
فَوَضْعُ نموذج للكون يعني الإحاطة به رياضيا مادة وزمانا ومكانا، وهو الدليل القاطع على أن هذا الكون محدود زمانا ومكانا ومادة؛ أي أنه مكون من مادة لها حدود في الزمان والمكان، وهذا ما يقوض صرح الإلحاد من أساسه مصداقا لقوله تعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل: 26] وقوله : {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 109]. ذلك أن الفلسفات الإلحادية بدون استثناء، بُنيت على عقيدة أن الكون أزلي، وأنه غير محدود زمانا ومكانا. فالمادية الجدلية مثلا تتبنى لامحدودية الزمان والمكان لأن محدوديتهما لا يمكن إلا أن تلزم بوجود خالق للكون، وهذا ما سيثبته العلم المادي من خلال الاكتشافات على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين.
ولقد استغرقت بناية هذه القناعات ما يقارب قرنين من الزمان، بدءا باكتشافات سادي كارنو Sadi Carnot في عشرينيات القرن التاسع عشر، مرورا باكتشافات إنشتاين Einstein وفريدمان Freidmann ولوميتر Le Miatre وهابل Hubble، فيما يتعلق بالتوسع الكوني والبيغ بانغ Big Bang، وليس انتهاء باكتشاف الشفرة الحيوية وتعقيدات وظائف الخلية. وسنستعرض في هذه الحلقة أثر الاكتشافات في ميدان الآلات الحرارية، وانتقال الحرارة بين الأجسام من جهة والتوسع الكوني، والبيغ بانغ من جهة أخرى، وعلاقة العلم التجريبي بالإيمان والإلحاد.