القراءات المعاصرة للقرآن الكريم

محمد عابد الجابري نموذجا

الباحث رضوان حبشي

كان هذا عنوان أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه، التي أعدها الطالب الباحث رضوان حبشي تحت إشراف الدكتور مولاي عبد الصمد الكلموسي، أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، ضمن تكوين “الاختلاف في العلوم الشرعية: مجالاته وأسبابه وأثره”، وذلك يوم الجمعة، 9 صفر 1448هـ، الموافق ل 24 يوليوز 2026م، بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل.
وتشكلت لجنة المناقشة بالإضافة إلى السيد المشرف على النحو التالي:
الدكتور محمد بوطربوش، أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن طفيل، (رئيسا).
الدكتور المختار شاكر، أستاذ التعليم العالي بمعهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية (مقررا)،
والدكتور مراد زهوي، أستاذ التعليم العالي بجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال (مقررا)،
والدكتور لحسن المؤذن، أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن طفيل (فاحصا)،
والدكتور عزيز أبو الشرع، أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن طفيل (فاحصا).
وقد اسْتُهِلَّت المناقشة بعرض الطالب رضوان حبشي تقريرا تركيبيا عن الأطروحة، بَيَّنَ فيه إشكالية البحث المتمثلة في السؤال الآتي: ما حقيقة المنهج الجديد الذي حاول الجابري من خلاله فهم القرآن الكريم فهما عقلانيا يجعل النص القرآني معاصرا ويجيب عن سؤال النهضة؟
وعند الانتهاء، اختلت اللجنة للمداولة، وقررت على إثرها منح الباحث رضوان حبشي درجة مشرف جدا، مع التنويه بالأطروحة والتوصية بالطبع.
تقرير الأطروحة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أَنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي كان له القرآن خُلقاً ومنهجاً، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأبرار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ أيها السادة الأساتذة الكرام الأجلاء الفضلاء، أعضاءَ هذه اللجنةِ العلميةِ الموقرةِ، المكونةِ من السادة العلماء: أستاذي المحترمَ  الدكتورَ المقرئَ الفقيهَ مولاي عبد الصمدِ الكلموسي، الذي سعدت بإشرافه على بحثي، فكان نعم المشرفَ والموجهَ، وأستاذنا الكبيرَ المحققَ الدكتورَ محمدَ بوطربوش رئيسَ هذه اللجنة،  والأستاذ المفضال الدكتور المختار شاكر الأستاذ بمعهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية بالعاصمة الرباط، والأستاذ المفضال الدكتور مراد زهوي الأستاذ بجامعة السلطان مولاي سليمان بمدينة بني ملال، وأستاذي المحترمَ المحققَ الدكتور عزيز أبو الشرع، وأستاذي المحترم القارئ الفقيه لحسن المؤذن.
أيها الحضور الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إنه لشرف عظيم لي أن أجلس بين يدي هذه اللجنةِ العلميةِ المباركةِ، لمناقشةِ أطروحتي الموسومةِ بـ “الفهم الجابري للقرآن الكريم” (دراسة تحليلية نقدية)، محاولاً في هذا التقرير المختصر إبراز المضمونِ العامِ لهذا البحث، وذلك ببيان إشكاليته، وأسباب اختياره، وأهميته وأهدافه، والخطة التي اقتضتها طبيعته، مع ذكر بعض النتائج التي توصلت إليها.
فأقول مستعيناً بالله تعالى:
إنّ من الحقائق المطلقة التي نطق بها القرآن الكريم، أنّه يهدي للطريق التي هي أقوم في العبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك، قال الله تعالى: {اِنَّ هَٰذَا اَ۬لْقُرْءَانَ يَهْدِے لِلتِے هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ اُ۬لْمُومِنِينَ اَ۬لذِينَ يَعْمَلُونَ اَ۬لصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمُۥٓ أَجْراٗ كَبِيراٗ ٩} [سورة الإسراء: 9]،  فالقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي تكفّل الحقّ جل في علاه بحفظه من التغيير والتبديل والزيادة والنقص، كما يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَ۬لذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَۖ ٩} [سورة الحجر: 9]، ولا ريب أن هذا الحِفظ، يشمل (اللفظ والمعنى) ، فقد “بَيّن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه معاني القرآن، كما بيّن لهم ألفاظه: فقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَۖ ٤٤} [سورة النحل: 44] يتناول هذا وهذا ، كما أنّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليُبيّن لهم ما أَشكل عليهم فهمه من الآيات، كما كانت تجري بينهم مناقشات وحوارات حول معاني بعض الآيات القرآنية، فينتقد بعضهم بعضاً، ويستدرك بعضهم على بعض، ويسدد بعضهم فهم بعض، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وسيراً على منهجه في الكشف عن معاني القرآن الكريم وبيانِ مراد الله تعالى، وقد سار على نفس الخُطَى من جاء بعدهم من  أهل التفسير والتّأويل من علماء المسلمين.
– وفي العصر الحديث برزت توجهاتٌ في تفسير القرآن الكريم تروم إصلاحَ واقع المسلمين والخروجَ بهم من “نفق التخلف والانحطاط”، وذلك بالرجوع إلى تعاليم الوحي (قرآناً وسنة) قراءة وفهماً واستنباطاً وعملاً ودعوة، فظهرت بعضُ المدارس الإصلاحية بدايةَ القرنِ الهجريِّ الماضي، “كمدرسة المنار” مع الشيخ محمد عبده(ت1323هـ)، وتلميذِه رشيد رضا(ت1354هـ)، ثم تلتهم “مدرسةُ التصوير الفنيّ في القرآن” مع سيد قطب(ت1386هـ)، ثم “مدرسةُ أهلِ الحديثِ” مع الشيخِ أحمدَ شاكر(ت1377هـ)، ومحمد الأمين الشنقيطي(ت1393هـ)، وعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت1376هـ)، كما ألف بعضُ العلماءِ المعاصرينَ تفاسيرَ علميةً جامعةً كتفسير “التحرير والتنوير” للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور(ت1393هـ)، والبعضُ الآخر اهتم بما هو دعويٌّ كصنيع الشيخ المكي الناصري(ت1414هـ)، والأستاذ عبد الله كنون(ت1409هـ) ، ويمكن أن يضاف إليهما جهودُ الدكتورِ فريد الأنصاري(ت1430هـ)؛ الذي كان يدعو إلى إصلاحِ العمرانِ انطلاقاً من هدايات القرآن الكريم؛ من خلال كتابه “مجالس القرآن” (مدارسات في رسالات الهدى المِنهاجي للقرآن الكريم من التلقي إلى البلاغ).
وفي آخر القرن الهجريّ الماضي ظهرت في الثقافةِ العربيةِ الإسلاميةِ المعاصرةِ، عدّةُ اتجاهاتٍ تأويليةٍ، ترومُ تفسيرَ النّص القرآنيّ بمناهجَ جديدةٍ، غيرَ معهودةٍ ولا مألوفةٍ بين المفسرين، هذه المناهجُ على اختلافها تكوِّن مدرسةً فكريةً واحدةً تدعو إلى إعادةِ قراءةِ النّصِ القرآنيّ لتحقيقِ عَالمِيتِه وإنسانيتِهِ وخاتميتِه، وترومُ الإجابةَ عن سؤالِ النّهضةِ الذي شَغلَ بَالَ الكثيرِ من الكُتابِ والمفكرينَ المعاصِرينَ، فَغدتِ النُّصُوصُ الشّرعيةُ (قرآناً وسنة) عند هؤلاء حقلَ تجارب لمختلفِ المناهجِ والنظرياتِ الغربيةِ التي أفرزتها فلسفةُ الحداثةِ، وما بعد الحداثةِ، ومناهجُ العلوم الإنسانية المعاصرة على وجه الخصوصِ، فتناولوا كتابَ الله تعالى تفسيراً وتأويلاً وقراءةً وفهماً، دون الانضباط بقواعدِ الفهمِ وأصولِ التفسيرِ، التي كان عليها علماءُ المسلمينَ، وتلقتها الأمَّةُ بِالقبولِ. وقد تولى هذا اللونَ من القراءةِ الجديدةِ للنص القرآني، عددٌ من الكتاب والمفكرين المشتغلين بالفلسفةِ والفكرِ والتاريخِ والنقدِ الأدبِيّ في العالم العربي والإسلامي، يقفون على مسافاتٍ مختلفةٍ من الثقافةِ الإسلاميةِ، فهماً وتمثلاً من أمثال: نصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، ومحمد شحرور، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، وطيب تيزيني، وعبد المجيد الشرفي، وآمنة ودود، وغيرهم.
– وقد اخترت من بينهم للبحثِ والدراسةِ، المفكرَ المغربيَّ الكبيرَ الدكتورَ محمدَ عابد الجابريِّ رحمه الله تعالى؛ صاحبَ المشروعِ النقديّ الكبيرِ الموسومِ بـ “نقد العقل العربي” هذا المشروعُ الذي شَغل الفكر العربيَّ، خلال ما يزيدُ على ثلاثةِ عقود ونصف عِقدٍ من الزمن، لينتقل الجابري بعدها إلى دراسة القرآن الحكيم، محاولا إعادة التعريف به وفهمه حسب ترتيب النزول لا المصحف. ولقد عَدَّ الجابري عمليةَ فهم القرآن الكريم أمراً ضرورياً في كلِّ زمان ومكان، مما يدفع الناظر في آياته وسوره إلى اكتساب معرفةٍ جديدةٍ لتجديد الفهم القرآني، فقال في مقدمة كتابه (فهم القرآن الحكيم التفسير الواضح حسب ترتب النزول): ” فهم القرآن مهمةٌ مطروحةٌ في كل وقت ومطلوبةٌ في كل زمان، وقد يكفي التذكيرُ بأن اقتناعنا بأن القرآن يخاطب أهل كلّ زمان ومكان، يفرض علينا اكتسابَ فهمٍ متجدِّدٍ بتجددِ الأحوالِ في كلِّ عَصْرٍ“. ومعلوم أنّ الراحلَ محمدَ الجابري كان يحمل هَمَّ الإجابةِ عن السؤالِ المحوريِّ في الفكر العربي المعاصر، إنَّه سؤالُ النهضة؛ كيف ننهض كما نهض غيرنا؟ كيف نَلِجُ إلى الحداثة عبر الانخراط في التراث باحتوائه ونقده؟ كيف نجدد فهمنا للإسلام بوسائله الخاصة مع الاستفادة من مكاسب الفكر الحديث المعاصر ومنجزاته؟ كيف نُعقلن فهمنا للإسلام ديناً ودنيا؟. فالجابري يطمح إلى فهم عقلاني للإسلام دِيناً ودُنيا، وهذا يتطلب منه أن يُعيدَ فهمَ القرآن الكريم المصدر الأول من مصادر التشريع في الإسلام؛ فهماً يَتَّبِعُ فيه ترتيبَ نزول القرآن لا ترتيبَ المصحفِ، ويحتكمُ فيه إلى العقلِ بعيداً عن أساليبِ اللاعقل!
إشكالية البحث:
وبما أن علماء المسلمين قد اتفقوا على أن نصوص الوحي (قرآنا وسنة) لا تفهم إلا بأصول معرفيةٍ وقواعدَ علميةٍ ذاتِ علاقة بالنص من حيثُ اللغةُ والبِيئةُ، فإن هذا البحثَ يروم الإجابة على الإشكال الرئيس وهو: ما حقيقة المنهج الجديد الذي حاول الجابري من خلاله فهم القرآن الكريم “فهماً عقلانياً” يجعل النص القرآنيّ معاصراً لنفسه ومعاصراً لنا في نفس الوقت، ويُجيب عن الأسئلة الراهنة؛ أسئلة النهضة؟
– وهل استعاد الجابري نفسَ المنهجِ والرؤيةِ المتبناةِ في دراسته للتراث ونقده للعقل العربي؛ والتي لخصها في جملة واحدة: “جعل المقروء معاصراً لنفسه ومعاصراً لنا في الوقت ذاته”، وهي قاعدة شاملة لما أثاره من استفهامات في محاولة لفهم النص القرآني فهماً معاصراً؟
ويتفرع عن هذا الإشكالِ الرئيسِ مجموعةٌ من التساؤلات الآتية:
– ما المراد بالقراءة المعاصرة للقرآن الكريم؟
– وكيف ظهرت القراءة المعاصرة للقرآن الكريم في العالم العربي والإسلامي؟.
– ومن هم أبرز رواد القراءة المعاصرة في المشرق والمغرب؟.    
– وما هي الأسباب التي أدت إلى ظهور القراءة المعاصرة.
– وما الأصول الفكرية والفلسفية للقراءة المعاصرة؟.
– وما المراد بالحداثة؟ وكيف ظهرت في العالمين الغربي والعربي؟.
– وما موقف الحداثيين العرب من القرآن الكريم؟ وما هي المناهج والآليات التي وظفوها لإعادة فهم القرآن الكريم؟.
ومن هو الدكتور محمد عابد الجابري؟ (مسار الكون والتكوين).
– وما العوامل المؤثرةُ في فكر محمد عابد الجابري؟.
– وكيف انتقل الجابري من إعادة قراءة التراث إلى إعادة فهم القرآن حسب ترتيب النزول؟.
وما موقف الجابري من القرآن الكريم؟ (وهل يَعدّ الجابري القرآن الكريم من التراث؟ ).
وما هو المنهج الذي وظفه الجابري لإعادة فهم القرآن الكريم؟.
– وكيف تعامل الجابري مع التراث التفسيري لعلماء المسلمين؟.
– وما هي مخرجات الفهم الجابري للقرآن الكريم حسب ترتيب النزول؟.
والإجابة عن مثل هذه الأسئلةِ وغيرها تحتاج إلى دراسة تحليلية نقدية هادئة، لما كتبه الجابري في “رباعتيه الأخيرة” عن القرآن الكريم وهي: “المدخل والفهم”؛ وتكون بعيدةً عن الأحكامِ الجاهزة، والمواقفِ المسبقةِ؛ تروم الإنصاف، وتَزِنُ الأفكار والمقالاتِ والمناهجَ بميزان العدل الذي أمر به الله تعالى في القرآن العظيم، في مثل قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْب۪يٰۖ وَبِعَهْدِ اِ۬للَّهِ أَوْفُواْۖ ذَٰلِكُمْ وَصّ۪يٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَۖ ١٥٣} [سورة الأنعام: 153].
أسباب اختيار البحث:
إنّ من أبرز الأسباب التي دفعتني لاختيار هذا البحثِ المُهمِ ما يلي:
– الذّب عن كتاب الله تعالى؛ ببيانِ ونقد بعض التأويلات البعيدة لآيات القرآن الكريم وسوره.
– الرغبةُ في الوقوف على حقيقة القراءات المعاصرة للقرآن الكريم، وكشفِ الجذور الفكرية والفلسفية لأصحاب هذا الاتجاه الجديد في فهم النص القرآني وتأويله، من خلال محاولة النظر الموضوعي في متون هذه القراءات الجديدة…
– إفرادُ دراسة نقدية تخص القراءات المغاربيةِ المعاصرةِ للقرآن الكريم، وكان اختياري للمفكر المغربيّ الكبيرِ الدكتورِ محمد الجابري – رحمه الله تعالى للأسباب الآتية:
– قِلّة من خص مشروع الجابري في فهم القرآن حسب ترتيب النزول بالبحث والدراسة النقدية الموضوعية والمنصفة؛ من أجل ذلك أحببت أن أُفرد “الفهم الجابري للقرآن الكريم” بالدراسة والبحث
– يُعد الجابريّ من المثقفين العربِ الذين طالما شغلوا مساحاتٍ واسعةً من الحراكِ المعرفيّ العربيّ الإسلامي؛ من خلالِ مشروعهِ الكبيرِ الموسوم بـ: “نقد العقل العربي” والذي ختمه بالتأليف في مجال فهم القرآن الحكيم حسب ترتيب النزول.
– يمكن القولُ إن الدكتورَ الجابريَّ استطاعَ أن ينجزَ مشروعاً متكاملا في فهم القرآن، جمع فيه بين ما هو نظريٌّ وتطبيقيٌّ؛ من خلال كتابيه “مدخل إلى القرآن الكريم في التعريف بالقرآن” الذي أثار فيه مجموعةً من القضايا التي لها علاقةٌ بعلوم القرآن، وكتابه “فهم القرآن الحكيم التفسير الواضح حسب ترتيب النزول” الذي حاول فيه تفسير كلِّ سورِ القرآن، وهو أمر لم يقم به غيره من المفكرين العربِ؛ أمثال محمد أركون، ونصر حامد أبوزيد وغيرهما.
ومن الأسباب أيضاً أن مجموعة من الباحثين الذين أنجزوا دراساتٍ نقديةً حول ما كتبه الجابري عن القرآن، أوصوا بالعكوف على مشروعه الفكري خصوصاً ما يتعلق بتفسيره (فهم القرآن الحكيم..).
أهمية البحث:
تتجلى أهمية هذا البحث في الأمور الآتية:
– يعدّ هذا البحث على قدر كبير من الأهمية لتعلقه بالقرآن الكريم، ومعلومٌ مكانةُ القرآن الجوهريةُ لدى الأمةِ المسلمةِ، وأنه أساس العقيدةِ، والشريعةِ، والأخلاقِ والسلوك، فهو “أصل الثقافة الإسلامية، ومحورها الذي تدور عليه”.
– كما أن قضية فهم القرآن الكريم من القضايا التي شغلت بال علماء المسلمين قديماً وحديثاً، حيث ظلَّ الوقوفُ على مراد الله تعالى مقصداً يسعى المشتغلون بالدرس القرآنيّ إلى تحقيقه والظَّفرِ به.
– وتظهر أهمية هذا البحث أيضاً أنّ مجمع الفقه الإسلامي ومجموعةً من الباحثين الذين تناولوا نقد القراءات المعاصرة للقرآن، أوصوا بتتبعِ هذا اللونِ من القراءة، والكشفِ عن مناهجه في الفهم والتأويل.
أهداف البحث:
يروم هذا البحث تحقيق الأهداف الآتية:
– بيان المراد بالقراءات المعاصرة للقرآن الكريم من حيث المَفهوم.
– الوقوف على الجذور الفلسفية والفكرية لرموز القراءات المعاصرة للقرآن الكريم.
– التعريف برموز ورواد القراءات المعاصرة للقرآن الكريم في العالمين العربي والإسلامي.
– الكشف عن المنهج الجابري في فهم القرآن الكريم (الآليات والمخرجات).
– كما يتقصد البحث جمعَ ما تفرق في غيره، بأن يضم إلى الشِّقِّ النظريّ للقراءة المعاصرة للنص القرآني الشقَّ التطبيقيَّ؛ الذي استطاع الجابري الكتابةَ فيه دون غيره بتناوله سورَ القرآنِ الكريم جميعَها حسب ترتيبِ النزول، وهذا ما ميّزه عن غيره من المفكرين العربِ المعاصرينَ.
حدود الدراسة:
الوقوف على ما كتبه رواد ورموز القراءة المعاصرة عن القرآن الكريم، وإعادة فهمه بصفة عامة، ودراسة ما كتبه الدكتور محمد عابد الجابري عن القرآن الكريم تعريفا وفهما من خلال رباعيته الأخيرة، وهي: “مدخل في التعريف بالقرآن” في جزء واحد، و”فهم القرآن الحكيم التفسير الواضح حسب ترتيب النزول” في ثلاثة أجزاء.
خطة البحث:
اقتضت طبيعة هذا البحث في موضوع الفهم الجابري للقرآن الكريم، تقسيمه إلى مقدمة، وبابين، وملحقاتٍ، وخاتمة، فكانت الخطة على النحو الآتي:
– أما المقدمة فقد اشتملت على بيان اهتمام الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين ومن سار على نهجهم من علماء المسلمين، بقضية فهم القرآن الكريم فهماً صحيحاً، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما تضمنت صياغةَ إشكالية البحث، وأسبابَ اختياره، وأهميتَه، وأهدافَه، والدراساتِ السابقةَ له، وحدودَه، ومنهجَه، وخطتَه.
أما الباب الأول: فقد خصصته للتعريف بالقراءة المعاصرة للقرآن الكريم، وفيه فصلان: الفصل الأول في بيان المراد بالقراءة المعاصرة،
والفصل الثاني: تناولت فيه الأصول الفكرية والفلسفية للقراءة المعاصرة. (الحداثة وما بعد الحداثة).
أما الباب الثاني: فقد جاء لبيان منهج الدكتور محمد عابد الجابري في فهم القرآن الكريم. (الآليات والمخرجات)، وتحته فصلان: جاء الفصل الأول منه للكلام عن حياة الدكتور محمد عابد الجابري، والكشفِ عن مسار كونه وتكوينه، وجاء الفصل الثاني من هذا الباب، لبيانِ منهج الجابري في فهم القرآن الكريم.
الخاتمة: وقد تضمنت ملخصاً إجمالياً لما ورد في أبواب البحث وفصولِه ومباحثِه، مع عرض ما توصل إليه البحث من نتائج وخلاصات، وتوصيات.
خاتمة البحث ونتائجه:
كانت القضية التي اهتم بدراستها هذا البحث، هي الوقوف على المنهج الذي أعاد به الجابري فهم القرآن الكريم حسب النزول. ولا يمكنني ذكرُ كل ما ورد في هذا البحث، بل سأكتفي بذكر أهم النتائج التي توصلت إليها، من خلال النقاط التالية:
ما يتعلق بنتائج الباب الأول:
– المراد بالقراءات المعاصرة للقرآن الكريم أنها: “محاولة تأويل وفهم للقرآن الكريم وفق المناهج والأدوات الغربية الحديثة، مع استبعاد قواعد التفسير وضوابطه”.
– كما توصف هذه القراءات أيضاً بـ: “القراءة الجديدة”، أو “القراءة الحداثية”، أو “القراءة العصرانية”، أو “القراءة العلمانية”، وبعضهم عبر عنها بقوله: “المدرسة العقلية”، أو ظاهرة التأويل في الفكر العربي المعاصر.
– من التعاريف التي لخصت مفهوم الحداثة ولمت شملها، أنها: “منهج في تكوين الرؤية الفلسفية للوجود (الكون والحياة والإنسان) يبتنى على أساس محورية الإنسان، واعتماد العقل، وقانون الحركة والتطور في الوجود”. وهذا المفهوم الخاص للحداثة يمثل آخر مراحل الفكر الغربي منذ عصر “النهضة” إلى زمننا المعاصر.
– بعد صدمة الحداثة الممزوجة بصدمة الاستعمار، ثم الهزائم المتتالية التي مني بها العرب أمام العدو الصهيوني؛ -نكبة فلسطين سنة (1948م) ونكسة يونيو سنة(1967م)-، انتقل الحداثيون العرب من مرحلة الإعراض عن التراث والقرآن الكريم إلى مرحلة إعادة القراءة، لكن وفق المناهج الغربية التي تؤطرها فلسفة الحداثة وما بعد الحداثة.
أما نتائج الباب الثاني: منهج الجابري في فهم القرآن حسب ترتيب النزول، فهي كتالي:
لقد توج الدكتور محمد عابد الجابري مشروعه الفكري برباعيته عن القرآن الكريم، الجزء الأول منها أعاد فيه تعريف القرآن الكريم، أما الجزء الثاني وفيه ثلاثة أقسام، فقد أعاد فيه فهم القرآن الكريم حسب ترتيب النزول لا ترتيب المصحف.
– قام الجابري بنقد آليات الفهم والتأويل عند علماء المسلمين، من خلال رباعيته الموسومة بـ “نقد العقل العربي”، التي قدم لها بـ كتابه المُؤسِّسِ: “نحن والتراث”؛ حيث أعاد الجابري قراءة التراث الإسلامي من جديد قراءة حداثية، ترتكز على حسن الانتظام في التراث من أجل احتوائه بتحليله ونقده ثم تجاوزه فالقطيعة معه.
– بعد نقد الجابري لآليات الفهم والتّأويل عند علماء المسلمين التي تكوّنت وتشكّلت (في رأيه) في عصر التدوين لاسيما ما سماه هو بـ “النظام البياني”، انتقل الجابري من إعادة قراءة التراث إلى إعادة فهم القرآن الكريم حسب ترتيب النزول.
– إنّ المنهج الذي سار عليه الجابري في إعادة فهمه للقرآن الكريم، هو نفس المنهج الذي أعاد به قراءة التراث الإسلامي؛ وهو جعل النص المقروء معاصراً لنفسه معاصراً لنا في الوقت نفسه، وذلك باعتماد “معهود العرب”، وأن القرآن يفسر بعضه بعضاً، ليس بالكلمات والألفاظ بل بالمعنى والسياق، ولا يتأتى كل ذلك إلا بإعادة ترتيب سور القرآن وفق تاريخ نزولها، لا وفق ترتيب المصحف الذي أجمع عليه المسلمون.
– لقد تعامل الجابري مع كتب التفسير بنوع من التوظيف والانتقائية التي تخدم ثقافته وأفكاره المسبقة، وهذا ما ينسجم مع طريقته في التعامل مع التراث الإسلامي بشكل عام؛ فالجابري استدعى بعض التفاسير التراثية لا من أجل الانتفاع منها، بل من أجل أن يختار منها ما يتماشى مع مشروعه الفكري ويترك ما يخالف ذلك، وهنا يلتقي الجابري مع رفاقه الحداثيين.
نتائج قراءة الجابري المعاصرة للقرآن الكريم:
– لقد رفع الجابري شعار قراءة القرآن الكريم بالسيرة النبوية، وقراءة السيرة بالقرآن؛ ممَّا مكنّه – كما ذكر- من التّعرُف على حقيقة ذلك السّرِّ الذي أشار إليه في نهاية خاتمة كتابه (المدخل إلى القرآن) بقوله: “وعلي أن أعترف الآن أنّ هناك سراً لم يستطع عقلي اكتناه حقيقته، إنّه هذا الذي عبّرنا عنه بـ “العلاقة الحميمية” بين الرّسول محمد بن عبد الله وبين القرآن الكريم”.
– أكدّ الجابري في كثير من المناسبات أنّه لا يدخل القرآن الكريم ضمن التراث، غير أنّ موقفه من قضية جمع القرآن والزيادة والنقص فيه، يلُّفه الكثير من الغموض والالتباس، فكأنه حام حول الحمى وأوشك أن يقع فيه، لقد أعاد الجابري ما قاله المستشرقون لكن بصيغة جديدة مختلفة.
– موقف الجابري من السنة النبوية أنه يقبلها بشرط أن يشهد لها القرآن الكريم، من أجل ذلك ردّ الجابري أحاديث في الصحيحين، وقبل أخرى ضعيفةً، لأنها في نظره تتسق مع المنهج العام للقرآن الكريم، مما دفع بعض الباحثين بوصف منهجه في التعامل مع النصوص الحديثية بالانتقائية؛ أي أنّ الجابري يقبل السنة إجمالاً ويردّها تفصيلاً.
– إن محاولة الجابري إيجاد تطابق بين مسار تنزل القرآن ومسيرة الدعوة المحمدية، أدى به إلى رفض بعض أسباب النزول المأثورة؛ لأنها في نظره لا تطابق هذا التساوق الذي بنى عليه فهمه للقرآن حسب النزول، كما أنّ التّسلسل المنطقي للسور يجعله ينكر وجود قضية الناسخ والمنسوخ؛ إذ لا دليل في القرآن على وجود النسخ فيه بالمعنى الفقهي.
– جاء الفهم الجابري لكثير من آيات القرآن الكريم موافقاً “للعقلانية النقدية” التي ينتصر لها، من أجل ذلك أنكر كل المعجزات التي أيد الله تعالى بها نبيه عليه الصلاة والسلام، إلا معجزة القرآن الكريم.
– لقد أَوّل الجابري كثيراً من آيات الأحكام تأويلاً تاريخياً؛ رابطاً معانيها بالزمان والمكان الذي نزلت فيه، كآية عدّة المرأة المتوفى عنها زوجها، وآية المواريث، وآية التعدد، وآية حدّ السارق وغيرها.
– لقد مزج الجابري في إعادة فهمه للقرآن الكريم بين المناهج والآليات الغربية وبين توظيف ذكي للمناهج التراثية، كتوظيفه لمعهود العرب، ومبحث أسباب النزول، ومبحث مقاصد الشريعة، وغير ذلك.
– أراد الجابري رحمه الله تعالى بإعادة فهمه للقرآن الكريم تجديد فهم الإسلام ديناً ودنيا، لأنه يرى أنه لا يمكن إصلاحُ حاضرنا من دون إصلاح فهمنا لماضينا.
وفي الأخير أذكّر أنّ هذا البحث حاول أن يبين منهج الدكتورِ محمد الجابري -رحمه الله تعالى- في فهم القرآن الكريم حسب ترتيب النزول، بتتبع ما كتبه في رباعيته الأخيرة عن القرآن الكريم، واجتهد قدر المستطاع في تحقيق هذه الغاية، وهو بذلك يفتح الباب أمام الباحثين في العلوم الشرعية ليبنوا عليه ويسدوا الفجوات المتبقية في هذا الموضوع المهم، كما أؤكد في الختام أنّ هذا البحث لن يستقيم على سوقه إلا بتسديدات وتصويبات وتصحيحات السادة الأساتذة الفضلاء أعضاءِ هذه اللجنة العلمية الموقرة. هذا وأسأل الله تعالى التوفيق والسداد لإنجاز هذا العمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى