أهداف التربية الفكرية في سياق النهوض الحضاري الإسلامي
عبد السلام محمد الأحمر
ملخص مقدمة يسعى البحث إلى تبين أهمية التربية الفكرية، وتحديد أهدافها في إعداد الفرد والأمة، الصالحين والمقتدرين على الإسهام في تحقيق نهضة حضارية شاملة، وفي هذا الاتجاه تم استحضار أساسية العمل الفكري، في الاضطلاع بجميع التكاليف والمهام، وخاصة المندرجة منها في سياق النهوض الحضاري. ويروم البحث بيان أهمية التوجه الاستخلافي، في توجيه التربية الفكرية، لرفع التحديات المعاصرة المواجهة للأمة أفرادا ومجتمعات، والتي تكبل الإمكانات وتشل الطاقات، وذلك باستهداف إكساب القدرة على تحمل المسؤولية، والعمل على ترسيخ قيمها المعبئة للنفس في اتجاه الإبداع الفكري والإنجاز الحضاري، والإسهام في معافاة الأمة من حالات الارتخاء والتواكل وضياع الأمانة، وغيرها من المعيقات النفسية والسلوكية. وإذا كان إعداد المناهج التربوية الفعالة، يتوقف أساسا على مدى استنادها لفلسفة تربوية محكمة، قادرة على تأطير جميع المضامين والقيم والأنشطة التعلمية، فإن ذلك أولى بالاعتماد والاعتبار في التربية الفكرية، لاسيما إذا كان من أهدافها الأساسية إعداد جيل النهضة الحضارية الرشيدة. ومن أهم المراجع التي أمكن الاستفادة منها على نحو معين أذكر ما يلي: 1ـ كتاب المنهج التربوي وتعليم التفكير لمجدي عزيز إبراهيم، الذي أكد كون المسؤولية التي تميز الإنسان عن باقي الكائنات، تفرض عليه ممارسة التفكير وتعلمه، للقيام بمهامه في الحياة، سيما في عصر العولمة وتحدياته المتزايدة، وتوسع في استعراض مناهج تعليم التفكير، والتي تعتمد في مجملها التدريب على مواجهة وضعيات مشكلة مختلفة، والعمل على حلها.2ـ كتاب تفكير بلا حدود رؤى تربوية معاصرة في تعليم التفكير وتعلمه، لصلاح الدين عرفة محمود، وقد انطلق من استعراض ما توصل إليه العلم حول بنية الدماغ، وعلاقته بالعقل والذاكرة والنفس، والرؤى الإدراكية للتفكير وعمليات التفكير، من فهم واستيعاب واستقصاء وقرار.. وحدد أنماط التفكير، منها العلمي والاستدلالي، والاستقرائي والنقدي وغير ذلك. 3ـ كتاب تربية المستقبل، المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل، تأليف إدغار موران، Edgar Morin، وهو كتاب نفيس، خضع مضمونه لمراجعة كبار المفكرين والجامعيين من دول عديدة، لكونه يرسم المعالم الكبرى لمشروع تربية عالمية. جاء في فصل توضيح مبادئ المعرفة الملائمة، “يجب إصلاح الفكر لكي نتمكن من مفصلة وتنظيم المعارف، وبالتالي تمثل مشاكل العالم ومعرفتها بشكل أفضل. والحال أن مثل هذا الإصلاح، يجب أن يكون منظوماتيا وليس برنامجيا. وهذه هي قضية التربية الأولى، لأنها تتعلق بقدرتنا على تنظيم المعارف، وبالفعل، توجد هوة عميقة بين معارفنا المجزأة والمقطعة، والوقائع أو المشاكل التي أصبحت متعددة التخصصات وعرضانية، ومتعددة الأبعاد وشمولية وكوكبية أكثر من أي وقت مضى”. فهو على امتداد الكتاب يؤكد ضرورة اعتماد تصور شمولي لقضايا البشرية، يهيمن على مختلف التفاصيل والجزئيات، ويعين على اشتغال الفكر عليها، من منظور كلي واضح، بعيدا عن حال التشظي والشتات. 4ـ كتاب أزمة العقل المسلم، لعبد الحميد أحمد أبو سليمان، مضامينه عميقة ومفيدة، وفي صميم موضوع البحث، ويقدم منهجية عامة للتفكير الإسلامي، القادر على فهم واستيعاب قضايا الدين والحياة، يقول: “تتميز المنهجية الإسلامية، ومن ورائها الفكر الإسلامي، بأن لها منطلقات أساسية، لا يمكن دون فهمها التعامل معها، أو العمل السليم البناء من خلالها، هذه المنطلقات تمثل الركائز والفرضيات الأساسية، التي تضيئ الطريق أمام العقل المسلم، في حركته الفكرية الإبداعية نحو فهم ماهية الحياة والأحياء والكائنات، والتعامل معها وإدارة شؤونها وتوجيه مسيرتها. هذه المنطلقات الأساسية هي منطلق الوحدانية، والاستخلاف، والمسؤولية، وهذه المنطلقات الثلاثة تشكل الخطوط الأساسية للعقل المسلم، وأي خارطة لا تنطلق من هذه المنطلقات لا تجد في الضمير المسلم والإرادة المسلمة طاقة للحركة ولا مبررا للإنجاز”. 5ـ كتابي جولات تفكر في مسؤولية الفكر، أبرزت فيه أساسية الفكر، ومسؤولياته الاستخلافية المختلفة، بدءا من معرفة الله وعبادته، إلى ممارسة التفكير الرصين الموصل إلى طريق الحق والرشاد، وإشاعة الفضيلة والأمن والسلام ونشر الرخاء في أرجاء الأرض. وبعد بيان مستفيض لطبيعة المسؤولية الفكرية، استعرضت أهم علل الفكر البشري وهي: الهوى والوهم والتحيز، والذاتية المذمومة والتجزيئية والسطحية.. إن التربية الفكرية الإسلامية، كما تستهدف بناء الإنسان العارف بنفسه وبربه، وبمهمته الأساسية على وجه الأرض، فإنه يمكن توجيهها كذلك إلى تحقيق الإنجاز الحضاري المنشود، ممارسة للاستخلاف الكامل عن الله في الأرض، وقياما بمختلف أعبائه ومسؤولياته، وسنتجه في تفصيل ذلك إلى بيان أساسية التربية الفكرية، في استهداف بناء الفرد المساهم بكفاءة وفعالية، في جهود النهوض الحضاري للأمة. وكذلك في استهداف بناء المجتمع القادر على تحقيق النهضة الحضارية الإسلامية الشاملة. وسيكون مرتكز ذلك في نظرنا، هو صياغة رؤية فكرية استخلافية، مهيمنة على جميع المناشط، في الإعلام والسياسة والثقافة والتنمية، وغيرها من مجالات الإنجاز الحضاري المنشود عامة، وفي مجال التربية خاصة والتربية الفكرية بشكل أخص. أولا: التربية الفكرية والنهوض الحضاري 1) مفهوم التربية الفكرية في سياق النهوض الحضاري 1ـ ماهية الفكر يعد الفكر أهم أفعال الإنسان، بل هو أساسها المتين كلها، لأن عنه تتولد جميع التصورات والأعمال والأخلاق والمواقف، فتستقيم باستقامته وتعوج باعوجاجه، فالفكر بمثابة الرحم الذي تتخلق فيه القرارات، وتنبثق منه الإرادات، وتحسم التوجهات الكبرى، وهو محضن المعتقدات الأساسية، ومن هذا المنطلق فإن ما يصنعه المرء من خير أو شر، من رشد أو ضلال، من صلاح في الأرض أو فساد فيها، وما يبدعه بعقله من إنتاجات معرفية، ومبتكرات ومنشآت عمرانية، ما هو إلا الثمار اليانعة لنهج فكري مترسخ – في العادة – بأعماق النفس الإنسانية[1]. ولما اقتضت حكمة الله استخلاف الإنسان في الأرض، فإنه تعالى أهله لذلك بأن زوده بالقدرة على التعلم، وتحصيل ما يلزم من المعارف والعلوم التيسيرية، لفهم المهام الاستخلافية التي أنيطت بالجنس البشري، وإدراك أبعادها التصورية والتزاماتها العملية، وتحصيل العلوم التسخيرية، للاضطلاع بمجمل المسؤوليات العمرانية. وهكذا تبوأ العقل باعتباره فعل القلب وأداة التفكير، واتخاذ القرارات وإنشاء الإرادات، مكانة رفيعة في حياة الإنسان دنيا وأخرى، فردا وجماعة، وغدا تعليم التفكير النافع، وتحصينه ضد الأوهام وسيطرة الأهواء، من أعظم غايات وأهداف التربية والتعليم، والتنشئة الاجتماعية السليمة، “وأما (التفكر) فهو قدرة تشير إلى استعمال المهارات العقلية كلها للوصول إلى الحقيقة. ولقد تكررت الإشارة إلى (التفكر) في تسعة عشر موضعا في القرآن الكريم”[2]. والقدرات الفكرية القلبية التي يشير إليها القرآن هي: العقل، التأويل، التدبر، الفقه، التفكر، التذكر، النظر، الشهود، الإبصار، الحكمة[3]. والتفكير بمعناه الواسع والشامل يعني: “البحث عن المعنى من خلال الخبرة أو الموقف، وقد يكون المعنى واضحا جليا، وقد يكون غامضا يتطلب الوصول إليه تأمل وإمعان في مكونات الموقف أو الخبرة التي يمر بها الفرد[4]. وفي هذا دليل على كون الفكر مسؤولية ذاتية، واجتهاد شخصي، قبل أن يصير عملا جماعيا، ويختلف الناس في طريقته ونتائجه، وفي درجات الصواب والخطأ عند ممارسته. 2ـ التربية الفكرية وحاجتها إلى توجه فكري تحتاج التربية الفكرية لبلوغ الأهداف المتوخاة منها، إلى تأسيسها على توجه فكري عام، يضمن اندراج الأفكار في نسق واحد، يحدد معالمها الكبرى، ويتجه بها إلى تحقيق ما يعلق عليها من آمال وطموحات، ونتائج تربوية وإنجازات حضارية، منسجمة إلى أبعد حد مع ذلك التوجه المرسوم مسبقا. وهكذا يمكن الحديث عن التوجه الفكري، للديانات والمذاهب الفلسفية والاجتماعية ومختلف الثقافات، فالعلمانية مثلا فكر معلوم، ولها توجهها الفكري المهيمن عليها، والمتحكم في الأفكار المنتجة في إطارها، بحيث تكون كلها ترجمة أمينة للتوجه العام المميز لها عن غيرها من الاتجاهات والأفكار. ولكل فكر من حيث هو منظومة أفكار متماسكة مع بعضها، منهجه الخاص، الذي ينتظمه ويؤلف بين مكوناته، ويرسم توجهه، ويحدد تصوراته لقضايا الحياة جزئيا أو كليا. ومن هنا تتميز الأنماط الفكرية بحسب منهجها، الذي يحدد طبيعة كل نمط على حدة، ونسميه تبعا للتوجه المنهجي الغالب عليه، من ذلك: الفكر الديني، الفكر المادي، الفكر السياسي، الفكر الفلسفي، الفكر الميتافيزيقي، الفكر العلمي.. ويبدو هذا واضحا أكثر في الفكر الجماعي، الذي تساهم في وضع ملامحه عدة عوامل، منها الإرث التاريخي، والديانة السائدة، والتراث الثقافي، والعادات والأعراف الجارية، فكل ذلك يصنع للجماعة فكرها المتميز، ويمارس تأثيرا قويا على عقلية الأفراد ونمط تفكيرهم. فعرب الجاهلية مثلا، لم يكونوا يقبلون بسهولة بأن عبادتهم للأصنام منافية لمنطق العقل والفطرة، ولنظام الكون الموحد وسننه المطردة، بل إن طائفة عريضة منهم، أصرت على شركها وانحراف فكرها واعتقادها، حتى بعد أن جاءهم رسول الله e هاديا ومرشدا إلى التوحيد، ونبذ معبودات الأجداد الخرافية. وكذلك كانت من قبل ومن بعد جميع الأمم، يسلك فكرها نهجا معينا، فيصبح منطقها الخاص الذي تنظر من خلاله إلى قضايا الحياة. وإذا تأملنا خصائص الفكر الذي ترعرع في رحاب العقيدة الإسلامية، نجد أن “أثر الدين كأحد المعطيات الحضارية، لا يقتصر على وحدة التفكير واتجاهه بل يتعدى إلى نوع المصطلحات، التي يفرضها على الناس، ودلالة تلك المصطلحات في البيئة الإسلامية، يفترض أن يكون لمصطلحات من مثل: الخلافة، البيعة، الشورى، الجهاد، البركة، الفقراء… الزكاة، وغيرها، كبير أثر في تركيبة وتكوين عقلية الأفراد”[5] . فعمل القلب الفكري، يتفاعل إلى حد كبير مع جميع معطيات البيئة المحيطة، ومكوناتها الثقافية المختلفة، ويتلون بلون العوامل والمؤثرات الفاعلة فيها، كما يتأثر بحال الجسم ومتغيراته الوراثية والمكتسبة[6]. ويتشكل من كل ذلك توجه فكري بارز هو ما يكون له التأثير الحاسم على عملية التفكير. 3ـ التوجه الفكري والبناء الحضاري ما من شك أن الأمة الإسلامية في حاجة ماسة لتربية فكرية نهضوية، تنتشلها من وهدة التخلف المزمن، الذي ظل جاثما عليها خلال القرون الثلاثة الماضية، ولازم حاضرها ويهدد مستقبلها، وكانت بداية الانحطاط، قد تزامنت مع عرقلة لحركة الفكر، ووضع للحواجز أمام انطلاقه، وتفاعله مع الواقع تقويما وإصلاحا، حيث أعلن إغلاق باب الاجتهاد، واعتبر تفسير القرآن نذير شؤم في بعض البلدان الإسلامية، وصارت الأهواء والأوهام، محكمة في فهم الدين وممارسته، وتدريس تعاليمه ومتونه. وبعد الخضوع لقبضة الاستعمار طيلة عقود، والانتقال في مرحلة تالية إلى الاستقلال المنقوص، وتم رفض حكم المستعمر المباشر ابتداء، وقبول الاندماج في فكره لاحقا، مما كرس استمرار الغزو الفكري لأعماق النفوس، عندما تصورت النخبة المثقفة المنبهرة بالفكر الغربي المسيطر، وبالحضارة المادية المتفوقة الناشئة في أحضانه، بأن التوجه الفكري الحضاري الغربي بات جاهزا لاستنساخ تجربته، والسير على نهجها في السياسة والتربية والثقافة، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع الاحتفاظ بالدين معزولا في دائرة الاعتقاد، والعبادات وقانون الأحوال الشخصية. وهو ما ساهم في انحسار الفكر الإسلامي واستشراء علله وانحرافاته، وتراجعاته المشهودة عن الالتحام بالحياة. وهكذا توالت عقود أخرى استمرت إلى اليوم، ساد فيها استلهام مفكرينا، وأولي الحل والعقد فينا، لتوجهات الفكر الغربي في الحياة العامة باندفاع وحماس، وحصل ذلك بعيدا عن إدراك روح هذا الفكر، التي جعلته عمليا معبئا لطاقات النفس، في طريق الإبداع والإنتاج، وحشد أسباب القوة والغلبة، مثل تحرير العقل الغربي من أغلال الفكر الكهنوتي المتهافت، وإقرار الحرية الإنسانية، وإعلاء شأن المسؤولية الذاتية والجماعية وجعلها أساسا للنهضة الشاملة. ويرى مالك بن نبي وقوع الصفوة المسلمة المعاصرة التي تربت في أحضان الجامعات الأوروبية، في خلط بين صدق الفكرة وفعاليتها. بمعنى يمكن أن تكون الفكرة خاطئة كليا أو غالبا وتكون لها فاعلية مبهرة في الواقع الحضاري، حيث يلوح قادة الصراع الحضاري “أمام أنظار شبابنا الجامعي بما يسلب الفكرة الإسلامية قيمتها التاريخية، مستندين إلى موضوع الدخل السنوي المتوسط للفرد، وهو موضوع أصبح من أقوى حجج منطق الفعالية المستخدم اليوم في الدراسات، للقضاء على صدق الفكرة الإسلامية في عقل الجامعي المسلم”[7]. فأضحي طبيعيا كون الدول المستعمَرة، لم تستطع تحقيق ما كانت تطمح إليه من نهضة حضارية، تحقق لها الاعتماد على ذاتها، وتحرير فكرها وقرارها من التبعية غير المتبصرة للغرب. 2) التربية الفكرية وعطاءات التوجه الاستخلافي استنادا لما تم توضيحه من ضرورة تحديد توجه فكري، يمثل روح منهاج التربية الفكرية في سياق النهوض الحضاري، فإنني أقترح أن يكون هو التوجه الاستخلافي مبينا الأسس التي يقوم عليها هذا الاختيار. 1ـ موقع الفكر في تكوين الإرادة واتخاذ القرار الاستخلاف هو تكليف الإنسان في الأرض، على أساس ما أعطي من حرية الاختيار وتحمل مسؤولية إراداته وقراراته وبالتالي أعماله، “ومن حرية الاختيار تتطور أعظم عادة للإنسان ذي الفاعلية وهي عادة المبادرة المقصودة. Proactivity ومعناها أننا كنوع إنساني مسؤولون عن حياتنا، وسلوكنا هو نتيجة قراراتنا الواعية المقصودة وليس انعكاسا شرطيا، وأننا نستطيع إخضاع مشاعرنا لقيمنا، وأننا نملك المبادرة والمسؤولية عن جعل الأمور في الاتجاه الذي تعمل فيه”[8]. فهذه الممارسات كلها، تتوقف على طريقة استعمال ما منح الله للإنسان من الطاقة الفكرية، التي بها يتمكن من تدبير وإدارة أموره الخاصة والعامة، وعند اختلالها وزوالها يسقط عنه التكليف تماما. فاشتغال الفكر في التقرير والاختيار، يسبق تكوين الإرادات ويتابع تنفيذها، ويستثمر نتائجها، “ويرى العديد من المربين والمتخصصين، عملية اتخاذ القرارات هي النقطة المحورية، التي يجب أن تعطى اهتماما أكبر في العملية التربوية. ويقصد باتخاذ القرار اختيار بين بدائل مختلفة.. والقرار هنا عملية عقلية أساسا، ويتطلب قدرا كبيرا من التصور والمبادأة والإبداع، ويتم اتخاذ القرار من خلال مراحل مختلفة، واستنادا لمعلومات متشابكة من مصادر مختلفة.”[9]. فإعمال النيات وتكوين الإرادات، هي الفعل البشري الخالص، الذي أوكله الله للإنسان واستخلفه عليه ليختار ما شاء من الاتجاهات والعزمات، والتي يصير مسؤولا عن تطوراتها إلى مشاعر ومواقف وأعمال، ييسرها الله على حسب القصد المنشئ لها، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: 18، 19]. ولا تتصور منفعة أو خير في واقع الناس، إلا ويكون مشروطا بإرادة راسخة، مشفوعة ببذل مجهود فكري كبير فردي أو جماعي، في زمن محدد أو تراكما عبر أزمنة متتالية، وهذا شأن كل الخبرات البشرية والاختراعات التقنية والعلوم التجريبية والمعارف المختلفة، والحضارات المتوالية، فهي نتاج تفكير بشري متواصل من جيل إلى الذي يليه. 2ـ دور الفكر في تحصين النفس ضد الأخطاء وتقويم النهج تعتبر مسؤولية الإنسان في الأرض، وما يترتب عليها من حساب بين يدي الله تعالى يوم القيامة، وما ينتج عنه من جزاء بالنعيم أو الجحيم، أقوى حافز لبني آدم على ممارسة التفكير بوعي ويقظة ومسؤولية، والعمل على ترشيده وتصحيحه ومراجعة مسلماته واستنتاجاته، وتعريضها حينا بعد حين للنقد والتقويم والتصحيح، والسعي من أجل ذلك لتحصيل المعارف الضرورية والعلوم النافعة، ومداومة النظر وتعميق البحث عن الأدلة اللازمة لإصدار الأحكام الصائبة، وبناء المعتقدات والقناعات والمواقف الرصينة. فالعقل مناط التكليف والحفاظ عليه من الضروريات الخمس، والمسلم مطالب دوما بحسن استعماله في ممارسة التفكير السديد، وصونه عما يفسده ويعطل قدراته على إنجاز العمليات الفكرية السليمة، وتمييز الاختيارات الصحيحة الموصلة للحق والصلاح والفضيلة، والاحتراز من خداع الأباطيل والمغالطات والأوهام، “والعقل المسلم من منطلق الخلافة هو صاحب الشأن والكلمة في الكون، ومطالب بالسعي والإبداع والإعمار، وبالعلم والإعمار والتسخير يحقق الإنسان مهمته في هذه الأرض ويبلغ غايته”[10]. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]، فهذه الآيات ومثيلاتها دعوة للعقل لممارسة النقد العلمي للأفكار، في إطار النزاهة وشهادة القسط، واجتناب المحاباة في الحق، سواء داخل دائرة الإسلام نفسه أو خارجها، “ومن أساسيات التفكير الناقد أن يتوافر للفرد بعض القدرات ومنها، القدرة على المناقشة وتقليب الآراء وتقويمها، والقدرة على الاستنباط وفهم العلاقات، والقدرة على الاستنتاج والتمييز بين الاحتمالات الصحيحة والخطأ، ثم القدرة على التفسير واستخلاص الأحكام العامة”[11]. ويتعين على الناقد، التزام الحذر الشديد من التفكير الخاطئ، الذي يتشكل في أعماق القلب ذاته، أو الذي يستثار حول مواد في الخارج. يقول إدغار موران Edgar Morin: “إن أنظمتنا الفكرية (نظريات، مذاهب، إيديولوجيات) ليست فقط معرضة للوقوع في الخطأ ولكنها تقوم، أكثر من ذلك، بحماية أخطائها وأوهامها. بعبارة أخرى إن المنطق الداخلي لكل نسق من الأفكار، يكمن في مقاومة كل ما لا يتلاءم معه، أو لا يمكن دمجه بداخله.. أما المذاهب والنظريات المنغلقة على نفسها والمشدودة إلى حقائق مطلقة، فإنها تبقى منيعة على كل نقد”[12]. فالمنظومة الفكرية التي تقوم على أساسها كل الممارسات التنموية والاستخلافية بصورة عامة، فتصلح أو تفسد تبعا لها، يعد إصلاحها والعناية بصحتها وسلامة نهجها من الأهواء والأوهام، أصل كل المسؤوليات وأساس جميع الأمانات والتكليفات الملزمة شرعا وعقلا. 3ـ ضمان التعبئة المستمرة للنفس للإسهام الفعال في التنمية عندما نستعرض نصوص الوحي كتابا وسنة، نعثر فيها على إشارات، آمرة بإيلاء المطالب الدنياوية ما يتناسب وأهميتها في واقع الأرض[13]، والذي بدون الحدود الدنيا للتنمية الاقتصادية، لن تستمر الحياة ولن يبقى للإنسان فيها وجود يذكر، أو يلحقه عناء شديد يعيقه عن الممارسة الطبيعية للدين، اعتقادا وعبادة ومعاملات. ويضطلع الفكر بإبداع وسائل التنمية وخططها، وتطويرها ورعايتها على الدوام، ويكون دور الوحي منحصرا في عرض الأساس الإيماني، الذي يجعل التنمية ممارسة استخلافية، مهتدية بتوجيهات الخالق، ومنضبطة بتعاليم الدين الربانية، ومحققة للعيش الكريم على الأرض، وللنعيم الأبدي في الدار الآخرة. ومن هذا المنطلق فإن أمانة الاستخلاف الإسلامي تقتضي، إلى جانب أداء المفروضات الشرعية العينية والكفائية، أن ينهض المكلف بواجبات استعمار الأرض، وتسخير مواردها المختلفة، لتحقيق التنمية الشاملة. وتحمل مسؤولية النهوض الحضاري الإسلامي، الذي يدرج في نسق تكليفي واحد كل السلوك الإنساني على الأرض، سواء كان عبادة مفروضة أو عملا دنيويا محضا. وبذلك تصير التنمية سلوكا تعبديا مأجورا، تتوفر لها كل مقومات الحيوية والفعالية الإنجازيتين، وتغدو وسيلة لتحقيق هدف العمران المبارك في الأرض، والمحقق لكرامة الإنسان وحريته ومسؤوليته، بعيدا عن منطق الجشع في جمع الثروة والصراع عليها، والسعي إلى الهيمنة والاستغلال، الذي غدا من السمات المقلقة للتنمية العلمانية. والناظر في فقه المعاملات، يدرك مدى حرص الإسلام على حمايتها من زيغ الأهواء، وطغيان المصلحة الفردية على المصلحة الجماعية، أو المصلحة القومية على المصلحة الإنسانية، وهو ما شكل المسوغ الأول للحروب الاستعمارية، ولكل المضايقات والحصارات الاقتصادية، الموجهة ضد دول العالم الثالث[14]. لقد جعل الله التنمية المادية مجالا أيضا للتنمية الإيمانية والأخلاقية، فكل معاملة مالية هي في ذات الوقت معاملة إيمانية وأخلاقية، يمارس المسلم من خلالها مراقبة الله وعبادته، والتوكل عليه وحمده وشكره، ودعاءه واستغفاره، حسب ما تقتضيه أحوال العمل الذي يزاوله، وحسب ما يستشعره من حاجات النفس العارضة في مختلف أطواره ومراحله. ولا شيء يحتاج إلى قيم الإيمان وأخلاقه، كما تحتاج إليه المعاملات بين الناس، في ميادين التجارة والصناعة والفلاحة والخدمات وتبادل المنافع والمصالح، حيث يستبد بالنفس حب المال وطغيان الشهوات، وذلك ما تستبين به قوة الارتباط بين التنمية والتربية الإسلامية، أمام كل ذي فكر نزيه ونظر حصيف[15]. ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: 61]. نخلص مما تقدم إلى أن إقامة العمران خادم لإقامة الدين، وإقامة الدين كذلك خادم للعمران. ثانيا: أهداف التربية الفكرية اللازمة لتشكيل شخصية الفرد والجماعة المسلمين للإسهام الفاعل في جهود النهوض الحضاري للأمة. 1) التوجه الاستخلافي وصياغة منهاج التربية الفكرية تشكو التربية والتعليم في العالم الإسلامي اختلالا كبيرا، بإهمال شروط إعداد البرامج وصياغة الأهداف، انطلاقا مما يسمى “فلسفة تربوية” أو “رؤية عامة تأطيرية” لجميع مكونات المنهاج الدراسي، “ومن فلسفة التربية تتولد الأهداف العامة، وهي تفصيلات أدق لانعكاسات فلسفة التربية في ميادين الحياة العامة التي يراد من التربية الإسهام في بنائها”[16]. وفي هذا الصدد لاحظ عبد الله عبد الدايم بكثير من الاستغراب، أن موضوع فلسفة التربية وأهدافها العامة ومُثلها، تحتل في أيامنا هذه منزلة دنيا بين النشاطات التي تقوم بها التربية، والتي أصبحت تتردى وتتقاعس عن مهمتها الأساسية، مهمة بناء طريق الإنسان ومصير الإنسان، فيقول: “فما قيمة الإنسان إن ربح كل شيء وفقد نفسه؟”[17]. إن محاولة تحديد الأهداف التربوية، دون احترام الخطوات المنهجية الضرورية، واستهداف سعادة الإنسان بملاءمة المنهاج مع طبيعته التكليفية، تفضي لامحالة بالتربية إلى التيه والخبط، والزيغ عن تحقيق الغاية السامية لوجود الإنسان، المتطلع دوما إلى الكرامة والأمن النفسي والاجتماعي، فضلا عن الرخاء المادي والرقي الحضاري، وتؤدي حتما خلال التطبيق إلى تفاقم الأزمات، التي تبرز بجلاء في ظل التطور العمراني الجامح، “ذلك أن تأليه الوسائل والتقنيات، وعبادة الإجرائية واللهفة على الفعالية، لن تعمل سوى على احتساب الوسيلة غاية، وإهمال القيم الإنسانية التي تعتبر محركا للتقدم الإنساني وطاقته الحيوية”[18]. فصياغة أهداف التربية بكل أنواعها، لا تكون محققة للغرض منها، إلا إذا ارتكزت على فلسفة للتربية، تكون منبثقة عن رؤية نظرية مجتمعية، مبنية بدورها على تصور كوني للغاية من إيجاد الإنسان والحياة. وهو ما تتوفر إمكانيات تشكيله من منظور الاستخلاف، والذي يمنح الوجود البشري مغزى كليا، تنكشف في إطاره جميع الحقائق، اللازمة للوعي بحقيقة الإنسان، ومسؤولياته أمام خالقه، وتتبين الأهداف التفصيلية المتفرعة عنها وكل تبعاتها ومآلاتها. وفيما يلي محاولتين لتحديد الأساس النظري للتربية الإسلامية، إحداهما اعتبرت الأسس الفكرية للتربية الإسلامية هي: التوازن، التكريم، تفجير الطاقات والاستعداد لتلقي الأمانة[19]. والثانية ترى أن التصور الإسلامي للتربية، النابع من التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة، هو نظام من الحقائق والمعايير والقيم الإلهية الثابتة، والمعارف والخبرات والمهارات الإنسانية المتغيرة، ويهدف إلى تربية الإنسان، وإيصاله إلى درجة كماله، التي تمكنه من القيام بواجبات الخلافة في الأرض، عن طريق إعمارها، وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله[20]. يلاحظ اختلاف في الصياغة، ويكاد المضمونان يتفقان حول مبدأ الاستخلاف أساسا نظريا ومرجعا فكريا لفلسفة التربية الإسلامية. وفي ذات الاتجاه، يمكن تحديد الهدف الأسمى للتربية الفكرية، في تمكين الفرد والجماعة، من الاقتدار على الاضطلاع بأعباء الاستخلاف الإيماني في شتى أبعاده المختلفة، والتي قد تختزل في ابتغاء الحياة الطيبة في الدنيا وفي الآخرة، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، وكذا الإسهام في النهوض الحضاري الشامل والتمكين الديني للأمة، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]. وإذا سلمنا بضرورة وأهمية ارتكاز صياغة الأهداف التربوية إلى فلسفة تربوية، مؤكدة عندنا من خلال المعتقدات والمثل العليا والقيم الجامعة، فإن الإشكال يكمن في كيف يمكننا إحكام ربط المنظومة التربوية إلى أصولها النظرية الكلية، أو بالأحرى إلى أصل واحد مثل الاستخلاف؟ وهل يكون بمقدورنا الكشف عن امتيازاته التأطيرية لتربيتنا الفكرية وتحقيق أهدافها؟. 2) امتيازات التوجه الاستخلافي التأطيرية لمنهاج التربية الفكرية وتحقيق أهدافها. ارتبطت الصفة الاستخلافية للإنسان بصفة أخرى، لا تقل أهمية عنها وتقوم مقام المفسر لها، وتمثل سر قوتها وعلو شأنها في واقع الإنسانية، تلك هي الأمانة العظمى، التي عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال، كما بينت ذلك الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. فهذه الأمانة معنى عام، يشمل كل أفعال التكليف من اعتقاد وعبادة وأخلاق، وأعمال عمرانية مختلفة، وأهمها وأولها ممارسة الإنسان كامل حريته في اختيار طريقة التفاعل مع مصادر الحقائق وأدلتها العقلية والنقلية، بالامتثال للأوامر الإلهية أو رفضها، والاسترشاد بآيات الله في الأنفس والآفاق أو الانصراف عنها، وبعد مكابدة الابتلاء بها في الدنيا، يأتي التعرض للحساب عليها يوم القيامة بين يدي الله العدل الرحيم، ليلقى الموفون بحقها جزاءهم في الجنة، ويلقى الخائنون لها عقابهم في الجحيم. وكما اتسع نطاق الأمانة العظمى ليضم جميع مناشط الإنسان على الأرض، فإن مفهوم الاستخلاف مستوعب لتلك الأمانات المتعددة، التي تثقل كاهل الآدمي؛ فهو مستخلف في نفسه ليزكيها، ومستخلف في الأرض ليستخرج معادنها، ويسخر خيراتها ومواردها الطبيعية، في تحسين ظروف وجوده على ظهرها، والسعي الحثيث لإشاعة النظام والعدل والتفاهم مع بني جنسه، تعزيزا للسلام والأمن، ومنعا لسفك الدماء والدمار والفساد. ولقد اقترن الحديث عن الاستخلاف في نصوص الشرع، بأمانة الإنسان ومسؤوليته فردا وجماعة، بحيث تدل دلالة واضحة على أنها أصلا مواجهة الاختيار بين الإيمان والكفر ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر: 39]. وتحمل التكليف بالمهام الإصلاحية، والتعرض للاختبار والابتلاء بسببها، وذلك من خلال الاختيار بين الإحسان والإساءة: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129]. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 165]. فهذه الآيات دلت كلها، على أن استخلاف الفئة المؤمنة الصالحة على وجه الخصوص، إنما يسع الحياة كلها بجميع مجالاتها، ويستغرق مختلف قضاياها وتحدياتها، المتعلقة بالفرد والجماعة على حد سواء. وهكذا يمكن تحديد غاية التربية الفكرية، في تأهيل النشء للقيام بأعباء الاستخلاف المتعددة، والتي ترمي إلى تحقيق هدفين أساسيين: أولهما: معرفة الله تعالى وعبادته وامتثال أمره، وتحقيق حكمته بالعمل الدؤوب، لترقية الحياة الإنسانية على الأرض، وإعمارها بإمكانيات وأسباب العيش الكريم، من تنظيم وتدبير واستغلال خيرات الأرض بالفلاحة والصناعة، وكل التقنيات والنظم الفعالة والنافعة. ثانيهما: تنمية الطاقات والقدرات الروحية والبدنية، للقيام بمسؤوليات الاستخلاف وفق التوجيهات الإلهية، لاستحقاق ثواب الله الأوفى في الحياة الآخرة، بالخلود في نعيم الجنان والنجاة من سعير النيران. إن هيمنة مبدأ الاستخلاف على جميع كليات الدين وجزئياته ومقاصده، تمنحه قدرة واسعة لتأطير تعلم وفهم الإسلام، عقيدة وعبادات وأخلاقا ومعاملات، وسياسة واقتصادا واجتماعا وتربية، فكل قضايا الدين والحياة قابلة للربط بمهمة الاستخلاف، وتيسير فهمها من خلاله، وإدراك أبعاده المختلفة عبر متطلباتها وإشكالاتها. كما أن اشتمال معنى الاستخلاف على مفاهيم الأمانة وقيمها، يمده بالفاعلية اللازمة لتحريك جميع طاقات المكلفين، وتعبئتها في اتجاه الفعل العمراني والإنجاز الحضاري المتزن. وهو ما يحفز على الانخراط في مسؤوليات الدين والدنيا معا، إذا صح الفهم وصدق العزم بحيوية وحماس، وجدية لا نظير لها خارج دائرة الإيمان بالله. وتمكن دلالة الاستخلاف، بما تنطوي عليه من تكريم وتفضيل للإنسان على باقي الكائنات، بجعل الإنسان شديد الاعتزاز بإنسانيته التي ارتقت إلى مكانة الخلافة عن الله، والتي لا تسمو فوقها مكانة أخرى، وتحمله على استيفاء شروط الفوز المتاح لبني آدم في إطارها بخيري الدنيا والآخرة، واجتناب الخسران والشقاء فيهما. وتتيح أيضا ترسيخ الإحساس لدى النشء، بجسامة المفروضات والواجبات أمام الله تعالى -المطلع على خبايا القلوب وما تكن الصدور- المتصلة بمهام إعمار الأرض بكل ما يصلحها، ويدرأ عنها الفساد والظلم والشرور، وينشر فيها الخير والعدل والفضيلة، قبل أن تكون مسؤولية داخل التنظيمات الاجتماعية وهياكلها المتعددة. كما يمكن بجهد فكري يسير، تحديد الأهداف التربوية المختلفة، وتوجيه المفاهيم ومحتويات البرامج التربوية في كل المواد الدراسية، من منظور الاستخلاف ودلالاته وأبعاده ومقتضياته. وكل أهداف التربية الفكرية في سياق النهوض الحضاري، تخضع لتأطير الفكر الاستخلافي بعيدا عن كل تكلف أو عسف، ونقتصر منها على إثنين: 1ـ هدف تنمية المسؤولية الفردية والجماعية تقتضي الطبيعة الاستخلافية للإنسان، ثبوت مسؤولياته الفكرية والسلوكية، بصفته فردا أساسا وبصفته عضوا في جماعة تباعا. ومسؤوليته الفردية هي حجر الزاوية في المسؤوليات الجماعية، تقوى بقوتها وتضعف بضعفها، فليست للجماعة صفة سواء كانت إيجابية أو سلبية إلا وتعود إلى الأفراد المشكلين لها، وخير مثال نسوقه في هذا الاتجاه هو الفكر الجمعي، الذي ينبني على الفكر الفردي لمعظم أفراد الجماعة، وكذا الشأن في جميع العادات والتقاليد، والخصائص الدينية والثقافية والأخلاقية، فكل مزية فردية فهي تقوية لمزايا المجتمع، وكل سلبية فردية فهي كذلك مساهمة في سلبياته الجماعية. وأهم صفة يكون لها تأثير بليغ في حياة الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه، هي صفة المسؤولية، التي تجعله يسخر كل إمكاناته الفكرية والعلمية، وقدراته الذاتية وكل مواهبه – زيادة على توظيفها في بناء نفسه وتألقها- في خدمة مجتمعه وأمته، وما يحقق لها الرخاء والنماء والمجد، بل إن ارتفاع حس المسؤولية لديه، هو ما يجعله يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ويضحي بفكره وجهده وماله ووقته، لتنعم أمته بالسعادة والأمن والسلام. إن جل الاتجاهات الفلسفية الحديثة كالواقعية والبراكماتية والمثالية توجه الفرد للبحث عن حقوقه والمطالبة بها، أما التربية الإسلامية فهي لا توجه المتعلمين للبحث عن الحقوق وإنما توجههم للقيام بمسؤولياتهم نحو الآخرين، وإذا ورد لفظ “الحق” في المصادر الإسلامية فإنما يرد ليوجه الأذهان إلى المسؤولية، كأن يوجه المسلم أو المسلمة للحق الذي عليه لا الحق الذي له[21]. وفي هذا المعنى يقول ألكسيس كاريل Alexis carrel: “فقد طبقنا على الإنسان آراء تتصل بالعالم الآلي، فأهملنا التفكير والعفو الأدبي، والتضحية والجمال والسلام، وعاملنا الفرد كما نعامل المادة الكيميائية والآلة أو جزءا من آلة… لقد قضينا على وظائفه الأدبية والجمالية والدينية، كما تجاهلنا نواحي معينة من نشاطه الفزيولوجي.. إن ضعفنا الحالي مستمد من عدم تقديرنا للفردية، ومن جهلنا بتكوين الإنسان”[22]. ويمكننا أن نقرر بأن معظم الإنجازات الفكرية والعلمية، والتوجهات الثقافية والإصلاحات المجتمعية، يرجع فيها الفضل لفرد واحد، عرف مسؤوليته، فأحسن التفكير والتنظير والتخطيط، ونجح في تغيير ما بنفسه، فاقتنعت الجماعة أو الشعب أو الأمة بمبادرته، وشكلت منها التوجه الفكري والمسار النهضوي المتبع. إذ “لا يستطيع مسلم أو غير مسلم أن يغير ما حوله إن لم يغير أولا ما بنفسه، فهذه حقيقة علمية يجب أن نتصورها قانونا إنسانيا وضعه الله عز وجل في القرآن، سنة من سنن الله التي تسير عليها حياة البشر”[23]. إن هناك أخلاقا أساسية إنسانية، لا يمكن أن ينجح الإنسان في هذا العالم – سواء أكان مؤمنا أم كافرا، صالحا أم طالحا- إلا إذا تحلى بها، مثل قوة الإرادة والصبر والثبات والهمة والشدة والبأس، والولوع بالغاية والاستعداد للتضحية بكل شيء في سبيلها، والحزم والحيطة وإدراك العواقب، وحب النظام والإحساس بالمسؤولية، والامتلاك للعواطف والرغبات النفسية[24]، ومعلوم أن كل هذه الأخلاق تنبع من الإحساس العميق بالمسؤولية النفسية، تدور معه وجودا وعدما. ومن ثم يتعين تربية الفكر لدى النشء، على حسن استيعاب العلاقة الثابتة بين المسؤولية الذاتية، وجميع الأخلاق الرفيعة والقيم السامية والخصال الحميدة. والتي يتمكن المكتسب لها والمتحقق بها، أن يساهم في خير الجماعة واستقرارها، وتقدم بلده وانتصاره في معركة البناء والنماء، وإدراك قوة العلاقة التفاعلية بين صلاح الأفراد وصلاح البلد الذي ينتسب إليه، وأن كل واحد إذا صلح، ساهم في إصلاح وطنه، وإذا فسد ساهم في فساده وتخلفه. وقد رسمت هذا المنهج آيات عديدة منها: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]، وطوق الإسلام أعناق أتباعه بمسؤولية نشر الفضيلة وتكثير المعروف، ومنع الرذيلة وتغيير المنكر ضمانا لإشاعة الاستقامة والصلاح بين الناس، وحماية للمجتمع من الضلالات الفكرية والانحرافات السلوكية، التي تدمره وتقوض تماسكه وأمنه واستقراره. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. 2ـ هدف بناء الشخصية المتوازنة يمكن القطع بأن من أهداف التربية الفكرية، المنضبطة بمقاصد الإسلام وتوجيهاته، بناء الإنسان المتوازن، الذي يستلهم النهج الوسطي من كتاب الله تعالى، والموجه لتحقيق الأفضلية في كل مجال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]، إذ عملية التوازن يلزم أن تشمل جميع جوانب الشخصية، ويحتاج تحققها بالأساس إلى حسن استخدام الفكر، اعتمادا على ما يصلحه ويسدده، من العلم بالدين وعلوم العصر، واكتساب المهارات والخبرات الضرورية، دون إغفال حسن الاستعانة بالله مع كل ذلك، على الاهتداء إلى الحق والصواب. فالقدرات العقلية مهما ارتفعت، فإن لها حدودا يلزمها ألا تتعداها، من جهتي التفريط والإفراط، ويتضح من استقراء المسؤوليات والواجبات الشرعية، أنها تكون وسطا بين حالتين، حالة التفريط في أداء العمل المطلوب، بالتقصير في القيام به واستيفاء جميع أوصافه وهيئاته، على وفق ما حدده الشرع وبينه، وحالة الإفراط في القيام به، بتجاوزه إلى ما ليس مطلوبا وتعدي الحدود الشرعية المرسومة، لأن “دين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد”[25]. فالمكلف مدعو على امتداد ممارساته للحياة، ومواجهة معضلاتها ومختلف إشكالاتها، إلى اعتماد النهج الوسطي الذي يُتوصل إليه باستعمال القدرات الفكرية، في ضوء البيانات الشرعية، لتحديد المسلك الوسط، الذي فيه الهدى والرشاد. فمن هذا المنطلق تضطلع النفس – ومن خلالها الفكر- بالدور الأساس والمسؤولية الأولى، في التعرف على موقع الوسطية، بحسن توظيف المحددات العلمية المتوفرة، وعدم صرفها عن مقاصدها ومراميها، بالتأويلات البعيدة، والقياسات الفاسدة، المائلة مع الأهواء والمتفلتة من ضوابط الشرع[26]، “فالهوى ما خالط شيئا إلا أفسده، فإن وقع في العلم أخرجه إلى البدعة والضلالة، وصار صاحبه من جملة أهل الأهواء، وإن وقع في الزهد أخرج صاحبه إلى الرياء ومخالفة السنة، وإن وقع في الحكم أخرج صاحبه إلى الظلم وصده عن الحق، وإن وقع في القسمة خرجت عن قسمة العدل إلى قسمة الجور، وإن وقع في الولاية والعزل، أخرج صاحبه إلى خيانة الله والمسلمين، حيث يولي بهواه ويعزل بهواه، وإن وقع في العبادة خرجت عن أن تكون طاعة وقربة”[27]. ويجدر التنبيه في هذا الصدد إلى أن الحرية الإنسانية غير مطلقة، وإنما قيدتها أحكام الشرع ورسمت لها حدودا، إذا تعدتها جلبت على النفس ما يضرها ويشقيها دنيا وآخرة. ولذلك فإن المتحرر من الناس، ليس من يفعل ما يشاء، ويميل مع هواه حيث مال، وإنما المتحرر على الصحيح، هو من يمارس مسؤوليته الفكرية كاملة، في حدود الوسطية المحمودة، فيحيد عن الباطل ويستمسك بالحق، ويملك المقدرة الكافية على القيام بالتكاليف والواجبات، والامتناع عن القبائح والمنكرات، ولا يترك التفكير حيث يجب، ولا يطلقه فيما لايفيد، أو مالا طاقة له به، “وإن من كمال التحرر، التحرر من غرور العقل ذاته وإيقافه عند حدوده. ويعين على كمال التحرر والتعلم.. تعلم سنن الكون من الكون ومن أهل العلم بالكون، وتعلم الغيب من مظاهر الغيب ومن رسل الغيب”[28]. فعندما يعطل الإنسان عقله، أو يستخدمه بعيدا عن إرشاد الوحي، ينحرف عن موقع الوسطية في كل اتجاه، فيتيه ويضل ويقع في حبائل نفسه الأمارة بالسوء، والمنحازة للأهواء والأوهام والشهوات، وكل ما يحجبها عن إبصار الحقائق والاهتداء إلى العدل والصلاح، فنجد من المسلمين من قد يتجاوز دائرة الفرائض المحدودة إلى عالم التطوع الرحب، ومع ذلك لا يتورع عن أن يكذب في حديثه، ويزور أقواله، وينافق في سلوكه، ويغش في عمله، ويخدع في تعامله، ويخون في أمانته، ويظلم في مواقفه، ويجور في حكمه، وقد تعلق قلبه بالدنيا، وتحولت عبوديته لنفسه وللناس[29]، ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108]، فهذا حال من زاغ عن وسطية الفهم للدين، فتكلس عقله، وجمد فكره، وخلا قلبه من مراقبة الله، ومن استشعار المسؤولية عن ممارسته للدين، وسلوكه خلاف نهجه القويم. ونجد فئة أخرى طلقت الدنيا كلها وهربت منها، ودخلت جحورا ضيقة أسموها خوانق وربط وتكايا. وكان وراء هذا الهروب إما زهد أخرق، زينه التصور الخاطئ والوهم الباطل، وإما زهد كاذب فرضه العجز لا العزم، وإما زهد منافق طامع في الباطن وزاهد في الظاهر[30]. فلا عاصم للفكر من التسيب، أو الغلو في أمور الدين أو الدنيا، إلا التفكير المسدد بنور الشرع، المنضبط لروح الدين وكلياته العامة، التي يهتدي بها المتدين في معرفة الحق والباطل، عندما يلتبس أحدهما بالآخر، فتزل في التمييز بينهما الأفهام، وتتحكم الأمزجة العليلة، لأن “الزهد في الدنيا، لا يكون عند الإنسان المؤمن هروبا من حمل الأمانة، وعجزا عن القيام بمسؤولياته في ابتغاء فضل الله في الكسب الحلال، ومن الإسهام في الإنتاج، وتلبية متطلبات الواقع السياسي والاجتماعي، ولا يكون رهبانية تحرم على النفس ما أحل الله، فلم يكتب الله الرهبانية على أحد في رسالته إلى البشر، وإنما كانت في بعض الأحيان ابتداع الناس من عند أنفسهم، حتى لو أرادوا بها الخير”[31] 3) أهداف التربية الفكرية لبناء الهوية الجمعية المساهمة في النهوض الحضاري الإسلامي 1ـ الاستخلاف أساس الهوية الإنسانية. تتأسس الهوية على ما هو ثابت في كيان الإنسان، ولا يتأثر بمتغيرات الزمان والمكان، مثل كونه عاقلا حرا مريدا. أما المتغيرات مثل البنية الجسدية أو النفسية أو القانونية، فإنها تتغير عبر الزمان والمكان، وبالتالي فهي لا تصلح أساسا لتحديد هوية الشخص. وأرى أن الهوية الثابتة بين جميع بني آدم، والتي لا تتغير في جوهرها، هي كونه مستخلفا في الأرض، وأنه حر مسؤول، سواء اختار نهج الإيمان بالله، أو نهج الكفر والجحود بوجوده ودينه، وعلى هذا الأساس فكل الآدميين يشتركون في هوية إنسانية استخلافية واحدة، وإن اختلفت بينهم سبل ممارستها وتحقيقها. وكل التطورات المختلفة، التي تخضع لها الهوية الإنسانية، لا تلغي أصلها الاستخلافي الذي قامت عليه منذ الخلقة الآدمية الأولى، وإنما تظل حقيقته الأساسية ماثلة في كيان الإنسان، وتتردد بين اتجاهين رئيسيين لا ثالث لهما، وهما معرفة الله والإيمان بوحيه أو الجهل به والإعراض عن شرعه. فالهوية الاستخلافية الممنوحة من الله للإنسان، تعد الإطار العام لكل الهويات المتفرعة عنها، والمكتسبة بممارسة المسؤولية الاختيارية، التي يحسمها الفكر ويتصرف فيها تثبيتا وتغييرا وتقديما وتأخيرا، ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 35 – 37]؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 137]، فهوية الإنسان المكتسبة، هي وجهته في الحياة الدنيا، والتي يختارها بفكره عن وعي ومسؤولية، ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148]. وكل إنسان سيسأل يوم الحساب عن وجهته، التي اختارها في الدنيا بمحض إرادته وبمقتضى فكره، فيكون مصيره تابعا لنجاحه أو إخفاقه في طريقة تفكيره. وكل فرد يختار لنفسه وجهتها، التي تحدد هويتها الخاصة، والمتميزة عن غيرها داخل الدين والثقافة والمجتمع، فيكون صالحا في بيئة فاسدة أو فاسدا في بيئة صالحة، وذلك دليل على أن المجتمع مهما كان صارما، لا يمكنه إلغاء حرية الأفراد، في مخالفة هويته الجمعية سرا أو علانية، أو تبنيها على نحو معين، فيقبلون منها ويرفضون. فزوجة فرعون، آثرت الإيمان بالله على تأليه زوجها، المفروض على رعيته بالقوة الغاشمة، وضحت بكل ما كان متوفرا لها في قصره، من مكانة ورفاه ومتاع، لنيل رضى الله والدار الآخرة. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: 11]. وإذا كان عسيرا حقا على الفرد أن يعاكس اتجاه المجتمع، ويسبح ضد تيار معتقداته وتوجهاته الفكرية المهيمنة، عندما لا يقتنع بها عقله، فإن ذلك ليس مستحيلا، إذا صح العزم وتأكدت الإرادة، وعظم اليقين في عون الله ومدده. فإذا تشبعت النفس بحقيقة الإيمان، أيقنت بعدم وجود قوة قاهرة، تستطيع إلغاء حريتها القلبية، وجعلها ترضخ وتخضع لما يُفرض على الجسد، دون سماحها بذلك وقبولها به. ومن ثم فإن مسؤولية الإنسان لرفض ما لا يوافق إرادته ولا يستسيغه فكره، من المعتقدات والعادات والأوضاع الاجتماعية المختلة، قد تخففها الظروف الصعبة دون أن تلغيها تماما كما يغلب على الظن. وقد تأكدت هذه الحقيقة مرارا في المتن القرآني، كما في الواقع الإنساني، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [الصافات: 27-30]. فهوية المسلم تتحدد انطلاقا من الطبيعة الاستخلافية، التي يشترك فيها مع باقي الآدميين، ثم يتميز عن غيره، باختياره الإسلام شرعة ومنهاجا، حيث تتدخل قيم الحرية والمسؤولية، لتشكل محركات ثابتة في الهوية الإسلامية، لاستحقاق موقع الريادة الدينية والحضارية. فالمسلمون أمناء على وحي الله الخاتم، وهم الامتداد الأمين للإسلام الذي انتظمت تعاليمه الخالدة جميع الرسالات السماوية السابقة، ويمثلون الأمة الوسط المؤهلة، بما ورثت من الوحي للشهادة على الناس، وخير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، “ولو حاولنا إيجاد نقطة البداية الصحيحة لإطلاق أي دورة حضارية لمجتمع ركود، لوجدنا نقطة كبرى تكمن في استعادة القدرة العقلية للمجتمع بدرجة تسمح بتحرير ممكناته، وسنجد في قلبها استعادة المسؤولية الإنسانية”[32]. إن الهوية الإسلامية الموحدة بين جميع المسلمين، تلزم الأمة بتحقيق أهداف نهضة شاملة !!، لتتمكن في إطارها من البداية بإصلاح فكرها وترشيده، وتربية أبنائها عليه، ودون ذلك سوف تظل في دائرة التخلف الفكري والحضاري، بعيدة عن تمثل حقيقة الإسلام، واستطاعة تقديم بدائله المتميزة، في شتى مجالات الحياة، لتتحرر من تخبطها وانحرافاتها المترسخة في فكرها قبل واقعها، وتتمكن من إصلاح أوضاعها، وإسعاد نفسها، والإسهام في هداية الإنسانية إلى رشدها، وانتشالها من وهدة التيه واللامعنى، التي باتت تزداد عمقا مع التطور الحضاري التكنولوجي المعاصر. 2ـ هدف إصلاح الفكر الجمعي في سياق النهضة إذا صح وصف الأمة بابتعاد فكرها كثيرا عن ثقافة الاستخلاف الإسلامي، لاعتماد اتجاهات منافية له، والاندماج في فكرها وقيمها المادية، فإن إصلاح الفكر الجمعي يظل هو أوجب الواجبات وأولى الأهداف بالاعتبار، والتي يتعين تحقيقها باعتماد تربية فكرية ذات توجه استخلافي، يعترف بحرية الإنسان ويعلي من شأن مسؤوليته الفردية والجماعية، ويكون من الأهداف الأساسية في هذه التربية، الارتكاز على إصلاح أعطاب منظومتنا الفكرية الراهنة، التي غدت معادية لقيم المسؤولية، ومجانبة لتحقيق شروط النهوض الحضاري المنشود، والتنمية المجتمعية الشاملة. ومن ذلك، ما صار يغلب على تفسير أوضاع الأمة وما تعرفه من تراجعات واضطرابات وفتن، وما يؤول إليه حالها من تردي وتخلف على كل الأصعدة، على أن ذلك نتيجة حتمية لتآمر الأعداء، وإحكام قبضتهم على صناعة القرار والتدبير الإداري، داخل دول العالم الثالث وخاصة الإسلامة منها، وهو ما يؤدي إلى نفي مسؤولية المسلمين عما يوجد في بلدانهم من تقهقر وانتكاس، ويتعارض وحقيقة الاستخلاف، الذي يقوم على أساس منح الإنسان القدرة على تدبير أموره بنفسه، ورفض كل المحاولات لثنيه عن بلوغ غايته. إذ لو أمكن لقوة خارجة عن ذاته، أن تملك التصرف في عمله بخلاف مراده ورغبته، لانعدمت مسؤوليته تماما عن أحواله وأوضاعه، ولانتفى أهم شروط الاستخلاف وهو حرية الاختيار والقدرة على إنجازه وتحمل مسؤوليته كاملة، لأن الإنسان بحكم استخلافيته، يملك رفض ما لا يرضيه، واستخدام ما لديه من قدرة لدفعه وإيقاف تأثيره. نعم قد تستطيع جهة ما الاعتداء على إنسان، والوقوف ضد رغبته، والتسلط عليه بما لا يريد، وإلحاق الضرر والأذى به في ذاته وماله وأهله ووطنه، لكنها يستحيل عليها تماما أن يكون لها سلطان على قلبه، فتكرهه على حب أمر يبغضه، أو تفرض عليه الاقتناع بفكرة أو تقبل اعتقاد لا يرضاه، أو التحكم في قلبه دون موافقته ومطاوعته. وعندما يرفض المكلف أمرا من الظلم والطغيان، فإن الله يعينه على مقاومته وعدم الانصياع له، ويجعل كل كيد يوجه ضد النفس محدود التأثير، حتى تسمح به وتذعن له. ومن هذا المنطلق فإن المؤامرات التي تحاك ضد الأمة، والتي لا يمكن إنكار وجودها وعظم كيدها، لا تضرها كثيرا إلا إذا قبلت بها طائفة واسعة منها، أو تقاعست حال الوعي بها في مقاومتها، ولم تبذل الجهد المطلوب للتصدي لها وإفشالها، وحينئذ تكون هي أول من ساهم في الإساءة إلى نفسها، بتخليها عن مسؤولياتها تجاه ذاتها، والقيام بواجب حماية نفسها ضد الأخطار التي تتهدد أمنها ومصالحها، فأعانت عدوها على نفسها بسبب غفلتها أو خذلانها، وتراخيها في تحمل مسؤولياتها الحضارية. كما يمكن أن يسلط الله على الأمة، من يسومها سوء العذاب، كلما حادت عن نهج الله وتخلت عن القيام بواجباته وتعدت حدوده، بل الغالب إذا فشا الظلم في الأمة واتسع نطاق مخالفاتها لشرعه، أن يجعل الله بأس المسلمين بينهم شديدا ومدمرا لبلدانهم بأيديهم وأيدي أعدائهم، وبذلك جرت سنة الله في الظالمين، ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: 65]. وجاء في الحديث: سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها[33]. لقد خص الله الأمة الإسلامية بجعل مسؤوليتها عن أحوالها كاملة، تصلح نفسها وغيرها من أمم الأرض بما أورثها من كتابه المحفوظ وسنة نبيه الخاتم، ولم يكل صلاحها لشخص أو أمة أو مذهب أو دين آخر غير دينها، كما أنه لم يجعل بأس غيرها عليها أشد من بأسها على نفسها، حين تنحرف عن منهج ربها في الحياة، حتى يكون اتقاؤها لشر نفسها أكثر وجوبا عليها من اتقاء شر أعدائها في الخارج. فما أكثر الاختلالات الفكرية على غرار الفكر التآمري، التي تجرد الأمة من مسؤولياتها عن تراجعاتها في الماضي وإخفاقاتها في الحاضر، والتي من أهمها غلبة توجه فكر اللامسؤولية في الخطاب الإسلامي المعاصر، وقصور المناهج الفكرية والتربوية والثقافية نتيجة هيمنة المقاربات التجزيئية في دراسة القضايا الكبرى، وطغيان المعالجات الفكرية السطحية، وإهمال الفكر السنني والمنهج النقدي المتزن، وعدم تقدير المحاولات الاجتهادية والإبداع الفكري، وغياب الحوار العلمي في تثبيت القناعات وبناء المحتويات التربوية والتعليمية. خاتمة: رام البحث إبراز أهداف التربية الفكرية في سياق النهوض الحضاري، بعد إثبات وجود توجه فكري يتشكل في أحضان الأديان والتيارات الفكرية، ويمكن المطلع عليه من إدراك غاياتها ومواقفها المبدئية تجاه إشكالات الحياة. وقد تم اقتراح التوجه الاستخلافي، توجها فكريا لمنهاج التربية الإسلامية عامة والتربية الفكرية في سياق النهوض الحضاري خاصة، وحاول إبراز ملاءمته لضمان تأطير شامل للتربية الفكرية، وأن من شأنه توجيه أهدافها ومضامينها وطرقها البيداغوجية، لإيقاظ الهمم وتجديد حس المسؤولية في النفوس، وإكساب العقل منهجا شاملا يمكنه من تقويم الأفكار ونقدها وتسديدها، وإبداع أفكار ذاتية اجتهادية متزنة، والإسهام بفعالية في نماء المجتمع وتطوره على مختلف الأصعدة، وبناء الأمة المؤهلة للاضطلاع باستئناف العطاء الحضاري المتوقف. ويمكن إجمال نتائج البحث في النقاط التالية: ـ التزام خطة البحث المتبعة بإطار الاستخلاف، لدراسة موضوع التربية الفكرية، انطلاقا من اعتبارها أساسا لممارسة المهام التكليفية بكفاءة واقتدار، واعتماد دافع استشعار المسؤولية أمام الخالق، لإكساب النفس حافزية قصوى لإحسان التفكير ومراجعته وتصحيحه قبل أي عمل وبعده، وكذا إبراز دور المسؤولية في رفع مستوى التعبئة النفسية، للانخراط في المجهودات التنموية، بما يلزم من الحيوية والفاعلية والانضباط. ـ بيان دور الممارسات الاستخلافية المؤطرة بعقيدة الإيمان وقيمه، في مجالات التنمية المختلفة، باعتبارها من أنجع طرق التزكية النفسية عندما نضفي عليها طابع العبادة المأجورة، المتأتية باستصحاب المراقبة الإلهية، وملازمة مجاهدة النفس وحملها دوما على الإتقان والإحسان في كل شيء، والامتناع عن الغش والخيانة والكذب، وكل المعاملات المحرمة. ـ تقديم مصطلح الهوية الاستخلافية بدلا عن مصطلحات الهوية الكونية، والهوية الأرضية، والهوية الإنسانية، لتميز الهوية الاستخلافية باستحضار حرية الإنسان وجسامة مسؤوليته بين يدي خالقه، والتي تجعله واعيا بخصوصية هويته ومراعيا لتبعاتها الثقيلة، عندما يلبسها أوصافا إضافية عرقية وإقليمية ولغوية، والتي قد ينزلق إلى ربط قيمته وحقيقته بها، ونسيان هويته الأصلية، التي يحسن به أن يستحضرها ويقدمها على غيرها من الهويات الشكلية، التي تفقد قيمتها عند تجاهلها الهوية الاستخلافية، والتي تسوي بين الناس في صفة المسؤولية وتفاضل بينهم في طريقة ممارستها. توصيات من خلال البحث في التربية الفكرية، تأكدت أهميتها في ضمان الارتقاء بالفكر والتفكير، والإسهام في تطوير المناهج الفكرية، وتكوين المفكرين والمبدعين والرواد، في مختلف مجالات الإبداع والإنتاج العلمي، والفكري والحضاري بصفة عامة، وأرى أن إعادة الاعتبار للتكوين الفكري، يمكن أن يحصل إذا تحققت الإرادة، بكيفيات مختلفة أهمها ما يلي: ـ من المفروض أن المناهج الدراسية المختلفة، تسهم بطريقة معينة في تأهيل التفكير، زيادة على تخصصات الفكر والفلسفة. لكنه يظل تأهيلا جزئيا يفتقد صفتي الشمولية والتكاملية، التي تمكن من امتلاك منهج فكري عام، قادر على التفكير السديد في مختلف القضايا الإنسانية الكبرى، دون الوقوع في التحيزات المشينة لنمط معين من التفكير أو اتجاه من اتجاهاته. ولتفادي هذا القصور، يمكن إعداد توجه فكري عابر للمناهج الدراسية كلها، في التعليمين الثانوي والجامعي، وأقترح في هذا الصدد التوجه الفكري الاستخلافي، الكفيل بتوجيه مختلف المواد والعلوم لخدمة النهضة الحضارية واستكمال شروطها وإصلاح مسيرتها. فالمعارف إما أنها تكون تيسيرية بمعنى تيسير فهم الغاية من الوجود ومهام الإنسان الاستخلافية فيه، وإما معارف تسخيرية، وهي التي تتيح للإنسان تسخير إمكانيات الأرض ومواردها الطبيعية لإشباع حاجات الجسد وتحسين نمط العيش وتخفيف المعاناة الإنسانية. ـ إحداث مادة بعنوان التربية الفكرية، تدرس في المرحلة الثانوية، وتواصل في المرحلة الجامعية، تحت اسم الدراسات الفكرية، ويتمحور منهاجها حول تجديد العقل الإسلامي، وتسديد مساره وتقويم انحرافاته، وإكسابه القدرة على فهم مقاصد الدين، والتشبع بروحه والتخلق بأخلاقه، والاضطلاع بمهام النهوض الحضاري الشامل والمتوازن، تحقيقا لتطلعات الأمة الإسلامية، وإسهاما في سعادة الإنسانية جمعاء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] – الأحمر، عبد السلام محمد، جولات تفكر في مسؤولية الفكر، نشر الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، ط1، 1433/2012. ص 09. [2] – الكيلاني، ماجد عرسان، أهداف التربية الإسلامية في تربية الفرد وإخراج الأمة وتنمية الأخوة الإنسانية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط2، 1417/1997، ص 76. [3] – نفسه ص75 [4] – انظر، صلاح الدين عرفة، تفكير بلا حدود، رؤى تربوية معاصرة في تعليم التفكير، القاهرة، عالم الكتب، ط1،1427/ 2006. ص70. [5] – الطريري، عبد الرحمن، العقل العربي وإعادة التشكيل، الدوحة، كتاب الأمة، عدد 35، ص 46. [6] – انظر، الأحمر، جولات تفكر في مسؤولية الفكر، مرجع سابق، ص55. [7] – مالك بن نبي، تبسيط مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ترجمة وتلخيص وإعادة صياغة محمد عبد العظيم علي، الإسكندرية، دار الدعوة، ط1، 1418/1997، ص46. [8] – الكيلاني، ماجد عرسان. التربية والتجديد وتنمية الفاعلية عند المسلم المعاصر، بيروت، مؤسسة الريان، ط1. 1418/1997، ص29. [9] – انظر، صلاح الدين عرفة، تفكير بلا حدود، مرجع سابق، ص113- 114. [10] – أبو سليمان، عبد الحميد أحمد، أزمة العقل المسلم، سلسلة المنهجية الإسلامية (1)، الدار العالمية للكتاب الإسلامي والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط3، 1414/1994، ص130. [11] – فرج عبد القادر طه وآخرون، معجم علم النفس والتحليل النفسي، بيروت، دار النهضة العربية، ط1. بدون تاريخ، ص137. [12] – انظر، إدغار موران، تربية المستقبل المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل، ترجمة عزيز لزرق ومنير الحجوجي. الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، منشورات اليونسكو، ط1، 2002. ص 23–24. [13] – الابتغاء من فضل الله تعبير قرآني عن الانشغال بمطالب الحياة الدنيا من أعمال التجارة والفلاحة وكسب العيش عموما. [14] – انظر،المجموعة، التربية الإسلامية أساس التنمية الشاملة، كتاب تربيتنا رقم 03، منشورات مجلة تربيتنا التي تصدرها الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية بالمغرب، 1424/2003. ص 06. [15] – نفسه، ص07. [16] – الكيلاني، ماجد عرسان، فلسفة التربية الإسلامية، مكة، مكتبة المنارة، جدة، دار المنارة، بيروت، طباعة دار البشائر الإسلامية، ط1، 1407/1987. ص17. [17] – عبد الله عبد الدايم، “الثورة التكنولوجية في التربية العربية” بيروت، دار العلم للملايين، ط3، 1981 ص94 نقلا عن محمد الدريج، التدريس الهادف، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 1410/1990، ص 133. [18] – الدريج محمد، التدريس الهادف، نفسه. [19] – انظر، جريشة علي، نحو نظرية للتربية الإسلامية، القاهرة، مكتبة وهبة، ط1-1406/ 1986 ص 58. [20] – مدكور، علي أحمد – نظريات المناهج التربوية– سلسلة المراجع في التربية وعلم النفس، الكتاب 35، القاهرة، دار الفكر العربي، ط2، 1427/2006-. ص61. [21] – الكيلاني، فلسفة التربية، مرجع سابق، ص 219. [22] – الكسيس، كاريل، الإنسان ذلك المجهول، تعريب شفيق أسعد فريد، بيروت، مكتبة المعارف، ص 89. [23] – بن نبي، مالك، دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين، دار الفكر بالجزائر وسوريا، الطبعة1، 1412/1991. ص59. [24] – أبو شقة، عبد الحليم محمد، خواطر حول أزمة الفكر عند المسلم المعاصر. دار القرافي، الرباط، مطبعة الساحل، ط1، 1993م، ص33. [25]– ابن قيم الجوزية، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، بيروت، دار الكتاب العربي، ط3، 1416 هـ / 1996م، 2/465. [26] – انظر، الأحمر، عبد السلام محمد، ثقافة الأمة الوسط، منشورات الإيسسكو، 1430/2009. ص38. [27]– ابن قيم الجوزية، روضة المحبين ونزهة المشتاقين، بيروت، دار الكتب العلمية، 1412، ص 474. [28] – أبو شقة، خواطر حول أزمة الفكر عند المسلم المعاصر، مرجع سابق، ص5. [29] – سارة بنت عبد المحسن بن عبد الله بن جلوي آل سعود، المسلم المعاصر بين المعية والمسؤولية، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1419/1998. ص39. [30]– انظر، أبو شقة، خواطر حول أزمة الفكر عند المسلم المعاصر، مرجع سابق، ص45. [31]– ملكاوي، فتحي حسن، منظومة القيم العليا التوحيد والتزكية والعمران، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1434/ 2013م، ص99. [32] – وقائع الندوة الدولية الثالثة: الوعي الحضاري.. فاعلية.. تمكين وشهود، مركز الأمير عبد المحسن بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية، ط1، 1431/2010 ص56- 57. [33] – مسلم، بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية. دون طبعة ودون تاريخ. لائحة المصادر والمراجع ـ القرآن الكريم ـ صحيح مسلم، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية. دون طبعة ودون تاريخ. ـ جولات تفكر في مسؤولية الفكر، عبد السلام محمد الأحمر، نشر الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، ط1، 1417/20132. ـ ثقافة الأمة الوسط، عبد السلام محمد الأحمر، منشورات الإيسسكو، 1430/2009. ـ العقل العربي وإعادة التشكيل، الطريري، عبد الرحمن، الدوحة، كتاب الأمة، عدد 35. ـ تفكير بلا حدود، رؤى تربوية معاصرة في تعليم التفكير، صلاح الدين عرفة، القاهرة، عالم الكتب، ط1،1427/ 2006. ـ تبسيط مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مالك بن نبي، ترجمة وتلخيص وإعادة صياغة محمد عبد العظيم علي، الإسكندرية، دار الدعوة، ط1، 1418/1997. ـ أهداف التربية الإسلامية في تربية الفرد وإخراج الأمة وتنمية الأخوة الإنسانية، ماجد عرسان الكيلاني، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط2، 1417/1997. ـ التربية والتجديد وتنمية الفاعلية عند المسلم المعاصر، ماجد عرسان الكيلاني، بيروت، مؤسسة الريان، ط1. 1418/1997. ـ فلسفة التربية الإسلامية، ماجد عرسان الكيلاني، مكة، مكتبة المنارة، جدة، دار المنارة، بيروت، طباعة دار البشائر الإسلامية، ط1، 1407/1987. ـ أزمة العقل المسلم، عبد الحميد أبو سليمان، سلسلة المنهجية الإسلامية (1)، الدار العالمية للكتاب الإسلامي والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط3، 1414/1994. ـ معجم علم النفس والتحليل النفسي، عبد القادر طه فرج وآخرون، بيروت، دار النهضة العربية، ط1. بدون تاريخ. ـ تربية المستقبل المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل، إدغار موران، ترجمة عزيز لزرق ومنير الحجوجي. الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، منشورات اليونسكو، ط1، 2002. ـ التربية الإسلامية أساس التنمية الشاملة، المجموعة، كتاب تربيتنا رقم 03، منشورات مجلة تربيتنا التي تصدرها الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية بالمغرب، 1424/2003. ـ “الثورة التكنولوجية في التربية العربية” عبد الله عبد الدايم، بيروت، دار العلم للملايين، ط3، 1981 ص94 نقلا عن محمد الدريج، التدريس الهادف، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 1410/1990. ـ نحو نظرية للتربية الإسلامية، علي جريشة، القاهرة، مكتبة وهبة، ط1-1406/ 1986. ـ نظريات المناهج التربوية– أحمد علي مدكور، سلسلة المراجع في التربية وعلم النفس، الكتاب 35، القاهرة، دار الفكر العربي، ط2، 1427/2006. ـ الإنسان ذلك المجهول، الكسيس كاريل، تعريب شفيق أسعد فريد، بيروت، مكتبة المعارف. ـ دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين، مالك بن نبي، دار الفكر بالجزائر وسوريا، الطبعة1، 1412/1991. ـ خواطر حول أزمة الفكر عند المسلم المعاصر. عبد الحليم محمد أبو شقة، دار القرافي، الرباط، مطبعة الساحل، ط1، 1993م. ـ روضة المحبين ونزهة المشتاقين، ابن قيم الجوزية، بيروت، دار الكتب العلمية، ـ1412ه. ـ المسلم المعاصر بين المعية والمسؤولية، سارة بنت عبد المحسن بن عبد الله بن جلوي آل سعود، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1419/1998. ـ منظومة القيم العليا التوحيد والتزكية والعمران، فتحي حسن ملكاوي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1434/ 2013م. ـ الوعي الحضاري.. فاعلية.. تمكين وشهود، وقائع الندوة الدولية الثالثة، مركز الأمير عبد المحسن بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية، ط1، 1431/2010 ص56- 57.