الباحث محمد بودادن
أطروحة لنيل الدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية
من إعداد الباحث محمد بودادن تحت إشراف الأستاذة الدكتورة ربيعة كاوزي، بكلية الآداب، جامعة محمد الأول بوجدة.
القطب الموضوعاتي: الآداب والعلوم الإنسانية والفنون وعلوم التربية.
تكوين الدكتوراه: العمل الاجتماعي في الإسلام وتطبيقاته المعاصرة.
مختبر البحث: الحوار الحضاري والتكامل المعرفي.
لجنة المناقشة:
د. عبد القادر أحنوت: أستاذ مؤهل (الكلية المتعددة التخصصات بالناظور -جامعة محمد الأول وجدة) مقررا.
د. الحسن قايدة: أستاذ التعليم العالي (المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة الشرق) مقررا.
د. محمد بنعمر: أستاذ التعليم العالي (المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة الشرق) مقررا.
د.ة ربيعة كاوزي: أستاذة التعليم العالي (كلية الآداب والعلوم الإنسانية -وجدة) مشرفة.
د. محمد عيسوي خبيرا.
وكان ذلك بتاريخ 12 جمادى الآخرة 1446ه 14 دجنبر 2024م
الملخص:
يعد الاستدلال من الطرق المؤدية إلى العلم، والموصلة للحقيقة، كما هو من السبل المعينة على تحقق العمل بالدليل، وعلى استنباط الأحكام، ومواكبة المستجدات التي تفرضها الوقائع المعاصرة، وأيضا على تحقيق المقاصد الشرعية في بناء الإنسان، وتأهيليه لمهمة العمران والاستخلاف، بدلا من المقاصد الذاتية الموغلة في كثير من التعقيدات الكلامية، والصياغة المنطقية، والدقائق الفلسفية التي لا تبني فكرا متبصرا، ولا تخدم علما، ولا تنفع أمة، ولا تؤسس لحضارة.
ولم يكن موضوع الاستدلال هذا بدعا انفرد به المتأخرون عن المتقدمين، ولا منهجا أحدثه اللاحقون في منأى عن السابقين، فقد ظهرت إرهاصاته الأولى في كتاب الله تعالى المصدر الأول للتشريع، وأخذ فيه بعدا متميزا وموقعا خاصا، برز في تعدد مجالاته، وأنواعه، ووحدة المقصد المتمثل في بناء الإنسان عقديا وفكريا وتأهيله لمهمة الاستخلاف والعمران. قال تعالى: [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ] [الأنبياء: 105].
أما مجالاته ففي مقدمتها وعلى قمة هرمها: إثبات وجود الله تعالى واجب الوجود، كما في قوله سبحانه: [سَنُرِيهِمْ آياتنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ] [فصلت:52].
وإثبات وحدانية الله تعالى، كما في قوله سبحانه: [أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24)] [الأنبياء: 21 – 24].
وغيرها من القضايا العقدية والقضايا الأخرى في مختلف مجالات التشريع، والتي وظف في إثباتها أنواع من الاستدلالات، من قبيل:
دليل الاستقراء؛ كدعوته سبحانه إلى السير في الأرض لاستقراء ودراسة أحوال الأمم الجائرة، من أجل العبرة والتدبر في مصيرها وبما حل بها.
والقياس: كقياس البعث والنشور على إحياء الأرض بعد موتها، قال تعالى: [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [فصلت: 38].. وأخرى.
فهذه نماذج أخرى من المجالات والأنواع، وهي على كثرتها وتنوع مساقاتها، إلا أنها جميعا تخدم نفس الهدف وتؤسس لذات المقصد الرباني الذي سعى القرآن إلى تحقيقه من عملية الاستدلال؛ وهو بناء الإنسان من الداخل بناء قائما على تشكيل وجدانه، وتصحيح تصوراته العقدية والعملية، بناء يدفعه دفعا إلى إعادة ترتيب أولوياته في الحياة، ويؤهله عمليا للقيام بمسؤولية الأمانة، وأداء مهمة الاستخلاف.
ليكون المصدر الأول للتشريع على هذا، أول من وضع النواة الأولى للاستدلال بمفهومه العام، وأرشد إلى بعض أنواعه ومجالاته، وبين مقصده العام الذي يجب أن تستثمر فيه سائر العلوم على اختلاف مضامينها.
ولم تكن السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع لتخرج عن ذات النهج وهي المفسر والمؤكد لما في القرآن الكريم، والمؤسس لتشريعات أخرى، بل واصلت المسير على نفس المنوال، ووسعت -بنصوصها التي كانت بمثابة البذرة الأولى لمجالات وأنواع أخرى- من دائرة الاستدلال نحو أفق أرحب وفضاء أوسع.
وفي عهد الصحابة والتابعين، تحركت آليات الاجتهاد بعد اتساع رقعة الإسلام وظهور قضايا لم تكن مألوفة قبل، فتطور أكثر وتوسعت دائرة استعمالاته، لكن دون تحديد لمفهومه ولا تمييز لأنواعه ومباحثه، لعدم الحاجة إلى ذلك، باعتبارهم من أهل اللسان، ولمعاصرتهم فترة نزول الوحي.
غير أنه وبعد اتساع دائرة الفتوحات ومعها رقعة الإسلام، ودخول الناس في دين الله أفواجا، برزت حوادث ومستجدات ونوازل لم تستوعبها النصوص الجزئية، وكان لزاما البحث لها عن جواب في مصادر أخرى، لتظهر أهمية المعاني الكلية المستنبطة أساسا من جملة الأصول الشرعية، للعودة إليها عند أي عملية استنباط..
ولتبدأ معها ملامح الاستدلال وعناصره في التشكل والتميز رويدا رويدا مع عصر الأئمة المجتهدين، ومع بدايات عصر التدوين وتمايز الفنون وبروز المدارس الكلامية والفقهية والأصولية منها خاصة.
ولست هنا بصدد تعداد تفاصيل مراحل تطور هذا المصطلح عند علماء الأصول، وإنما لبيان الإطار العام لسياق تطوره، وأنه تحول إلى منهج حياة، تبنى على وفقه الأفكار، وتؤسس المذاهب، وتعرض القضايا، ويرتفع الإشكال..
وإذا كان ما سبق من جملة قضايا الاستدلال وهو كذلك، فإن هذا التصور يكشف لك النقاب عن الموضوع الذي يسعى البحث جاهدا التأصيل له، وهو “الاستدلال عند الإمام أبي إسحاق الشاطبي”، والوقوف على منهجيته فيه، والغوص في خصائصه ومميزاته ومقاصده، وأنواعه، وكذا في ضوابطه أصلية كانت أو تبعية، نقلية أو عقلية، وغيرها مما هو مبثوث في ثنايا البحث.
غير أنه ولبيان أهمية بحث هذا الموضوع، فإن ذلك يقودنا للإجابة عن سؤالين مركزيين هما حجر الزاوية وقوام البحث، وعليهما يستوي سوقه، وهما:
لماذا الاستدلال؟ ولماذا الشاطبي؟
أما الأول: فهو سؤال مرتبط بذات المفهوم؛ أي بمادته وصورته، وبقيمته العلمية والتربوية، ويهدف إلى الإجابة عن الإشكال القائم في الفائدة والثمرة من البحث في مثل هذا الموضوع، خاصة وأن السؤالين معا قد قرعا الآذان كثيرا، وقتلا بحثا – كما يقال- في الكثير من الدراسات والأبحاث.
غير أن هذا الكلام فيه من العموم ما يحتاج إلى تخصيص، ومن الإطلاق ما يحتاج إلى تقييد.
فهو صحيح لكن في مساقات ومسارات مباينة لمجال البحث هذا؛ أي من حيث إفراد كل عن الآخر بالبحث والدراسة في سياق معين، لا من حيث التركيب والجمع بينهما.
وعموما؛ فإن نفس التجديد الذي خط به الشاطبي -رحمه الله- منهجه الاستدلالي، يجعل القارئ يؤمن بأنه لم يكن مبتغاه سرد مادته العلمية المتوفرة في مصادرها في المدونات الأصولية، وإنما قصد أن يستدرك ما لم ينص عليه غيره مما كان حقه التنصيص عليه من الاجتهادات، وأن يجدد ما كان حقه الإبقاء والاستمرارية عليه من المناهج، وأن يبدع ما كان لزاما إبداعه من المقاصد، مما يجعل الباحث يلامس ويستشعر تلك الجدة ليس في كل مسألة مسألة وحسب، وإنما حتى في منهجه المتبع في دراسة القواعد الأصولية، والمقاصدية، والتربوية، وباقي القضايا الأخرى المتضمنة في مسائل وأنواع وفصول تراثه عامة والموافقات خاصة، والتي شيد صرحها على المنهج الاستقرائي التحليلي.
يقوم فيه أولا بعرض الأصل أو القاعدة إجمالا في جملة إنشائية تارة، وخبرية أخرى، لينتقل بعدها إلى استقراء وتتبع وتحليل خاصياتها التي توطدها، وتميزها عن غيرها، والقصد هنا بالخاصيات: التقسيمات، والتطبيقات، والاستدلالات، والردود والاعتراضات، ثم التفريع والاستنباط -في الأخير- لقواعد يوردها في المسائل نفسها، أو في الفصول التي تليها.
يسترسل في الاستدلال دون توقف حين يحلل تلك الخاصيات، وكأنه يغرف من بحر لا ساحل له، فيبرهن على التقسيمات، ويستفيض في التطبيقات، ويورد الاعتراضات، ويناقش أدلتها ويجيب عنها فردا فردا، ولا ينتهي حتى يحصل له العلم بالمطلوب وفاء لمنهجه الاستقرائي الذي ارتضاه وجرى عليه عمله، دون أن يفوته الربط بين الأصل وبين الفرع عند الاستنباط.
وأما عن إشكال البحث الذي يسعى الباحث جادا لتجاوزه، فهو دراسة المنهج الاستدلالي عند الإمام الشاطبي، الذي يحمل في طياته أحد المصطلحات الأصولية الشديدة الغموض، الغائرة في أعماق الإشكال، المستفيضة الأنواع، الخطيرة عند التنزيل، إذ رب زلة في الفتوى أو في التأصيل لقاعدة، منشؤها الغفلة عن ملاحظة بعض جزئيات وتشعبات هذا المنهج، الذي يعد ضبطه واستصحابه ضربة لازب في سائر مراحل الاجتهاد والفتوى، وحال تفسير النصوص والتخريج عليها.
ويتم ذلك عن طريق استقراء مادته ودراسة مفرداته وتحليلها، والغوص في تفاصيل وجزئيات هذا المنهج عند الإمام الشاطبي من خلال كتابه “الموافقات” أساسا، وتطعيم ذلك في كثير من الأحيان بما ورد عنده في الاعتصام.
هذه الدراسة المترامية الأطراف، قائمة على الربط بين السؤالين المركزيين السابقين معا، ودمجهما ليشكلا مجموعة من الأسئلة المكونة والمؤسسة لبنية الإشكال، والتي تتمثل فيما يلي:
ـ ما التصور العام للمنهج الاستدلالي عند الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات؟
ـ وما هي مجالاته عنده؟
ـ وما إضافاته المنهجية واختياراته العلمية التي تفرد بها عن غيره فيه؟
ـ وما قيمة هذا التفرد في خدمة هذا الفن والعودة به إلى سابق عهده من حيث العطاء العلمي والإنتاج الفكري، واستيعاب قضايا الأمة؟
ـ وما ضوابطه الاستدلالية التي تقيم أركانه وتحفظه من جانب الوجود؟
ـ وما مقاصده الاستدلالية التي وظفها حتى يتأصل الواقع وتتنزل الحادثة وفقا للدليل، لا أن يوظف هذا الأخير في التبرير والتأويل لما هو واقع؟
ـ وما منهجه في درء مسالك الإخلال بصحة الاستدلال والذي يحفظه من جانب العدم؟
فهذه الأسئلة مجتمعة تعكس الإشكال الحقيقي وبؤرة البحث، والذي سيسعى مقبلا غير مدبر للإجابة عنها رغبة في رفع اللبس، وفي توضيح الغموض الذي يكتنف هذا المنهج عند الإمام الجليل.
وأما عن أسباب اختيار الموضوع، فيمكن إجمالها في النقط التالية:
ـ أهمية الاستدلال في حد ذاته؛ في استمداد الأحكام، وبناء القواعد الكلية، وتأسيس الأدلة الإجمالية، وتدليل الصعوبات المعرقلة لعمل المجتهد في مواكبة المستجدات التي يفرضها التطور على أعلى المستويات في جميع المجالات.
ـ جدة الموضوع على الساحة العلمية من حيث التناول التفصيلي المعمق، فشخصية الشاطبي الأصولية وتجديداته وتحريراته الدقيقة في مجال الاستدلال مما لم تطرقه يد باحث على هذا النحو -حسب الاطلاع وبعد تتبع واستشارة-
ـ قراءات الشاطبي النقدية لبعض طرق توظيف الاستدلال لدى بعض التيارات الفكرية والمدارس الفقهية وكذا الأصولية، والتي حولت الدليل من مصدر للتشريع إلى مجرد الاستظهار به على صحة مذهبهم، مما دفعه لوضع كتاب كامل عن الأدلة، تحدث فيه عن كليات الأدلة إجمالا، وضوابط الاستدلال بها عموما، وبالكتاب والسنة خصوصا، وكذا عوارض هذه الأدلة، عدا ما جاء عنه منثورا في ثنايا كتابه “الموافقات”، يحتاج إلى لملمته ودراسته وتحليله وصياغته في قالب منهجي استدلالي.
ـ كشف اللثام عن اجتهادات الشاطبي التي بلورها في هذه الكليات وإزالة ما علق بها من غموض وإشكالات، سواء تلكم التي تفرد بها عن غيره، أو التي أعاد إحياءها من جديد، بعد أن كانت منهج السابقين قبل أن يغفل عنها المتأخرون.
ـ أهمية منهجه الاستقرائي هذا في إعادة الاعتبار للمنهج الأصولي عامة ولموضوع الاستدلال، خاصة الذي عمل عليه الأولون في بناء القواعد وتأسيس الكليات.
ـ دراسة أثر هذا المنهج على صيرورة الدليل ومواكبته لسائر القضايا والحوادث والمستجدات، وعلى العملية الاستنباطية نفسها.
هذا عن الأسباب والدوافع، أما عن أهم الأهداف التي يروم البحث تحقيقها فتتمثل في الآتي:
ـ استقراء المادة العلمية في كتاب “الموافقات” ودراستها وتحليلها.
ـ تأصيلها وتأطيرها وفق مقاربة علمية منهجية قائمة على تشكيلها وترتيبها للوقوف على جديد ما تفرد به، ومميزات منهجه، ونماذج من أنواعه.
ـ إبراز الضوابط العامة والخاصة التي أسس عليها منهجه الاستدلالي.
ـ الكشف عن مقاصد الاستدلال التي لا تتحقق إلا عند السمو بالدليل من الانشغال بالجزئيات إلى درجة العمل بالكليات، ومن التمسك بالرسوم والمباني إلى الغوص في الحقائق والمعاني، ومن التبعية والتقليد إلى الأصالة والتجديد، ومن سلطة العقل إلى أصالة وحاكمية النقل.
ـ بيان مآلات خطورة إغفال التقيد بضوابط الاستدلال، سواء على مستوى الفهم عن الشارع، أو على مستوى تنزيل شريعته وتحقيق مقاصده.
ـ الاستفادة من منهجه الاستدلالي في إصلاح مناهج الاستدلال ومناهج الاستنباط لتحقيق مقاصد الشارع في تنزيل الأحكام تبعا للدليل، لا للمقاصد التي لا تنضبط ولا تطرد لخضوعها لمسالك الهوى.
ـ الاستفادة من منهجه هذا في إصلاح مناهج الفكر وتشكيل الوعي السليم في كيفية التعامل مع النص الشرعي تأصيلا وتنزيلا، وعلما وعملا، وتربية وسلوكا.
ـ إدراك أهمية منهجه الاستدلالي في مقارعة العابثين بالحجة والبرهان، المتقولين على الشارع بغير علم ولا هدى.
المنهج العلمي المعتمد:
وأما المنهج العلمي المتبع في الإنجاز؛ فقد اقتضى البحث وسياق الدراسة الاشتغال على منهج تكاملي قوامه:
المنهج الوصفي: ويتمثل في استقراء وتتبع المادة العلمية للبحث، ومساقاتها ومجالاتها، من أجل التعرف عليها من حيث المضمون حتى يتم وضعها في سياقها الصحيح.
كما أفاد من المنهج التحليلي الذي يتم من خلاله دراسة وتحليل وتعليل نتائج الاستقراء؛ لاستنباط خصائص المنهج ومميزاته، وعلاقاته الممتدة، والفروق بينه وبين غيره، وكذا ضوابطه، وأنواعه، ومقاصده، دون أن نغفل التأثيرات الخارجية عن ماهيته والتي تضعف من دلالته وقدرته الحجاجية، وغير ذلك من الأحوال والصفات التي تبني لنا تصورات كلية، تمكننا من معرفة واقع الاستدلال الدلالي، ومن منهج توظيفه عنده.
هذا دون أن ننسى المنهج التاريخي الذي ثم من خلاله دراسة التطور الدلالي للمنهج الاستدلالي والمراحل التي قطعها لدى عينة من الأصوليين من أهل السبق خاصة.
وهذا التنوع التكاملي اقتضته طبيعة البحث لتحقيق أهدافه، وليس من التلفيق المذموم الذي لا يخدم علما ولا يحقق هدفا، وإنما هو إجراء أملته وفرضته دواعي البحث.
الدراسات السابقة:
أما الدراسات السابقة والسوابق البحثية التي تكشف لنا عن قطار العلم والبحث أين وصل في موضوع البحث هذا بالذات؟ فقد سبق وأن تمت الإشارة إلى أن موضوع الاستدلال عند الإمام الشاطبي، لم أقف له -بعد مطالعة ما تيسر، واستشارة أهل التخصص- على دراسة أو بحث تناوله بالقليل أو بالكثير ما عدا نزرا يسيرا وقفت عليه في كتاب: ” التجديد والمجددون في أصول الفقه”، لأبي الفضل عبد السلام -سيأتي-.
وما دام أن الأقلام التي تناولت الشاطبي –رحمه الله- والتي ليست بالنزر اليسير، انكب جلها على بيان فلسفة التشريع المقاصدية عنده، فإني سأركز في سياق هذه الدراسات على ما له ارتباط بموضوع الدليل عند الشاطبي؛ إذ هو الحقل المعرفي المشترك، وعلى التي صاحبتني طويلا، واستفدت منها كثيرا، وكانت ذات صلة أكبر بوجه ما بموضوع البحث -دون أن يعني هذا أي تنقيص من الباقي، وإلا فالدراسات حوله أكثر من أن تحصى-، وسأوردها مرتبة حسب تواريخ نشرها:
1ـ منهج الدرس الدلالي عند الإمام الشاطبي للأستاذ عبد الحميد العلمي، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية. عدد الطبعة بدون، تا 1422هـ 2001م.
درس الكتاب أهم الضوابط المؤسسة للجوانب الدلالية في فكر الشاطبي الأصولي، فقدم له بمقدمة تناول فيها أهم عناصرها المعهودة إضافة إلى التعريف بمصطلحي: المنهج والدلالة، وقسمه إلى قسمين:
اعتنى في الأول ببحث المقومات العامة للفكر الأصولي عند الشاطبي، وأورد ذلك في بابين، يحتوي كل منهما على فصول ومباحث.
أما أولهما فوضعه للتعريف بالإمام الشاطبي، وبسط في الثاني القول في المقومات النظرية والعلمية والمنهجية لفكره.
واعتنى في القسم الثاني بمنهج الدرس الدلالي عند الشاطبي في الموافقات، وبحثه في أربعة أبواب، يحتوي كل منها على فصول ومباحث:
فخصص الباب الأول لمفهوم الدلالة، وأقسامها، وصيغها، وكذا الدليل وأنواعه، وجعله في ثلاثة فصول، تحدث في المبحث الأول من الفصل الثالث عن مفهوم الدلالة عند الشاطبي، وفيه أتى على ذكر مصطلح “الاستدلال” في سياق حديثه عما يرتبط بمادة الفعل “دل”، في أقل من ثلاث صفحات، تناول فيها إحصاءه في الموافقات، وتعريفه اللغوي والاصطلاحي بمعناه العام والخاص كما هو عند الأصوليين، ثم ذكر بعض استعمالاته عند الشاطبي دون تفصيل.
وخصص الباب الثاني لمنهج الشاطبي في الدلالة اللفظية، كما درس فيه مباحث مرتبطة باللفظ كعنصر في التواصل الدلالي، وبدلالة الألفاظ في سياق تقابلها الدلالي.
وخصص الثالث لمنهجه في الدلالة المقاصدية في نسق تقابلي؛ أصلي وتبعي، كلي وجزئي..، وفي علاقتها باستثمار الأحكام الشرعية.
والرابع لبيان أثر وحدته المنهجية في توجيه المباحث الأصولية.
ورغم هذا المجهود الذي بذله في عد مفردات هذا المصطلح إلا أنه لم يقدم له تعريفا دالا ودقيقا كما هو عند الشاطبي، ويشفع له أن المصطلح جاء عرضا ولم يكن مقصودا عنده.
2ـ الاستدلال عند الأصوليين، د. أسعد عبد الغني السيد الكفراوي، تقديم: د. علي جمعة محمد، دار السلام -القاهرة -مصر، ط 1، 1423ه 2002م.
أصل الكتاب رسالة علمية نال بها صاحبها درجة الدكتوراه في أصول الفقه من جامعة الأزهر.
درس فيه الباحث بعد المقدمة مصطلح الاستدلال عند الأصوليين في بابين:
عقد الأول منهما في فصلين: الأول منهما للتعريف بمصطلح الاستدلال، وبيان نشأته وتطوره الدلالي وما طرأ عليه في كل عصر، وقد تم له هذا في مبحثين،
وبين في الفصل الثاني أنواعه المختلفة عند متقدمي الأصوليين ومتأخريهم، وتناوله في ثلاثة مباحث.
وعقد الباب الثاني لأحكام الاستدلال في فصلين: تناول الأول في مبحثين: أحكام المستدل، وكيفية الاستدلال على الأحكام الشرعية، والفصل الثاني في الاستدلال عند الصحابة والتابعين، وتناوله في مبحثين: الأول في الأدلة العقلية، والثاني في الأدلة المختلف فيها.
ثم ختم بالنتائج والمقترحات.
والملحوظ عليه في بيان أنواع الاستدلال أنه أتى على ذكر أربعة وعشرين أنموذجا ليس منها الإمام أبي إسحاق الشاطبي مع ذكره لمعاصريه ومن بعده، وعذره في هذا أنه اعتمد على المدارس الأصولية الأكثر شهرة في هذا الفن.
3ـ المصطلح الأصولي عند الشاطبي، د. فريد الأنصاري رحمه الله -ت 1430ه-، قام بنشره كل من معهد الدراسات المصطلحية، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 1، تا 1424ه 2004م.
أصل الكتاب رسالة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه، وهو دراسة مصطلحية لنماذج من المصطلحات الأصولية في “الموافقات”؛ إذ لم تكن غايته استقصاء جميع مصطلحات الشاطبي بنفس النهج الذي نص عليه، وهو الأمر الذي يتطلب وقتا يزيد عن عمر الأطروحة، على أنه تناول ذات الموضوع في رسالة الماجستير، لكن بنهج مغاير؛ إذ جاءت رسالته جردا لما تيسر له من المصطلحات الأصولية في كتاب “الموافقات”.
وقد قدم د. فريد الأنصاري كتابه هذا في مقدمة وتمهيد عنونه بـ: “منهجية الدراسة المصطلحية وخصوصيات المصطلح الشرعي”، وجعله في مباحث أربعة، خلص فيها إلى اقتراح منهج لدراسة المصطلح الشرعي، لخصه في شجرة مفهومية قائمة على خمس قضايا هي أصول الدراسة، قد تتفرع عنها فروع جزئية، وهي: التعريف، وخصائص المصطلح، وضمائمه ومشتقاته، وفروعه، ثم خلاصة.
وقد حاولت جاهدا وما استطعت لذلك سبيلا، الالتزام بهذه الشجرة المفهومية التي وضعها لدراسة المصطلح الشرعي، في دراستي لمصطلح “الاستدلال”.
وبعد التمهيد قسم الدراسة إلى قسمين: قسم نظري؛ درس في فصوله الثلاثة طبيعة المصطلح الأصولي عند الشاطبي، وقسم عملي معجمي، درس في فصوله الثلاثة وفقا للشجرة المفهومية التي وضعها ثلاثة نماذج للمصطلح الأصولي عند الشاطبي هي: الأصول، والاجتهاد، والمآل. مع فروعها وضمائمها وأخرى وردت في تلكم الشجرة المفهومية.
وهو من المؤلفات التي توقفت عندها كثيرا لا لعلاقتها بموضوع البحث مباشرة، فهو لم يتطرق لموضوع الاستدلال لا نصا ولا عرضا، وإنما باعتباره مفتاحا لمنهجية البحث والتعامل مع المصطلح الشرعي، هذا بالإضافة إلى كتابه: “أبجديات البحث في العلوم الشرعية”، وقد استفدت منهما معا، خاصة من الأول بالنظر إلى كونه زاوج بين الشق النظري، والشق التطبيقي، فاكتملت الصورة واتضحت الرؤيا.
كما هو مفتاح من المفاتيح الذهبية لدقائق الشاطبي وأسرار عبارته، لتأثره به منهجيا وتربويا وإصلاحيا، وأوصي -وإن لم أكن في هذا المقام- كل طالب علم مبتدي مثلي أن يقرأ هذا الكتاب، ويتمعن في عباراته، فصاحبه متخصص في الشاطبي، عالم بمعانيه، وملم بأسراره رحم الله الجميع.
ولم يأت رحمه الله على ذكر مصطلح الاستدلال في بحثه لنيل شهادة الماستر، ولا في أطروحته للدكتوراه.
التجديد والمجددون في أصول الفقه، لأبي الفضل عبد السلام بن محمد بن عبد الكريم، المكتبة الإسلامية ط 3، 1428ه 2007م
الكتاب دراسة نقدية تنقيحية موسعة لجهود المجددين من علماء الأصول، من القدماء والمحدثين، هدف فيه صاحبه إلى استخلاص منهج قويم منضبط يعيد الحياة لهذا العلم، ويرجع به إلى أصالته وسابق عهده، وقد قدمه في مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة.
أما المقدمة فضمت عناصرها المعهودة، ليأتي بعدها الباب الأول الذي جعله في ثلاثة فصول؛ خص الأول لأسباب جمود علم الأصول عند المتأخرين ومظاهر ذلك ونتائجه، وتناوله في مباحث ثلاثة، وخص الثاني لمدى الحاجة إلى تجديد علم الأصول في العصر الحاضر، والثالث عن الإبداع المنهجي عند الأصوليين.
أما الباب الثاني فعقده للجهود النقدية والتجديدية في هذا الفن قديما وحديثا، وتناول في فصوله الأربعة الجهود التجديدية على التوالي لكل من: الإمام ابن حزم-ت 456ه- في الفصل الأول، والإمام الجويني -ت 478ه- والإمام الغزالي-ت 505ه- والإمام ابن عبد السلام -ت 660ه- في الفصل الثاني، والإمام ابن تيمية-ت 728ه- في الثالث، والإمام الشاطبي -ت 790ه- في الرابع.
أما الباب الثالث فعقده للمنهج الذي استخلصه مما سبق، واقترحه للنهوض بالدراسة الأصولية على هدى الجهود السابقة، وتناول في فصوله الخمسة على التوالي: أسس المنهج المقترح، ووظيفة علم الأصول وغايته، ومصادر علم الأصول، ومادته، وفق ذات المنهج دائما، وخص الخاتمة للأطروحات والتوصيات.
وبالعودة إلى الفصل الرابع من الباب الثاني الذي بين فيه جهود الشاطبي التجديدية -الذي يهمنا في هذا السياق- نجد أنه عرض أهم خصائص وثمرات جهوده التجديدية في مجموع نقط، تحمل إحداها عنوان: “منهج الاستدلال عند الشاطبي”، عالج فيه بعضا مما يراه قواعد الاستدلال عنده، وتفريعات أخرى مرتبطة به، في خمس صفحات فقط، ونبه إلى أن الموضوع جدير بالاهتمام، وببحث مستقل لما فيه من عناية بجواهر وحقائق الدليل عوضا عن شكلياته، وكان أحرى أن يحكمه الأصوليون قبل الشاطبي لولا فتور الهمم..، وسرعان ما تلقفت الفكرة وجلت بها في ميادين البحث الممكنة، وبعد قراءة واستشارة كتب الله أن يكون موضوع الأطروحة، فكانت إشارة هذا المؤلف بحق البذرة الأولى للانطلاق بهذه الفكرة نحو أفق أرحب، وتوسيع دائرتها لتشمل ما جاء في هذا البحث من عناوين أخرى.
كما تحدث في مطلب: “قواعد المنهج الاستدلالي عند السلف والأئمة المحققين” عن مجموعة من هذه القواعد، لكن في إطار أوسع؛ إذ لم يقتصر على الإمام الشاطبي فقط، وإنما شمل البحث غيره من الإمام الشافعي -ت 204ه-، والإمام ابن حزم -ت 456ه-، ولإمام الغزالي -ت 505ه-، والإمام ابن تيمية -ت 728ه-، والإمام ابن القيم -ت 751ه-، وغيرهم، وإن كان ذلك باقتضاب أيضا.
والكتاب جدير بالقراءة، وهو عبارة في الحقيقة عن مفتاح لكثير من المباحث الأصولية الجديرة بالبحث والتدقيق في إطار التجديد في معالم أصول الفقه، مع المحافظة على أصله ودون المساس بركائزه، وذلك من خلال العودة به إلى سابق عهده، وتنقيته من بعض المباحث الدخيلة عليه، لا التجديد الذي يراد من ورائه التبديل والتغيير والإزالة.
وقد وفق فيه مؤلفه في تسليط الضوء على بعض من كبار وأساطين العلماء المجددين في هذا الفن، واستخلاص أهم قواعد المنهج التجديدي في دراسة هذا الفن، من منهجهم الأصيل المستمد أساسا من طريقة السلف المتقدمين، للنهوض بهذا العلم ونفض غبار التقليد والجمود الذي طاله وعطل من تطوره ومسايرته لواقع الأمة.
وما دام أن الكتاب ليس في ذات المصطلح فهو لم يتطرق له إلا عرضا – كما أشرنا- في سياق حديثه عن التجديد في فن أصول الفقه.
ولا شك أن لهذه البحوث والدراسات وغيرها سعيا مباركا في رفع همة الباحث، وأثرا عميقا في تكوين وتنمية مداركه، ومزية في معالجة هذ الموضوع، وحقا حازوا به شرف السبق، والاعتراف بالفضل، والثناء الجميل.
خطة البحث:
راعيت في توزيع خطة البحث مبدأ التدرج مما هو عام إلى ما هو خاص، فارتأيت بناء عليه أن أنجزه في مقدمة، وبابين، ضمّنت كلا منهما فصولا ثلاثة ومباحث، ثم خاتمة.
قمت في المقدمة بعرض أهمية الموضوع، وإشكاله الذي يعرض جوهره، ودوافع اختياره، والأهداف التي يتوخى البحث تحقيقها، وأخرى مما مر معنا..
وبعد المقدمة جاء الباب الأول ليحدثنا عن الدراسة النظرية للاستدلال عند الإمام أبي إسحاق الشاطبي، وذلك في فصول ثلاثة:
خصصت الفصل الأول “شذرات علمية من حياة الإمام الشاطبي” ومباحثه الأربعة للإجابة عن بعض الإشكالات المرتبطة بنسبه ونشأته التي لا نعرف عنها سوى النزر اليسير.
وكذا الحديث عن العوامل التي ساهمت في تأسيس غرناطة العالمة التي استفاد منها الإمام الشاطبي في بناء مداركه العلمية، وصقل مواهبه الفكرية، حتى تبوأ المكانة الرفيعة، وصار إماما يحتذى به ليس في باب المعرفة المجردة فقط، وإنما في باب الإبداع والابتكار لبعض الفنون، وفي باب الاجتهاد والإصلاح والتجديد للمناهج العلمية، ولكثير من القضايا والقواعد الكلية، وللمناهج التربوية التي تهذب النفوس، وتزكي القلوب، وتبني الفرد والمجتمعات، الأمر الذي فتح عليه باب الانتقادات من الأقران، بل ومن هم في مؤخرة القوم من الجهلة.
وعالجت في الثاني “مفهوم الاستدلال عند الإمام أبي إسحاق الشاطبي” ومساقه الدلالي في تمهيد ومباحث أربعة:
راعيت فيها نسقا معرفيا تراتبيا، بدأته بالجانب اللغوي أرضيةِ الانطلاق لفهم كل مادة معرفية، فأردفته بالمعنى الاصطلاحي كما هو عند الأصوليين، مقارنا بينه وبين نتائج الدراسة الاستقرائية لمادة المصطلح في “الموافقات”، التي مهدت بها للتصور العملي للاستدلال كما هو في منهج الشاطبي، ولوظائفه عنده، ثم كان الانتهاء من الفصل بالمسار التطوري لدلالة مفهوم الاستدلال عند الأصوليين.
أما الفصل الثالث والأخير من هذا الباب فارتقيت فيه آخر الدرج، وعلوت فيه رأس الهرم، وهو “منهج الاستدلال عند الإمام الشاطبي” الذي تناولت قضاياه في تمهيد وثلاثة مباحث:
بدأته بتدارس نماذج من منهج الاستدلال عند الأصوليين، وطريقة تناولهم له، وترتيبهم لأنواعه، والمقبول أو المردود منها على اختلاف في ذلك.
وأبرزت في الثاني جديده الاستدلالي سواء على المستوى النقدي لبنية المصطلح ودلالته معا، كانتقاده للتخصيص، أو على المستوى النقدي لدلالة المصطلح دون مادته، كما فعل مع مراعاة الخلاف وغيره، دون أن ننسى أهمية الاستقراء المعنوي الذي جعله قاعدة كتابه الموافقات.
وبحثت في الثالث أهم مميزات منهجه الاستدلالي التي نقلته من اضطراب الجزئيات إلى اطراد الكليات، ومن العمل إلى العلم.
وأما الباب الثاني فجاء لتسليط الضوء وتعميق الدراسة أكثر في الجانب المجالي للمنهج الاستدلالي، وقد صغته في ثلاثة فصول -أيضا-:
الفصل الأول لبيان ضوابط الاستدلال التي نص عليها في كتابه الموافقات خاصة، وقد فصلت فيه القول -وفقا لما جرى عليه عمله- في تمهيد وثلاثة مباحث:
وضعت المبحث الأول لضوابط الاستدلال بالأدلة عموما، وذكرت فيه ثلاثة عشر ضابطا.
والمبحث الثاني لضوابط الاستدلال بكتاب الله تعالى المصدرِ الأول للتشريع، وذكرت فيه عشرة منها.
والثالث لضوابط الاستدلال بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم المصدر الثاني للتشريع، وذكرت فيه سبعة منها بالنظر إلى تداخل بعضها مع ما ورد في المبحث الثاني.
وأما الفصل الثاني فخصص للكشف عن نماذج من أنواعه ومقاصده، وبُحث في تمهيد، وثلاثة مباحث:
الأول للاستدلال الاستقرائي ومفهومه، وأنواعه، ودعائم العمل به، ومعيقات ذلك وتوجيهها، وكذا جانب من تطبيقاته عنده.
وفي المبحث الثاني كان الحديث عن الاستدلال العقلي، تناولت فيه مفهومه، ونماذج من قواعده عنده، وخواص الكليات العقلية، والفرق بينها وبين الكليات الاستقرائية والكليات العربية، ونماذج من مجالاته.
وتتبعت في المبحث الثالث مقاصده الاستدلالية التي تهدف إلى حماية الدليل، والبعد به عن التأويلات الفاسدة.
وأما الفصل الثالث والأخير من هذا الباب فجاء بعنوان: الإخلال بصحة الاستدلال، وقدمته بعد التمهيد في أربعة مباحث:
بينت في الأول أهم المسالك التي تخل بصحة الاستدلال، كما نص عليها الشاطبي إن في الموافقات أو في الاعتصام.
وناقشت في الثاني مدى صحة الاستدلال بخوارق العوائد في مجالات التشريع، ومنهج الشاطبي في التفريق بين ما له أصل من الدليل، وما لا أصل له سوى المنامات، والكشوفات، وحكايات الأحوال.
وفي المبحث الثالث تطرقت فيه لاختياراته في رد الاحتمالات العشر الواردة على الدليل فتضعف من حجيته ودلالته..، حيث بينت منشأها أولا، ومنهج بعض العلماء في التعامل معها ثانيا، ومنهج الشاطبي واختياراته في ردها.
وأما المبحث الرابع والأخير فكان لبعض المآخذ عليه في الاستدلال.
ثم جاءت الخاتمة في مسبوك الدراسة، في ملخص مركز لأهم ما درسته البحث وتوقف عليه من القضايا والإشكالات ذات العلاقة بالمنهج الاستدلالي عند الإمام الشاطبي، وأيضا في نتائج توصل إليها الباحث واستقاها من طول المصاحبة والاحتكاك، وأيضا في توصيات تهدف إلى تعميق البحث حول قضايا معينة، وإلى فتح آفاق البحث في أخرى.
الصعوبات:
من الصعوبات العلمية التي أضنت الباحث، فأجهدت فكره، وأثقلت كاهله، وأبطأت مسيره، وكشفت عن مدى حاجته إلى مزيد من الطلب صحبة المحبرة في المحضرة، واستوقفته أياما يردد النظر ويعيد التفكير، عسى الفتاح المعين، أن يجود على عبده بفتح ينير القلب، ويبصر السبيل، ويذلل له أمر هذه الصعوبات، والتي منها:
ـ طبيعة موضوع الاستدلال الذي يعد واحدا من أعقد المصطلحات الأصولية وأكثرها عنتا، سواء من حيث بناء المفهوم، أو من حيث تصور قضاياه، رغم الكم الهائل من الدراسات والأبحاث التي أنجزت فيه، إلا أن الجميع يجمع على خطورته، وصعوبة حده وحصر أنواعه، وما ذاك إلا لأنه المفهوم الذي يستوعب النص الشرعي، ويضبط آليات فهمه وتنزيله، ويتحقق من مآلاته ومقاصده.
ـ طبيعة كلام الشاطبي وعبارته الدقيقة التي تغوص بك في أعماق المعاني والأسرار والحكم، وتتوقف إزاءها برهة من الزمان تعيد النظر وتمحص الأفكار وتفحص العلل، علك تجد البلسم الشافي والجواب الكافي.
والتي يأخذ أمر تفكيكها من الباحث جهدا جهيدا هذا إن وجد لذلك سبيلا، وإلا استعان بالمصادر والمدونات الأصولية، وبأهل الاختصاص والخبرة من أساتذته وشيوخه الذين سبروا أغوار هذا الفن، وغاصوا في عمق أسراره، حتى يجد لهمه فرجا ولضيقه مخرجا، تفاديا لتقصيد المؤلف ما لم يقصده، وإلا وقع في المحظور، نتيجة قصور في الفهم، وضعف في الإدراك.
ـ صعوبة الاقتصار على فقرة من فقرات الشاطبي خاصة في كتابه “الموافقات”، أو التصرف فيها بالإيجاز أو الحذف لشدة ارتباطها، ودقة عبارته -كما سبق-، مما يفرض الإطالة في النقل في كثير من الحالات، وهو أمر لاحظه كبار العلماء ممن كتبوا له، كالأستاذ فريد الأنصاري رحمه الله في كتابه: “المصطلح الأصولي عند الشاطبي”، وأستاذنا د. قايدة حفظه الله في كتابه: “خصائص التعلم الفعال عند أبي إسحاق الشاطبي تأصيل الرؤية وتجديد النظر.”
ـ ومما يعقد من صعوبة تناول مفهوم الاستدلال عند الإمام الشاطبي، ارتباطه كغيره من المصطلحات الأصولية عنده بشبكة من المصطلحات المفاهيمية التي لا يمكن القفز عليها أو تجاوزها لمن أراد الضبط والتدقيق في ماهية المصطلح وعناصره وباقي مكوناته عنده.
وارتباطه أيضا بمشروعه الإصلاحي في جانبه الروحي والتربوي، وليس الجانب المادي والنظري للمعرفة فقط في معزل عما سبق.
إجراءات البحث:
استعنت في بناء مادة البحث وإغنائها بالإجراءات التالية:
ـ الاعتماد في القرآن الكريم على رواية ورش عن نافع بالرسم العثماني وبالخط المغربي المبسوط كما هو في المصحف المحمدي.
ـ عزو الآيات إلى سورها وترقيمها في المتن.
ـ توثيق الآيات التي لم ترد موثقة في بعض المصادر والمراجع.
ـ الاعتماد في تخريج الأحاديث على مصدر أو مصدرين على الأكثر إلا نادرا، مع ذكر درجتها عند الاقتضاء إن لم ترد في الصحيحين.
ـ الاستعانة بأهم المصادر الأصولية والفقهية واللغوية وغيرها، وكذا المراجع مما فيه إضافة علمية أو منهجية مما هو مهم في بابه.
ـ استقراء المادة العلمية وتحليلها وتصنيفها وفقا لما سبق.
ـ الترجمة للعلماء الواردة أسماؤهم فيه، واقتصرت فيها على المختصر المفيد، عدا الذين ذاع صيتهم بين أهل العلم من الأئمة الأربعة خاصة، فقد كفاني فضلهم وشهرتهم ومنزلتهم العلمية ذلك، إيمانا مني بأن هذا من باب تعريف المعرف.
ـ نسبة الأقوال إلى أصحابها في مظانها.
ـ الاقتصار في التمثيل على ما يوفي المراد.
ـ ومن باب التمييز بين النسخ المحققة لكتاب الموافقات، فإنه إذا أطلق “كتاب الموافقات” دون تقييد بمحقق فالمراد نسخة تحقيق: الدكتور الحسين أيت سعيد، باعتباره آخر وأفضل من حققه، وإذا أريد غيرها قيد بمحققها.
ـ وإذا أطلق “الاعتصام” فالمراد نسخة تحقيق: الشيخ أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان باعتباره آخر من حققه، وإذا أريد غيرها قيد.
ـ فهرسة المصادر والمراجع في آخر البحث وفقا للإجراءات المتبعة.
هذا وإن الإحاطة بتفاصيل الموضوع بأهميته السابقة..، لأمر يستعصي شأنه على طالب علم لا يزال في بداياته يتلمس معالم الطريق ليهتدي بها إلى سواء السبيل.
وإدراكا مني لقلة الزاد، وصعوبة البحث، وجسامة المسؤولية، فإني لا أدعي البتة أني بلغت من هدفي غايته، أو أتيت فيه بجديد، أو ظفرت فيه بغنم، وأنى لي ذلك، وإنما هو جهد المقل، ومجاهدة الضعيف، وإقرار بأن ما تحقق أقصى ما يمكن إدراكه في آنه، وأني لم آل جهدا في سبيل ذلك.
ولا ريب البتة أن هذا العمل تغمره النواقص والهنات التي لا يعرى عنها بحث، ولا جهد بشري مهما جوده صاحبه وشمر عن ساعديه وتجشم عناءه؛ إذ النقص من الصفات اللازمة للمكلف.
غير أن هذا لا يعني الاستسلام أو الركون إلى التقاعس، وانتظار المعجزات التي قد ولى زمنها، وعدم الأخذ بالأسباب، فهذا ليس من ديدن شيوخنا وأساتذتنا الذين غرسوا فينا حب الاجتهاد، وقوة التحمل والصبر والإرادة في سبيل بلوغ الغايات العوالي والمقاصد السامية، التي لا تبلغ بالأماني، وإنما بالعمل الجاد ولا شيء غيره.
وأخيرا: فإنه لمن جليل عناية الله بي وكبير توفيقه لي، أن صوب الإدراك، وسدد التفكير، وهداني لهذا الاختيار [وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلٓاَ أَنْ هَدۭيٰنَا اللَّهُ] [الأعراف: 42] الذي نلت به شرف – وكفى به شرفا- صحبة واحد من أعلام الأمة الكبار المجددين الربانيين، سائلا المولى عز وجل أن يوفقني لأحدو حدوه وأقتفي أثره، [وَمَا ذَلِكَ عَلَي اللَّهِ بِعَزِيزٍ] [إبراهيم: 22] و [فاطر: 17]، فله الحمد أولا والشكر آخرا أن وفقني وأعانني لإتمامه، وكتب للعمل أن يبلغ نهايته.
وإنه لمن دواعي البهجة والسرور، ودواعي الفخر والاعتزاز، ومن مظاهر التوفيق والعناية الربانية بي، أن هيأ الله لي شموس المعارف، شيوخا وأساتذة في التعليم العتيق والنظامي معا، هم كالنجوم التي سطعت في السماء، والأقمار التي أنارت الدجى، والكواكب التي تلألأت، والشموس التي أضاءت لي السبيل، الذين ذللوا الصعاب، وخاضوا معي العسير، وصبروا على جهلي، وشمروا لتعليمي، ومهدوا طريقي، والذين لولاهم بعد الله سبحانه وتعالى الذي له الفضل والمنة علي أولا وآخرا، لما كتب لهذا المولود العلمي أن يعرف للحياة مغزى، ولا للوجود معنى.
فجزاهم الله عني كل الخير وخير الجزاء، وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة، وأدام عليهم نعمة الأمن والإيمان، وموفور الصحة والعافية، وزادهم بسطة في العلم والجسم، إنه سميع مجيب.
زر الذهاب إلى الأعلى