القضية الأولى: مسؤولية الحوار تأصيلا وتوظيفا

تقديم

      نسعى من وراء إحداث هذا الباب “قضايا للمدارسة”، إلى تأكيد أهمية الحوار العلمي في تبين الحقائق وتحديد المسؤوليات، وتقويم الآراء والأفكار، وإتاحة نقدها وتمحيصها، وتطوير المعارف والعلوم، وتصحيح الاتجاهات، وترشيد المواقف وتسديد النظر.
      كما نروم أيضا، تعزيز قيم التفاكر والتذاكر، والتشاور والتشارك والتناصح، وقيم التعاون العلمي والتكامل المعرفي، والقبول بالحق في الاختلاف، وتحميل كل صاحب رأي أو موقف مسؤوليته الذاتية، التي تتأكد أكثر مع وجود الرأي الآخر وتعدد وجهات النظر المتباينة والمتقاربة.
      والتحاور سلوك إنساني مندمج ضمن نظام الله الكلي، القائم على أساس قانون التفاعل الشامل بين الكائنات والأضداد والمتناقضات، في عالم الجمادات والأحياء كما في عالم البشر، وذلك انسجاما مع طبيعة الأمانة الاستخلافية القاضية بتحمل الإنسان مسؤوليات تدبير تفاعلاته التصورية الإيمانية مع الخالق، والعلمية التسخيرية مع الحياة والكون، والتحاورية التشاركية مع غيره من بني جنسه.
     ففي هذا الباب، نطرح للمدارسة الرصينة، الملتزمة بآداب الحوار العلمي الهادئ، قضايا إنسانية وإشكاليات معرفية، وندعو المثقفين والباحثين للإدلاء بآرائهم وتعقيباتهم وانتقاداتهم للأفكار المدلى بها في مسار المدارسة وتوجهاتها ونتائجها.
القضية الأولى: مسؤولية الحوار تأصيلا وتوظيفا
مقدمة: لما كان الحوار هو محور هذا الباب ومنهجية مدارسة إشكالاته العلمية، فقد ارتأينا أن نجعل موضوعه هو مفتتح مدارسات القضايا التي سنقترحها فيما بعد، لتكون الخلاصات والبيانات المبلورة في هذا الإطار، ملهمة وموجهة للنقاشات المثارة حول القضايا المختارة.
مفهوم الحوار
     جاء في القاموس المحيط أن الحوار بفتح الحاء أو كسرها، مراجعة النطق، وتحاوروا تراجعوا الكلام.. والتحاور التجاوب. ويرى الراغب في كتابه “المفردات في غريب القرآن” أن المحاورة والحوار: المرادة في الكلام.
     وورد معنى الحوار بلفظ حوار أو جدال في القرآن الكريم، وكلها جاءت مرتبطة بتحديد المسؤوليات وبيانها وتفصيلها والتساؤل حولها، أو جحودها والاعتراض عليها. منها هذه الآية الجامعة بين الجدال والحوار: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة 1). وقوله واصفا الإنسان بالإكثار من الجدل: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف/54].
     ويختلف الحوار عن الجدال من عدة أوجه، فالحوار يكون غالبا بقصد التفاهم والإقناع. واتجاه الطرفين نحو التوافق، وسعيهما لإبراز ما هو مشترك بينهما، ولذلك فهو مطلوب دينيا واجتماعيا وتربويا ودعويا وسياسيا.
     وأما الجدال فيقصد به الانتصار للموقف الشخصي والاحتجاج له، والاعتراض على ما يخالفه وإفحام الخصم، ويؤدي غالبا إلى ارتفاع حدة الخلاف وحصول المخاصمة، وسعي كل واحد لإبراز ما يمتاز به قوله عن الآخر، ولذلك قد يصير مذموما شرعا وعقلا إلا إذا كان بالتي هي أحسن. {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]، {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].
الحوار في إطار قانون التفاعلية الكونية
     شاءت حكمة الله تعالى أن يقيم نظام استخلاف الإنسان في الأرض، على أساس اندماجه الاضطراري أحيانا والاختياري أحيانا أخرى في قانون التفاعلية الشاملة السائدة في الكون، بين جميع الكائنات والظواهر المتضادة والمتناقضة؛ سواء المادية منها أو المعنوية.
     فمثال المادية النور والظلام، والحرارة والبرودة والحركة والسكون، والموت والحياة والوجود والعدم، ومثال المعنوية العلم والجهل والحرية والعبودية، والهداية والضلال والحق والباطل، كما توجد تفاعلية بين الإنسان والحيوان والنبات والجمادات، بل وبين الإنسان والله عن طريق الإيمان به، ومعرفته وعبادته وتقواه، أو على العكس من ذلك تماما بجحوده ومخالفة شرعه، وتفاعل بين بني الإنسان فيما بينهم، عن طريق التعاون والتضامن والتزاوج والتواصل، أو خلاف ذلك عن طريق التنافر والتحارب والتفرق والتنازع.
     وقد تأسست عبر التاريخ فلسفات على أساس ظاهرة التفاعلية، في عالم البشر والكون برمته، بدأت مع الفيلسوفين اليونانيين زينون ثم أفلاطون الذي اعتمد الجدلية “الديالكتيك” طريقة مفضلة في النظر والفكر، وانتهت في التصور الماركسي إلى الفلسفة المادية الجدلية، القائمة على أساس صراع الأضداد، ومحاولة تفسير التطور في الحياة عبر دينامية الأطروحة ونفيها ونفي نفيها.
والذي يهمنا من هذا القانون الكوني العام، هو أن التحاور يعد من أبرز التفاعلات الإنسانية، التي تجري في واقع الناس في مختلف مجالات الحياة، عن طريق استعمال لغة التخاطب شفويا وكتابة، لممارسة التواصل المؤسس لأضرب التعاون والتشارك، من أجل النهوض بأعباء الاستخلاف ومسؤولياته المختلفة.
موقع الحوار في نظام الاستخلاف
     يتجه الاعتقاد إلى كون نظام الله في كونه، ظل قائما ابتداء على خضوع المخلوقين التام لأمر الخالق ومراده دون مخالف لذلك، حيث لامجال للحوار وتحديد المواقف التي لامعنى لوجودها أصلا، في ظل الانقياد الكامل لأمر الله، ثم اقتضت حكمته تعالى أن يُحدث في إطار هذا النظام العام المهيمن نظاما فرعيا، هو نظام الاستخلاف الذي يقتضي أن يمنح الله فيه لبني آدم حرية الامتثال والعصيان لأمره وشرعه المنزل، وأن يصيروا مسؤولين عن اختياراتهم في الدنيا، ومحاسبين عليها في الآخرة، فيجازى الطائعون بالخلود في نعيم الجنان ويعذب العصاة في نار الجحيم.
     وفي ظل هذا النظام الجديد، يمكننا فهم وتفسير المكانة البارزة، التي سيحتلها الحوار باعتباره وسيلة لممارسة الحرية والمسؤولية عن إبداء الرأي، وتحديد الموقف الذاتي وتحمل تبعاته.
لذا نجد الحوار بين الله والملائكة وإبليس وآدم، وبين إبليس وآدم وحواء، حاضرا بقوة خلال أحداث الاستخلاف الآدمي، حيث نتبين دوره الحاسم في تحديد مختلف المسؤوليات وتأكيدها وتوضيحها.
فقد جاء حوار الملائكة لله أولا، تمهيدا مؤسسا لأهمية الحوار في نظام الاستخلاف، سيما وأنهم دأبوا على طاعة الله، والامتثال لأمره وإرادته وحكمه، دون أي تردد أو اعتراض ولو في حدوده الدنيا، {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 30 – 33].
     فلما بدا لهم أن هذا الخليفة، سيغلب عليه الاستهتار بنظام الله القائم، لأنه سيكون من خصائصه الإفساد في الأرض، والخروج عن نظام الله المعهود من قبل، هنا اندفعوا يستفسرون الله تعالى ويسألونه بصيغة مثيرة للاستغراب، عن حقيقة الاستخلاف وحكمة الله منه، والله العليم الحكيم لم يمنع تساؤلهم بل رضيه منهم، وواصل الحوار معهم بما طمأنهم وأعادهم إلى التسليم بحكمة الله ومشيئته.
وأهم ما يمكن استنتاجه ابتداء من هذا الحوار الاستثنائي، هو كونه استشراف للدور الأساسي الذي سيضطلع به الحوار، بين الله وعباده المسؤولين من الإنس والجن، وفيما بينهم بعضهم مع بعض، في النظام الإلهي الجديد لاستخلاف الإنسان في الأرض.
     ويلاحظ أن الحوار قد عرف تطورا نوعيا مثيرا للاندهاش خاصة بين الله وإبليس، الذي قابل أمر الله له بالسجود لآدم بالرفض والعصيان، مع كونه لايجهل ما يترتب عن ذلك من لعنة الله وعذابه في الجحيم.
فلما سأله رب العزة عن سبب عصيان أمره، لم يكتف بالدفاع عن موقفه الخاسر فحسب، وإنما تعداه بجرأة عالية، إلى مطالبة الله بالسماح له بإغواء من استطاع من بني آدم، ولم يعترض الله تعالى على هذا الطلب الذي وإن خالف النظام السابق لعبودية المخلوقين المطلقة لله، لكنه قد غدا منسجما تماما مع نظام الاستخلاف الجديد، وهو ما أدركه إبليس وتصرف في إطاره، فأبى واستكبر وطالب أن تطلق له الحرية، لإغواء من اختاروا طريق الغواية من الإنس والجن. {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 32 – 42].
     فهذا الحوار كشف عن ماهية الاستخلاف الإنساني واتجاهه العام، وبين لنا دعامته الكبرى التي يقوم عليها، وهي الاختيار المسؤول بين الإيمان والكفر، والهداية والضلال، والصلاح والفساد، ومسؤولية الإنسان الثابتة عن النهج الذي يرتضيه في الحياة، والطريقة التي يمارس بها مهام الاستخلاف في الأرض.
كما نشأ حوار بين إبليس وآدم العدوين اللدودين، حيث كان الباعث عليه هو الإيقاع بآدم وحواء في مخالفة نهي الله عن الأكل من شجرة محددة في الجنة. {وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 19 – 21].
     ويلزم ملاحظة أن العداوة المؤكدة بين الطرفين، لم توصد باب هذا الحوار أو تحل دون حصوله، أو تؤدي إلى ارتياب آدم في نزاهته، {فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117].
     ونسجل بأن الحوار يمكن أن يتم بين أطراف متعادين ومختلفين اختلافات جسيمة، تحقيقا لمصلحة معرفية مشتركة، ولهدف مشروع قياما بمسؤولية معتبرة، وعلى رأسها إقامة الحجة على الخصم، وتقديم البيان لمن يطلبه، وتحصيل مزيد معرفة، وتصحيح ما شابها من غلط أو خالطها من وهم، وتبديد الخلافات وتوجيهها، وتيسير التفاهم والبحث عن عناصر الوئام، وغير ذلك من المآرب الأخرى.
ولقد توجت هذه الحوارات برسم النموذج الأمثل، الذي يلزم أن تحذو حذوه كل الحوارات الجادة والهادفة في عالم الناس، وهو الاعتراف بالخطأ والأوبة إلى الرشد، ومعانقة الحق ونبذ الباطل، والإقرار بمسؤولية النفس عن الإفراط أوالتفريط دون لف أو دوران، وهذا بالتمام ما كشف عنه حوار الله مع آدم وحواء عندما اعترفا بظلمهما لأنفسهما بالأكل من الشجرة، دون أن يتذرعا بخداع إبليس لهما وحلفه كاذبا بنصحهما.
{فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } [الأعراف: 23 – 25].
     فلم يقف الحوار بين إبليس وآدم وذريته عند هذا الحد، بل سيتواصل على الأرض من خلال استمرار وسوسته في القلب، {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا } [الإسراء: 62 – 65].
     وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته” [صحيح البخاري (4/ 123) ].
     فحوار إبليس مع الإنسان حوار نفسي إغوائي خفي، كما أن النفس تحاور نفسها لحسم اختياراتها تجاه أي عمل أو موقف، قبل الانتقال إلى التنفيذ الفعلي للإرادات المكونة، قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [يوسف: 53]، فالنفس تقلب أمورها على كل الأوجه، استعدادا لاتخاذ القرار بالإقدام أو الإحجام على فعل أو ترك للطاعات والمعصيات.
وقد عفي للإنسان عن خواطر السوء ما لم تتحول إلى عمل ناجز في الواقع. ففي الحديث: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم يتكلموا، أو يعملوا به» [صحيح مسلم (1/116)].
مسؤوليات الحوار
     إن ممارسة الاستخلاف، تستدعي الاضطلاع بمسؤوليات الحوار على نطاق واسع، وبطرق مختلفة باختلاف الظروف وتعدد أنماط الحاجة إليه، وذلك بقصد الإصلاح والاشتراك مع الآخرين لتبين الصواب والحقائق، التي لايمكن أبدا أن يحتكرها شخص بمفرده، مهما بلغ علمه وتواصلت دراساته، ولو استغنى أحد عن الحوار، لكان هو سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم المعصوم من الأهواء، ومع ذلك أمره الله تعالى بأن يشاور أتباعه، ويجادل المدعوين للإسلام والمؤمنين به والمخالفين له بالتي هي أحسن.
فالحوار يكون باستمرار مع النفس، لتصحيح الإرادات في البداية والمحاسبة على تنفيذها في النهاية، ويكون مع الله تعالى من خلال الصلوات والأذكار وتلاوة القرآن، وعند الدعوات والتأمل والتفكر في الظواهر والآيات، ومجريات أحداث الحياة. ويكون مع الآخرين داخل الأسرة ومقر العمل، وفي الشارع ومجالس الشورى والبرلمان، ويكون في مجال العلم والثقافة والدعوة والإعلام والتربية والسياسة.
ويلزم أن يكون التحاور تواصلا مع المقربين والخصوم، ومع الموافقين والمخالفين في المعتقد والقناعات والتوجهات. ويكون تعارفا وتعاونا بين الدول والشعوب {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]
وقد وظف خطاب الوحي الحوار، في القرآن والسنة في أجلى وأروع صوره، مع المؤمنين والكافرين على حد سواء، محددا للمسؤوليات وموجها للصواب من شرع الله، ومقوما للعوج في الفهم والسلوك على نهجه، ومنفتحا على كل اعتراض، ومفندا للادعاءات والضلالات، ومستوعبا للرأي المخالف مهما بلغت حدته.
     ويشغل الحوار دورا كبيرا في التنمية المعرفية والإبداع الفكري، من خلال المناقشات العلمية والدراسات النقدية والمناظرات الفكرية، إذ البحث في إشكاليات معينة عن طريق الحوار تجتمع له خبرتان ووجهتا نظر متقاربتان أو مختلفتان ومتكاملتان، مما يحفز التفكير وينشط التأمل، ويوسع دائرة النظر، ويعمق التركيز في موضوع النقاش، ويولد أفكارا جديدة، يقول دونالد بلز Donald Pilz”إننا نحتاج إلى قدر معين من الاهتياج العصبي في أجهزة تفكيرنا، وتحتاج أفكارنا إلى أن تستثار قليلا لكي لاتتبلد فكريا”.
وختاما نرى أن الشرط الأساسي لنجاح أي حوار، هو اعتباره مسؤولية ليست بالهينة وتلزم المتحاورين بما يلي:
1ــ استحضار جسامة أمانة الكلام، وكثرة ما يكون الزلل بسببه.
2ــ تحري الإخلاص في طلب الحقيقة، والحرص على تبيانها، والإقرار بها حال اتضاحها على لسان الطرف الآخر دون تقاعس أو مراوغة.
3ــ حفظ حق المحاور في التعبير عن رأيه وقناعته ووجهة نظره، والاعتراف له بحقه في الاختلاف.
4ــ التذكير بالمسؤولية الكاملة في قبول أو رفض الحقائق والأدلة، والتفسيرات المقدمة خلال الحوار، ونقدها بما يتأتى من الإمكانيات المنهجية والمعرفية والخبرات الشخصية، وفي إطار الأدب والاحترام، والحفاظ على مواصلة الحوار لغاية تحقق أهم نتائجه وأغراضه.
5ــ اعتبار نسبية الأفهام والإدراكات، وأن كل صواب في الظاهر قد يحتمل قدرا من الخطأ، وكل خطأ قد يحتمل قدرا من الصواب.
ولحفز النقاش وتيسير المدارسة حول مسؤولية الحوار نقترح التساؤلات التالية:
ــ كيف يمكن توظيف الحوار في ضمان تواصل ناجح مع الآخرين في محيط الأسرة والعمل والشارع؟
ــ ماهي الطرق المقترحة للارتقاء بالحوار العلمي، وتخفيف حدة الاختلاف الفكري وتذليل صعوباته؟
ــ ما هي مقومات بناء بيداغوجية حوارية، مساهمة في تعزيز مسؤولية التعلم؟
ــ ما هي العوامل الكامنة وراء تراجع مستوى توظيف الحوار، في بلورة حلول ناجعة لمشاكلنا الحارقة وأزماتنا الخانقة؟.
ــ كيف نجعل حوارنا مع الآخر متسما بروح المسؤولية والإيجابية والأخلاقية العالية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى