مقاربة استخلافية لتأصيل الثقافة الإسلامية

عبد السلام محمد الأحمر

مقدمة:

أولا: مفهوم الثقافة.
     تعتبر كلمة ثقافة من الكلمات المدرجة حديثا في اللغة العربية لفظا ومعنى، وقد صيغت من كلمة ثقف التي لها دلالات مقاربة لمشمول الثقافة المعروفة عندنا اليوم.
وهذا اللفظ ورد في القرآن في مواضع منها: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 2] وقوله تعالى ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: 57]. قال مقاتل شارحا مدلوله: “إن أدركتهم في الحرب وأسرتهم”[1] 
وفي مختار الصحاح: ثَقُفَ الرجل من باب ظرف صار حاذقا خفيفا، فهو ثَقْفٌ .. والثِّقَافُ ما تُسوَى به الرماح، وتثقيفُها تسويتها، وخل ثِقِّيفٌ بالكسر والتشديد في القاف أي حامض جدا”[2] 
ومنه أيضا: “غلام لَقِن ثَقِف أي ذو فِطْنة وذكاء. ورجُل ثَفِفُ، وثَقُفُ، وثَقْف. والمراد أنه ثابت المعْرفة بما يُحْتاَج إليه..  وفي حديث عائشة، تَصِف أباها رضي الله عنهما وأقام أوَدَه بثِقاَفه، الثِّقَاف: ما تُقَوَّم به الرّماح، تريد أنه سَوّى عوَج المسلمين”[3]  
وفي لسان العرب: ثَقِفَ الشيءَ ثَقْفاً و ثِقافاً و ثُقُوفةً: حَذَقَه. ورجل ثَقْفٌ وثَقِفٌ وثَقُفٌ: حاذِقٌ فَهِم.
ورجل ثَقِفٌ لَقِفٌ وثَقْفٌ لَقْف أَي خَفـيف حاذِق، وقـيل: سريعُ الفَهْم لِـما يُرمَى إِلـيه من كلام باللسان، وسريع الأَخذ لـما يرمى إِلـيه بالـيد، وقـيل: هو إِذا كان ضابطاً لـما يَحْويه قائماً به، وقـيل: هوالـحاذق بصِناعته.
وفي المعجم الوسيط: ثقِف ثَقْفا، صار حاذقا فطنا وثقف العلم والصناعة، حذقهما. وثاقفه، مثاقفة وثقافا: لاعبه إظهارا للمهارة والحذق، وثقف الشيء، أقام المعوج منه وسواه. وثقف الإنسان: أدبه وهذبه وعلمه. والثقافة: العلوم والمعارف والفنون المطلوب الحذق فيها.
ويعرف مالك بن نبي الثقافة في كتابه (مشكلة الثقافة) فيقول إنها (مجموعة الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه)[4].
      واتجهت تعاريف أخرى إلى أن الثقافة هي المخزون الحي في الذاكرة، المتراكم من محصلة العلوم والمعارف والأفكار والمعتقدات والفنون والآداب والأخلاق والقوانين والأعراف والتقاليد والمدركات الذهنية والحسية والموروثات التاريخية واللغوية والبيئية، التي تصوغ فكر الإنسان وتمنحه الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية، التي ينشأ عنها سلوكه العملي في الحياة.
وتختلف الثقافة عن الحضارة من حيث “إن الثقافة هي مضمون حياتنا العامة، أما الحضارة فهي الشكل، أو نقول: إن الثقافة هي الخلفية اللاواعية للحياة المتحضرة، إنها تلك القناعات والميول المسلم بها، وتلك الذوقيات والرمزيات التي يستند إليها السلوك الإنساني، وتتحكم في المنتجات الحضارية على اختلاف أشكالها.”[5].
    وكل ثقافة تنتمي إلى الأمة التي نشأت في أحضانها، وإلى المذهب الفكري أو الديني الذي توجهت بتعاليمه، وتأثرت بعقيدته وعباداته وأخلاقه، مما يجد صداه في الكلام عن الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية.. فالثقافة تولد وتترعرع في أجواء المجتمع البشري، والأمة المكونة من عدة شعوب وأعراق ولغات، وتعكس خصوصياتها، وتجسد رسالتها في الحياة، وقد تسمى ثقافة ما بالسمة التي تغلب عليها، فنقول ثقافة الحوار، ثقافة العولمة، وثقافة المسؤولية..
    والثقافة أيضا عبارة عن مقاييس أخلاقية، ونظرة عامة إلى كل جوانب الحياة الروحية والمادية، التي تصوغ السلوك والعادات والشعور واللاشعور وتهدف إلى الارتقاء بالإنسان إلى مستوى مَثلها الأعلى.
    كما أن الثقافة بما تشتمل عليه من معاني التكوين، وامتلاك المعرفة والمهارة والوعي والمسؤولية، يفترض فيها أن تكون أداة بناء الإنسان اليقظ والفعال والمسؤول، القادر على الإسهام في الحفاظ على أمته وتراثها الغني بضروب علوم الدين والدنيا، وتقديم صورة مشرقة وأمينة لمزاياها وخصوصياتها الأخلاقية والحضارية بين الأمم[6].
ثانيا: الإيمان بالله أساس الثقافة الإسلامية
يعتبر الدين السماوي أو الأرضي مصدرا أساسيا لتشكيل الثقافات، نظرا لقدرته على توجيه الفكر والوجدان والسلوك، والتأثير العميق في النشاط الإنساني الممارس في مختلف ميادين الحياة، لاسيما ما تعلق بالمعتقدات والعادات والتقاليد، والإبداع العلمي والأدبي والفني، وأوجه الإنجاز الحضاري.
فداخل كل ثقافة توجد عناصر موجهة تتحكم في تحديد وجهتها العامة، التي يمكن اكتشافها والتماس معالمها في مختلف مكوناتها ونتاجاتها المتنوعة. والتي يعود أصلها إلى المعتقد الجماعي الذي تبلور وتراكمت معطياته عبر الحقب الماضية، فالثقافة: “مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه”[7].
والعنصر الأساس في تشكيل الثقافة الإسلامية هو الإيمان بالله وحده لا شريك له وبمحمد الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ، باعتباره الممارسة الأفضل والأرشد لمهمة الاستخلاف الإنساني على الأرض فكان هذا التحول العظيم في واقع العرب مؤذنا بتغيير ثقافي جذري، نقل الناس من ثقافة الشرك والوثنية، إلى ثقافة توحيد الله واستمداد التعاليم والتوجيهات الهادية من كتاب الله تعالى، ومن بيانات الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والعملية.
كما أنتجت الأمة في إطار الإيمان بالإسلام، تراثا عظيما ضم علوم الشرع وعلوم إسلامية أخرى على هامشها، مثل الطب والهندسة والفلك والجغرافيا، وأبدعت في مجال الفلاحة والصناعة والتجارة والملاحة البحرية وغيرها، وأصبحت قبلة البعثات العلمية وطلاب معارف الدين والدنيا من كل أنحاء المعمور، ويعتبر القرآن الكريم منطلق التحريض على طلب العلم النافع في شقه الديني والدنيوي، فكان أول أمر وجه للمبعوث به عليه الصلاة والسلام هو الأمر بالقراءة، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ  الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1 – 5]
وأثنى الله على العلماء في مواضع من القرآن عديدة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: 19]. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]؛ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9].
كما أن معجزة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، والتي هي القرآن الكريم معجزة علمية خالدة، تحدى الله به الإنس والجن ليأتوا بمثله، فما استطاعوا ولا حاولوا عجزا منهم واستسلاما.
والنبي محمد الأمي ظل يحث على طلب العلم، ويؤكد وجوبه قبل أن تؤسس الأمة لثقافة العلوم والآداب، والنقل والعقل، والغيب والشهادة، والدنيا والآخرة، والفكر والحوار والمناظرة، وتقيم صرح حضارة المعرفة والهداية، التي شع نورها في أرجاء الأرض.
ومن الأحاديث النبوية في باب طلب العلم. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم”[8]
وحديث “من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر “[9].
هذا التراث الضخم النابع من الإيمان بالله ورسالة الإسلام الخالدة، التي مهدت لتغييرات واسعة في التصورات والأفكار والأخلاق والسلوك، وأعلت من قيمة العلم بالله ودينه الحنيف، وأسست لبناء ثقافة جديدة قائمة على قيم الإيمان بالله وتوحيده بلا ند أو شبيه، وإفراد الله بالعبادة والعبودية، والقطع مع كل مظاهر الشرك والخرافة والضلال والاستعباد. ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157].
وزمن البعثة شعرت قريش بأبعاد التحولات العميقة، التي حملتها رسالة العلم والحق، والتي ستطال معتقداتهم وتقاليدهم وعاداتهم وأعرافهم وعلاقاتهم، بل وطريقة عبادتهم وأكلهم ونومهم، وبيعهم وشرائهم ومشاعرهم، ونظرتهم لأنفسهم ولكل شيء في الحياة من حولهم، بخلاف ما اعتادوه وتربوا عليه، على أيدي آبائهم وأجدادهم، فأقبل عقلاؤها على الدخول في هذا الدين الخاتم، الذي بشرهم بعز الدنيا وسعادة الآخرة، وامتلاك ناصية الشرف والسيادة، ومقومات الريادة بين الأمم، فجعلت منهم أساتذة يرشدون العالمين إلى معرفة الخالق وعبادته، ويسعون في تحرير الناس من التيه عن سبيل الله والخبط في ظلماء الحياة، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ  يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15، 16].
 ولقد اكتسبت الثقافة الإسلامية مميزاتها، انطلاقا من عطاءات الإيمان بالله، الذي جعلها تقوم على أساس الوحي الخاتم المحفوظ، والذي يمنحها الثبات الذي لاتنال منه متغيرات الزمان والمكان، كما هو حاصل في الثقافات الأخرى، التي تخضع لتحولات كبيرة تأتي على أصولها، ولاتكاد تبقي منها على شيء، لأنها لم تكن مؤسسة على أصل الحق، الذي شأنه الديمومة والاستمرار.
فالإيمان بالله هو المحور الأساس الذي تدور عليه جميع مكونات الثقافة الإسلامية، وهو الذي تتميز به عن غيرها من الثقافات الأرضية، الصادرة عن رؤى بشرية محدودة الأفق، ولاتصمد في وجه التحولات المتلاحقة في الواقع، كما أنها تعاني قصورا شديدا ناجما عن التصاقها بالأرض، وانحصارها في دائرة التجربة العقلية، “فالأمة التي تتحدد فيها هوية الإنسان وجنسيته على أساس الإيمان، هي وحدها التي تكون ثقافتها أي قيمها ونظمها وأخلاقها وعاداتها وتقاليدها وفضائلها، وفنونها وشبكة العلاقات الاجتماعية فيها، مستمدة من الإيمان وذات مضامين إيمانية[10]
وإن مما يتهدد الثقافة الإسلامية، أن تصاب مرجعيتها الإيمانية بالضعف والوهن، مما يعرضها لانحرافات بليغة، تفقدها خصوصياتها ومميزاتها، وتوقف عطاءاتها في حياة الفرد والمجتمع، فثمة ارتباط واسع بين صحة تدين الأمة واستقامة ثقافتها، وبين اضطلاعها بمختلف أدوارها وتحقيقها لأهم مقاصدها.
ولقد عرفت الثقافة الإسلامية تراجعات كبيرة عن حقيقة الإيمان والتوحيد، في التاريخ الماضي والحديث على السواء، فقديما عندما اتصلت بالفلسفة اليونانية، نلاحظ كيف و هي عنصر دخيل “قد امتدت وطغت وأصبحت مصدرا لبناء كثير من التصورات في العقل المسلم؛ بل صارت مصدرا لبناء بعض المعتقدات في القلب والوجدان المسلم، بدلا من آيات الكتاب، والأحاديث المتواترة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي كانت تمثل المصادر الوحيدة لعقيدة المسلم، وربما أخضِعت آيات العقائد للتأويلات القريبة أو البعيدة لتستجيب لمقتضيات الفلسفة، وما صار يعرف بعلم الكلام قد قام على الفلسفة وبنى عليها”[11].
وهكذا عندما تركن الأمة إلى الدنيا وزينتها ومباهجها، فإنه يشيع فيها طلبها من غير طريقها المشروع والمأمون، ويفشو فيها الجهل والخرافة، وتنغمس في الإشباعات الشهوانية المحظورة، أو تستشري فيها البدع ومحدثات الأمور، التي تحل فيها محل السنن الهادية، وتتحول العبادات إلى عادات جوفاء خالية من روح الإيمان النابض، آنئذ تسود ثقافة مغايرة، منبثة عن أصلها الإيماني المكين، والذي تصير في حال ضعفه، غريبة عن نهج الإسلام ومقوماته الربانية الخالدة، فيسري فيها التخلف الشامل في مجالات الفكر والمعرفة والسلوك والاجتماع والتنمية، مما يستنفر العلماء وقادة الفكر، للقيام بواجب الإصلاح والتجديد، الذي يعيد ربط الثقافة  بأصل الإيمان والتوحيد، الذي لاتقوم لها قائمة إلا على أساسه الراسخ، وذلك لأن ” وضوح المنهج، أو إعادة تشكيل مركز الرؤية، هو المنطلق الصحيح لتقويم الواقع، وإبصار كيفيات صناعة المستقبل، ذلك أن الأزمة الحقيقية أو الأزمة الأم، التي يعاني منها العقل المسلم المعاصر هي أزمة فكر، أو أزمة شاكلة ثقافية إن صح التعبير، وذلك بسبب انسلاخه من مرجعيته، وإن ما وراءها من الأزمات يمكن أن تعتبر إلى حد بعيد من أعراض ومظاهر الأزمة الثقافية”[12].
فالشاكلة الثقافية التي تحيا الثقافة الإسلامية بإحيائها، وتمكن من نهضة الأمة من كبوتها، التي تواصلت على امتداد الحقبة الحالية، لن تكون غير الإيمان بالله وتوحيده، وما يتصل به من حقائق وركائز اعتقادية وسلوكية، “إن هذا الإيمان هو الحق، الذي تقوم عليه السماوات والأرض، وتقوم عليه الحياة كلها، وبغير هذه الحقيقة الكبرى، تضطرب الأشياء، حتى كأنه لا يعود هناك حقائق، وتختلط حتى لايعود هناك شيء ثابت”[13].
إن ما تعانيه الأمة اليوم من تمزق وانقسام، وما تعرفه أخلاقها من تدن وانحطاط، وما تقاسيه من نكبات وأزمات، يعكس كل ذلك مدى عمق واتساع الخلل الحاصل في بنيتها الثقافية، ومدى إلحاحية المبادرة بإصلاح ثقافي شامل، على أصول العقيدة الإسلامية الصحيحة.
ثالثا: التأصيل الاستخلافي للثقافة الإسلامية
لكل ثقافة اتجاه عام يرسم معالمها، ويحدد خصوصيتها، وتنبني عليه مقوماتها الأساسية، فيبرز بجلاء في جميع امتداداتها الفكرية والسلوكية، ويتجسد في رموزها وسماتها العامة.
 وقد يعبر عن الاتجاه العام للثقافة، بمصطلح [الشاكلة الثقافية]، كما تقدم عند عمر عبيد حسنة الذي يقول: “وقضية إعادة التشكيل الثقافي، أو بناء الشاكلة الثقافية، التي يعمل عليها الإنسان، ويصدر عنها في دراساته وعلاقاته وأهدافه، وحتى وسائله في كثير من الأحيان، يمكن أن تعتبر القضية الملحة والأهم في جدول الأولويات”[14]. ويسمي آخرون ذات الاتجاه بنية الثقافة.
 ويتشكل الاتجاه العام للثقافة في طبيعة الإطار الاستخلافي الذي يؤطر المجال الفكري الاعتقادي والقيمي السلوكي لأمة أو شعب معين، فالاستخلاف الإسلامي مثلا وما ينطوي عليه من مقاصد وقيم وأخلاق ومعتقدات وما يمارس في إطاره من الأمانة والإيمان بالله وعبادته والعمل الصالح، والتصديق بالحساب يوم القيامة وما يترتب عليه من الجزاء والعقاب، يعد كل ذلك من المكونات القيمية الأساسية، المشكلة للاتجاه العام للثقافة الإسلامية، “إن الإيمان أكبر من أن ينظر إليه على أنه قيمة من القيم، إنه في الحقيقة القيمة العظمى التي تجعل لكثير من القيم معنى وقيمة، ولذلك فإني أحب أن أقول إن الإيمان هو (قيمة إطارية) توجيهية معيارية ذات وزن خاص”[15].
وإذن فإن التجديد الثقافي يقتضي مراجعة شاملة وتقويما موضوعيا، لما قد خالط عقيدتنا الإسلامية من شوائب سلبية طمست بعض جوانبها المشرقة ومضامينها الباعثة على الفعل الخلاق والعطاء الحضاري الرشيد، كما قال مالك بن نبي:”وإنه ليجب باديء الأمر تصفية عاداتنا وتقاليدنا، وإطارنا الخلقي والاجتماعي، مما فيه من عوامل قتالة، ورمم لا فائدة منها، حتى يصفو الجو للعوامل الداعية إلى الحياة. وإن هذه التصفية لا تتأتى إلا بفكر جديد، يحطم ذلك الوضع الموروث عن فترة تدهور مجتمع، أصبح يبحث عن وضع جديد هو وضع النهضة.”[16]                    
 والثقافة الإسلامية الأصيلة والمتجددة على أساس الإيمان الحق والتوحيد الخالص، تحتوي على الفكر الموجه للنفس والمفجر لطاقاتها الخلاقة، والحافز لها على الإبداع   والانطلاق في معركة البناء والنماء.
إن حركة الأمة نحو النهضة في شتى مجالات الحياة، تستمد قوتها الدافعة، وغايتها العامة، مما تشتمل عليه من اعتقاد جازم بمراقبة الله الدائمة لعباده ومثولهم بين يديه للحساب والثواب والعقاب يوم القيامة، والذي يعبيء النفس في سبيل الصلاح والفلاح في مناحي الحياة كلها.
     كما أن تغيير ما بالنفس من معتقدات وأفكار وطموحات وأخلاق، وما يسكنها من إرادات واستعدادات وكذا من عيوب وهنات، وما يتحكم فيها من تقاليد وعادات، هو المنهج الأقوم لكل تغيير يرام خارج النفس في سائد الفكر والسلوك والمعاملات، وفي مجالات التنمية والاجتماع والعمران.
1) الاستخلاف الإسلامي والاتجاه العام للثقافة الإسلامية
إن مبدأ الاستخلاف في الأرض يتسع لجميع بني آدم على اختلاف معتقداتهم وتنوع مسالكهم في الحياة، بحيث يمارسه كل إنسان من خلال ما يشاء من تصورات ومبادئ، قد يرجع فيها إلى الوحي المنزل وهديه المحكم، وقد يختار الاعتقادات والأفكار التي ينتجها العقل الجمعي ويستند فيها إلى موروث الآباء والأجداد. وهو الحال الغالب على واقع البشر منذ أن وجدوا على الأرض. كما يتطابق مع قول الملائكة في الآية الكريمة:” ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] وأيضا مع قول إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39، 40].
ويتوالى تأكيد هذه النسبة في عدة آيات قرآنية: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103] ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 102].
فكل بني آدم مستخلفون في الأرض استخلافا عاما يتساوى فيه جنسهم، سواء آمنوا أو كفروا، أصلحوا فيها أو أفسدوا، اهتدوا إلى الله فعرفوه وآمنوا برسالاته ورسله، أو جحدوا وعاندوا وحادوا عن نهجه.
 لكن الاستخلاف في الأرض، عندما يتم على أساس الإسلام، يناسب تسميته بالاستخلاف الإسلامي، في مقابل أنواع أخرى من الاستخلاف على غير نهج الإسلام، الذي يتحقق به خير الدنيا والآخرة، وذلك كلما استوفيت شروطه المعلومة.
 ويتأهل المسلمون لاستحقاق استخلاف خاص في إطار الإسلام، إذا أطاعوا الله تعالى والتزموا هديه، وانقادوا لشرعه واتبعوا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأضحت ثقافتهم مستمدة من هدي الإسلام، فيكون معنى الاستخلاف في هذه الحالة، هو استلهامهم نهج الوحي الخاتم، وتمكينهم من أسباب القوة والمنعة والسيادة والغلبة في الأرض، وتحميلهم مسؤولية هداية من يلونهم من الأمم والحضارات، إلى ما به سعادة الدنيا والآخرة.. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55].
ومعلوم أن لفظة الاستخلاف تنطوي على معاني التكليف، وعلى العهد إلى المستخلَف  بأداء مهام محددة بالنيابة عن المستخلِف، تجمع بين التصور الفكري والاعتقاد القلبي، والممارسة السلوكية في بعديها التعبدي والأخلاقي، ومن ثم فإن فهم خلافة الإنسان عن الله يحتاج التوقف أيضا عند معنى الأمانة التي اختار الإنسان حملها من دون الخلائق عدا الجن، والمذكورة في الآية التالية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا  لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 72، 73].
     أورد القرطبي في تفسيره[17] بأن الأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور. وذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى لآدم يا آدم إني عرضت الأمانة على السموات والأرض فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها، فقال: وما فيها يا رب؟ قال: إن حملتها أجرت وإن ضيعتها عذبت، فاحتملها بما فيها، فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين صلاة الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطان منها، قَالَ: «وَالْأَمَانَةُ هِيَ الْفَرَائِضُ الَّتِي ائْتَمَنَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْعِبَادَ»[18].
     فالاستخلاف إذن هو الأمانة العظمى المقتضية أن تطلق للإنسان حرية العمل على ظهر الأرض مدة حياته فوقها، فيعبد الله إن شاء ويعصاه إن شاء، فهو مسؤول عن نفسه ومستخلف فيها كي يزكيها ويقوم اعوجاجها بهدي الوحي، أو يدسيها باتباع الهوى واقتراف الآثام والموبقات،) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا( (الشمس:7-10).
كما أنه مسؤول عن إعمار الأرض، بإقامة الدين ونشر أخلاقه والتمكين لنهجه، واستغلال خيرات الأرض، وتسخيرها عن طريق مختلف العلوم والمعارف، قصد الانتفاع بها في مجالات الفلاحة والصناعة، وإقامة ما تدعو إليه مصالحه من المنشآت العمرانية.) هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ( [هود:61].
فالاستخلاف في الأرض يحيل على قيم المسؤولية وحرية الممارسة والاختيار، ضمن الأعمال المحمودة والمذمومة على حد سواء مثل الأمانة والخيانة، والحرية والعبودية، والواجب والحرام، والحق والباطل، والجمال والقبح، والبناء والهدم، والتسامي والانحطاط، والتطهر والتنجس، والنظام والفوضى..
فهذه الثنائية الاستخلافية ظلت حاضرة بشكل أو آخر في توجيه ثقافتنا الإسلامية، التي توجهت بتعاليم الإسلام الآمرة الناهية، وتشبعت بهديه على نحو قد يكون كاملا أو ناقصا حسب الاستعدادات والظروف، التي أحاطت بممارسة الدين نفسه عبر الزمان والمكان.
واليوم وقد ضمر الإحساس بثقل أمانة الاستخلاف الإسلامي، التي تطوق أعناق المنتمين لدين الإسلام، والذين صار شائعا بينهم التفريط في أداء الواجبات، والاستخفاف بالمسؤوليات، والتراخي في إعداد أسباب النهوض بأعباء الحياة الكريمة والسعيدة في الدنيا والآخرة، فإن إحياء روح الأمانة العظمى لإقامة الدين في بلاد المسلمين، واستعادة الأمة لقدرتها على السعي الدؤوب بكفاءة وفعالية في مجالات البناء والنماء، لن يتأتى دون تأصيل ثقافتنا الإسلامية، ودون تجديدها بإعادة ربطها إلى أساس الاستخلاف في الأرض، المؤهل ليحيي في النفوس ثقافة المسؤولية، الكفيلة بتفجير طاقاتنا الذاتية الكامنة والمعطلة، وتعبئتها الكاملة في سبيل صلاح النفس وإصلاح المجتمع.
2) السمات العامة الاستخلافية للثقافة الإسلامية
لكل ثقافة سماتها العامة التي تتشكل في إطار اتجاهها العام، وتُستمد من روحه وقوته وديناميكيته، وفي هذا الصدد يمكن تحديد أهم السمات التي يمنحها اتجاه الاستخلاف لتأصيل الثقافة الإسلامية وتجديدها، بالنظر إلى ما يكتنزه من معاني ودلالات الأمانة العظمى التي يتحملها الإنسان على ظهر هذه الأرض.
1ـ الإنسانية
يعتبر مبدأ الاستخلاف في الأرض من موحدات الإنسانية، بعد الصفة الآدمية المشتركة بين جميع الناس، فالاستخلاف يساوي بينهم في تحمل المسؤولية أمام الخالق، استنادا إلى الإمكانيات المعرفية المتوفرة لكل فئة وفي كل زمان ومكان.
كما أن “المجتمع المسلم الذي تبنيه الحضارة الإسلامية، ليس مجتمعا محليا أو إقليميا فضلا عن أن يكون مجتمعا عرقيا، وإنما هو مجتمع إنساني عالمي يضم الأسرة الإنسانية كلها، ويحسن التعامل معها في أي زمان ومكان، وسواء أكان الناس داخلين في الإسلام أم غير داخلين”[19].
فالرسول بُعث للناس أجمعين وليس إلى العرب وحدهم، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: 28]، وخطاب الإسلام يروم إصلاح الإنسان من حيث هو إنسان مستخلف في الأرض ومسؤول عن صلاحها وأمنها وسلامها.
2ـ الرسالية
إن المحور الأساس لثقافة الأمة الإسلامية يدور حول رسالية إسلامية في روحها ووسائلها وغايتها، ومعاني الرسالية مبثوثة في مكونات الدين عقيدة وعبادة وأخلاقا، وفي بوتقتها تنصهر ثقافة الأمة وتصطبغ بصبغة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي تنشغل بها الأمة بجميع مرافقها وشرائحها على مدى وجودها، وداخل الأمة في تفاصيل حياتها اليومية، وخارجها في اتجاه الأمم الأخرى، بما يلزم من الحكمة والرحمة والقصد إلى إنقاذ الناس من شقاء الدنيا والآخرة، والإحسان إليهم بما يتيسر من الإمكانيات لإسداء المعروف إليهم، والتخفيف من معاناتهم الحياتية، تأكيدا لعالمية الإسلام وبعده الإنساني، وانسجاما مع مضمون الأمر الإلهي: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]، فالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تجري في أبعادها الواسعة التي قد تلتقي مع ما يعتقده الآخرون أنه خير ومعروف، وما يرفضونه من الباطل والظلم الذي تنكره قلوبهم وتتقزز منه أنفسهم، ويكتوون بناره في معاشهم  ومكابدتهم للحياة.
3ـ المسؤولية
إن المسؤولية في المنظور الإسلامي تنمي في ذات الإنسان جميع مكوناتها النفسية، التي يصيبها ضمور في ظل الثقافات والتصورات الوضعية، فينتج عن ذلك خلل في بناء الفرد والمجتمع والحضارة.
فعن طريق المسؤولية “تنال النفس حظها من التنمية والتزكية، بحيث تنتعش الفطرة باتباع الحق والسير على نهجه القويم، ويكون لتوجيهها صداه الطيب وأثره الواضح في فكر الإنسان وسلوكه، ويحصل الانسجام بين تطلعاتها وتطبيقات الشرع وأحكامه. ويطمئن القلب ويصح بحفظ الأمانة، التي يتشربها بممارسة الإيمان اعتقادا وتصديقا وتعلما واستنتاجا وتعقلا، ثم بذكر الله وعبادته، والإخلاص له ومحبته ورجائه وخوفه والتوبة إليه، واستغفاره ودعائه والتوكل عليه، إلى غير ذلك من أعمال القلب الإيمانية الكثيرة، التي يحصل له بها النشاط والنماء والقوة والسعادة، إلى أقصى مدى تشاءه رغبة الإنسان، وتتطلع إليه همته، وهو يتعامل مع الخالق اللامحدود ذاتا وصفات وأفعالا، وكذا مع عالم الغيب الرحب.
     ولا يرد في القرآن أمر ولا نهي، دون أن يشفع بما يصبغه بصبغة الأمانة ونتائجها جزاء وعقابا، لأن كل عمل تكليفي إذا لم يكن مؤطرا بروح المسؤولية، افتقدت النفس الرغبة في الالتزام به فعلا أو تركا، فهان عليها إهماله وعدم الاكتراث به. فمن أمثلة الأمر: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:110] ومن أمثلة النهي: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا  إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:68-70].
فالنفس تتدرج في استشعار ثقل الأمانة، فيزداد لومها ومحاسبتها للإنسان في كل ما يخوض فيه من أفكار وأفعال، حتى لا تكاد تترك للإنسان مجالا للتقاعس في أداء الواجب، أو انتهاك الممنوع. وهذا اللوم من النفس ليس حالة عابرة في سياق الممارسة الدينية. وإنما هو مقصد عام من مقاصد الشرع، ومطمح ثابت في إحساس المسلم يجاهد عليه نفسه ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7 – 10]، ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 1 – 4].
     قال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:2] “إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قدما ما يعاتب نفسه”[20].
وفيما يتعلق بالمسؤولية الجماعية، فقد مرت بالأمة فترات انقطع على مداها الاستلهام من روح القرآن والسنة، وبياناتهما المؤكدة بأن مشاكل الأمة الإسلامية لا تكون قطعا إلا من عند نفسها. من ذلك في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة 105]. يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم، ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبراً لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريباً منه أو بعيداً.
وإذا استقامت الأمة على دين ربها، ولم تشذ عن هديه الرباني، فلن تستطيع مناوشات الأعداء أن تنال منها شيئا، بل ستكون الأمة المقيمة للدين منيعة الجانب قوية الشكيمة، لا يجرؤ أجنبي على تهديد أمنها واستقرارها، فقد كتب الله على أمة محمد أن يخلي بينها وبين نفسها، كي تتحمل مسؤولية ما يكون عليه حالها من القوة والضعف والصلاح والفساد والوحدة والفرقة.
 4ـ الوسطية
لا يسوغ وصف الأمة الإسلامية بالوسطية حتى يغدو الاعتدال والبعد عن التطرف سمة مطردة في فكر أبنائها وسلوكهم وجميع مناحي حياتهم. وأن يعتبر كل شخص نفسه مسؤولا عن المساهمة في رسم صورة هذه الوسطية، بجميع عناصرها في مجالات العقيدة والعبادة والمعاملات ومناشط الحياة كلها، وأن يكون حريصا كل الحرص على ألا يصدر عنه سلوك شاذ يدفع الأمم الأخرى إلى تكوين صورة مخلة بوسطية الأمة، ومشوهة لموقعها وطبيعة دينها المتميز بين الأمم بوسطيته، التي هي مدار الشهادة على الناس على امتداد الوجود البشري، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143].
    وعندما يؤدي سلوك فرد زائغ عن وسطية الإسلام، إلى اتهام دين الله الخاتم المحفوظ من التحريف، بالتطرف المشين والغلو الشنيع، فآنئذ تنتقل الجناية من مستوى الفرد إلى الجناية على الدين والأمة، وهي أعظم جرم وأشده عقابا في الدنيا والآخرة، فما يؤدي عادة إلى ممنوع في الشرع يصبح حكمه هو المنع أيضا.
    ولا سبيل لدفع المسؤولية عن هذا المآل الشنيع بوجود قصور في نظر المتهِمِين، أو رغبة جامحة للنيل من الإسلام والمسلمين وتجاوز العقل والمنطق، فذلك نفسه هوما ينتظر أن يفعله عبدة الأصنام لو سبت معبوداتهم، فجاء المنع بناء على احتمال كبير، أما اليوم فإن اتهام الإسلام بالإرهاب وقتل الأبرياء من طرف المناوئين له، صار حقيقة مريرة تعاني ويلاتها الأمة قاطبة في كل مكان وحين. 
5ـ الفاعلية
تعاني الأمة الإسلامية في العصر الحاضر تراجعا في الفاعلية وفتورا في الهمة، مما يفرض عليها إعادة تأهيل ثقافتها، حتى تكون قادرة على ضمان استرجاع الأمة لفاعليتها وحيويتها، التي تمكنت بها في الماضي أن تكون رائدة قائدة، ويمكنها عن طريقها اليوم أن تستأنف عطاءها العلمي وإنجازها الحضاري،”إن الإنسان لما يؤمن أنه الأثير لدى الله، وهو الخليفة له في أرضه فإنه تنزع منه دواعي الضعف والانهزام والوهن، ويتولد فيه العزم على أن يكون على قدر المقام الذي وضع فيه”[21].
فمصدر قوة الأمة الإسلامية، كامنة في دينها الخاتم،” وقيمه التي تربط الأرض بالسماء، فتجعل إنسان الأرض لا يتحمس لعمارتها إلا بأوامر الله تعالى، فإذا حيل بين الأمة وهذه الأوامر فقدت محركها الأول ودافعها الأساسي”[22].
ومن هذا المنطلق يعتبر الإحساس بالمسؤولية، أقوى محرك للنفس في اتجاه القيام بالواجبات بأعلى درجة مستطاعة من الإتقان والإخلاص، وتزداد هذه الحقيقة تأكيدا بالنسبة للمسؤولية الشرعية، حيث المحاسب عليها والمراقب لها هو الله العلي العظيم، الذي وسع علمه كل شيء، وهو على كل شيء قدير. والجزاء عليها خلود في الجنة، التي نعيمها لم تر مثله عين، ولم يخطر على قلب بشر، ونجاة من نار جهنم وعذابها الشديد، الذي لا طاقة لبشر عليه.
    وتأثر النفس بهذه المسؤولية، متوقف على مدى إيمانها بالله وتصديقها باليوم الآخر، وما يتعرض إليه فيه بنو آدم من حساب عسير ونعيم أو جحيم مقيمين. فمن آمن بالله واليوم الآخر، استسهل كل صعب من تكاليف الدين، واسترخص كل غال ونفيس في سبيل الله والفوز برضاه يوم القيامة، ولن يرقى إلى مثل عزمه وحزمه إلا من زاد عليه في الإيمان واليقين بصدق وعد الله.
6ـ التنموية
تمتاز الثقافة الإسلامية على غيرها من الثقافات المادية، بقدرتها الهائلة على تحريك الإنسان من أعماق النفس نحو تحقيق التنمية الشاملة، انطلاقا من نظرية الاستخلاف التي تعد بحق أفضل تأطير نظري شرعي، لانخراط الإنسان في ممارسة التنمية في أبعادها المختلفة.
فهي ترسي هذه العلاقة على الأسس المكينة للأمانة العظمى، التي تنتظم في نسق واحد كل السلوك الإنساني على الأرض، سواء كان عقيدة غيبية أوعبادة عملية، أو معاملة جماعية في ميادين الحياة المتعددة.
ومن هذا المنظور تصير التنمية سلوكا تعبديا، تتوفر له كل مقومات الحيوية والفعالية والاتزان والرشد، ويجعلها وسيلة لتجسيد خلافة الإنسان ومسؤوليته عن إعمار الأرض، وعن تحقيق كرامته وحريته، بعيدا عن منطق الصراع والهيمنة والاستغلال، الذي غدا من السمات الثابتة للتنمية العلمانية.
فالتنمية التي تنشدها الثقافة الإسلامية، والتي تحكمها توجيهات الإسلام الربانية وأخلاقه السامية، تستوعب كل تعاون بين الناس يحفظ مصالحهم العامة، وتجرم كل سلوك يرمي إلى إثراء فئة وإسعادها على حساب فئة أخرى، حتى ولو كانت هذه الفئة الأخرى دولة كافرة.
لأن المفروض أن تكون كل علاقة تربط بينها وبين دولة إسلامية، قائمة على العدل والرضى، لا على التسلط والظلم والاستغلال.
فالتنموية إذن اتجاه أخلاقي إنساني، يوجه منظومة القيم، التي يتربى عليها الفرد داخل المجتمع، فيستقيم ويرشد بصلاحها، وينحرف ويختل باختلالها. ومن ثم تتأكد علاقة الثقافة الإسلامية بالتنموية بمدى تشبع الفاعلين في مجالها الرحب بقيم الأمانة والصدق والإتقان وغيرها من أخلاق المسؤولية الاستخلافية.
7ـ الجمالية
تتميز الثقافة الإسلامية باعتماد منظور خاص لمفهوم الجمال، والذي يقوم عموما على جمالية الحق وقبح الباطل، والجمع بين جمال الظاهر والباطن، والشكل والمضمون والمبنى والمعنى، والجسد والروح، بل إنها تعطي قيمة أكبر لجمال المعنويات على جمال الماديات، ولاتلتفت إلى جمال الظاهر إذا انطوى على قبح الباطن، وفيما يلي بيان لقيمة الجمال في الثقافة الإسلامية:
أـ ابتلاء الله الإنسان في الدنيا بفعل الحُسن والقبح
بين الله تعالى بأن الإنسان في هذه الحياة الدنيا إنما وجد ليُختبر ويُبتلى هل سيفعل الحسن والأحسن أم السيئ والأسوأ، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2].
قال الفضيل بن عياض عن أحسن العمل: “هو أخلص العمل وأصوبه، فسئل عن معنى ذلك، فقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة”[23].
فالإنسان إذا اتقى الله واستقام على نهج دينه، أمكنه تحكيم مقاصد الشرع وبيناته، في التمييز بين الحسن والقبيح والطيب والخبيث والحق والباطل، وأكرمه الله بتنوير بصيرته وتسديد نظره، وألهمه الرشد وجنبه الزيغ، فكان دوما أقرب للصواب وأبعد عن الخطأ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: 9]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282].
ب – تمييز الأعمال التكليفية بالحسنة والسيئة
كل الأعمال الصالحة التي دعا إليها الشرع، وحث على فعلها وامتدح فاعليها وأثنى عليهم، تدخل في مسمى الحسنة التي تحسن في الشرع الداعي إليها، وتحسن في القلب والذوق الإيماني الرفيع، وكل عمل قبيح استنكره الشرع واستبشعه، يدخل في مسمى السيئة التي يسوء قولها وسماعها وفعلها ورؤيتها، وتستقذرها النفوس التي تشبعت بروح الشريعة الغراء، وداومت فعل الحسنات واجتناب السيئات.
وقد وصف الله تعالى في قرآنه أعمالا ومعاملات بالجمال فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28]، ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: 5]؛ ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]. وهذه كلها أعمال تكلف النفس مكابدة واضحة لتصير بعدها معاملة جميلة. وأفعالا محتملة بأقل عناء ومعاناة.
ووصف سبحانه المباحات بالطيباب والمحرمات بالخبائث: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157]، كما وصف أعمالا بأنها طيبة، ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: 24] ووصف الناس بأن منهم الطيب والخبيث: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179]
كما وصفت السيدة عائشة رضى الله عنها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لما سئلت كيف كانت صلاة رسول الله في رمضان فقالت: “ما كان يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن طولهن، وحسنهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن، وطولهن، ثم يصلي ثلاثا”[24]، فلكل عمل حسنه وجماله الذي يليق وصفه به.
ج ـ مطالبة المكلفين بالإحسان في كل المعاملات والتصرفات.
فالثقافة الإسلامية المبنية على خطاب الشرع كتابا وسنة، تدعو المكلفين ليتجاوزوا في أفعالهم درجة الحسن إلى ما هو أحسن في أعلي مراقي الإحسان المقدور عليها، لتغدو معاملات المسلمين فيما بينهم مفعمة بالحسن عابقة بالجمال.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: 152]؛ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]؛ ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]؛ ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: 35]، ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77]؛ ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: 36]؛
ومن السنة نسوق الأحاديث التالية: عن شداد بن أوس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله تبارك وتعالى كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته”[25].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: “لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عز وجل: ﴿ويل للمطففين﴾ فأحسنوا الكيل بعد ذلك”[26]، وعن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا حكمتم فاعدلوا وإذا قتلتم فأحسنوا، فإن الله محسن يحب المحسنين”[27].
د- إضفاء صفة الجمال على استيفاء الشيء شروط كماله.
تتعدد صور الجمال في المنظور الإسلامي، متجاوزة تناسق الظاهر في الأشكال والأجسام، إلى الاقتراب من الكمال والتكامل في التكوين والتركيب العام.
فهذا الإمام ابن قيم الجوزية، يصف الفتوى التي يعتمد فيها سوق الأدلة على ما تضمنته من أحكام بأنها جميلة، فقال”عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أولى بالعيب، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل”[28]
ومن هنا فإن جمال الإنسان لا يكون بتناسق ظاهره فحسب، حتىى ينضم إليه جمال الباطن، والذي لا يتحقق إلا بالإيمان والتقوى وسلامة القلب من أمراضه وآفاته، وتطابق السريرة مع العلانية، والشكل مع المضمون، مع إيلاء جمال الباطن الأولوية في الاعتبار على جمال الظاهر، كما في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك”[29]، فإذا كان جمال الجسم هبة إلهية، لا تعلق له بإرادة الإنسان وسعيه، فإن جمال النفس بالدين دونها احتمال تكاليفه والصبر على معاناتها.
وقد نبه ابن القيم الجوزية إلى أن الله تعالى جمع لأوليائه بين جمال الظاهر والباطن، في آيات قرآنية كثيرة: “فزين وجوههم بالنضرة وبواطنهم بالنظر إليه، فلا أجمل لبواطنهم ولا أنعم ولا أحلى من النظر إليه، ولا أجمل لظواهرهم من نضرة الوجه وهي إشراقه وتحسينه وبهجته، وهذا كما قال في موضع آخر ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 26]، فهذا جمال الظاهر وزينته ثم قال ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فهذا جمال الباطن ونظيره قوله ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِب﴾ فهذا جمال ظاهرها ثم قال ﴿وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ فهذا جمال باطنها”[30].
ومن مسؤوليات الإبداع الجمالي من منظور الإسلام في مجال الأدب والفن، التقيد بمقاصد الدين العامة وأحكامه الفقهية وتحديده الخاص لمفهوم الجمال.
خاتمة
ينتهي التفكير في موضوع تأصيل الثقافة الإسلامية، إلى تأكيد أهمية الانطلاق من الإيمان بالله باعتباره أساس الإسلام، الذي قام عليه بنيانه في العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق، وجميع تصوراته للسياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية والثقافة والفكر والحضارة..
ويعد التوحيد الركيزة الأساسية في العقيدة الإسلامية، والتي تصلح قاعدة لتأصيل الثقافة الإسلامية خاصة في بعدها الاعتقادي، لتصحيح الرؤية وترشيد مسارات التفكير والتنظير، في قضايا الحياة الثابتة والمتغيرة.
كما أن الاستخلاف الإسلامي، الذي يتميز باستيعابه لحقائق الإيمان والتوحيد، يتميز أيضا بقدرته الواسعة على تفعيل العقيدة الإسلامية في النفس والسلوك، وتأطير رؤيتها للثقافة التي تنشأ عنها وتتوجه بها، وذلك بتجديد قيم الأمانة العظمى التي يمكنها تعبئة كامل الطاقات والقدرات الإنسانية، باتجاه تحقيق السواء الاعتقادي والتعبدي والأخلاقي، وتنمية حوافز الفاعلية المتجددة في البناء الفكري والإنجاز العمراني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]  – تفسير البغوي. دار طيبة للنشر والتوزيع. ط4، 1417 هـ – 1997 م ص 184.
[2]  – مختار الصحاح، زين الدين الحنفي الرازي، المحقق: يوسف الشيخ محمد، الناشر: المكتبة العصرية – الدار النموذجية، بيروت – صيدا، ط 5، 1420هـ / 1999م ص49.
[3]  – النهاية في غريب الحديث. ابن الأثير،1/216.
[4]–  فوزي الجودة – الغزو الثقافي، دراسة منشورة في دورية/المناضل/العدد 280 ص44.
[5] –  عبد الكريم بكار، ثقافة النهضة أفكار وقيم من أجل التقدم، دار وجوه للنشر والتوزيع ط1، 1434/2013 ص 23.
[6]  – عبد السلام محمد الأحمر، ثقافة الأمة الوسط، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، إيسسكو. 1430/2009.
[7]  –  مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر. 1406/1986. ص83.
[8]  –  سنن ابن ماجه (1/ 81) وصححه الألباني. مشكاة المصابيح (1/ 74).
[9]  –  رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح.
[10] – ماجد عرسان الكيلاني، إخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها. كتاب الأمة رقم 30، رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر. 1412. ص43.
[11] –  طه جابر العلواني، ابن تيمية وإسلامية المعرفة، الدار العالمية للكتاب الإسلامي ط2، 1415/1995. ص20- 21.
[12]  –  عمر عبيد حسنة، الشاكلة الثقافية مساهمة في إعادة البناء، المكتب الإسلامي، ط1 – 1414/1993. ص40.
[13]  – عدنان علي رضا النحوي، التوحيد وواقعنا المعاصر، دار النحوي للنشر والتوزيع، ط1، 1411/1990، ص 18.
[14]  –  الشاكلة الثقافية، مرجع سابق. ص40.
[15]  –  ثقافة النهضة مرجع سابق. ص 56.
[16]  –  مالك بن نبي – شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين. دار الفكر دمشق، 1986. ص80.
[17] – نفسه
[18] – تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي، المحقق: د. عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي الناشر: مكتبة الدار – المدينة المنورة، ط 1، 1406، (1/ 474).
[19]  –  عزيز عدنان، المسلم الرسالي ومسؤولية الاستخلاف، طوب بريس –ط1. 1432/2010 الرباط، (ص 139- 140).
[20] – أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في كتابه “الزهد” (ص 228). وأخرجه ابن أبي الدنيا في “محاسبة النفس” (ص 24).
[21]  – عبد المجيد عمر النجار، قيمة الإنسان، مركز الدراسات والنشر ودار الزيتونة للنشر – الرباط ط1، 1417/1996. ص53.
[22]  –  يوسف إبراهيم يوسف، استراتيجية التنمية الإسلامية، نقلا عن رمضان توفيق رمضان عبيد، الثقافة وآثارها على التنمية، مكتبة مدبولي. ط1، القاهرة. 1435/2013. ص304.
[23] –  ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الكتب العلمية – ييروت، ط1، 1411هـ – 1991م (2/ 124)
[24] –  أخرجه البخاري (رقم 3569) ومسلم (رقم 738) في صحيحيهما من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها.
[25] –  أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (1955) عن شداد بن أوس رضي الله عنه، وكذلك أبو داود (2815)، والترمذي (1409).
[26] –  حسنه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (7/ 261).
[27]  –  قال الألباني في كتابه “الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1/ 840)” وهذا إسناد جيد رجاله ثقات معروفون غير محمد بن بلال.
[28] – إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية، قدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، شارك في التخريج: أبو عمر أحمد عبد الله أحمد، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية. ط 1، 1423هـ، (ج1/163).
[29]  – أخرجه البخاري (5090)، ومسلم (1466).
[30] – ابن قيم الجوزية، التبيان في أقسام القرآن، تحقيق: محمد حامد الفقي، الناشر: دار المعرفة، بيروت، لبنان، (ص: 156).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى