النشاط الأول: التضحية باعتبارها مقصدا تربويا لسنة الأضحية

عبد السلام محمد الأحمر ألقى مباشرة عبر صفحة المركز على الفيسبوك، بتاريخ 07 ذي الحجة 1441 موافق 28 يوليوز2020 على الساعة التاسعة والنصف مساء محاضرة تحت عنوان: التضحية باعتبارها مقصدا عاما لسنة الأضحية افتتح المركز أنشطته العامة، وهذا نص المحاضرة

مقدمة

        تعيش الأمة الإسلامية أجواء الأيام العشر الأولى المباركة من شهر ذي الحجة الحرام والتي تنتهي بالاحتفال بعيد الأضحى ونحر الأضحية تخليدا لسنة أبي الملة سيدنا إبراهيم عليه السلام والتي ظلت رمزا دينيا لقيمة التضحية قبل الإسلام وبعده.

        ولا خلاف في كون أبرز المقاصد التربوية للأضحية مقصد التربية على التضحية والتي ضعفت روحها بشكل بارز لدى معظم المسلمين اليوم، فصرنا نلحظ تزايد التطلع إلى النجاح دون تحمل أعباء العمل بجد واجتهاد، وإلى الربح دون ركوب الأخطار ومواجهة الصعاب، بل ربما تصور بعضنا أن التضحية قيمة إسلامية نطالب بها في أحيان معدودة وليست مقصدا شرعيا عظيما نحققه في ممارستنا للدين على أوسع نطاق.

        وذلك ما سنحاول مقاربته في هذه المحاضرة الافتتاحية للأنشطة عن بعد التي ينظمها مركز الأمانة للأبحاث والدراسات العلمية، ونسأل الله تعالى أن يسدد خطانا ويبارك جهودنا ويجعلها خالصة صوابا خدمة للبلاد والعباد إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.

مفهوم التضحية

     جاء في المعجم الوسيط: التضحية مصدر ضحَّى يُقال: ضحَّى بنفسه أو بعمله أو بماله: أي بذله وتبرع به دون مقابل.

وفي الاصطلاح هي: ” بذل النَّفس أو الوقت أو المال لأجل غاية أسمى، ولأجل هدف أرجى، مع احتساب الأجر والثواب على ذلك عند الله عزَّ وجلَّ “.

وتنقسم التضحية إلى محمودة ومذمومة:

أ) التضحية المحمودة: وهي التي تكون لتحقيق غاية شرعية وأن يبتغي فاعلها وجه الله تعالى وحده.

ب) التَّضْحية المذمومة: وهي التي تكون لتحقيق غاية غير شرعية مثل نصرة باطل، أو الركون إلى ظالم، أو أي مقصد غير نبيل.

والتضحية في حقيقتها هي ممارسة الاختيار الصعب الذي قد يكلف الإنسان غاليا نفسه ماله جهده امتيازاته.

ولقد وردت معاني التضحية والفداء في القرآن في آيات منها:

ــ {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 36]

ــ {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ} [المعارج: 11 – 14].

ــ {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحديد: 15].

      وتأتي التضحية في القرآن بمعانى وصيغ متعددة مثل البيع والشراء مع الله تعالى وكلها تدور حول معنى تقديم ما له قيمة عالية من أجل الحصول على ما له قيمة أعلى وأسمى:

{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]

      قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 38، 39].

     قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: ” إنَّها ثَقْلة الأرض، وثَقْلة الخوف على الحياة، والخوف على المال، والخوف على اللَّذائذ والمصالح والمتاع.. ثَقْلة الرَّاحة والاستقرار.. ثَقْلة الذَّات الفانية، والأجل المحدود، والهدف القريب.. ثَقْلة اللَّحم والدَّم والتراب “.

     ونظرا لأهمية التضحية في حياة المكلف فإن ترسيخها لا يعول فيه على أضحية العيد التي تتم مرة في السنة وإنما جميع الطاعات والعبادات تكسب النفس بممارستها المستمرة القدرة والاستعداد للبذل والتضحية.

ـ العبادات كلها تعلمنا التضحية:

ـ شهادة أن لا اله إلا الله، استسلام كامل لمنهج الله،

ـ الصلوات الخمس تضحية بكل ما يشغلنا عن الصلاة من كسب مادي أو طعام أو لهو أو غير ذلك.

ـ الصيام تضحية بمتعة الطعام والشراب والشهوة.

ـ الزكاة تضحية بالمال الذي تميل إليه النفس.

ـ الحج تضحية بمفارقة الوطن والأهل، وبتحمل مشاق السفر، وبالإنفاق لأداء المناسك.

ما موقع التضحية في الإسلام؟

     إن التضحية ليست فقط سنة شرعية بالنسبة لنسك عيد الأضحى وإنما هي أكبر من ذلك سنة إلهية في عالم الأحياء حيث نجدها تجري على الإنس والجن والحيوان وهي قائمة على قانون الأخذ والعطاء والغنم بالغرم وملازمة العسر لليسر والشدة للرخاء والشر للخير والسعادة للشقاء فلايتصور الظفر بحياة كلها مكاسب بدون تضحيات ومتاع بدون مكابدة.

     لكن هذه الثنائيات عندما نحسن تدبيرها والتفاعل معها في ضوء توجيهات الوحي وبيناته والقبول بمبدأ التضحية وممارستها على الوجه الشرعي والسليم نظفر بسعادة الدنيا والآخرة.

وقد تفطن الشعر الإسلامي لهذه السنة الإلهية فجاء تغنيه بالتضحية تأكيدا لضروريتها واهميتها في الحياة.

يقول الشاعر العربي صفي الدين الحلي:لا يمتطى المجد من لم يركب الخطرا **** ولا ينال العلا من قدم الحـــــــــذرا
ومن أراد العلا عفواً بلا تعــــــــــــب **** قضى ولم يقض من إدراكها وطرا
لابدّ للشهد من نحل يمنعــــــــــــــــه **** لا يجتني النفع من لم يحمل الضررا
لا يُبلغ السؤل إلا بعد مؤلمـــــــــــــة **** ولا يتم المنى إلا لمن صبـــــــــــرا
ولا ينال العلا إلا فتى شرفــــــــــــت **** خصاله فأطاع الدهر ما أمـــــــــــراويقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
وما نيل المطالب بالتمنــي **** ولكن تؤخذ الدنيا غلابــــــا
وما استعصى على قوم منال **** إذا الإقدام كان لهم ركابا

ويقول شاعر آخر:

يا من يسامي العلى عفواً بلا تعبِ … هيهات نيلُ العلى عفواً بلا تعــــــبِ

عليك بالجدِّ إني لم أجد أحـــــــــداً … حاز نصيبَ العلى من غير ما نصبِ

     وإذا انطلقنا من العقيدة الإسلامية المبنية على الإيمان ومقتضياته التصورية، وجدنا الإيمان بالله تعالى وتوحيده يقتضي التخلي عن جميع الآلهة التي يعرفها الإنسان ويسمع عنها ويدين بها غيره وتشوش عليه فكره وتصوره والتضحية بها دون استثناء من أجل الإقرار بألوهية الله وحده بلا ند أو شريك فيصرح لسانه بما أيقنه قلبه قائلا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

     وتتواصل التضحيات بعد ذلك بشهادة أن محمدا رسول الله وخاتم النبيئين، وربط جميع الحركات والسكنات بمرضات الله تعالى، والحرص على استحقاق رحمته ومغفرته وتوفيقه في الدنيا، والفوز بنعيم جناته والنجاة من نيران جحيمه في الآخرة، ولا يتم ذلك إلا بعقد العزم على التزام التضحية بمكابدة تكاليف الشرع ومشاقه امتثالا لأوامره واجتنابا لنواهه. واحتمال بذل ما يطاق من الجهد وإنفاق ما يمكن من المال والوقت، والتضحية أيضا بكل مكسب أو لذة أو متاع يحول دون الظفر برضى الله ويجلب سخطه.

     وعند التحري والتدقيق يمكن القول بأن التضحية سواء لدى الإنس أو الجن أو حتى الحيوان دائما ما تكون من أجل تحقيق الذات، وقبل الدخول في تفصيل ذلك، نتوقف قليلا عند أحداث استخلاف الله لآدم وذريته في الأرض.

     فنجد أول المضحين من أجل قناعته وفهمه هو إبليس عندما اختار إرضاء كبريائه وأنانيته فآثر معصية أمر الله له بالسجود لآدم قائلا أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، مضحيا بذلك بطاعة الله تعالى ومتعرضا للعنته وغضبه وطرده إياه من الجنة، وأكثر من ذلك لعذاب جهنم رغم أنه ليس لديه أدنى شك في وقوعه لامحالة وحلوله بكل عاص متمرد على طاعة الله.

     وأكد رغبته الجامحة في تحقيق ذاته الغاوية عندما طلب تأخير دخوله النار حتى يُغوي من استطاع من ذرية آدم.

     أما آدم وحواء فلما تطلعا إلى تحقيق ذاتيهما بالخلود في نعيم الجنة أنساهما ذلك التنفيذ الصارم لنهي الله لهما عن الأكل من الشجرة، وحملهما طموحهما على تصديق إبليس حين قاسمها بأنه لهما من الناصحين متناسيين عداوته الشديدة لهما ولذريتهما، وتحذير الله لهما من حرصه على إخراجهما من الجنة. ﴿ فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: 117 – 119].

     فكانت النتيجة لتجربة تحقيق الذات المسارَعة بإعلان التوبة الصادقة، مؤكدين رفضهما البات لمعصية الله تعالى والتعرض لسخطه، كما كانت كلفة التضحية بالنسبة لهما أيضا هو الحرمان من الجنة والهبوط إلى الأرض لمواصلة مهمة الاستخلاف فيها وممارسة الحرية والمسؤولية من خلال خوض تجربة التضحية من أجل تحقيق الذات.

     ويمكننا إذا القول بأن الاستخلاف في الأرض أمانة ثقيلة كما أخبرنا الله تعالى في قرآنه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]

     وذلك لقيامها أساسا على الاختيار المسؤول حيث إن التضحية لاتعدو كونَها تأكيدا قويا لاختيار من الاختيارات وجعله وسيلة لتحقيق الذات سواء باختيار طريق الإيمان والهداية والصلاح وتحمل ما يترتب عليه من تضحيات ومعاناة لفعل الطاعات واجتناب المعصيات، أو باختيار اتباع أهواء النفس وملذاتها على طريق الجحود والغواية والفساد، وترك الطاعات وفعل المعصيات والاستهانة بوعد الله ووعيده.

     والاستخلاف في الأرض يقتضي ابتلاء الإنسان بممارسة الاختيار بخلفية اعتقادية معينة والاستناد إليها في القيام بسلوك منسجم معها يُلزم النفس بتضحيات ومكابدات محققة للذات في أبعادها المختلفة.

     والتضحية تكون دائما تابعةً لقناعة اعتقادية وإرادة سلوكية سواء ترتب عليها التعرض لصعوبات ومشاق ومعاناة نفسية وجسدية عاجلا أو آجلا. فالذي يمنح النفس القدرة على الصبر والتحمل هو مدى رسوخ اعتقادها في صواب المسلك وعظم نتائجه والعكس صحيح، فكلما اهتزت الثقة في النفس بصلاح المنهج المتبع تراجعت قدرتها على التضحية في إطاره.

     ومثال لذلك حال المنافقين الفاقدين للاعتقاد في الإسلام والذين يستثقلون تكاليف الدين ويتلكؤون في ممارستها، {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [الأحزاب: 18، 19]

     ففعل كل طاعة اعتقادا وعبادة وأخلاقا وترك كل معصية وتجاوز كل ابتلاء بنجاح ينطوي على معنى ما من التضحية لا مناص من تحققه لتحقيقها على الوجه المطلوب.

أين تتجلى معاني التضحية في سنة الأضحية؟

     للوقوف على هذه المعاني نتوقف عند أمر الله لسيدنا إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام، والذي وهبه الله إياه بعد بلوغه سن الشيخوخة، وأصبح يعينه على أعباء الحياة ويملأ حياته بهجة وسرورا، وهو الولد البار بوالديه المطيع لربه ومولاه، إذ لم يتردد في الاستجابة لأمر الله عندما قص عليه أبوه ما رآه في المنام من تكليف الله له بذبحه، مما يعد من أعظم ما ابتلي به إبراهيم في مسار نبوته، فنجح فيه بمؤازرة ابنه البار واستعداده للتضحية في سبيل طاعة أبيه الذي كان مستعدا لطاعة أمر ربه.

     (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ  رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ  فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ  فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ  وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ  قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ  إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ  وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ  وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ  سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ  كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ  إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (الصافات 99- 111).

     وهكذا خلد لنا أبو الملة الإسلامية خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام مثالا رائعا في الابتلاء بالاختيار بين تصديق الرؤيا، وعدم تصديقها وأنه لما صدقها وصدقها ابنه اسماعيل أيضا لم يجدا صعوبة معيقة لهما عن تضحية إبراهيم بفلدة كبده وإسماعيل بنفسه وحياته وهي في أحلى وأجمل مراحلها وذلك طاعة وعبودية تامة لله رب العالمين.

     وهكذا شرعت الأضحية سنة مؤكدة في الإسلام، لتظل شعارا شعائريا أبديا للتضحية بكل غال ونفيس ابتغاء ما هو أغلى وأنفس أي نيل رضى الله والسعادة الأبدية في الدار الآخرة.

ما هي مظاهر التضحية في حياة سيدنا إبراهيم عليه السلام؟

     لا جدال أن سيدنا إبراهيم إمامنا في التضحية، حيث تعددت مناسبات تضحيته التي خلدها لنا القرآن الكريم، علينا أن نعيها ونتمعنها ونتخذها أسوة حسنة سامية في حياتنا، فقد ضحى بكل ما يملك وقدمه قربانا بين يدي خليله الرحمن الرحيم.

ــ تضحيته بنفسه عندما ألقي به في النار

قال تعالى: (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) (الأنبياء 66 – 69).

ــ تضحيته بزوجته هاجر وابنها إسماعيل عندما تركهما بجوار البيت الحرام.

قال تعالى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم 37).

ــ تضحيته بقومه وأبيه.

     قال تعالى: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) (مريم 48). (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة 114).

ــ تضحيته للملائكة بعجل سمين.

     قال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات: 24 – 28]

     ولتكون الأضحية تضحية مأجورة لابد أن تتوفر فيها شروط تحقق معنى التضحية ومنها ألا تنزل عن أدنى درجات الجودة فيها، فلا يكون بها عيب من العيوب التي تجعل قيمتها متدنية وأوصاف السلامة فيها مختلة، فقد صح في السنة أنه لا يجوز من الضحايا العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي. (رواه الخمسة وصححه الترمذي).

     والأجر الذي من أجله تكون أضحية يوم النحر ويسترخص بذل قيمتها بينه رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال:”ما عمل ابن آدم يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض، فطيبوا بها نفسا” (الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني)

     وإذا كانت بعض ضروب التضحية مثل أضحية العيد سنة، فإن التضحية بالنفس والمال وكل شيء يعد مقصدا تربويا في تزكية النفس ورفع قدراتها على ممارسة تكاليف الدين بهمة واقتدار، {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [التوبة: 24]، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } [الأحزاب: 36].

     فمن فقد الاستعداد للتضحية بنفسه وماله ووقته وصحته وكل إمكانياته في سبيل مرضاة الله والالتزام بهدي دينه، سينتهي أمره لامحالة إلى الخسران والبوار والحرمان من فعل الصالحات واجتناب السيئات، إذ كل ذلك يتوقف على قدر قليل أو كثير – في غالب الأحيان – من التضحية ومجاهدة النفس على ممارستها حينا بعد حين إلى آخر رمق من الحياة.

      وتعرض لقيمة التضحية الأحكام الخمسة من واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح، فالأضحية مثلا سنة مؤكدة في أغلب المذاهب والتضحية بالنفس والنفيس دفاعا عن الدين والنفس والعرض والمال والوطن واجب يستنفر له الجميع.

      وإذا كانت التضحية بشيء جليل من أجل شيء حقير أو أقل قيمة من المضحى به صارت حراما، وكذا إذا كانت من أجل شيء باطل أو حرام.

     وتعتبر التضحية واجبا دينيا عاما يتوقف عليه القيام بكل واجبات الدين وتكاليفه من صلاة وصيام وزكاة وحج وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وصلة رحيم والتخلق بالفضائل واجتناب الرذائل، فمن فقد القدرة على التضحية وتراجعت استعداداته لتقديمه صعب عليه أو تعذر عليه الاضطلاع بالواجبات والنهوض بالمسؤوليات المختلفة، وما لايقوم الواجب إلا به فهو واجب.

     ومن هنا نتبين درجة مقصدية التضحية في التربوية الإسلامية التي يلزم أن يستهدف تربية النشء على روح التضحية باعتبارها مقصدا عاما من مقاصدها.

     وتزخر سيرة الرسول وصحابته الكرام بنماذج سامقة لتربية أبنائنا على التضحية في سبيل الله.

فمن نماذج تضحيات الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة رضوان الله عليهم:

1ـ التضحية بالنفس

     سار رسول الله النبي الخاتم وتلامذته من الصحابة الكرام على نهج أب المسلمين في التضحية، فقدموا نماذج سامقة من استرخاص النفس والمال وكل غال مهما كانت قيمته في سبيل نصرة دين الله وإقامة منهجه رحمة وبركة وأمانة عظمى وسلاما للعالمين.

جاء في دلائل النبوة للبيهقي عن ابن إسحاق قال: بعثت قريش أبا طالب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا كذا وكذا فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك، فظن رسول الله عليه الصلاة والسلام أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله ومسلمه وضعف عن القيام معه ، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام  ياعم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك في طلبه » ثم قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول اللهعليه الصلاة والسلام: يا ابن أخي فأقبل عليه ، فقال : « امض على أمرك وافعل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا». وقد كانت حياة الرسول عليه الصلاة والسلام

ومن تضحيات الصحابة:

ـ تضحية علي بن أبي طالبرضي الله عنه بنفسه عندما بات في فراش الرسول ليلة هجرته إلى المدينة.

ـ تضحية حنظلة غسيل الملائكة، رضي الله عنه، فقد ضحى بنفسه عندما خرج للجهاد صبيحة ليلة زفافه، وسقط شهيدا في غزوة أحد.

ـ تضحية عمرو بن الجموح رضي الله عنه، وكان أعرج وكبيرا في السن، وقد أصر على الخروج للجهاد في غزوة أحد رغم ذلك، وحاول أبناؤه منعه من الذهاب للجهاد، لكبر سنه وعرجته، لكنه أصر على المشاركة قائلا: “والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة” فما زال يقاتل حتى استشهد.

ـ تضحية أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية رضي الله عنها، ومشاركتها في غزوة أحد ودفاعها عن النبي محمد حيث كانت تحمي الرسول عليه الصلاة والسلام حتى أثخنتها الجراح.

2ـ التضحية بالمال.

ـ تضحية أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقد ضحى بماله في سبيل دعوة الإسلام وتجهيز جيش المسلمين وتحرير الرقيق.

ـ تضحية عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد ضحى بماله وجهز ثلث جيش المسلمين في غزوة تبوك

ـ وعَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ  عليه الصلاة والسلام أَنَّ مِسْكِينًا سَأَلَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ وَلَيْسَ فِي بَيْتِهَا إِلَّا رَغِيفٌ فَقَالَتْ لِمَوْلَاةٍ لَهَا أَعْطِيهِ إِيَّاهُ فَقَالَتْ لَيْسَ لَكِ مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ أَعْطِيهِ إِيَّاهُ قَالَتْ فَفَعَلْتُ قَالَتْ فَلَمَّا أَمْسَيْنَا أَهْدَى لَنَا أَهْلُ بَيْتٍ أَوْ إِنْسَانٌ مَا كَانَ يُهْدِي لَنَا شَاةً وَكَفَنَهَا فَدَعَتْنِي عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ كُلِي مِنْ هَذَا هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِكِ.

ولا تنحصر التضحية في بذل النفس والمال في الجهاد في سبيل الله، بل تتعدد صورها لتشمل مجالات الحياة جميعها.

ما هي شروط التضحية؟

1ـ أن يقصد بها مرضاة الله ونيل ما أعده للعاملين والصالحين في الآخرة، وأن تنضبط بتوجيهات الشرع وأولوياته ومقاصده.

2ـ أن تكون بما هو نفيس مثل النفس والمال قال تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.

3ـ وتكون بالوقت والجهد والصبر على الصعاب، (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون 61-60.

4ـ أن يكون المضحى به أقل وأهون من المضحى لأجله، وإلا صارت التضحية خسارة يجب تجاوزها وسفاهة يحرم ارتكابها.

بما تكتسب القدرة على التضحية؟

     باليقين في العوض والرجاء في الجزاء فمن عرف ما قصد هان عليه ما وجد، كما قال خالد بن الوليد رضي الله عنه لكسرى عظيم الفرس (يا كسرى أسلم تسلم والا جئتك بقوم يحرصون على الموت كما تحرصون أنتم على الحياة. وقد ربط القرآن دائما بين الإيمان والقدرة على البذل والتضحية (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (البقرة 218(

قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (الزمر 10.

خاتمة

    ما أحوج الأمة الإسلامية اليوم إلى ترسيخ قيمة التضحية في سلوك الأجيال، وقد فشت فيها آفة التضحية بالمصلحة العامة من أجل المصلحة الشخصية وداء التضحية برخاء الأمة وازدهارها واستقرارها من أجل رفاه طائفة من الأنانيين والفاسدين.

     إنها في أمس الحاجة إلى التربية على معاني التضحية وأخلاقها وقيمها لكي تتمكن من الانخراط المسؤول والفعال في استئناف مشروعها الرسالي الحضاري، الذي قام على معاني التضحية وفعاليتها، فمكثت لحقب متوالية تعرض على الإنسانية وحي الله الخاتم وتطبق منهجه الخالد في الواقع، الذي به تنال السعادة في الدنيا والآخرة، ويستقيم لها عيشها واجتماعها ونظامها في كل مجالات الحياة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *