الباحث بلال الغريب
أطروحة لنيل الدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية
من إعداد الباحث بلال الغريب
بإشراف الأستاذ الدكتور هشام تهتاه، بكلية الآداب، جامعة عبد المالك السعدي تطوان.
تكوين الدكتوراه: الدراسات الإسلامية عقيدة، علوم وتراث.
تكونت لجنة المناقشة: من السادة الأساتذة:
د. محمد الصمدي: أستاذ التعليم العالي (كلية الآداب والعلوم الانسانية، جامعة عبد المالك السعدي تطوان.) رئيسا.
د. هشام تهتاه: أستاذ محاضر مؤهل (كلية الآداب والعلوم الانسانية، جامعة عبد المالك السعدي تطوان) مشرفا.
د. محمد حماد: أستاذ التعليم العالي (كلية الآداب والعلوم الانسانية، جامعة عبد المالك السعدي تطوان) مقررا.
د. محمد أوالسو: أستاذ التعليم العالي (كلية الشريعة، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس) مقررا.
د. الحسان شهيد: أستاذ محاضر مؤهل (كلية أصول الدين، جامعة عبد المالك السعدي تطوان) مقررا.
تاريخ المناقشة: 17 جمادى الآخرة 1447ه / 08 دجنبر 2025م.
الملخص
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد أشرف المخلوقين، وعلى آله وصحابته إلى يوم الدين، وبعد:
لا يخفى أن العلوم الدينية بمختلَف وظائفها ومناهجها تتحد في الغاية والقصد، فهي تهدف إلى توصيف الدين وتوجيه التدين، ولما كان اتحادها من هذه الجهة مُحَقَّقًا؛ كان لا بد من وجود علاقة بينها، أحد طرفيها: الأثرُ أو الاستمداد؛ -بحيث يستمد كل علم بعض مبادئه من العلم الذي هو أعلى منه-، والطرفِ الثاني: الامتدادُ أو التأثير؛ إذ تَأخذ هذه المبادئُ أو المقدمات المستسلفة -بتعبير القرافي- وضعًا مغايرًا في العلم الفرعي الذي استعملت فيه، لكنها تبقى حاملةً بعضَ خصائص أصلِها، فتحدث تأثيرا في تشكل وتطور وتجدد العلم الذي استعملت فيه.
وقد اتفق المحققون على أن العلم الأعلى من العلوم الدينية هو علم الكلام، وإليه ترجع باقي العلوم، ومنه تستمد مبادئَها، فهو العلم الكلي، وما دونه علومٌ جزئية.
ولما كان علمُ المقاصد من جملة العلوم الجزئية، اقتضى ذلك –بحكم المنهج وضرورة التصنيف– رجوعَه إلى علم الكلام، بوصفه أصلًا ناظمًا، ومصدرًا مُؤسِّسًا، يستمدّ منه معالمَه الكبرى وقواعده الكلية، وتمتدّ آثاره في مختلَفِ قضاياه ومسائلِه. وعلى هذا الأساس، توطدت بين العِلْمَيْن علاقةٌ محكومة بثنائيةٍ دقيقة، هي: الاستمداد والامتداد؛ استمدادٌ يستمدّ به علم المقاصد أصوله التصوريةَ من الكلام، وامتدادٌ يَسرِي بمقتضاه التأثير الكلامي في بنية الفكر المقاصدي وتطبيقاته.
وانطلاقًا من هذه الثنائية المنهجية، جاء هذا البحث مقسما إلى قسمين متكاملين: أحدهما نظري، عُني باستكشاف الجذور الفكرية للعلاقة بين علم الكلام وعلم المقاصد. والآخر تطبيقي ، وُجِّه إلى دراسة الأبعاد الإجرائية لهذا التداخل.
غير أنه لما كان الوفاءُ بحق هذا العموم صعبَ الحصول والتحقق، اقتضى المقام تقييد موضوع البحث بأهم القضايا التي يقوم عليها علم المقاصد، وهي خمسة؛ ثنتان منها لها تعلق بالجانب النظري، والثلاثة الباقية اختص بها الجانب التطبيقي العملي؛
فالأُولَيَان: هما التحسينُ والتقبيحُ، والتعليلُ. وأما الثلاثُ الأُخَر: فالمصالحُ والمفاسدُ، والضرورياتُ الخمسُ، والقواعدُ المقاصديةُ؛ وبحيث تعد هذه القضايا الخمسُ عِمادَ علم المقاصد وسِرَّ انتظام عِقْده البديع، وعليها يدور بناؤه النظريّ والتطبيقيّ اتخذ البحث منها موضوعا له.
وقد انبنى الإشكال الجامع لهذا البحث على مسلمة علمية تجعل من علم الكلام رأس العلوم الدينية ومرجعها، فهو العلم الكلي، وما دونه علومٌ جزئية تستمد مبادئَها منه، ولئن كانت هذه العلوم الجزئيةُ راجعةً إلى علم الكلام ومستندةً إليه في كثير من مبادئها وقضاياها ، فإن بعضا منها -مع ما فيها من مظاهر الإحكام والإتقان-، لا تتسق مع أصولها الكلية -العائدة إلى علم الكلام-. ولعل في علاقة علم المقاصد بأصوله الكلامية الصورةَ الأجلى لهذا الإشكال.
فهذا العلم الذي يتأسس بنيانه على رعاية مصالح العباد، ودرء المفاسد عنهم، وتحقيق سعادتهم في الدارين، يثير سؤالًا عن هذه المصالح؛ هل هي مقصودة ومراعاة من قبل الشارع؟ أم أنه لم يتعلق بها قصد ولا غرض؟ وهو سؤال لا يقف عند حدود المقاصد، بل تمتدّ جذوره إلى أصول علم الكلام، ويتّصل اتصالًا وثيقًا بمبحث أفعال الله تعالى: أهي معلّلة بالحِكَم والمصالح، أم منزّهة عن العلل والأغراض؟
وهي قضية تسبق في الاعتبار القول بالمقاصد وتشكل أسسه المنطقية، لأن القول بالتعليل قول بالمقاصد، كما أن نفيه نفي لها، فهذه العلاقة الطردية العكسية إذن هي ما يجعل من التساؤل عن الأسس الكلامية لعلم المقاصد، وعن مدى تأثير هذه الأسس في القضايا المقاصدية، وعن مظاهر امتدادها في الفكر المقاصدي -عموما- موضوعَ هذا البحث.
ولما كان القول بالتعليل قولا بالمقاصد وكان نفيه نفيا لها؛
فكيف استقام لنفاة التعليل القولُ بالمقاصد؟
هل التعليل الكلامي يختلف عن التعليل المقاصدي؟ وهل هناك فروق بينهما؟
ثم ما هي تجليات الأثر الكلامي في الفكر المقاصدي؟
وما هي أهم الجوانب المقاصدية التي أثر علم الكلام فيها؟
وما أوجه تأثر قضايا: المصالح والمفاسد والضروريات الخمس والقواعد المقاصدية بالأصول الكلامية؟
ومن المفترض أن تسفر معالجة البحث لهذه الإشكالات والتساؤلات عن تحقيق مجموعة من الأهداف ترجع في عمومها إلى ثلاثة:
أولها: إبراز التكامل بين علم المقاصد وعلم الكلام.
وثانيها: الإسهام في البناء العلمي لمقاصد الشريعة.
وثالثها: النظر في دعوى تأثر المقاصد بالكلام؛ بإفراد بعض قضايا هذا العلم بالدراسة والتحليل لاستجلاء طبيعة هذا الأثر.
ومما يبعث على البحث في هذا الموضوع جدَّتُه، إذ الحال أن البحوث والدراسات التي اتجهت إلى النظر في المقاصد، ركزت في معظمها على الشروح النظرية والتناول التجزيئي لبعض قضايا هذا العلم، فقلما كان الاهتمام بالبحث في الجانب العلائقي لهذا العلم وربطه بأصوله الكلامية مع ما يتطلب ذلك من إفراد أجزائه بالدراسة في ضوء هذه الأصول.
وإذا كانت معظم الدراسات التي عُنيت بالموضوع -على قلتها- قد لامست جانبه النظري على استحياء، فإنها لم تحط بالموضوع في جانبه الإجرائي العملي، فهذا أحمد الطيب في كتابه (حديث في العلل والمقاصد) الذي خصص فصله الثاني للحديث عن مدى ارتباط نظرية المقاصد بالأصول الكلامية عند الإمام الشاطبي -بعدما صال وجال بين مذاهب المتكلمين في مسألتي التحسين والتقبيح والتعليل، وعرض موقف الشاطبي منهما وتوصل إلى أنهما يشكلان الخلفية الكلامية لنظرية المقاصد- يعترف في آخر فقرة في الكتاب بعجزه عن التوفيق بين الشاطبي المتكلم والشاطبي المقاصدي ويختم كتابه بسؤال “كيف تم له ذلك”؟ وفضلا عن المنحى النظري للكتاب وبُعْده عن الجانب الاجرائي العملي فإنه لم يكن كافيا لاستجلاء طبيعة الأثر الكلامي في الفكر المقاصدي وامتداده في مختلف قضاياه، لكنه قدم رؤية مؤسسة للبحث في الموضوع بوضع تصورات عامة وأفكار هامة استفاد منها هذا البحث.
وإلى نفس النتيجة انتهت نورة بوحناش في أطروحتها المعنونة بـ: (مقاصد الشريعة عند الشاطبي وتأصيل الأخلاق في الفكر العربي الإسلامي) -وهي مطبوعة-، حيث وقفت حائرة أمام التوفيق بين الشاطبي المتكلم والشاطبي الأصولي المقاصدي، ولأنها سلكت نفس المسلكِ الذي سلكه أحمدُ الطيب، لبحث موقف الشاطبي من مسألتي التحسين والتقبيح، والتعليل، وعلاقة ذلك بعلم المقاصد، فقد انتهت إلى ما انتهى إليه، وكلا الكتابين مفيدٌ في التأسيس للبحث في موضوع الأثر الكلامي في الفكر المقاصدي.
وقد استدعت طبيعة البحث بعد جمع مادته، توظيفَ أربعةِ مناهج، وهي:
المنهجُ الوصفي، والمنهجُ الاستقرائي، والمنهجُ التحليلي، والمنهجُ المقارِن، وقد كان لهذه المناهج أثر بالغ في الوصول إلى نتائج مثمرة، والخروج بخلاصات واستنتاجات نافعة، ساعدت في بيان تجليات الاستمداد ومظاهر الامتداد بين علم المقاصد وعلم الكلام.
وقد انتظمت بنية هذا البحث بعد المقدمة في بابين اثنين وخاتمة؛
الباب الأول: جرى فيه الحديث عن علاقة علم الكلام بعلم المقاصد، وذلك انطلاقا من مقدمات وممهدات تجلي معالم البحث وتوضح مصادره ومفاهيمه وقضاياه، كما يرصد الحدود الكبرى للعلاقة بين علم المقاصد وعلم الكلام، مع ابرازه جوانبَ مضيئةً من الفكر المقاصدي عند المتكلمين.
الباب الثاني: يتتبع الامتداد الكلامي في الفكر المقاصدي، بالوقوف على البناء المقاصدي للمصلحة مفهوما واستدلالا وتقسيما، وباستقصاء الأثر الكلامي في الضروريات الخمس؛ من حيث المفهومُ والتنزيل.
هذا بالإضافة إلى استدعائه القواعد المقاصدية للمدارسة من حيث بيان مفهومها وخصائصها، وأهم الروابط والقواسم التي تجمع بين هذه القواعد وأصولها الكلامية.
وقد تضمن البحث خاتمة استخلص فيها أهم ما توصل إليه من نتائج وتوصيات.
وفيما يلي أهم الخلاصات والتوصيات التي توصل إليها البحث.
أولا: خلاصات البحث
بناء على ما سبق بيانه وتقريره في هذا البحث، فإن الأثر الكلامي في الفكر المقاصدي يتجلى في القضايا الخمس السالف ذكرها:
1ـ في الجانب النظري: خلص البحث إلى أن الفكر المقاصدي يتأسس على أصول كلامية، ويستمد مشروعيته من تقرير مقدمات كلامية مسلمة؛
ـ فقضية التحسين والتقبيح العقليين لها ارتباط وثيق بالمصالح والمفاسد التي تعد ذروةَ سَنام علم المقاصد وأهمَّ ركن فيه، وقد كان قصب السبق في تقرير ذلك للمتكلمين من المعتزلة والأشاعرة الذين، وضعوا الأسس الفكرية لعلم المقاصد بمناظراتهم وسجالاتهم في نظريات؛ الحسنِ والقبحِ، واللطفِ الإلهي، والصلاحِ، والأصلح.
ـ أما قضية التعليل فترتقي لأن تكون الخلفية الكلامية والركنَ الشديد الذي يأوي فكرة المقاصد، بحيث يتوقف القول بالمقاصد على إثبات التعليل، وبنفيه تنهدم فكرةُ المقاصد أو تصبح في أحسن أحوالها بدون أصل، ومن لا أصل له لا وجود له، فإثبات التعليل، من المسلمات التي يقوم عليها علم المقاصد، وهو مستمد من القواعد الكلامية المتعلقة بالتعليل.
2ـ في الجانب الإجرائي التفعيلي: توصل البحث إلى مجموعة من الاستنتاجات والخلاصات تفيد إجمالا تداخل الكلام والمقاصد في القضايا الكلية المذكورة أعلاه، وفي قضايا جزئية تندرج تحتها، نشير في هذا التقرير الموجز إلى أبرزها:
المصالح: انتهى البحث إلى أن المصالحَ ترتبط بعلم الكلام وترجع إليه في كثير من تفاصيلها؛ فمفهوم المصالح والمفاسد لا ينفك عن أصله الكلامي المتمثل في الحسن والقبح؛ والأمر نفسه ينطبق على طرق ومسالك الاستدلال على المصالح، بحيث ترجع بالأساس، إلى الطرق الاعتقادية الكلامية، وهي طرق تكمل الطريق الاستقرائي، وقد تغني عنه.
كما أن مستندات تقسيم المصالح إلى ضرورية وحاجية وتحسينية راجعةٌ إلى علم الكلام؛ بمقتضى الفطرة التي تتضمن بداهةَ مبدأِ العلية وانتقاشَه على صفحات العقل والوجدان.
الضروريات الخمس: تأكد للبحث أن امتداد الأثر الكلامي في المصالح الضرورية يستغرق أقسامها الخمسة؛ الدينَ والنفسَ والعقلَ والنسل والمالَ، وهذا الأثر تمثل في مفهوم بعضها الذي يحمل سمات وخصائصَ كلاميةً، وفي قضايا جزئية ترتبط بها، رأى البحث أنها جديرةٌ بالدراسة فأورد بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر، وهي: الإيمان، وحرية الاعتقاد، وحد الردة، والتحكم في جنس الجنين، والتكليف بما لا يطاق.
القواعد المقاصدية: تبين للبحث أن القواعدَ المقاصديةَ لا تنفك عن أصولها الكلامية، فهي مبنية عليها ومستمدة منها، وليس من شك في أن هذا الاستمداد يستصحب معه لزوما متعلقاته الكلاميةَ إلى علم المقاصد.
ثانيا: أهم التوصيات
1- ضرورة توجيه البحوث العلمية والدراسات الأكاديمية إلى البحث في جوانب التداخل العلمي والتكامل المعرفي بين العلوم الإسلامية فيما بينها، وفيما بينها وبين غيرها من العلوم الأخرى، وهذا من شأنه أن يسهم في تفعيل دور العلوم الإسلامية في نهضة الأمة وحضارتها.
2- استحضار الجانب الكلامي العقدي في الدراسات العلمية الشرعية، وإرجاعها إلى ما كانت عليه من تكامل في عهدها الأول، لأن هذا العلم رئيس العلوم، ومنه تستمد مبادؤها، وبالتالي فإن فصل الجسد عن الرأس بمثابة إعدام لهذه العلوم، ولذلك فإن إحياءها منوط بإرجاعها إلى العلم الكلي وربطها به.
3- العمل على تكثيف البحوث في علم المقاصد وربطه بغيره من العلوم الأخرى، لأنه علم يؤسس لفكر مقاصدي ممتد في جميع العلوم الإسلامية، وبناء عليه يجب تقصيد هذه العلوم (أي العناية بالبعد المقاصدي لها) قصد إظهار جوانب جماليَّاتِها ومحاسِنِها.
وفي الختام آمل أن تؤدي هذه الرسالة بعض ما سعت إليه من أهداف، وأن تكون إضافة مفيدة في البحوث العلمية المتعلقة بالفكر المقاصدي.
والحمد لله رب العالمين.
زر الذهاب إلى الأعلى