«البَحْرُ الطَّامِي ذُو اللُّجَجِ عَلَى بُسْتَانِ فِكْرِ المَهَجِ» لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّد يَحْيَى الوَلَاتِيِّ (ت: 1330هـ) –
دِرَاسَةٌ وَتَحْقِيقٌ.
أطروحة دكتوراه
إعداد الطالب الباحث: إبراهيم مزوز
إشراف الدكتور: مولاي عبد الصمد الكلموسي
كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة ابن طفيل بالقنيطرة
13 محرم 1448ه/ 29 يونيو 2026م
وتكونت لجنة المناقشة من الأساتذة الدكاترة: مولاي عبد الصمد الكلموسي – محمد بوطربوش – لحسن لمودن – عزيز أبو الشرع – المختار شاكر – عبد السلام الرحيوي.
كَلِمَةٌ افْتِتَاحِيَّةٌ
الحمد لله الذي اختص هذه الأمة الشريفة بصيانة شريعتها الغراء، وحفظ مصادرها الأصولية والفروعية بفضل جهود أساطين العلماء والفقهاء، وجعل التراث المخطوط مستودعاً لحضارتها المجيدة، ووارثاً أميناً لأمجادها الفكرية على مر العصور والدهور.
والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ونبينا ومولانا محمد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين.
وبعد:
بداية أتوجه بآيات التقدير والامتنان لأساتذتي الأجلاء الأفاضل، أعضاء اللجنة العلمية الموقرة، كل باسمه الموقر، وجميل وسمه العالي، ووصفه السامي، الذين تفضلوا بقبول قراءة هذه الأطروحة، وتجشموا مشاق تقويمها، واقتطعوا من وقتهم الثمين لتقويم اعوجاجها وتجويد مضامينها، لتخرج في حلة تليق بالبحث الأكاديمي الرصين بجامعتنا العتيدة.
وامتداداً لهذا العرفان، واسترشاداً بمسؤولية البحث الأكاديمي، يشرفني أن أعرض على أنظار لجنتكم الموقرة وجمعكم الكريم خطوطاً عريضة وملامح عامة تختزل مضامين هذه الأطروحة، وتبيّن هندستها المنهجية والمعرفية، وذلك من خلال العرض المقتضب الآتي:
أَوَّلًا: سِيَاقُ البَحْثِ العِلْمِيِّ وَأَهَمِّيَّتُهُ المَعْرِفِيَّةُ
إن أسمى ما تُصرف فيه الأوقات النفيسة، وتفنى في سبيله الأعمار الشريفة، هو تدارس العلوم الشرعية واستجلاء معانيها ومقاصدها وغاياتها المنيفة. ومن المعلوم لدى المحققين أن علم الفقه الإسلامي يتبوأ منزلة عليا ومكانة سامية بعد علم العقيدة، وضمن هذا العلم الشريف تبرز أهمية القواعد الفقهية كدعامة أساسية وضابط أصيل ينظم الفروع الفقهية المتناثرة ويلم شتاتها في منظومة موضوعية محكمة.
وفي هذا السياق المعرفي الخصب، قيّض الله جل وعلا لهذا الفن رجالاً جهابذة وأعلاماً محققين صانوا الشريعة، ومن أبرز أولئك الأعلام المتأخرين في حواضر بلاد شنقيط: العلامة المحقق النظار الأصولي الفقيه محمد يحيى الولاتي (ت: 1330هـ)، الذي رفد المكتبة الإسلامية والفقهية بسِفره النفيس الموسوم بـ: «البحر الطامي ذو اللجج على بستان فكر المهج»، وهو شرح موسع ومعمق على نظم “تكميل المنهج المنتخب” للإمام أبي عبد الله ميارة الفاسي (ت: 1072هـ). ويُعتبر هذا الكتاب من الذخائر المعرفية والمصادر الأساسية في القواعد الفقهية في المذهب المالكي.
ثَانِيًا: دوَاعِي اخْتِيَارِ المَوْضُوعِ
إن الإقدام على دراسة هذا النص الفقهي وتحقيقه لم يكن وليد الصدفة، بل أمْلَته جملة من الدواعي العلمية والأكاديمية الموضوعية، أذكر منها:
أ ـ الوفاء لأمانة التراث الإسلامي والمغربي: والنهوض بمسؤولية إحياء الذخائر الفكرية وإخراجها من ظلمات الرفوف وعالم المخطوط المهدد بالضياع والاندثار، إلى نور التدوين المطبوع والتحقيق العلمي الرصين ليتداوله طلبة العلم.
ب ـ القيمة الفقهية والمنهجية للمخطوط: نظرًا لما تميز به هذا الشرح من مكانة علمية رفيعة حظيت باهتمام بالغ واعتماد واسع لدى المتأخرين من فقهاء المالكية، لما يجمعه من ربط متين بين القواعد الفقهية والتطبيقات الفروعية والنوازلية المعاصرة.
ج ـ رد الاعتبار المعرفي للعلامة الولاتي: والسعي الجاد لإبراز المكانة العلمية السامقة والموسوعية له، وتجلية العطاء العلمي المتميز للعلماء الشناقطة، وبيان مدى تواصلهم المعرفي الوثيق مع الحواضر الإسلامية الكبرى والمغرب الأقصى على وجه الخصوص.
ثَالِثًا: مَشَاقُّ البحث
إن خوض غمار تحقيق سِفر مثل “البحر الطامي ذو اللجج” لم يكن طريقاً مفروشاً بالورود، بل كان رحلة علمية مضنية محفوفة بالعديد من العوائق والصعاب التي استلزمت نفساً طويلاً ومثابرة دؤوبة، ومن أبرز هذه الصعوبات:
أ ـ تشتت النسخ الخطية: ووعورة مسالك تتبعها؛ لأنها موزعة بين خزانات متنائية جغرافياً داخل أرض الوطن وخارجه، مما تطلب جهداً مضاعفاً ووصفاً مادياً دقيقاً للموازنة بينها.
ب ـ وفرة النقول والاستشهادات: تميز أسلوب العلامة الولاتي بالاستطراد العلمي الحاشد والاعتماد على نقول فقهية وأصولية متشابكة من مصادر متعددة، قد يكون بعضها مفقوداً أو عزيز الوجود، مما زاد من مشقة التوثيق والتعليق والمقارنة.
ج ـ الغموض والإبهام التوثيقي: وورود بعض الأعلام والنقول الفقهية في المخطوط بعبارات مبهمة أو مقتضبة، فضلاً عن وقوع بعض الأخطاء والخلط في عزو الآراء الفقهية لأصحابها من قِبل النساخ، مما تطلب فحصاً نقدياً دقيقاً لإعادة بناء النص وفق الصنعة الحديثية والفقهية.
ولكن أمام جلالة الهدف ونبل الغاية، آليت على نفسي تحمل مشاق الأسفار وسهر الليالي الطوال مستعيناً بالله تعالى، من أجل إزالة الغبار عن هذا الكنز الثمين وتخليصه من عوادي الإهمال.
رَابِعًا: المَنْظُورُ المَنْهَجِيُّ وَالدِّرَاسَاتُ السَّابِقَةُ
بعد إعمال آليات الاستقراء والتمحيص في الدراسات السابقة التي تناولت شخصية الفقيه محمد يحيى الولاتي وعطاءه المعرفي (من قبيل أعمال ندوة الرابطة المحمدية للعلماء بأكادير سنة 1430هـ، وأبحاث ندوة مركز البحوث والدراسات الكبرى بنواكشوط سنة 2012م)، تبيّن بجلاء أن الجهود البحثية السابقة انصبت في مجملها على معالجة سيرته الذاتية، وظروفه العصرية، وتوجهاته الإصلاحية العامة، دون أن تلتفت إلى دراسة وتحقيق كتابه «البحر الطامي».
ولتحقيق هذا السِفر العلمي وتحليل مضامينه، اعتمدتُ مقاربة منهجية تكاملية تتلاءم وطبيعة البحث الأكاديمي، وتتجسد في المناهج التالية:
المنهج التاريخي: لـتأطير حياة العلامة الولاتي، ورصد معالم بيئته السياسية والاجتماعية والثقافية التي أثثت لعطائه الفكري.
المنهج الوصفي التحليلي: لتقديم توصيف دقيق للنسخ الخطية المعتمدة في التحقيق، وتحليل آراء المؤلف واختياراته الفقهية.
منهج تحقيق النصوص وضبطها: وهو الركيزة الأساسية للبحث، حيث تم بذل الجهد في مقابلة النسخ وإثبات الفروق، وتصويب التصحيفات، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والتعريف بالأعلام والتعليق على المسائل العويصة بما يضمن أمانة النص وسلامته العلمية.
خَامِسًا: البِنَاءُ الهَيْكَلِيُّ لِلْأُطْرُوحَةِ وَأَبْرَزُ النَّتَائِجِ المُحَقَّقَةِ
بناءً على مقتضيات المنهج العلمي المتبع، انتظمت هذه الأطروحة في شقين متكاملين:
القسم الأول: القسم الدراسي (ويقع في أربعة فصول): خصص الفصل الأول منه للتعريف بالناظم الإمام ميارة الفاسي ومنظومته “تكميل المنهج المنتخب”، وجاء الفصل الثاني ليميط اللثام عن عصر الولاتي وشخصيته من النواحي السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وتناول الفصل الثالث بالدراسة والتحليل مفهوم القواعد الفقهية ومنزلتها التشريعية في المذهب المالكي مع التعريف بشرح البحر الطامي ومنهجه، في حين أفرد الفصل الرابع لوصف النسخ الخطية المعتمدة وتوضيح خطة التحقيق المتبعة.
والقسم الثاني: قسم التحقيق (ويشمل مقدمة المؤلف وثمانية فصول وخاتمة): وقد تضمن النص المحقق كاملاً ؛ حيث استوعب أهم الفصول الفقهية بدءاً من أحكام الطهارة والصلاة، مروراً بالأيمان، والطلاق، والبيوع والمعاملات المالية، والشهادات والأقضية، وانتهاءً بالفهارس الفنية والعلمية، وتشمل (فهارس الآيات، والأحاديث، والآثار، والأعلام، والقواعد الفقهية، والمصادر والمراجع) لتيسير سبل الانتفاع بهذا المصنف.
وقد تمخضت عن هذه الأطروحة جملة من النتائج والتوصيات العلمية، أجمل أهمها في الآتي:
أـ إثبات الأهمية الأصولية والفقهية لشرح الولاتي، ومدى توفيقه في تيسير الفروع الفقهية المالكية وتأصيلها عبر ردها إلى الكليات الناظمة.
ب ـ الكشف عن ملامح مدرسة فقهية أصولية متميزة في بلاد شنقيط، اتسمت بالعمق والتحقيق والقدرة على مواكبة النوازل الاجتماعية المستجدة.
ج ـ توصي الأطروحة المؤسسات الجامعية ومراكز البحث بضرورة توجيه عناية الباحثين صوب ما تبقى من شروح مخطوطة لنظم “تكميل المنهج” لإثراء الخزانة الفقهية الإسلامية.
خَاتِمَة: وإنني إذ أضع هذا الجهد العلمي المتواضع بين أيديكم ونظركم الثاقب، لأعلم يقيناً أنه جهد بشري يتردد بين الخطأ والصواب، ويعتريه ما يعتري الأعمال الإنسانية من النقص والقصور؛ فالكمال لله وحده، والسعيد من عُدّت سقطاته وزلاته في ميدان العلم.
وأجدني في هذا المقام مستحضراً بامتثال وتواضع قول الإمام ميارة الفاسي في مقدمة منظومته “بستان فكر المهج” الشهيرة بـ”تكميل المنهج” التي هي موضوع شرح هذا الكتاب:
وَأَسْأَلُ النَّاظِرَ أَنْ يَسْمَحَ لِي |
فِيمَا يَرَى مِنْ خَطَأٍ وَزَلَلِ |
|
لِقَوْلِهِمْ: قَبُولُ عُذْرِ الْمُعْتَذِرْ |
شَأْنُ كِرَامِ النَّاسِ، فَاقْفُهُمْ وَسِرْ |







