القضية الأولى: مسؤولية الحوار تأصيلا وتوظيفا ـ المدارسة الأولى: الأبعاد المنهجية لحوار الله للملائكة

الأستاذ الدكتور مصطفى فاتيحي.

مقدمة:

     وتكمن أهمية تناول هذا الموضوع من هذه الزاوية، بالنظر إلى كونه محطة تأسيسية للممارسة الحوارية، وارتباطها بمهمة الإنسان الوجودية/الاستخلافية، وتحمل الإنسان للأمانة، فضلا عن مكانة المحاور (الحق سبحانه) والمحاوَر (الملائكة) وموضوع الحوار (الإنسان)، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). (سورة البقرة 30-31)، قال الزمخشري: فإن قلت: لأي غرض أخبرهم بذلك؟ قلت: ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم، وقيل ليعلم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونُصَحائهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة.[2]
     ينطوي إذن حوار الله للملائكة،كما خلده القرآن الكريم على دلالات منهجية عميقة وهامة، تفيد في الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى، وتساعد على استيعاب فلسفة الوجود؛ وترد على هذا الحوار جملة من الأسئلة الملحة من أجل استيعاب كنهه وأسراره؛ ومن أجود ما عُلق به على هذا الحوار ما جاء في الظلال: (إن السياق – فيما سبق – يستعرض موكب الحياة، بل موكب الوجود كله. ثم يتحدث عن الأرض – في معرض آلاء الله على الناس – فيقرر أن الله خلق كل ما فيها لهم.. فهنا في هذا الجو تجيء قصة استخلاف آدم في الأرض، ومنحه مقاليدها، على عهد من الله وشرط، وإعطائه المعرفة التي يعالج بها هذه الخلافة… وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود، زمام هذه الأرض، وتطلق فيها يده، وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين، والتحليل والتركيب، والتحوير والتبديل[3]، وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات، وتسخير هذا كله – بإذن الله – في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه، وإذن فقد وُهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة، والاستعدادات المدخورة[4]، كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات; ووُهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية.
     هذا كله بعض إيحاء التعبير العلوي الجليل: (إني جاعل في الأرض خليفة).. حين نتملاه اليوم بالحس اليقظ والبصيرة المفتوحة، ورؤية ما تم في الأرض على يد هذا الكائن المستخلَف في هذا الملك العريض! قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ..
ويوحي قول الملائكة هذا، بأنه كان لديهم من شواهد الحال، أو من تجارب سابقة في الأرض، أو من إلهام البصيرة، ما يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق، أو من مقتضيات حياته على الأرض; وما يجعلهم يعرفون أو يتوقعون أنه سيفسد في الأرض، وأنه سيسفك الدماء.. ثم هم – بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق، وإلا السلام الشامل – يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له، هو وحده الغاية المطلقة للوجود، وهو وحده العلة الأولى للخلق.. وهو متحقق بوجودهم هم، يسبحون بحمد الله ويقدسون له، ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته!.
     لقد خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا، في بناء هذه الأرض وعمارتها، وفي تنمية الحياة وتنويعها، وفي تحقيق إرادة الخالق وناموس الوجود في تطويرها وترقيتها وتعديلها، على يد خليفة الله في أرضه. هذا الذي قد يفسد أحيانا، وقد يسفك الدماء أحيانا، ليتم من وراء هذا الشر الجزئي الظاهر خير أكبر وأشمل. خير النمو الدائم[5]، والرقي الدائم. خير الحركة الهادمة البانية. خير المحاولة التي لا تكف، والتطلع الذي لا يقف، والتغيير والتطوير في هذا الملك الكبير[6].
     لم أشأ أن أثلم هذا التحرير الدقيق والتحقيق الرشيق لأن أطرافه يأخذ بعضها بحجز بعض، لوصف ما يكتنز المشهد من معاني ونفائس، يتفاوت الناس في استدرارها على قدر الطاقة والاستعداد، وعليه أستهدي بما ورد سابقا لاستجلاء الدلالات المنهجية الآتية:
1
ـ الارتباط النسقي بين قصة الخلق والاستخلاف والحوار: فمنذ اللحظة الأولى التي شاءت الإرادة الإلهية استخلاف الإنسان في الأرض بدأ هذا الأمر بالحوار، وهو أمر مهم في استبانة وظيفة الحوار في تحقيق تلك المهمة الجليلة والعظيمة، وبهذا يكون وسيلة حضارية للبناء والتعمير، وأداة لتعقل الكون وفهم أسراره وارتياد آفاقه، وقد وُهب الإنسان ما يمكنه من ذلك، وهي الملكة اللغوية التي يقتدر من خلالها على اختزال المعاني والدلالات.
2
ـ ارتباط الحوار بالمسؤولية: فعندما نستحضر موضوع حوار الله سبحانه مع الملائكة والمتعلق بالاستخلاف، ندرك أن الحوار مسؤولية إنسانية، فالذي لا يحاور غير جدير بتحمل الأمانة ولن يقوم بحقها كما ينبغي.
3
ـ الحوار قيمة حضارية: يستشف من تساؤل الملائكة أنها تتوقع من الإنسان الإفساد بما أعطي من حرية، لكن في البيان الإلهي ما يفيد أن الحوار وسيلة فعالة لتلافي الصراع وتحقيق التعارف والتعاون على الخير.
4
ـ الحوار والحرية: لا يكون للاستخلاف معنى إلا إذا ارتبط بالحرية، حرية اختيار الإنسان وإمكانية الصواب والخطأ، وهنا يصبح الحوار وسيلة للاستدراك والتصويب والتعديل.
5
ـ الحوار سبيل إلى الفهم والإفهام: إذا كان الحق سبحانه يخبر الملائكة بمشيئته وإرادته من خلال أسلوب حواري يتاح فيه للملائكة أن يستفهموا ويستوضحوا، فإن العلاقة الهرمية في جميع العلاقات الاجتماعية ينبغي أن تنسج بخيط الحوار، سواء في التدبير الإداري أو القيادة التربوية أو العملية التعليمية.
6
ـ الحوار والتعبد: إذا استحضرنا مفهوم العبادة الواسع من منطلق الاستخلاف، وإذا استحضرنا البعد المقصدي في العقيدة المتمثل في التخلق بصفات الباري سبحانه وتعالى يصبح الحوار قيمة تعبدية، مما يكسبها طابع الوجوب من جهة والالتزام الطوعي من جهة أخرى، وبهذا يكون للحوار معاني أعمق وأشمل: الحوار مع الذات لإصلاح أخطائها والحوار مع الكون لاستجلاء معانيه وفهم قوانينه بما يقرب إلى الله، والحوار مع المخالف للوصول إلى أصوب الآراء وأقومها، والحوار مع المقروء من أجل التفاعل البناء المفضي إلى الإفادة والنفع العام.
7
ـ الحوار وتنسيب التصورات ونسبيتها: إذا كان الله وهو علام الغيوب والفعال لما يريد يحاور الملائكة ويتيح الفرصة أمامهم من أجل الاستيضاح ثم الاقتناع؛ فإنه يستشف من ذلك أهمية الانطلاق في الحوار من النسبية، والبعد عن الإطلاقية والوثوقية التي تلغي الآخر وتقصيه، ومن شواهد ذلك ما أثر عن الذين تربوا في تربة القرآن ومنهم الإمام الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. وكذلك ما هو مشهور عن رفض الإمام مالك إلزام الناس بالموطأ.
8
ـ الحوار والبعد عن الشخصنة: من خلال صيغة الجمع في (الملائكة): فمن أكثر ما يفسد الحوار هو الاستدراج إلى التعيين والشخصنة، وعدم التركيز على الموضوع المختلف حوله، وكلما كان الحرص على التجرد في الحوار، كلما كأن أدعى لنجاحه وبقاء الود بين المتحاورين.
9
ـ الحوار وخلق الدافعية: وذلك باستحضار أن الملائكة ستكون لها مهمة في مسألة استخلاف الإنسان من خلال المراقبة وإحصاء الأعمال، أطلعهم الحق سبحانه على حقيقة الأمر، ومنه فإن الحوار يساعد المتلقي ويحفزه على الاستجابة الطوعية والمبادرة والفعالية.
10
ـ أثر اللغة في نجاعة الحوار: أن يخص الله اللغة من بين عدة خصائص لبيان أحقية الإنسان بالقيام بمهمة الخلافة أمر له دلالته وفحواه، وهو أن اللغة عنصر أساسي في البناء الحضاري وأنها ليست مجرد وسيلة؛ وإنما هي انعكاس لرؤية الإنسان للكون والوجود كله، ومن ثم أهميتها في نجاح الحوار أو فساده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]
ينظر التقديم التعريفي بالباب لمزيد من الاستيعاب للفكرة والتفاعل البناء معها تثمينا وتصويبا واستدراكا.
[2]
الكشاف عن غوامض التنزيل 1/124.
[3]
وهذه عناصر أساسية لإنجاح الحوار واستثماره.
[4]
ومن أهمها الاستعداد إلى ممارسة الحوار بمفهومه الواسع كما سأبين لاحقا.
[5]
وبهذا يكون للابتلاء معنى وفلسفة كما جلاه عبد الرحمان حسن حبنكة الميداني في كتابه (ابتلاء الإرادة بالإيمان والإسلام والعبادة).
[6]
في ظلال القرآن، ص: 57 ج1.
                             

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى