أطروحة في موضوع: شرح مختصر خليل لأبي عبد الله محمد بن عبد الصادق الفرجي الدكالي (ت 1175هـ)

من باب الشهادات إلى باب التدبير

تقديم وتحقيق
الطالب الباحث: الطيب الهلالي

عنوان أطروحة دكتوراه من إعداد الطالب الباحث: الطيب الهلالي وإشراف الدكتور: محمد بوطربوش
بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة ابن طفيل بالقنيطرة المغرب.
تاريخ المناقشة: 16 محرم 1448هـ / 02 يوليوز 2026م
لجنة المناقشة:
ـ الدكتور سالم أبريش
ـ الدكتور عبد المجيد محب
ـ الدكتور عبد السلام اجميلي
ـ الدكتور عبد الصمد الكلموسي
ـ الدكتور زيد الشريف
ملخص التقرير:
   الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
   وبعد، فإن الفقه في الدين من أعظم ما ينبغي للطالب الاشتغال به، قال تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾([1])، وقال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»([2])، ومن هنا كان علم الفقه من أشهر العلوم وأجلها منزلة، وكان الاشتغال به من أقرب القربات إلى الله عز وجل، وأولى ما صرفت فيه فواضل الأوقات؛ إذ عليه صلاح العباد، ومدار سعادتهم، وفوزهم في الدارين.
     ولذلك عنيت الأمة الإسلامية بتأليف الأمهات والمصنفات جمعا لمادتها، وحفظا لأحكامها، فقدروها حق قدرها، ورعوها حق رعايتها حتى أصبحت هذه العناية ميزة من مميزات الشريعة الإسلامية، وخصوصية من خصوصياتها؛ إذ أعد الله سبحانه وتعالى لهذه المهمة النبيلة رجالا أكفاء مخلصين في خدمة الدين، فكانوا بحق هم الجهابذة الفقهاء، والعباقرة العظماء؛ إذ حملوا مشاعل الفقه والهداية للخلق، فاختصهم الله باستنباط الأحكام، وضبط قواعد الحلال والحرام.
     وإن الفقه الإسلامي بصفة عامة، والمالكي بصفة خاصة، يزخر بكثير من المتون الجامعة، والمختصرات المانعة، التي تشتمل على أصول المطولات وكلياتها، وقد ازدانت هذه المتون واكتملت بما كُتب حولها من شروح مختلفة، وحواش متعددة، تفكك ألفاظها، وتبيّن مدلولاتها، للوصول إلى المعنى المراد منها بأسلوب سهل، يتيح للمبتدئ في مجاله فهم المقصود، والوصول إلى الغرض المنشود.
     ولعل من أنفس ما ألف من المتون في المذهب المالكي كتابَ المختصر المعروف بـ: «مختصر خليل» للشيخ خليل بن إسحاق (ت776هـ)، فقد جمع فيه مؤلِّفه أقوال المذهب في ديوان مركز، ومختصر موجز، حتى جاء كالبرنامج للمذهب.
    ونظرا لأهميته وقيمته العلمية عكف عليه علماء المذهب، قراءةً، وتصحيحا، وتحشية وتعليقا، فوضعوا عليه جملة من الشروح والحواشي، والطرر، والتقييدات، تضمنت تنبيهات عديدة، واستدراكات فريدة، وتوجيهات مفيدة.
   ومن أهم هذه الشروح شرح مختصر خليل لأبي عبد الله محمد بن عبد الصادق الفرجي الدكالي المتوفى سنة (1175هـ)؛ إذ جمع فيه صاحبه فأوعب، وبين فأوعى، جمع بين التأصيل والتنزيل، كما اعتنى بتمحيص الأقوال، وبيان الصحيح من الضعيف والنظر في مدى مطابقتها لأصول الشرع ومقاصده، فجاء جامعا بين الفقه التنظيري، والاجتهاد التنزيلي، إذ أغنى شرحه بعدد من النوازل التطبيقية حسب مناسباتها لقضايا المتن المشروح.
    وإن شرحا بهذه المكانة العلمية الفذة، لا يقبل بحال أن يبقى طي النسيان والإهمال، ملقى في الرفوف، عوض أن يصل إلى يد الباحثين والمهتمين من طلبة العلم، وفقهاء ورجال القضاء والتشريع…. للوقوف على ما به من فرائد وفوائد ممتعة تميزه عن غيره، ولهذا فقد تَطلَّعت لتحقيق جزء منه في أطروحتي لنيل شهادة الدكتوراه.
أسباب اختيار الموضوع:
هذا وقد كان لاختياري لهذا الموضوع أسباب حفزتني إليه، وبواعث دفعتني للاشتغال عليه، أجملها فيما يلي:
أولا: الشعور بالمسؤولية والأمانة اللتان تعمر بهما ذمة طلبة العلم والعلماء،
ثانيا: قيمة هذا الشرح، فهو شرح على مختصر خليل الذي لا تخفى على أهل العلم والباحثين مكانته، وما لقيه من القبول عند فقهاء المالكية المتأخرين؛ إذ يعد أشهر المختصرات الفقهية عند السادة المالكية.
ثالثا: الرغبة في الاقتراب أكثر من الفقه المالكي، للاطلاع على أصوله وفروعه، والتعرف على أعلامه ومدارسه، ومؤلفاته ومصطلحاته.
رابعا: أن مشروع تحقيق مثل هذه المخطوطة عمل ضخم، يحتاج إلى أن تتضافر حوله جهود الباحثين، فأحببت أن تكون مشاركتي لبنة في بناء هذا المشروع، لا سيما أن بعض إخواني الباحثين قد سبقوني فأنجزوا أجزاء منه.
صعوبات البحث في الموضوع:
البحث في أصله صعب، وإذا تعلق بتحقيق نص تراثي كان أصعب وأشق، ومن أهم الصعوبات التي واجهتها في بحثي هذا ما يلي:
أولا: ندرة المصادر؛ إذ إن بعض المصادر التي يحيل عليها ابن عبد الصادق ما تزال في رفوف خزائن المخطوطات.
ثانيا: صعوبة قراءة مواضع كثيرة من المخطوط، مما دفعني دفعا إلى مراجعة المسائل الفقهية في مظانها، وكل هذا أخذ مني جهدا كبيرا، ووقتا طويلا من زمن البحث.
ثالثا: صعوبة التعريف بالكتاب المحقق، وبيان منهجه؛ وذلك لخلوه من مقدمة تُبرز لنا المعالم المنهجية التي سار عليها المؤلف في منهجه.
الدراسات السابقة:
     لقد تم تحقيق أجزاء من المخطوط على يد بعض الإخوة الباحثين؛ نالوا بها درجة الدكتوراه بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة وهم: ذ محمد محرز، ذ عبدالفتاح مغفور، ذ التهامي القطاري، ذ فؤاد القطاري، ذ عبد الله مودن، ذ سعيد بومنديل، ذ خالد دبدوبي.
خِطــة البحـث:
    تطلَّبت طبيعة البحث أن يُقسم قسمان تكتنفهما مقدمة، وخاتمة، مع التذييل بفهارس علمية تسهل الرجوع إلى مضامين البحث.
أما المقدمة، فتناولت فيها أهمية البحث، وأسباب اختياره، وأهم عوائقه وصعوباته، ثم خطته وتصميمه.
وأما القسم الأول، فخصصته للتقديم، وجزَّأته إلى ثلاثة فصول، أفردت الفصل الأول للتعريف بالشيخ خليل بن إسحاق ومختصره، من خلال مبحثين، وتحت كل مبحث مطالب.
وفي الفصل الثاني تعرضت للتعريف بابن عبد الصادق، وبيان مكانته العلمية، وجعلته في مبحثين، تحت كل مبحث مطالب.
وفي الفصل الثالث تناولت التعريف بشرح مختصر خليل لابن عبد الصادق، عرفت فيه بالكتاب المحقق، وقد جاء ذلك في أربعة مباحث، تحت كل مبحث مطالب
مع بيان توثيق الكتاب ومكانته العلمية، ثم وصف النسخ وبيان المنهج الذي سلكته في التحقيق.
وأما القسم الثاني فهو للنص المحقق، ويبتدئ من أول باب الشهادات إلى باب التدبير.
التعريف بأبي عبد الله محمد بن عبد الصادق الدكالي  الفرْجي (ت1175هـ)([3])
اسمه ونسبه 
هو أبو عبد الله محمد بن عبد الصادق الدكالي الفرجي، بهذا الاسم ذكره غير واحد ممن ترجم له، كالقادري الذي قال: سيدي محمد بن عبد الصادق الدكالي الفرجي([4]).
وكذا ذكره محمد بن جعفر الكتاني بقوله: سيدي محمد بن عبد الصادق الدكالي الفرجي([5]).
وقد ذكره بهذا الاسم دون تثنية النسبة محمد مخلوف بقوله: محمد بن عبد الصادق الدكالي([6]).
الدكالي أصلا، الفاسي داراً واستقراراً ووفاة.
يكنى أبا عبد الله، وبها عرف واشتهر عند الفقهاء وعلماء التراجم، وممن ذكره بهذا اللقب: محمد مخلوف قائلا: هو أبو عبد الله محمد بن عبد الصادق.([7])
 مولده وموطنه:
أما عن ولادته فلم تشر المراجع المترجمة للشيخ محمد بن عبد الصادق إلى تاريخ ولادته، ولا إلى شيء عن حياته الأولى، ولاشك أن ولادته كانت بدكالة، وهو ما يفهم من قولهم الدكالي أصلا. 
أما موطنه: فقد اتفقت جميع المصادر التي ترجمت له على أنه:
«الدكالي»، نسبة إلى دكالة.
و«دكالة»: أحد أكبر المناطق الزراعية في المغرب، يحدها من الشمال وادي أم الربيع مع إقليم الشاوية، وجنوبا إقليم عبدة، وشرقا إقليمي قلعة السراغنة وسطات.
وقد خرج من رحم هذه المنطقة علماء كبار خلد التاريخ المعاصر ذكرهم، وذاعت في الآفاق شهرتهم أمثال: العلامة المحدث أبي شعيب الدكالي الصديقي (ت1356هـ/1937م).
ـ كما نسبه محمد بن الحسن الحجوي في «الفكر السامي»([8])، والكتاني في «سلوة الأنفاس»([9])،  بقولهما: «الفرْجي» نسبة إلى  أولاد فرج، وهي إحدى قبائل دكالة.
شيوخه وتلامذته
    لقد عاش محمد بن عبد الصادق في مدينة فاس التي كانت  قبلة العلماء من شتى أنحاء المغرب، وفي شتى فنون المعرفة، ولا شك أن شخصيته العلمية  التي كان  يتميز بها الشيخ تدل على أن وراءها علماء وشيوخا أكفاء، وقد ذكرت المصادر علَمين اثنين منهما:
الأول: أبو عبد الله محمد يعيش بن الرغّاي، الشاوي أصلا، الفاسي دارا وقرارا، الفقيه القاضي. ولي قضاء تازة ثم قضاء فاس وخطابة القرويين، من العلماء المحققين في عصره، كان يستدرك على ابن مرزوق وأمثاله، وصفه الحجوي بقوله: «إمام شهير مشارك حافظ للمذهب نقاد، سارت فتاويه سير الشعاع في البلاد»([10]).
  من شيوخ الرغاي: أبو علي الحسن بن رحال المعداني (1140هـ)، وأبو عبد الله محمد بن أحمد المسناوي البكري الدلائي (1136هـ)، وأبو عبد الله محمد العربي بن أحمد بردلة (1133هـ)([11]).
ومن تلاميذه العلامة المحدث الفقيه أبو عبد الله محمد التاودي بن سودة الفاسي (1209هـ)([12])، شارح تحفة ابن عاصم.
وقد أثبت مشيخة يعيش بن الرغاي لابن عبد الصادق كل من ترجم له  كالحجوي في «الفكر السامي» ومخلوف في «شجرة النور»، بل ورد في كتاب  «سلوة الأنفاس» أنه كان ينوب عنه في الأحكام في بعض الأحيان.
الثاني: أبو علي الحسن بن رحال بن أحمد المعداني التدلاوي، الفقيه الكبير، حافظ زمانه، المدرس القاضي، قال عنه مخلوف في «شجرة النور»: الإمام العلامة المفضال، الفقيه النظار، خاتمة العلماء المحققين الأخيار، من أهل الفضل وقضاة العدل([13]).
ومما يدل على رسوخ هذا العالم وسعة اطلاعه، شرحه لمختصر خليل الموسوم «بفتح الفتاح»، يقع في 71 جزءا، وقد أكثر ابن عبد الصادق من النقل عنه والإحالة عليه. وهو المراد بقوله «شيخنا» كما يتبين ذلك من خلال المواضع التي نقل عنه منها.
وقد أثبت مشيخة ابن رحال المعداني لابن عبد الصادق القادري في نشر المثاني([14])،  والكتاني في سلوة الأنفاس([15])، وابن زيدان السجلماسي في كتابه«إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس»([16]).
هذا عن شيوخه، أما ما يتعلق بتلاميذه فلم تذكر لنا كتب التراجم وغيرها شيئا عن تلامذته.
أخلاقه
كان ابن عبد الصادق حسن الأخلاق، عدلا منصفا، مشهورا بسيرته الحسنة وأخلاقه المستحسنة، صاحب مروءة ودين، وهدي حسن، يظهر ذلك فيما وسمه به من ترجم له من العلماء، ومن ذلك:
ما قاله فيه صاحب نشر المثاني: بعد أن بين مكانته وقيمته العلمية… “كان منصفا في فتواه، حائدا عن التعسف في غالب أمره، وله سيرة حسنة وأخلاق مستحسنة، ولا بأس بهديه ومروءته ودينه([17]).
وقال فيه صاحب سلوة الأنفاس بعد أن بين قيمته العلمية:.. وكان منصفا في فتواه، حائدا عن التعسف، له سيرة حسنة وأخلاق مستحسنة، ولا بأس بهديه ومروءته ودينه([18]).
     وهذا الكلام على وَجازته، فإنه يدل على أنه كان عالما نبيلا، ذا قدر عظيم، وسمت حسن، ومما يستشف منه أنه كان كذلك ما جاء في سيرته: «أنه ولي الخطابة بمسجد الشرفاء… فلما أحس من نفسه عدم القيام بها أخر نفسه عنها»([19]).
     فمن خلال هذا الموقف يتبين أن ابن عبد الصادق كان يدرك قدر الأمانة والمسؤولية الملقاة على عاتق العلماء والخطباء، فلما أنس من نفسه عجزا، أو ربما يكون في الناس من هو أقدر منه على حمل هذه الرسالة، وبإمكانه أن ينفع الناس أكثر، أخر نفسه عنها دون أن يحس بشيء في نفسه. وهذا لا يفعله إلا من عرف قدر نفسه، وكان على جانب كبير من التواضع.
مكانة ابن عبد الصادق العلمية ومهامه 
    إن مكانة الفقيه تتضح من خلال ثناء العلماء عليه، وبيان قدره وجهوده على الساحة العلمية، وقد حاز ابن عبد الصادق ثناء كل من ترجم له من العلماء منهم:
ـ محمد بن الطيب القادري حيث وصفه بقوله: «العالم العلامة الفقيه النوازلي المفتي أبو عبد الله سيدي محمد بن عبد الصادق الدكالي الفرجي»([20]).
ـ وقال في حقه محمد بن جعفر الكتاني في «سلوة الأنفاس»([21]):«الشيخ الفقيه، العالم العلامة النزيه، النوازلي المفتي المحصل؛ أبو عبد الله سيدي محمد بن عبد الصادق الدكالي الفرجي».
ـ وقال عنه مخلوف: «أبو عبد الله محمد بن عبد الصادق الدكالي: الفقيه العالم العلامة النوازلي المفتي المحصل الفهامة»([22]).
ـ وحلاه صاحب التقاط الدرر بقوله: الفقيه العالم المفتي النوازلي سيدي محمد بن عبد الصادق الدكالي الفرجي([23]).
ـ وقال عنه العلامة الحجوي في الفكر السامي: أبو عبد الله محمد بن عبد الصادق الدكالي الفرجي مفتي فاس وخطيبها…وكان ينوب عن شيخه يعيش الرغاي في القضاء([24]).
وعبد السلام بن سودة (ت: 1400هـ)، بــ: «العلامة المشارك المدرس المطلع المفتي النوازلي»([25]).
وهذه الأوصاف التي وصفه بها أهل العلم ممن ترجموا له تدل على المقام العلمي والمكانة الرفيعة التي كان يحظى بها الفقيه محمد بن عبد الصادق في الفتاوى والنوازل، والتمكن في الفقه المالكي، ولذلك أثنوا عليه وأسبغوا عليه هذه  الألقاب العلية والتي منها:
ـ النوازلي: «وهو الذي يفتي في الوقائع والمسائل المستجدة والحادثة. وقد أفتى بفاس في نوازل الخصومات مدة أربعين سنة»([26]).
ـ المفتي:وقد ورد في ترجمته أنه: «مفتي فاس»([27]).و«من المرجوع إليه في الفتيا بفاس بين الخصوم، وترددت إليه الفتيا نحو ثلاثين سنة منصفا في فتواه حائدا عن التعسف…»([28]).ومن الشواهد التاريخية على أنه كان كذلك، ما ذكره ابن زيدان السلجلماسي([29]) أنه كان من ضمن العلماء الذين كتبوا للسلطان محمد بن عبد الله فتوى بجواز أخذ السلطان من الرعية ما يستخدم به الجند.
ومن ذلك فتواه في إِحْدَاث المكس بفاس وبسائر أَمْصَار الْمغرب واعتماد السلطان عليه في ذلك مع ثلة من علماء عصره من طرف وكتابتهم له فيها كتابا، وقد حكى هذا صاحب الاستقصا و وإتحاف أعلام الناس: خلال حديثهما عن ترجمة السلطان محمد بن عبد الله بن إسماعيل، كما تقدم([30]).
ـ العلامة: هو الذي شهد له العلماء بغزارة العلم، والتبحر في شتى أنواع العلوم.
إلى جانب هذه الأوصاف التي تبين مقام ابن عبد الصادق، فإنه كان يشتغل أيضا بالخطابة والتدريس والقضاء.
ـ أما الخطابة: فقد وصف بأنه خطيب فاس([31]) وقد كان يخطب بمسجد الشرفاء حيث ضريح مولاي إدريس، فلما أحس من نفسه عدم القيام بها أخر نفسه عنها([32]).
ـ وأما التدريس: فقد كان يُدَرِّس بمسجد القرويين زمانا طويلا.
محمد بن جعفر الكتاني (1274-1345) فيه: كان يدرس بمسجد القرويين مختصر خليل زمنا طويلا، وشرحه شرحا حسنا([33]).
وقال محمد بن الطيب القادري: كان يدرس بمسجد القرويين مختصر خليل زمانا طويلا، وشرحه([34]).
ـ وأما القضاء: فقد كان ينوب في الأحكام، في بعض الأحيان، عن شيخه القاضي بفاس سيدي يعيش الرغاي إذا عرض له موجب لذلك([35]).
مؤلفاته وآثاره 
لم يعرف لأبي عبد الله محمد بن عبد الصادق غير كتابين اثنين:
الأول: «شرح مختصر خليل»، وهو الكتاب الذي نحن بصدده، وسيأتي الكلام عليه.
الثاني: شرح على متن ابن عاشر.
وقد نسب هذين الكتابين للمؤلف كل من: الحجوي في الفكر السامي (2/344)، ورضا كحالة في معجم المؤلفين (10/172)، والزركلي في الأعلام (6/108).
وفاته 
     توفي رحمه الله ثاني شعبان عام خمسة وسبعين – بموحدة – ومائة وألف(1175هـ) ــ (1762م)، وهذا ما أثبته كل من ترجم له كالقادري، والحجوي، ومخلوف، والكتاني([36]).
   قال القادري في نشر المثاني: «ودفن بدار بعض أصهاره بجوار الجامع المزلجة التي بوطا ابن فرقاشة، ومن الناحية الأخرى: درب العزفي في القديم، والدار المذكورة: بأقصى زنقة غدير الجوزة من فاس القرويين، وصلى عليه الفقيه الحافظ المحدث أبو العلاء مولاي إدريس بن العلامة مولاي محمد الشريف العراقي الحسني  بوصية من صاحب الترجمة بجامع الجنائز المتصلة بمسجد القرويين»([37]).  
التعريف بشرح مختصر خليل لابن عبد الصادق الدكالي
يعتبر كتاب شرح مختصر خليل للشيخ محمد بن عبد الصادق موسوعة من موسوعات الفقه المالكي، جمع فيه صاحبه كل ما وصلت إليه يده من شروح مختصر خليل،  قصد به تقرير فروع المذهب المالكي، بإيراد أقوال علماء المذهب، وتوجيهها وتعليلها وانتقادها وترجيح أصحها أحيانا، كل ذلك  مع التعريج على ذكر أسباب الخلاف بينهم.
فجاء هذا الشرح محتويا لمادة علمية غزيرة، شملت أغلب الأحكام والجزئيات المتعلقة بالأبواب المشروحة في هذا البحث.
القيمة العلمية للكتاب
    بعد أن تعرفنا على  حياة الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الصادق ومكانته العلمية، ووصف المترجمين له بأنه من أهل العلم والفقه، أشير هنا إلى القيمة العلمية لهذا الشرح الماتع. فأقول بأن من احتك بشرح ابن عبد الصادق على متن خليل، ونظر في فصوله، واطلع على تحريراته وتقريراته، أدرك أنه أمام موسوعة كبيرة في الفقه المالكي، وأمام مادة علمية غزيرة، أهلته لأن يكون من أهم  شروح مختصر خليل، وأوسعها وأجمعها لأقوال علماء المالكية، وذلك للأسباب التالية:
أولا: ابن عبد الصادق لم يؤلف هذا الكتاب لمجرد التأليف، أو رغبة في التأليف، وإنما جاء ثمرة سنوات طويلة كان يدرس ويشرح فيها مختصر خليل بجامع القرويين.
ثانيا:  جمع فيه صاحبه ما تفرق في غيره من النقولات والأقوال، وضمنه ما تحتويه الموسوعات الطويلة، وأودع فيه كل ما وصلت إليه يده من الشروح والحواشي والطرر، كل ذلك في كتاب واحد، هو شرح خليل لابن عبد الصادق الدكالي.
ثالثا: تضمن الكتاب لخلاف علماء المذهب، وأسبابه ودواعيه،  وأبرز فيه الجانب النقدي، مع الترجيح والنقد.
رابعا: استحضار ابن عبد الصادق أثناء شرحه للفروع الفقهية لواقع مجتمعه، وذلك عن طريق مراعاة أحوال الناس، واعتبار أعرافهم، ولذلك كثيرا ما يعضد أراءه بسرد بعض النوازل والمستجدات.
خامسا: شرح ابن عبد الصادق لمختصر خليل من أكبر الأدلة على رد دعوى من يصف الفقه المالكي بالجمود والتعصب، فقد كان رحمه الله يتعامل مع الفقه تعامل الناقد الذي يدقق في الآراء، ويرجح بينها، ويعطي رأيه فيها، ويحاجج أعلام المذهب فيما رجحه.
نتائج البحث:
     وفي خاتمة هذا البحث، أشير إلى بعض الخلاصات والاستنتاجات التي لاحت لي أثناء هذا العمل وبعد الانتهاء منه، وهي كالآتي:
أولا: إن تحقيق النصوص يدفع صاحبه إلى الاحتكاك بمختلف العلوم، والاطلاع على معظم مصادرها، من خلال توثيق الأقوال والأشعار وتخريج النصوص، وتحديد مواقع البلدان والأماكن الواردة في المخطوط.
ثانيا: إن هذا الكتاب جمع بين طياته جهودا واستنباطات وآراء علمين من أبرز علماء المدرسة المالكية: أحدهما: الشيخ أبو الضياء خليل بن إسحاق المصري صاحب المختصر الفقهي الشهير. وثانيهما: أبو عبد الله محمد بن عبد الصادق الفرجي الدكالي المغربي النوازلي شارح المختصر.
ثالثا وأخيرا: إنَّ نفض الغبار عن النصوص التراثية وتحقيقها وإخراجها له أهمية كبيرة، ومنفعة عظيمة في ربط الأمَّة بتراثها وماضيها المجيد، لتكون خير خلف لخير سلف.
وفي الختام  يسعدني أن أتقدم بالشكر الجزيل لجميع شيوخي وأساتذتي الذين تعلمت منهم في جميع مراحل دراستي.
     ولا أنسى أن أتقدم بعظيمِ الشكرِ، وبلِيغِ الثناءِ والعرفان إلى والديَّ الكريمَين الغاليين، اللذين بذلا كل ما في وسعهما، في سبيل إتمام دراستي، أسأل الله أن يمد في عمرها وأن يمتعها بالصحة والعافية. ويجعل هذا العمل في ميزان حسناتهما.
وأشكر كذلك زوجتي وإخواني و، وكل أسرتي.
ولا يفوتني أن أشكر كلَّ من ساعدني في إنجاز هذا البحث بملاحظاته وتوجيهاته وتشجيعاته، من قريب أو من بعيد، فلهم مني خالص الدعاء، وصادق العرفان والوفاء.
والشكر والحمد لله أولا وأخيرا.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) سورة التوبة، الآية: 125.
([2]) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، رقم الحديث: 71.
([3]) ممن ترجم للعلامة ابن عبد الصادق: محمد بن الطيب القادري في نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني (4/143).  ومحمد مخلوف في شجرة النور (1/509)، ومحمد بن جعفر الكتاني في سلوة الأنفاس (1/225)، والحجوي في الفكر السامي (2/344)، ورضا كحالة في معجم المؤلفين (10/172)، وعبد السلام ابن سودة اتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع (1/159).
([4]) التقاط الدرر (ص: 443).
([5]) سلوة الأنفاس: (1/308-309).
([6]) شجرة النور الزكية: (ص: 354).
([7]) شجرة النور الزكية: (ص: 354).
([8]) الفكر السامي (2/344).
([9]) سلوة الأنفاس (1/225).
([10]) الفكر السامي (2/342).
([11]) شجرة النور (ص: 332 ـــ 334).
([12]) فهرس الفهارس للكتاني (1/ 256).
([13]) نشر المثاني (3/293)، اتحاف إعلام الناس (7/3 ــ 9).
([14]) (4/143).
([15]) (1/225).
([16]) (3/16).
([17]) نشر المثاني (4/ 143).
([18]) سلوة الأنفاس (1 / 308-309).
([19]) نشر المثاني 4/143، سلوة الأنفاس 1/225.
([20]) نشر المثاني (4/143).
([21]) سلوة الأنفاس(1/225).
([22]) شجرة النور (1/509).
([23]) التقاط الدرر: (ص: 443).
([24]) الفكر السامي (2/290).
([25]) إتحاف المطالع (1/15).
([26]) إتحاف المطالع بوفيات القرن الثالث عشر والرابع (1/15).
([27]) الفكر السامي (2/344).
([28]) نشر المثاني (4/143)، سلوة الأنفاس (1/225).
([29]) الاستقصا (3/7)، اتحاف أعلام الناس (3/190).
([30]) الاستقصا (3/7-10)، وإتحاف أعلام الناس (3/190).
([31]) الفكر السامي (2/344).
([32]) نشر المثاني (4/143).
([33]) سلوة الأنفاس (1/308-309).
([34]) نشر المثاني (ص: 143).
([35]) سلوة الأنفاس (1/225).
([36]) نشر المثاني 4/143، سلوة الأنفاس 1/226، الفكر السامي 2/344، شجرة النور 1/509.
([37]) نشر المثاني 4/143.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى