التعالق بين المؤثرات الفنية والأبعاد الدلالية في السينما المغربية

"فيلم أندرومان من دم وفحم" لمخرجه عز العرب العلوي لمحارزي نموذجا

عنوان أطروحة دكتوراه
إعداد الطالب الباحث: مصطفى رفعات

وإشراف الأستاذة الدكتورة: نورة لغزاري، وقد نوقشت برحاب كلية الفنون والآداب بالقنيطرة، بتاريخ يوم االإثنين 27 شعبان 1447 هـ، الموافق لـ 16 فبراير2026 صباحا، وأمام لجنة علمية تكونت من الأساتذة أعضاء لجنة المناقشة: الدكاترة إدريس الخضراوي – عبد العظيم الطاهري- ربيعة بنويس – تلكماس المنصوري -هشام الموساوي، وحضور مخرج الفيلم الأستاذ: عز العرب العلوي لمحارزي، وبطل الفيلم محمد خيي، والفنان التشكيلي العالمي مصطفى النافي، وأدباء ومفكرين وحقوقيين وجمعويين وأساتذة وطلبة جامعيين وصحفيين وأسرة وأقارب الباحث.
وبعد كلمات العرفان والتقدير، وفي أجواء علمية جادة تقدم الطالب الباحث مصطفى رفعات أمام لجنة المناقشة بالتقرير التالي:
     يشرفني أن أعرض أمامكم تقريرا مركزا، عن موضوع أطروحتي الموسومة بعنوان: التعالق بين المؤثرات الفنية والأبعاد الدلالية في السينما المغربية، فيلم: “أندرومان من دم وفحم” لمخرجه عز العرب العلوي لمحارزي نموذجا، والتي تندرج ضمن الدراسات السينمائية والنقد الجمالي.
     لقد كان منطلق هذا العمل هو التفكير النقدي في وظيفة الأعمال السينمائية المغربية، التي شهدت تحولاتٍ نوعيةً على المستويين التقني والفني مع بداية الألفية الثالثة، لتؤكد أن الأفلام ليست مجرد وسيلة للتمثيل البصري، بل هي نظام دلالي مركب تتفاعل فيه المؤثرات الفنية، من صورة وإضاءة ومونتاج وحركة الكاميرا، مع البناء الرمزي لإنتاج المعنى وتشكيل الخطاب، ولعل اختيار دراسة الإنتاج السينمائي المغربي يعكس جانبا مهما من اهتماماتي العملية ومساهماتي الفنية المتنوعة، بإدراك الأثر العميق الذي تخلقه الصورة في تشكيل الإدراك والوعي عند المتلقي، غير أن هذا الدافع الذاتي لم يكن ليترجم إلى عمل بحثي أكاديمي، إلا باكتساب المعارف المرتبطة بالفنون والجماليات، وما يتصل بها من مناهج ونظريات مختلفة.
     لقد تكون لدي اقتناع راسخ بأهمية دراسة موضوع التكوين البصري، وما يرتبط به من قضايا معرفية ومنهجية، وهكذا تبلورت إشكالية البحث في السؤال الآتي: كيف تتعالق المؤثرات الفنية مع الأبعاد الدلالية في الفيلم المغربي لإنتاج خطاب بصري يحمل رؤى فكرية وثقافية وجمالية؟ فكان أن وقع اختياري على فيلم “أندرومان من دم وفحم، لمخرجه عز العرب العلوي لمحارزي”، معتمدا في دراسته على المقاربة الموضوعاتية، وقد استدعى مني ذلك تفكيك النص الفيلمي تقنيا عبر آلية (المونتاج) إلى وحدات سردية كبرى، ثم تجزيئها إلى متتاليات صغرى، قصد تصنيفها إلى موضوعات مركزية، تعكس القضايا والقيم الاجتماعية والإنسانية، التي يطرحها الفيلم، وقد تم ذلك عبر المشاهدة المتكررة للفيلم، والتي تجاوزت ستين مشاهدة.
     وبما أن الممارسة السينمائية لا تنفصل عن السياق الذي تُنتَج داخله، وتستمد مادتها الدلالية من الواقع الاجتماعي، الذي تعكسه وتعيد تشكيله بصريًا وسرديًا، كما يعبرعن ذلك بارسام وموناهان، (Barsam & Monahan) في كتابهما ‘Looking at Movies’ بأن «طبيعة السينما تتمثل في كونها تنبثق من المجتمع ثم تعود إليه»[1] وهو ما يؤكد أن الفيلم لا يُفهم بوصفه نصًا جماليًا مستقلاً، بل باعتباره خطابًا ثقافيًا يتفاعل مع البُنى الاجتماعية، والتمثلات الجماعية، والتحولات التاريخية، وانطلاقًا من هذا التصور، تسمح المقاربة الموضوعاتية بتحليل الفيلم من خلال تفكيك موضوعاته المركزية، وثيماته المتكررة، ثم ربطها بالسياق الاجتماعي والثقافي الذي أنتجها، مما يجعل هذه المقاربة خيارا منهجيا فعالا، لفهم اشتغال السينما على قضايا المجتمع والهامش والهوية.
     مما جعل هذا البحث يقف على الأبعاد الدلالية والفنية والتعالقات بينها، وكذا استخراج الرموز البصرية  والسمعية؛ مثل الصمت والجسد والفضاء والعنف الرمزي، ثم تجميعها في شبكات موضوعاتية مترابطة، لاكتشاف البنية العميقة للفيلم، والتي تمثلت في الهامش الاجتماعي وما يتصل به من اختلالات واضطرابات متعددة الأبعاد..
     وهي مقاربة لا تهتم فقط بـ ماذا يُقال، بل بـ كيف يُبنى المعنى عبر الصورة والصوت والجسد والفضاء والإيقاع، وهذا ما جعل مقاربة فيلم “أندرومان: من دم وفحم” تضعه في سياق العلاقة الجدلية بين السينما والمجتمع، حيث يستمد الفيلم مادته السردية والبصرية من واقع اجتماعي هامشي، أعاد المخرج تقديمه في صيغة خطاب بصري ذي حمولة دلالية وإنسانية عميقة؛ إذ تدور أحداث الفيلم في فضاء الغابة، داخل منطقة بعيدة عن المركز، تفتقر إلى أبسط وسائل العيش، ولا يكتفي ‘أندرومان’ بتصوير هذا الواقع، بل يعيد إنتاجه سينمائيًا، بطريقة تجعل المتلقي في مواجهة أسئلة التهميش والاستغلال، وغياب العدالة الاجتماعية، وهو ما يمنح الفيلم بعدًا نقديًا يتجاوز التمثيل البصري إلى مساءلة البنية الاجتماعية ذاتها..
     وتبرز المقاربة الموضوعاتية في فيلم “أندرومان: من دم وفحم”، بوصفها مدخلا أساسيًا لفهم المشروع السينمائي لعزّ العرب العلوي لمحارزي، وانشغالا عميقًا بتيمة الهامش الاجتماعي والإنساني، الذي اتخذ منه موضوعًا مركزيًا تجاوز البعد الاجتماعي نحو بعد وجودي، بشخصيات منغلقة على ذاتها تعبر عن انفصال الإنسان عن المجتمع، حيث تتحول الفضاءات المغلقة والمعتمة إلى عناصر دلالية، تكشف عن عنف بنيوي صامت داخل منظومة اجتماعية تُقصي الهامش بدل احتوائه، وهكذا يصبح الصمت لغة أساسية للفيلم في معظم اللقطات، مما يعكس نوعا من غياب التواصل والبطء الزمني، وهنا تصبح لغة الجسد بديلا عن حالة الفراغ والصمت التي طبعت المشاهد المعروضة، وقد سعينا إلى استنطاق دلالات هذه اللغة، وما توحي به من تعبيرات رمزية، عن وضعية القهر التي عاشتها شخصيات الفيلم. 
وقد جعلنا خطة البحث على الشكل الآتي:
مقدمة: طرحنا فيها الإطار العام للموضوع، وما يرتبط به من إشكالات، كما عرضنا تصورنا للتحليل الفيلمي انطلاقا من ثنائية أساسية، وهي: المؤثرات الفنية والأبعاد الدلالية.
الفصل الأول: يكتسي طابعا معرفيا عنوناه بـ “السينما مقاربة تقنية وفنية”، تضمن ثلاثة مباحث عرفنا فيها بالسينما ولغاتها التقنية وعناصرها الفاعلة، وهي: المخرج، والممثل، والجمهور، والفضاء السينمائي والطبيعي.
أما الفصل الثاني: فقد تناولنا فيه بالدرس والتحليل، البنية الرمزية وكيفية اشتغالها في الخطاب الفيلمي، ضمن مبحثين، الأول هو الأنساق الرمزية غير البشرية: المكان، الزمان، الكائنات والأشياء، أما المبحث الثاني، فقد خصصناه لدراسة دلالات الشخصيات ووظائفها الدرامية، وقد عملنا في كل ذلك على ربط البناء الرمزي بحركة الصراع القائم بين المركز والهامش، مع رصد بعض المفارقات النفسية والاجتماعية في الخطاب الفيلمي.
فيما تضمن الفصل الثالث، عناصر الصورة السينمائية: المشهد، الجسد، التكوين البصري، عبر ثلاثة مباحث:
الأول: دينامية المشهد الطبيعي وانشطاره بين الصفاء الفطري والتوتر البشري، وحرصنا في ذلك على إدراج مجموعة من الصور المقتطعة من الفيلم، وهي عبارة عن لقطات ثابتة، ضمن تحليل الدلالات الرمزية.
كما تطرقنا في المبحث الثاني لبلاغة الجسد بين التواصل الإنساني والتشييء الإداري، والذي قسمناه إلى ثلاثة محاور، وهي: لغة العيون، لغة الأيادي وصورة الجسد من منظور الكاميرا الإدارية.
أما المبحث الثالث، فقد خصصناه لتحليل مكونات الخطاب البصري وآلياته في بناء الصورة السينمائية، انطلاقا من نماذج معبرة عن تفاعل الألوان والظلال والإضاءة..
وقد ختمنا البحث بمجموعة من الخلاصات والاستنتاجات التي انتهينا إليها:
إن دراستي لهذا العمل السينمائي مكنتني من بلوغ مجموعة من النتائج التي يمكن إجمالها فيما يلي:
ـ إن المؤثرات الفنية في فيلم أندرومان تشكل بنية دلالية قائمة بذاتها، وهي تتجاوز وظيفتها التقنية إلى وظائف رمزية وتأويلية، وهذا ما تجلى في مختلف الإيحاءات التي جسدتها حركة الكاميرا وزوايا النظر والإنارة والألوان، مما يعني أن النسق السينمائي يشتغل وفق سنن مركب تلتقي فيه قنوات توصيل مختلفة: أيقونية وصوتية ولغوية، الأمر الذي استدعى مني مقاربة متكاملة تستحضر كل الجوانب الفاعلة في بناء الخطاب البصري.
ـ إن الصورة السينمائية اشتغلت ضمن أفق ثقافي، يعكس قضايا الهوية والذاكرة الشعبية، والمعتقدات التي تمثل معضلات فكرية مطروحة باستمرار للنقاش والنقد، وقد استطاع المخرج باحترافية عالية، أن يثير انتباهنا إلى خطورة الاختلالات الاجتماعية، في المناطق المهمشة التي ظلت في منأى عن اهتمامات السياسيين، وأن ينزل بعدسته الفنية إلى أسفل الدركات الاجتماعية، حيث يسود الجهل والتخلف والطغيان والاستبداد.
ـ إن تطور التقنيات السينمائية في المغرب، أسهم بشكل كبير في تعميق البعد التعبيري للصورة، ومنحها قدرة أكبر على التكثيف الرمزي، غير أن هذا الأمر لا ينبغي النظر إليه من منظور تقني صرف، لأنه خاضع لرؤية فكرية تعيد إنتاج القيم والأفكار، وفق استراتيجية إبداعية متجددة باستمرار.
ـ إن التفكير في الآفاق المعرفية للسينما المغربية، وفي حضورها القوي ضمن المشهد الثقافي الوطني، كفيل بجعلنا نعيد النظر في أسلوب تحليلنا وتأويلنا لها، بشكل يتجاوز إحالاتها المباشرة على المرجع الواقعي، إلى أبعاد فنية ودلالية أكثر عمقا وشمولية، وهو الأمر الذي يفترض امتلاك رؤية نقدية مستوحاة من الطبيعة التخييلية للسرد السينمائي، وما يرتبط به من جماليات ذات مقومات خاصة.
ـ إن الاحتفاء بالسينما المغربية لا ينبغي أن يكون شأنا إبداعيا منحصرا في دائرة المشتغلين بهذا المجال، إنه مشروع مجتمعي ينبغي أن تتجند له كل الطاقات والفعاليات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وفي مقدمتها فاعلية البحث الأكاديمي، والمواكبة النقدية التي من شأنها الارتقاء بتلقي الأعمال السينمائية وإغنائها تنظيرا وتأريخا ونقدا.
     وأرجو في الختام أن أكون قد وفقت في الإسهام ولو بجزء يسير في تحقيق هذا الطموح العلمي.
    وبعد انتهاء المناقشة قررت اللجنة منح الطالب الباحث: مصطفى رفعات، ميزة مشرف جدا مع تنويه اللجنة بالعمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] .Barsam & Monahan،Looking at Movies: An Introduction to Film – (2010, p. 2)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى