواشٍ وطرر وتقييدات، تفكك ألفاظها وتبيّن مدلولاتها، وتقرّب المعنى المراد منها إلى الطالب والباحث.
ولعل من أنفس ما أُلِّف من المتون في المذهب المالكي كتاب «المختصر» المعروف بـ«مختصر خليل» للشيخ خليل بن إسحاق (ت 776هـ)، فقد جمع فيه مؤلفه أقوال المذهب في ديوان مركّز ومختصر موجز، حتى جاء كالبرنامج للمذهب. ونظرًا لأهميته وقيمته العلمية عكف عليه علماء المذهب قراءةً وتصحيحًا وتحشيةً وتعليقًا، فوضعوا عليه جملة من الشروح والحواشي والطرر والتقييدات، تضمنت تنبيهات عديدة، واستدراكات فريدة، وتوجيهات مفيدة.
ومن أهم هذه الشروح «شرح مختصر خليل» لأبي عبد الله محمد بن عبد الصادق الفرجي الدكالي المتوفى سنة (1175هـ)؛ إذ جمع فيه صاحبه فأوعب، وبيّن فأوعى، وجمع بين التأصيل والتنزيل، كما اعتنى بتمحيص الأقوال وبيان الصحيح من الضعيف، والنظر في مدى مطابقتها لأصول الشرع ومقاصده، فجاء جامعًا بين الفقه التنظيري والاجتهاد التنزيلي، وأغنى شرحه بعدد من النوازل التطبيقية بحسب مناسبتها لقضايا المتن المشروح.
وشرح بهذه المكانة العلمية جدير بألا يبقى طي النسيان والإهمال، بل أن يصل إلى أيدي الباحثين والمهتمين وطلبة العلم والفقهاء ورجال القضاء والتشريع، للوقوف على ما يشتمل عليه من فرائد وفوائد؛ ولذلك تطلعت إلى تحقيق جزء منه في أطروحتي لنيل شهادة الدكتوراه.
أسباب اختيار الموضوع:
كان لاختياري هذا الموضوع جملة من الأسباب والبواعث، أجملها فيما يأتي:
أولًا: الشعور بالمسؤولية والأمانة اللتين تعمران ذمة طلبة العلم والعلماء.
ثانيًا: قيمة هذا الشرح؛ فهو شرح على «مختصر خليل» الذي لا تخفى على أهل العلم والباحثين مكانته، وما لقيه من القبول عند فقهاء المالكية المتأخرين؛ إذ يعد من أشهر المختصرات الفقهية عند المالكية.
ثالثًا: الرغبة في الاقتراب أكثر من الفقه المالكي، والاطلاع على أصوله وفروعه، والتعرف إلى أعلامه ومدارسه ومؤلفاته ومصطلحاته.
رابعًا: أن مشروع تحقيق هذه المخطوطة عمل ضخم يحتاج إلى تضافر جهود الباحثين؛ فأحببت أن تكون مشاركتي لبنة في بناء هذا المشروع، لا سيما أن عددًا من الباحثين سبقوا إلى إنجاز أجزاء منه.
صعوبات البحث في الموضوع:
البحث في أصله شاق، وإذا تعلق بتحقيق نص تراثي ازدادت صعوبته. ومن أهم الصعوبات التي واجهتني في هذا البحث ما يأتي:
أولًا: ندرة بعض المصادر؛ إذ إن جملة من المصادر التي يحيل عليها ابن عبد الصادق ما تزال حبيسة رفوف خزائن المخطوطات.
ثانيًا: صعوبة قراءة مواضع كثيرة من المخطوط، مما اضطرني إلى مراجعة المسائل الفقهية في مظانها، واستغرق ذلك جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلًا من زمن البحث.
ثالثًا: صعوبة التعريف بالكتاب المحقق وبيان منهجه؛ وذلك لخلوه من مقدمة تبرز المعالم المنهجية التي سار عليها المؤلف.
الدراسات السابقة:
تم تحقيق أجزاء من هذا المخطوط على يد عدد من الباحثين الذين نالوا بها درجة الدكتوراه بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وهم: محمد محرز، وعبد الفتاح مغفور، والتهامي القطاري، وفؤاد القطاري، وعبد الله مودن، وسعيد بومنديل، وخالد دبدوبي.
خطة البحث:
اقتضت طبيعة البحث أن يُقسَّم إلى قسمين تكتنفهما مقدمة وخاتمة، مع التذييل بفهارس علمية تسهّل الرجوع إلى مضامين البحث.
أما المقدمة، فتناولت فيها أهمية البحث، وأسباب اختياره، وأهم عوائقه وصعوباته، ثم خطته وتصميمه.
وأما القسم الأول، فخصصته للتقديم، وجزأته إلى ثلاثة فصول: أفردت الفصل الأول للتعريف بالشيخ خليل بن إسحاق ومختصره من خلال مبحثين، وتحت كل مبحث مطالب. وفي الفصل الثاني تعرضت للتعريف بابن عبد الصادق وبيان مكانته العلمية، وجعلته في مبحثين تحت كل مبحث مطالب. وفي الفصل الثالث تناولت التعريف بشرح مختصر خليل لابن عبد الصادق، فعرفت بالكتاب المحقق، وبيّنت توثيقه ومكانته العلمية، ثم وصفت النسخ، وشرحت المنهج الذي سلكته في التحقيق، وذلك في أربعة مباحث تحت كل مبحث مطالب.
وأما القسم الثاني، فهو للنص المحقق، ويبتدئ من أول باب الشهادات إلى باب التدبير.
نتائج البحث:
وفي خاتمة هذا البحث أشير إلى بعض الخلاصات والاستنتاجات التي لاحت لي أثناء هذا العمل وبعد الانتهاء منه، وهي كالآتي:
أولًا: إن تحقيق النصوص يدفع صاحبه إلى الاحتكاك بمختلف العلوم والاطلاع على كثير من مصادرها، من خلال توثيق الأقوال والأشعار، وتخريج النصوص، وتحديد مواقع البلدان والأماكن الواردة في المخطوط.
ثانيًا: إن هذا الكتاب جمع بين طياته جهودًا واستنباطات وآراء علمين من أبرز علماء المدرسة المالكية: أولهما الشيخ أبو الضياء خليل بن إسحاق المصري صاحب المختصر الفقهي الشهير، وثانيهما أبو عبد الله محمد بن عبد الصادق الفرجي الدكالي المغربي النوازلي، شارح المختصر.
ثالثًا: إن نفض الغبار عن النصوص التراثية وتحقيقها وإخراجها له أهمية كبيرة ومنفعة عظيمة في ربط الأمة بتراثها وماضيها العلمي، وإتاحة هذا التراث للباحثين والدارسين.
شكر وتقدير:
وفي الختام، يسعدني أن أتقدم بالشكر الجزيل لجميع شيوخي وأساتذتي الذين تعلمت منهم في مختلف مراحل دراستي.
ولا أنسى أن أتقدم بعظيم الشكر وبليغ الثناء والعرفان إلى والديَّ الكريمين الغاليين، اللذين بذلا كل ما في وسعهما في سبيل إتمام دراستي، أسأل الله أن يمد في عمرهما، وأن يمتعهما بالصحة والعافية، وأن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتهما.
وأشكر كذلك زوجتي وإخواني وكل أسرتي، كما لا يفوتني أن أشكر كل من ساعدني في إنجاز هذا البحث بملاحظاته وتوجيهاته وتشجيعاته، من قريب أو بعيد؛ فلهم مني خالص الدعاء وصادق العرفان والوفاء.
والشكر والحمد لله أولًا وأخيرًا، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
الهوامش:
[1] سورة التوبة، الآية: 123.
[2] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، رقم الحديث: 71.
زر الذهاب إلى الأعلى