منهج البحث التجريبي عند أبي القاسم الزهراوي من خلال المقالات المحققة من كتابه”التصريف لمن عجز عن التأليف”

الباحث الدكتور محمد الفيلالي

       في البداية، أتشرف بالمثول أمام أساتذتي الأفاضل أعضاء لجنة المناقشة برئاسة أستاذي الدكتور العربي بوسلهام وعضوية أستاذيَّ المشرفيْن على الأطروحة (الدكتورة بشرى البداوي والدكتور أحمد العمراني)، وعضوية أساتذتي (الدكتور أحمد البوكيلي والدكتور أنس لغبسي والدكتور عبد المجيد الشرايبي والدكتور هشام بلاوي). شكر الله لكم جميعا تجشمكم عناء قراءة أطروحتي وتفضلكم بالموافقة على مناقشتها. كما أعتز بما سأستفيده منكم من توجيهات وتسديدات علمية، فجزاكم الله خير الجزاء.

      من خلال التعامل الدَّؤُوبِ السَّابِر لِغَوْرِ المقالات الخمس المحققة التي انبنت عليها المحاور المدروسة في الأطروحة، تبيّن أنها تشكّل منظومة مستجيبة لكل مراحل عمل الطبيب في تعامله مع المرضى، حيث إنَّ موضوعاتِها: تنظيرا وتطبيقا، شاملةٌ لتشخيص الأمراض وتحديد العلاجات بما يناسبها من أدوية وأغذية وعمليات جراحية. ومعيار الاستقراء الكامل الذي تنتفي معه شبهة الاستقراء الناقص ليس بالكَمّ، بل بالكيف، خصوصا إذا عُلِمَ أن المقالات غير المحقَّقة تدور موضوعاتها حول صناعة الأدوية وما يلحق بها من التداوي بالأغذية. وباعتبار الأدوية ونظام التغذية مستهدفين، فإننا نجد لهما حيِّزا في المقالات المحقَّقة مُتَمَثِّلاً في المقالتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة.

      وقد أحصيْتُ ضمن ما حُقِّقَ تسعةً وستين وأربعمائة(469) مرض، تحدث عنها الزهراوي تشخيصا وعلاجا، وهي العِلَلُ الموجودة دون غيرها في مجموع مقالات “التصريف”، كما تثبت نُسَخُه المحققة وغير المحققة.

      وخصَّصْتُ المبحث الأول من الفصل الثاني من الباب الثاني للكشف عن ستة وعشرين ومائة (126) مرض من مجموع الأمراض المحصاة حيث إن الخبرة بالعِلَل تعتبر منطلقا للإبداع الطبي لدى الزهراوي.

       ولقد قسمت البحث إلى مقدمة، ومدخل، وبابين اشتمل كل واحد منهما على فصلين، وخاتمة، وثمانية فهارس، أولها فهرس المصادر والمراجع، وآخرها فهرس المحتويات:

ــ فالمقدمة تُجَلِّى سياقه، وإشكاليته، وأهدافه، وأهميته، والدراسات التي خَلتْ قبله، والصعوبات التي اعترضته، والمقاربة المنهجية المعتمدة في إنجازه، وخطته؛

ــ والمدخل مخصَّص للتعريف بشخصية الزهراوي وبكتابه “التصريف لمن عجز عن التأليف”، مع شرح التركيبة اللفظية لعنوان الأطروحة.

ــ أما الباب الأول فموضوعه: مناهل منهج البحث التجريبي عند الزهراوي وأسسه النظرية، وضَمَّ فصليْن:

الفصل الأول منهما تناول مناهل المنهج الطبي عند الزهراوي في ثلاثة مباحث:

lالمبحث الأول يخص إبراز منهل القيم الاسلامية عند الزهراوي الذي نجده يقدم علم الدين على سائر العلوم، ويتحقق بمكارم الأخلاق، ويتأثر بالعلوم الشرعية.

lوالبحث الثاني يَعْرِضُ منهلَ الطب اليوناني والسرياني عند الزهراوي.

lوالمبحث الثالث يبين استمداده من طب المشارقة والمغاربة بمختلف نِحَلِهم وأجناسهم.

أما الفصل الثاني فقد كان وِعاءً للأسس النظرية لمنهج البحث التجريبي عند الزهراوي، وتوزع إلى ثلاثة مباحث مثل سابقه: حيث كان المبحث الأول مجالا لإبراز الأسس النظرية لتشخيص الأمراض عند الزهراوي، وهي: الإدراك القبلي للأمور الطبيعية، والإحاطة بالدلائل، وتحديد الأسباب وتصنيفها. وكان المبحث الثاني مُحَدِّداً ومُبيِّناً للأسس النظرية للجراحة عنده، وتتجلى في: التشريح وإدراك الاختلافات وتصور وسائل الجراحة، والحذر مع اعتماد التراكم التجريبي، والجمع بين الدواء والغذاء والجراحة. وجُعِلَ المبحث الثالث لتبيين الأسس النظرية للدواء والعلاج لديه، وهي: رصد الظروف المحيطة بالمريض، وتحديد درجة المرض ونوعه وسببه، ومدافعة التسمّمات والحُمَّيات، والعلاج بالحمية والدواء والاستفراغ.

وأمّا الباب الثاني فموضوعه: المسالك التطبيقية للمنهج التجريبي الطبي عند الزهراوي، وصيرورته إبداعا وإشعاعا واستمرارا، وضَمَّ فصلين اثنين، لكل فصل ثلاثة مباحث:

فـالفصل الأول مُخَصًّص للمسالك التطبيقية عند الزهراوي، وتَمّ إجمالها في الملاحظة، والتجربة، والمشاهدات السريرية المرتبطة بهما، وهذا هو محتوى المبحث الأول. أما المبحث الثاني فمحتواه: الاستقراء، والاستدلال، والمشاهدات السريرية المرتبطة بهما. وأما المبحث الثالث فقد كان ناظما  للاستنباط والتقعيد والمشاهدات السريرية المرتبطة بهما. وخُصِّصَ الفصل الثاني من هذا الباب الأخير لصيرورة المنهج التجريبي الطبي عند الزهراوي إبداعا وإشعاعا واستمرارا، وذلك في ثلاثة مباحث: ضَمَّ الأول منها كَشْفاً لبعض الأمراض الواردة في كتاب ” التصريف” للزهراوي باعتبار أن الخبرة بالأمراض مُنطَــلَقٌ للإبداع الطبي، وضَمَّ الثاني نماذج من إبداعات الزهراوي وإشعاعاته الطبية، وضَمَّ الثالث مقاربة لمنظور الطب الحديث لاستمرارية طب الزهراوي من جهتين: الأولى تضم شهادات مُعتَرِفَة بالأهمية المستمِرَّة لطب الزهراوي، والثانية مِحْوَرُهاَ نماذِجُ من طب الزهراوي في منظور الطب الحديث.

      وانتهى البحث بخاتمة تضمنت أهم نتائجه وتوصياته، وبفهارس كل من المصادر والمراجع، والآيات القرآنية، وأطراف الأحاديث النبوية، والعِلَل، والأعلام، والآلات الطبية، والأمكنة، والمحتويات.

أهم النتائج المتوصل إليها:

       أولا: كل مقالات كتاب “التصريف لمن عجز عن التأليف” وما تحتويه من أبواب وفصول شاهدة على أن الزهراوي متـشـبع بمبادئ وقيم الإسلام، لذلك لم تكن عطاءاته بمعزل عن عقيدته.

       ثانيا: لم يكتم الزهراوي مصادره المعرفية التي استفاد منها خارج الدوائر الإسلامية، حيث صرح بمناهله اليونانية والسريانية فضلا عن مناهله من طب المشارقة والمغاربة.

       ثالثا: إن الأسس النظرية لطب الزهراوي ثلاثة أقسام: أسس لتـشخيص الأمراض، وأخرى للجراحة، والأخيرة للدواء والعلاج: فمجمل الأسس النظرية عنده لكشف الأمراض هي: الإدراك القبلي للأمور الطبيعية، والإحاطة بالدلائل والأعراض، وتحديد الأسباب وتصنيفها. أما الأسس النظرية للجراحة فتتلخص في: الجمع بين الدواء والغذاء والجراحة، والحذر مع اعتماد الدراية والتراكم التجريبي، والتشريح وإدراك الاختلافات وتصور وسائل الجراحة. أما الأسس النظرية للدواء والعلاج فمجملُها: رصد الظروف المحيطة بالمريض والمرض، ومدافعة التسممات والحـُمَّـيات، والعلاج بالحمية والدواء والاستفراغ.

       رابعا: على الرغم من بروز ظاهرة التدقيقات المصطلحية لدى الزهراوي، فإن ثمة لغة مشتركة بين قاموسه الطبي ومصطلحات الفلاسفة والمتكلمين من مثل مصطلحات “الجوهر” و”العرض” و”الحسن” و”القبح”. ومن جهة أخرى فإن القاموس المشترك مع غيره هو ذلك المتجلي في المصطلحات الطبية التي ظل أسيرا في بعضها لمن سبقه من الأطباء اليونانيين والسريانيين والمسلمين، مثل مصطلح أو نظرية “الأخلاط” حيث تمسك بالمنظور القديم القائل بأن الأركان التي تقوم عليها التركيبة الجسدية للإنسان هي الماء والهواء والنار والأرض، وبأن طباع هذه الأركان هي الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة.

       خامسا: توجد ظاهرة علمية مستنبطة من تشخيصه للأمراض، و يمكن تسميتها بـــ :”ظاهرة سابق العلم”: فقد حصر أجناس الدلائل وأجناس الأعراض بالاعتبار الزماني في ثلاثة: الأولى سماها المذكرة، وهي الدالة على الماضي، والثانية سماها الدالة (أي الدالة الراهنة)، وهي الدالة على الحاضر، والثالثة سماها سابق العلم، وهي الدالة على المستقبل، ومثال هذه الأخيرة: اعتبار الاضطراب والتحرك الحادثين للشفة السفلى دالين على حدوث قيء في المستقبل القريب، وهذا هو سابق العلم الذي برره باتصال المعدة بغشاء الفم. ويمكن القول إن هذه الظاهرة تعتبر ملمحا من ملامح نظرية التوقع الطبي لدى الزهراوي.

      سادسا: إن المسالك التطبيقية لمنهج البحث التجريبي عند الزهراوي هي الملاحظة، والتجربة، والاستقراء، والاستدلال، والاستنباط، والتقعيد. وتُلْتَمَسُ من ثلاث زوايا: زاوية الملاحظة والتجربة، وزاوية الاستقراء والاستدلال، وزاوية الاستنباط والتقعيد. وكل هذه المسالك تتجسد تطبيقيا في مشاهدات سريرية.

       سابعا: استطاع الزهراوي استخلاص قواعد طبية هامة:

1ــ قواعد خاصة بالأمراض، منها:

ــ ثلاثة أرباع العلاج في حفظ قوة المريض.

ــ قطع سبب المرض أولى من الالتفات إلى قوة المريض إذا تيقن الطبيب ألّا خَوْفَ على العليل من ضعف قوته بسبب فقد الغذاء أو قِلَّتهِ.

ــ تقوية قوة المريض أولى من قطع سبب المرض إذا خشي الطبيب عليه الموت من ضعف قوته، مع العمل على قطع السبب.

2ــ قواعد خاصة بالأدوية، منها:

ــ العلاج بالأدوية يكون بعد استنفاد العلاج بالأغذية.

ــ الدواء المفرد مقدم على الدواء المركب.

ــ تعتمد الأدوية المعلومة، ولا يتم اللجوء إلى المجهولة إلا بعد استنباطها بالمشاهدة والتجربة.

ــ الاقتصار على الأدوية القليلة أولى من اعتماد الكثير منها.

ــ تقديم العلاج بالدواء المتاح الـمُتَّسِم بالعذوبة وطيبوبة الرائحة: هو معيار الترجيح بين الدواءين المتساويين نفعا وطبيعة.

ــ كل دواء مُسْهِل إنما يُسْهِل إما بالعصر وإما بالإزلاق وإما بالحِدَّة والقهر.

3ــ قواعد خاصة بمعالجة كسر العظام، منها:

ــ يتم علاج كسور العظام بشكل جيد وسريع بالمبادرة الآنية إلى فَصْدِ المصُاب أو إِسْهَالِهِ أو هُمَا معاً إن لم يكن مانع لذلك.

ــ العظام المكسورة للرجال الهَرِمِين لا تتصل ولا تلتحم على طبيعتها الأولى لصلابة عظامها وجفافها، عكس حال عظام الصبيان.

ــ تختلف أنواع الكسر بحسب اختلاف الأعضاء.

ــ ليس كل عضو مكسور ينبغي أن يُشَدَّ بالجبائر من أول يوم، مثل العضو الكبير، حيث يَلزَمُ ألا توضع عليه الجبائر إلا بعد زوال ورمه.

ــ وصول الغذاء (عبر الدم) إلى العضو المكسور بطريقة سليمة، مساعد لالتئام الكسر وبُرْئِــه سريعا.

4ــ قواعد خاصة بِبَطِّ وشَقِّ الأورام، منها:

ــ يجبُ بَــطُّ الأورام القريبة من المفاصل والأعضاء الرئيسية قبل نضجها وتقيحها، وتأخير بطها يسبب التعفنات، فيصير الورم ناصورا.

ــ بط الورم في المواضع اللحمية قبل نضجه يُطيل سيلان الصديد، فالمطلوب بطه بعد نضجه.

ــ التدرج في إخراج قيح الورم العظيم لازم وضروري خصوصا إذا كان العليل ضعيف القوة.

5ــ قواعد خاصة بعلاج الجروح، منها:

ــ إذا خرج الريح من الجرح الغائر في الصدر أو بين الكتفين، وقت تنفس العليل، فهذا الجرح قَتَّال.

ــ شد الجرح وحبس الدم في غَوْرِه في جراحات الصدر وما بين الكتفين يسببان الموت للعليل بارتفاع الدم إلى القلب.

ــ تكون الجروح الواقعة في الصدر وما بين الكتفين غير قَتَّالَة إن مضت عليها ثلاثة أيام دون حدوث ضيق في التنفس ولا تشنج ولا خفقان رديء.

       ثامنا: كل الأمراض التي كانت موضوعات للبحث عند الزهراوي ذات علاقة بجميع أجهزة الإنسان.

     تاسعا: مارس الزهراوي الطب مدة تربو على خمسة عقود، فاكتسب بذلك خبرات كثيرة وطويلة، منها خِبرتُه بالعِلَل التي تعتري المرضى. ومن هذه الدِّراية الواسعة بالأمراض انطلق نحو الإبداع الطبي. ويجد المتفحص لأبحاثه الواردة في كتاب “التصريف” تشخيصا وعلاجا لأمراض كثيرة بلغت 469 مرض(تسعة وستين وأربعمائة مرض) ذُكِرَت كلها في المقالات المحققة وغير المحققة من كتاب “التصريف”.

      عاشرا: إن الناظر في كتب بعض الأطباء الذين سبقوا الزهراوي أو عاصروه سيلاحظ أنه تَفَرَّدَ عنهم بما طوره أو ابتكره في مساره الطبي. ويمكن تَلَمُّسُ ذلك-على سبيل المثال-عند مطالعة كتاب “الحاوي في الطب” للرازي، وكتاب “القانون في الطب” لابن سينا.

     حادي عشر: من أمثلة إبداعات الزهراوي: تشخيصه وعلاجه لِلْمَرَضَيْنِ المُتَشَابِهَيْنِ اللذيْن يُسَمَّيَانِ الناصور والناسور: فالناصور هو القرحة التي يسيل منها الدم لأكثر من أربعين يوما، والناسور هو العِرْق الدائم السيلان إما دمعا (في العين) وإما دما (في اللثة والدبر). ومنها: طريقة التوليد وكيفية إخراج المشيمة الملتصقة بجدار بطن الحامل، وتحويل الجنين إلى الوضع الطبيعي بعد أن يكون في وضع غير طبيعي. فقد تكون الطبقة الخارجية للغشاء الذي يكون فيه الجنين في البطن ملتصقة بالطبن وتحتاج إلى أن تُفَكَّ أو يكون الجنين ذاته على حال ليس هو الوضع المعتاد عند الولادة ويحتاج إلى تغييره تفاديا لكل خطر قد يحدق به. ومنها: علاجُ أوجاع المفاصل والظهر، وتشخيصُ تشنج العضلات، وعلاجُ سُدَد الكبد والطحال، وعلاجُ علل الكلى والمثانة والرحم، وعلاجُ الرَّ مَد وسيلان الدموع، وعلاجُ ضيق النَّفَـس والسعال الرطب واليابس وعلل الصدر والرئة، وتشخيصُ وعلاجُ عدة أمراض نفسية وعقلية، وتشخيصُ وعلاجُ التسمُّمات، وتشخيص وعلاج مرض اليَرَقان، وتشخيص وعلاج أمراض الكبد، وتشخيص وعلاج مرض السرطان، ومعالجة كسور العظام بعد تشخيصها وتحديد مواضعها بالمداد. ومنها تشخيص وعلاج مرض الاستسقاء، وعلاج بعض علل البول بالقسطرة، وعلاج الأورام والقروح والبواسير. ومنها صناعة دواء مركب يصلح لعلاج كثير من الأمراض وَوَصَفَهُ بأنه جامع كبير ذو منفعتين.

      ثاني عشر: يتطابق المنهج التجريبي للزهراوي مع المنهج التجريبي الحديث: ومن أمثلة ذلك: في اختصاص أمراض العيون: لا تزال العملية التي أبدعها الزهراوي لعلاج السَّبَل في العين تُعْمَلُ الآن ولا تزال طريقة علاج الظُّفُرَةِ مستعملة حاليا. وعلى الرغم من إدخال تعديل بسيط على طريقة علاج الشَّعِـيـرَةِ في الطب الحديث، فإن طريقة الزهراوي في علاجها هي الأصل حيث كان يستعمل القطع والخياطة في ذلك. كذلك علاج النَّاسُور الدمعي إِذْ إِنَّ طريقة علاجه في الطب المعاصر هي طريقة الزهراوي ذاتها حيث كان يداوي مُؤْقَ العين بالكيّ. وفي اختصاص جراحة الخُرَاجَات وعلاج الالتهابات الـمُـتَقَيِّحَـة: يوجد تطابق كبير بين الزهراوي والطب الحديث في علاج القروح والخراجات، وذلك بعدم شق الأورام المتقيحة (وهي الخرُاجات) إلا بعد النضج، بينما تتم المبادرة السريعة إلى شق الأورام القريبة من المفاصل خشية فساد هذه الأخيرة. وفي اختصاص العظام وما يرتبط بها من كسور وغيرها: لا يزال الطب الحديث يُفَعِّلُ القواعد التي أرساها الزهراوي لعلاج التهاب العظام. كما أن بينهما تطابقا في التحذير من تحريك العضو المكسور، وضرورة ملاءمة حجم الجبيرة لحجم العضو، ولزوم استعمال الجبائر إلى حين تمام شفاء الكسر. وبينهما أيضا تطابق في الـمُـدَ دِ المحددة لالتحام والتئام كسور الأطراف. ويوجد تطابق بين الزهراوي والطب الحديث في علاج الورك المفكوك وفك أصابع اليد وفك الـمِعْصَم وفك المرفق ورد فك المنكب، وفي علاج فك الترقوة وطرف المنكب وفك اللحى الأسفل. وثمة تطابق بينهما في علاج كسر اليد والأصابع وكسر الذراع وكسر عظم العانة وكسر خرز الظهر والعنق وكسر الجمجمة وكسر الأنف. وبينهما تطابق كامل في علاج العظام المكسورة في حالة انجبارها وهي معوجة، وتوافق في علاج التَّعَقُّدِ العارض للعضو إثر الكسر الجزئي، وتطابق في علاج كسور العظام إذا حدثت مع جروح، وفي علاج الكسر إذا انجبر وبقي العضو بعد ذلك رقيقا على غير طبيعته الأولى. وفي اختصاص الرحم والتوليد: لا تزال منهجية الزهراوي في إخراج الجنين أثناء التوليد صالحة إلى اليوم (وهي ما يسمى بوضعية “وَالْشَرْ”في الولادة). وفي اختصاص المسالك البولية وجراحتها: الإجراء المعمول به في عصرنا لتحويل مجرى البول هو الإجراءُ عينهُ الذي ابتكره الزهراوي، وكذلك عملية تفتيت الحصاة داخل المثانة، فَوِفْقَ طريقته يعمل الطب الحديث. وفي اختصاص الشرايين والأنسجة والتعفنات والنزيف وما يرتبط بذلك من جراحات: يتطابق طب الزهراوي مع الطب الحديث في كون التعفن يصيب الشريان المربوط ويعقبه النزيف، كما يتطابقان فيما يسمى ب “الهيموفيليا” حديثا: أي وجود الاستعداد الخاص للنزيف في بعض الأجسام. والزهراوي هو أول من عَمِلَ بطريقة سَلِّ العروق، وهي طريقة معمول بها حديثا، وقد تحدث عن جراحتها وعلاج انتفاخاتها “Anévrysmes”. وفي اختصاص جراحة البطن: وذلك في علاج مرض الاستسقاء، حيث يُشَقُّ جدارُ البطن ويتم إدخال أنبوبة ذات طرف مَبْرِيّ مثل القلم من أجل التخلص من الماء الأصفر الموجود في البطن وما رافقه من مادة غريبة. هذه الطريقة معمول بها في الطب الحديث، وأصلها من إبداع الزهراوي. وفي اختصاص الأسنان: إن آلية جرد الأسنان وطريقتها عند الزهراوي متوافقة مع الطب الحديث. وفي اختصاص الأذن: بين الزهراوي والطب الحديث تطابق في طريقة غسل الأذن وعملية الشق لإخراج ما يسقط فيها. وفي اختصاص جراحة اللهاة واللوزتين والقصبة الهوائية: بين الزهراوي والطب الحديث تطابق في علاج أورام اللهاة، وفي استئصال اللوزتين، وفي طريقة فتح القصبة الهوائية. وفي اختصاص التخدير والتعقيم: للزهراوي دراية وطرق ووسائل مستعملة في تخدير الأجسام وتعقيم الأدوات الجراحية وتطهير الجروح مطابقة في أصلها ومبادئها-لا في تفاصيلها-للطب المعاصر. وفي اختصاص الصيدلة: لاتزال أغلب أبحاث الزهراوي حول الأدوية المستخرجة من النباتات التي درسها صالحة إلى يومنا هذا. وقد تمت الإشارة إلى أن الصيدلاني السوري محمد يحيى خراط قد قام بدراستها دراسة حديثة، حيث كان يذكر اسم النبات ويُعَرِّفُ به ويصفه أو يُصَنِّفُهُ ويُـحَـدِّ دُ الجزء المستعمل منه والعناصر الفعالة فيه وفوائده واستعمالاته الحديثة. وقد أحصيت من خلالها 168(ثمانية وستين ومائة نبات)، كلها نباتات لها استعمالات وفوائد حديثة ماعدا أربعة منها، أي إن الطب الحديث، يعترف بأهمية وجدوى الاستطبابات المتعلقة بأربعة وستين ومائة نبات(164) في المقالتين 14و15 من كتاب “التصريف” للزهراوي.

      ولموضوع هذه الرسالة آفاق بحثية، حيث لا يزال كثير من إنتاجات الزهراوي مستمرَّ النفع إلى يومنا هذا، ولقد ثم الكشف عن ذلك من خلال منظور الطب الحديث. وعلى الرغم من أن جوانب بحثية من طبه قد استنفدت أغراضها في العهود الخالية، فإن جوانب بحثية أخرى مرتبطة بالنباتات والصيدلة تنتظر أهل الاختصاص ليُزيحوا عنها اللثام ليتبيّن هل انتهت صلاحيتها أم لا يزال جلها أو بعضها أو كلها نافعا لعصرنا الراهن. هذا من الموضوعات المرشحة للبحث في كتاب”التصريف” للزهراوي، تلك الموضوعات تشكل أداة للوصل بين الماضي والحاضر. ولعل الجهد المبذول في هذه الأطروحة قد انصرف إلى الجوانب المنهجية في المقالات المحققة من كتاب “التصريف” للزهراوي نظريا وتطبيقيا. من هنا تبدو الحاجةُ إلى جهود أخرى لباحثين آخرين لاحقين مطلوبةً للقيام بدراسات خاصة بهذا الكتاب الموسوعة. وقد ذكرتُ في آخر الأطروحة موضوعات مرشحة للبحث.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وعلى سيدنا محمد أزكى الصلوات والتسليمات.

 

نوقشت هذه الأطروحة يوم 21 دجنبر 2020م بكلية الآداب/أكدال بالرباط

بميزة “مشرف جدا مع توصية بالطبع وتهنئة لجنة التحكيم”

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *