منهج الترجيح عند أبي الوليد الباجـي (ت474هـ) من خلال كتابه المنتقـى شرح موطأ مالك”

      بحث  دكتوراه إعداد الباحث: رشيد لعزيز، تحت إشراف: الأستاذ محمد بوطربوش. بجامعة ابن طفيل، يوم السبت: 21 شوال 1441هـ/ الموافق 13 يونيو 2020م، وتكونت لجنة المناقشة من السادة الأساتذة: الدكتورمحمد بوطربوش مشرفا، والدكتور أحمد الزيادي رئيسا، والدكتور عبد المجيد محيب مقررا، والدكتور محمد بن عبد الكريم الفيلالي مقررا، والدكتور الميلود كعواس مقررا، وحصل الباحث على ميزة مشرف جدا.
تقرير حول البحث:
      الحمد لله رب العالمين، حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، نحمده تبارك وتعالى على أن يسر لنا طريق العلم وحببه إلى قلوبنا، وأحمده على عظيم عونه وتيسيره إنجاز هذا البحث حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم، لم يورث درهما ولا دينارا ولكن ورث العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهد لنفسه بالوحدانية كما شهد له بها الملائكة وأولو العلم، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله بُعث معلما واهتدى بقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].
1ـ الموضوع وأهميته: اعتنى العلماء بكتاب «الموطأ» للإمام مالك رحمه الله منذ تأليفه عناية لا تكاد تنحصر، واستمرّت العناية به دون انقطاع على مرّ الزمان وفي مختلف الأصقاع حتى يومنا هذا، ومن أهم شروح موطأ الإمام مالك وأحسنها تفريعا وأكثرها فائدة، كتاب المنتقى لأبي الوليد الباجي494هـ، الذي عمّ نفعه بين الناس، وكثُر تداوله بينهم، وثناؤهم عليه، ولقي قبولا واستحسانا منقطع النظير.
      ولا غرابة من كون الكِتَاب شد أنظار المهتمين بشروح الموطأ؛ فمؤلفه رحمه الله كان فقيها نظّارا، محققا، محدّثا، يفهم صنعة الحديث ورجاله، ومتكلما، أصوليا، فصيحا، برز في علم الرّواية والدراية، وفي كتبه الفقهية امتزجت مناهج العراقيين في البحث مع طرائق الأندلسيين والقرويين المحققين، فكان ثمرة ذلك أن تلقى أهل المشرق والمغرب مصنّفاته بقبول كبير. وكتاب «المنتقى في شرح الموطأ» من هذا القبيل؛ فهو دليل على تبحّر مؤلّفه في العلوم والفنون.
      ويعد المنتقى من أكبر الشروح للموطأ، وأحد مصادر الفقه المالكي، فهو غني بنقل أقوال الإمام مالك، واجتهادات أصحابه، كما حرص على نقل الخلاف الفقهي داخل المدرسة المالكية وبين علماء المذهب، وغيرهم من المذاهب الأخرى، وعمل على بيانها وتعليلها وتوجيهها والترجيح بينها. لهذا كان محل اهتمامي تتبع واستقصاء المسائل التي ذكر فيها الخلاف الفقهي ورجح بينها، فقمت بدراسة هذه المسائل ووضعها تحت أصول أو أسس اعتمدها الإمام الباجي في الترجيح بين مختلف الأقاويل الفقهية ومن هنا جاء موضوع البحث:  «منهج الترجيح عند أبي الوليد الباجي (ت474هـ) من خلال  كتابه  المنتقى شرح موطأ مالك».
تكمن أهمية بحث هذا الموضوع في النقاط الآتية:
ـ التعرف على علم من أعلام المذهب المالكي: الإمام أبو الوليد الباجي وكتابه المنتقى.
ـ معرفة كيف كان علماؤنا يستخرجون الفقه من النصوص، وتتبع خطواتهم في تصويب المسار العلمي، واكتساب الملكة الفقهية التي تساعد على فهم الكتاب والسنة فهما صحيحا.
ـ التعرف على أن الفروع الفقهية في كتب التراث مبنية على الدليل ولو لم يذكره الفقيه، إما لعدم المناسبة في ذكره، أو قصد الاختصار تيسيرا للحفظ…
ـ إظهار كيفية تعامل مجتهدي هذه الأمة مع مسائل الخلاف، ومعتمدهم في الترجيح بين الآراء الفقهية.
2ـ إشكالية البحث:
      إن القضية الأساس لهذا البحث هي دراسة المسائل الفقهيَّة المختلف فيها في كتاب ” المنتقى شرح موطأ الإمام مالك” وترجيحات الإمام الباجي فيها من خلال آرائه التي تمسَّك بها فيما يراه صواباً من أقوال العلماء بعد ذكر الأدلَّة والحجج، مع التركيز على بيان منهج أبو الوليد الباجي في هذا الترجيح وخصائصه.
ويمكن صياغة إشكالية البحث في السؤال المحوري الآتي: ما منهج الإمام الباجي في الترجيح بين الفروع الفقهية في كتابه المنتقى؟
وتتفرع عن هذا الإشكال تساؤلات فرعية:
ـ ما مفهوم الترجيح والدافع إليه؟
ـ ما المعايير والأسس والقواعد التي اعتمدها الإمام الباجي في ترجيحه بين مختلف الآراء الفقهية؟
ـ كيف عامل الإمام الباجي مخالفيه في الرأي؟
ـ وما مدى تقيده بالمذهب في اجتهاداته؟
3ـ خطة البحث وتقسيمه:
      قسمت هذا البحث إلى مقدمة ومدخل تمهيدي وستة فصول وخاتمة، فالمقدمة تضمنت: إشكالية البحث، وأهميته، ومنهجه، وتقسيمه. أما المدخل التمهيدي، فتضمن خمسة مباحث، خصصت المبحث الأول: لترجمة الإمام الباجي، وعالجت في المبحث الثاني: التعريف بكتاب المنتقى، أما المبحث الثالث: فحددت فيه مفهوم منهج الترجيح، وفي المبحث الرابع: تطرقت لمفهوم ومحل التعارض، ومسالك العلماء في دفعه، أما المبحث الخامس: فخصصته للترجيح من حيث حكم العمل بالراجح، وشروط ومحل الترجيح، وأوجه الترجيح وطرقه.
      ثم خصصت الفصل الأول: للترجيح بالأدلة المتفق عليها، وفيه تمهيد، وأربعة مباحث: فالمبحث الأول: تناولت فيه الترجيح بالقرآن الكريم، من حيث الترجيح باشتراط التواتر في نقل القرآن، والترجيح بالقراءات، والترجيح بأسباب النزول، والترجيح بنص القرآن الكريم، وبظاهره، وعمومه، وفي المبحث الثاني، تطرقت للترجيح بالسنة النبوية، وذلك من خلال مطالب، كالترجيح بالسنة القولية، والفعلية، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم، والترجيح بقاعدة: الأصل أن حكمه وحكم أمته واحد إلا أن يقوم دليل يقضي بالاختصاص، والترجيح بالحديث المرفوع، والمرسل…
     أما المبحث الثالث: الترجيح بالإجماع، فتناولت فيه الترجيح بإجماع الصحابة، والترجيح بعمل الخلفاء، واختيار الإمام الباجي فيما يخص قول العلماء: إِذا اتفق الصحابة على قولين هل يَجوز إِحداث قول ثالث؟ والترجيح بعمل أو إجماع أهل المدينة…
     أما المبحث الرابع: الترجيح بالقياس، فبعد تحديد مفهوم القياس، وبيان الحاجة إليه، بينت ترجيحات الإمام الباجي التي بناها على القياس.
     أما الفصل الثاني فتطرقت فيه للترجيح بالأدلة المختلف فيها، فبعد التمهيد، تناولت هذا الفصل في تسعة مباحث، عرفت فيها بكل دليل، وكيف اعتمده الإمام الباجي في الترجيح بين مختلف الآراء الفقهية.
     أما الفصل الثالث، فتناولت فيه الترجيح بقواعد الدلالة، فبعد التمهيد، تطرقت إلى قواعد مرتبطة بهذا المبحث.
ففي مبحث الأمر عالجت مجموعة من قواعده، حيث توصل البحث إلى أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، والأمر بالشيء نهي عن ضده، والأمر بعد الحظر يفيد الوجوب… وغيرها من قواعد الأمر، وفي مبحث النهي، توصل البحث إلى أن النهي يقتضي التحريم، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وفي مبحث المفهوم، توصل البحث إلى الترجيح بمفهوم الموافقة، والترجيح بمفهوم المخالفة، وفي مبحث الظاهر والمؤول، توصلت إلى أن حمل الكلام على ظاهره أولى من تأويله، ويقدم المؤول على الظاهر إذا وافق قرينة خارجية، وفي مبحث العام والخاص، انتهى البحث إلى أن العام يحمل على عمومه إلا ما خصه الدليل، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذا تعارض العام والخاص كان الخاص أولى.
     بالإضافة إلى الترجيح بقواعد أخرى لها ارتباط بهذا الفصل، كالنفي على الإطلاق يقتضي الاستغراق، الدلالة الشرعية أولى من الدلالة اللغوية، والأصل في اللفظ الاستقلال لا الإضمار، إذا احتمل اللفظ معنيين وجب أن يتعلق ذلك بأولهما وجودا، وحمل الكلام على فائدة مجردة أولى من حمله على التكرار، واختلاف الألفاظ يؤدي إلى اختلاف المعاني، والأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور ما لم يرد دليل بخلافه.
     من المعلوم أن علماء المالكية لهم اهتمام بالغ بالمقاصد الشرعية، والنظر المصلحي، والإمام الباجي أحد أعلام هذه المدرسة، حيث أن كتابه المنتقى مليء بالنظر المقاصدي، تعليلا، وموازنة، وترجيحا، ومن هنا خصصت الفصل الرابع: للترجيح بالمقاصد الشرعية، فبعد أن عرفت بالمقاصد الشرعية في المبحث الأول، تناولت في المبحث الثاني: الترجيح بالتعليل، وذلك من خلال مجموعة من المطالب، كالتعليل بقاعدة الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، والتعليل بقاعدة الأمور بمقاصدها، والتعليل بمراعاة المآل، والتعليل بقاعدة: الأقل يتبع الأكثر، والتعليل بالمصلحة.
وفي المبحث الثالث: حاولت الإجابة عن التساؤل الآتي: هل الأصل في الأحكام التعليل أم التعبد؟
        وفي المبحث الرابع: تناولت الترجيح بالمقاصد الشرعية، من خلال مطالب، من ذلك: العبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، والترجيح بالمصلحة، والترجيح بحفظ الضروريات، ومراعاة المصلحة العامة أولى من مراعاة المصلحة الخاصة، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، وتصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة، والترجيح بمراعاة المآل، والوسائل لها أحكام المقاصد، والضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.
      وخصصت الفصل الخامس: للترجيح بالقواعد الفقهية، وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: ففي المبحث الأول: تعريف بالقواعد الفقهية ومكانتها، وفي المبحث الثاني: تعرضت للترجيح بالقواعد الكلية الكبرى، كقاعدة الأمور بمقاصدها، والمشقة تجلب التيسير، والضرر يزال، قاعدة العادة محكمة، وفي المبحث الثالث: تناولت الترجيح بالقواعد الصغرى، من مثل قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، والتابع تابع، وحق العبد مقدم على حق الله، وحكم الحاكم يرفع الخلاف، والذمة إذا أعمرت بيقين فلا تبرأ إلا بيقين، والخروج من الخلاف مستحب، ومن استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه، والأقوى أولى أن يتبع، أما آخر الفصول فخصصته لقواعد درء التعارض، ففي المبحث الأول، تناولت قواعد دفع التعارض، من مثل قاعدة الجمع أولى من الترجيح، والترجيح بالنسخ، والزيادة على النص ليست بنسخ، وسقوط الأدلة والعمل بدليل آخر.
       وتناولت في المبحث الثاني: قواعد الترجيح، وهي على قسمين: القسم الأول: في ترجيحات السند، مثل قاعدة: تقديم رواية الأحفظ والأضبط على غيره، وقاعدة أن يكون أحد الراويين متأخر الإسلام، فهو أولى، وقاعدة تقديم الحديث الذي وافق عمل أهل المدنية على غيره، وتقديم رواية الكبير على رواية الصغير، وأن يكون أحد الراويين صاحب الواقعة، فهو أولى، وأن يكون أحد الراويين أكثر صحبة، فهو أولى، وتقديم خبر الجماعة على خبر الواحد، وأن يكون أحد الراويين مباشرا للقصة بنفسه، فهو أولى، والمتواتر مقدم على غيره.
      أما القسم الثاني: في ترجيحات المتن: مثل قاعدة كونه يتضمن احتياطا، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية، والفرض أولى من النفل، وما وجب بالشرع مقدم على ما أوجبه المرء على نفسه، وما ثبت بنص الكتاب مقدم على ما ثبت بأخبار الآحاد، وما لا بدل منه مقدم على ما منه بدل، وأخبار الآحاد مقدمة على القياس والرأي.
وختمت بحثي بخاتمة تضمنت أهم النتائج التي توصل إليها البحث.
4ـ الخلاصات والنتائج:
ويمكن إجمال أهم نتائج البحث في النقاط الآتية:
ـ لقد رزق الله الإمام الباجي رحمه الله أدبا جما، وأخلاقا عالية، واحتراما رفيعا في مناقشة المخالف.
ـ اعتماد الإمام الباجي على الدليل في ترجيحاته، وهذا جواب عن دعوى كون المذهب المالكي خال من الدليل.
ـ إن الإمام الباجي رحمه الله قد اعتمد في مناقشة الآراء الفقهية والترجيح بينها، مختلف مباحث أصول الفقه التي ترجع إليها فروعه، وبعض القواعد الفقهية، والتعليل المصلحي والاجتهاد المقاصدي وقواعده.
ـ ترجيحات الإمام الباجي مبنية على قواعد وأسس، وليست اتباعا للهوى.
ـ مفهوم السنة عند الإمام الباجي على خلاف ما هو متداول بين العلماء الآن، فهو يعرفها بأنها:” ما رسم ليحتذى “.
ـ اعتمد أبو الوليد الباجي في الترجيح بين مختلف الأقاويل الفقهية الأدلة المتفق عليها، والأدلة المختلف فيها، مما يدل على أن المذهب المالكي أكثر المذاهب أصولا، وأوسعها أدلة.
ـ اعتمد الإمام الباجي إجماع أهل المدينة في ترجيحاته، إذ هو من الأصول التي تميز بها مذهب مالك.
ـ معرفة المقاصد الشرعية يحتاجه كل فقيه، لأنه يساعده في التعليل، والتفسير، والترجيح بين مسائل الفقه، ويجعله قادرا على الغوص في أعماق النصوص، ولا يقف عند ظواهرها، فيفهم مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ـ إن ربط الفقه بالأدلة والقواعد الأصولية طريق لكل طالب علم أن يسلكها، لأنها تنمي عنده الملكة الفقهية، وتخرجه من رقبة التقليد إلى رحابة الاجتهاد إن تيسر له ذلك.
ـ توصل البحث إلى أن الإمام الباجي غالبا ما يختار مذهب مالك ويدافع عنه بالأدلة والحجج، وقد يخالفه في بعض المسائل الفقهية.

Print Friendly, PDF & Email

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى