كورونا مثار مواجهة بين تيارات إسلامية وعلمانية ــ تأمل في الخلفيات والمآلات.

إنجاز الباحثة بهيجة الماضي

أستاذة الفلسفة بالثانوي التأهيلي

باحثة بسلك الدكتوراه: فلسفة الدين والفلسفة الإسلامية.

      وتشتعل هذه المواجهة الجديدة حول ثلاث مسائل: أصل الفيروس، أسبابه، ثم علاجه. فإذ يصر الإسلاميون على التفسير الديني للفيروس علة ومآلا، وتمجيد الفعل الإلهي تدبيرا وقضاء. يصر العلمانيون بالمقابل على التفسير المادي للفيروس سببا وغاية، وتمجيد العقل العلمي ابتداء وانتهاء بطرد الخرافة التي يعتبر التفسير الديني جزءا منها.[1]

      وهكذا ما يكاد المرء يفتح موقعا من مواقع التواصل، أو صفحة إعلامية حتى تتكرر على مسامعه ومرآه مشاهد حروب اللغة التي تبدأ بالملاسنات وتنتهي بالعنف اللفظي، تبدأ بقدح الأفكار وتنتهي بقدح الأشخاص والمساس بكرامتهم ومعتقداتهم، بشكل ينافي روح الدين والعلمانية نفسيهما. تهم نمطية متبادلة لقرن من الزمان لاتبارح تهمتي الظلامية بالنسبة للتيار الأول، وتهمة المروق بالنسبة للتيار الثاني[2].

      وقد كانت الآمال معقودة على كوارث الطبيعة عساها توقف صراعهما وتوحد قواهما -بعد أن فشلت هموم الوطن في تحقيق ذلك- لكن زمن الموت نفسه وقدسيته لم يفلحا في إخماد هذه الحرب، وهو ما يستفز العقل ويجعله يطرح السؤال: ما لذي زرع كل هذا الحقد بين ذراعين من جسم واحد، الأولى بهما أن يتضافرا معا للتجذيف في بحر عرمرم سفينتهما فيه واحدة؟ لماذا يسعى كل منهماــ وبكل حمق ــ لإغراق الآخر وكأنه لا يدرك أنه إذ يفعل انما يغرق نفسه ما داما يركبان السفينة نفسها؟ ولماذا فشلت جهود ما سمي اليسار الإسلامي في تحقيق هذه الغاية؟

      إن فهم حقيقة الصراع العلماني-الإسلامي، يقتضي فهم خلفياته الخفية وتفكيك مرجعياته الفلسفية المؤسسة، ليس من أجل فهم أفضل لتجليات الصراع وأبعاده الحقيقية فقط، وإنما لأنه الشرط الأساسي لوضع هندسة جديدة للخروج من أثون هذا التطاحن المميت، الى طريق الوحدة والتكتل لبناء النهضة المنشودة.

      إن الصدام العلماني- الإسلامي وإن كانت تجلياته على المسرح السياسي، فهو ليس خلافا سياسيا فحسب، وليس صراعا حول شكل من أشكال الحكم، أو حول نوع من القوانين إلهية أو وضعية، وليس تنافسا حول السلطة أو قيادة المجتمع، ولا نضالا لأجل فئة من الناس ضد فئة أخرى. ولكن حقيقة الصراع تتخذ بعدا أنطولوجيا أعمق، وإن كان لايستثني المعرفة والقيم، مادامت رؤية الإنسان للوجود، هي ما يؤطر كل زوايا نظره إلى مكونات هذا الوجود، الذي ليست السياسة إلا جزءا منه. فبالرغم من كون الاختلاف سنة كونية يقرها النص الديني نفسه المختلف حوله، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} ورغم أن الاختلاف سبب دينامية المجتمعات ومحرك الفكر والتاريخ، إلاأن خلافهما لم يطور تاريخا ولا بنى مجتمعا، وإنما كرس المزيد من أشكال التخلف، وأطفأ كل محاولات التنوير الحقيقي. وما ذلك إلا لأن خلفية الصراع الأنطولوجية تجعل غريزة البقاء تهزم غريزة السيطرة، حيث يرى كل طرف أن استمراره في الوجود رهين بالقضاء على الطرف الآخر، وأن انتصار الآخر في مسرح السياسة يعني هلاكه في مسرح الوجود. فالإسلامي يخشى تهمة الإرهاب التي يمكنها أن ترمي به وراء الشمس بتواطؤ عالمي، والعلماني يخشى تطبيق “الحدود” الذي يمكن أن يجعل منه موضوعا للقصاص وبتواطؤ ثقافي.

      وإن كان الخطر الذي يستشعره الإسلامي في اللحظة الراهنة، يتزايد قدره أمام رعاية الدول العظمى للعلمانية العربية كجزء لا يتجزأ من حمايتها لمصالحها فيه، فإن العلماني أيضا لا ينعم بالطمأنينة إزاء موجة التدين المتزايدة للشعوب العربية، وتأجُج عاطفتها الدينية.

      بحكم هذه الخلفية الأنطولوجية للصراع ينذر كل تيار نفسه لهدم جهود التيار الآخر، حتى صار الاعتقاد جازما عند كلاهما أن النهضة لن تتحقق إلا بالقضاء على الطرف الآخر.

      ولاستكشاف الخلفيات الفلسفية المؤسسة لهذا الصراع الوجودي، يمكن تأمل ما كتب عن وباء كورونا من كلا الطائفتين، فبالنسبة للطائفة العلمانية نجد أن موقفها من الوباء تأسس على ثلاث رؤى أساسية:

ــ رؤية أولى تتأمل الوباء في سياق تأمل الوجود الإنساني، فتدرجه ضمن سلسلة الأشكال المتعددة لعبثية الحياة وبؤس الإنسان في العالم، وغياب المعنى لكل أشكال الاحتماء بأعماق النفس إلا من خلال التصالح مع العبث، والأمل الاضطراري في المستقبل الذي يعتبر الموت جزءا منه، مادام كورونا لا يعيد سوى مشهد الضعف الإنساني وقابليته للفناء، وهو المشهد المتكرر في كل الأمكنة والأزمنة. مثلما يعيد مشهد إفلاس الديني وانكشاف زيف الألوهية، حيث يظهر الإله في زمن الوباء بمظهر العاجز عن حماية خلقه، ولا حتى الاستجابة لآلاف الأكف المتضرعة من كل مؤمني العالم، فلا يزيد الوباء الإنسان إلا اقتناعا بعبثية الوجود.[3]

      وتبعا لهذا، يؤكد أصحاب هذه الرؤية عبثية كل أشكال الحديث عن الوباء، وكل محاولات فهمه أو تعليله، سواء ميتافيزيقيا أو واقعيا مادام الإنسان عاجزا عن فهم نفسه ووجوده. ولا يقدم هذا التصور من حل سوى التصالح مع فكرة ضعفنا وفنائنا، ومعايشة تجربة الحظر أو العدوى بأسلوبنا الخاص ووفق اختيارنا الحر، مهما كان اختيارنا سيئا أو حسنا فلن يكون سوى إنجازا بطوليا مادام منبعه إرادة الفرد، ومادام لا معنى للحياة إلا ما يمنحه الإنسان بنفسه لنفسه.[4]

      وتنهل هذه الرؤية من الفلسفة الوجودية بكل أشكالها الملحدة والعبثية والعدمية، كما أسسها كل من جون بول سارتر وألبير كامو، وقد لخصها ألبير كامو في قوله “إننا ننكر الله وننكر مسؤولية الله، بهذه الصورة ليس غير سنحرر العالم”[5] وبهذا فلا يوجد شيء لنبحث عنه مادام “كل موجود يولد بلا سبب، ويستطيل به العمر عن ضعف منه، ويموت بمحض المصادفة”[6]كما يقول سارتر.

      فهي رؤية ترفض سلطة الله على الإنسان في الأرض، وإن كان مقابلها التَيهان والحيرة، وقد أقر جون بول سارتر بأسبقية الوجود على الماهية انتصارا للحرية الإنسانية، لكنه أقر بالمقابل بسلطة الطبيعة، والإقرار بسلطة الطبيعة في غياب الإقرار بوجود الإله، لا يمكن إلا أن يقود إلى العبث الذي وقعت فيه الوجودية، فالوباء عبث لأنه يؤدي إلى الموت، والموت عبث مادام الله غير موجود، ولامعنى لكل إنجازاتي مادام فيروس حقير قادر على وضع حد لحياتي أنا الكائن العاقل، وإيقاف كل أعمالي العظيمة، وسرقتي ممن أحبهم، لأرمى كنفايات بعيدا عن مجتمعي الذي طالما عملت لأجله، ولا أحظى حتى بجنازة حظيت بها الكثير من الكلاب ذات الحظوة  عند أصحابها، ولا يطفو على السطح سوى السؤال الرهيب: كيف يسمح الله بألمي وعذابي إذا كان موجودا؟

      وتشكل هذه الرؤية الخلفية الفلسفية للعلمانية اللادينية المعادية للأديان، مادامت الأديان تهدد الحرية الإنسانية من خلال ما تفرضه على الإنسان من التزام بشعائر وشرائع تستعبد الفكر والسلوك، وتجمد الفعل الإنساني في قوالب جاهزة. فهي علمانية تضع الحرية الفردية في مقابل قيم الجماعة. لهذا لا يتحدد الغيرُ المسلمُ بالنسبة لها إلا بوصفه جحيما مادام يسعى لتهديد الحرية الشخصية وعلى رأسها الرغبات.

      تحظى هذه العلمانية بالقبول الواسع بين فئة الشباب خاصة حيث الكبت السياسي، وتوق الشباب إلى التحرر، فيتم استغلال جذوته في أشكال النضال ضد الدين عموما والإسلام خصوصا.

      وغير بعيد عن هذه الرؤية العبثية، تسود رؤية ثانية تنظر للوباء في بعده الطبيعي الصرف، فلا ترى فيه جديدا سوى تكرار للكوارث الطبيعية التي هددت ولا زالت تهدد الإنسان، كوارث جيولوجية وبيولوجية تعد جزءا من نظام الطبيعة، ومبدأ محتملا في قوانينها، يمكن للعقل البشري تفسير أسبابها القريبة وكشف قوانينها المادية المتحكمة فيها، لكنه عاجز عن كشف أسبابها البعيدة وأسرارها الخفية، لأن الخوض فيها لن يجنح بالعقل سوى لمتاهات الأسطورة والخرافة، فتعيد الإنسان لقرون ماقبل التاريخ، وتسكنه كهوف الجهل والتخلف من جديد. فالوباء موضوعي ولا يحمل أبعادا غائية، كمثل العديد من الأوبئة التي اجتازت تاريخ البشرية الطويل، وقد كان الإنسان دائما قادرا على الانتصار عليها وإعادة التوازن الى الطبيعة من جديد بواسطة العقل العلمي الجبار.[7]

      وتنهل هذه الرؤية من الفلسفة المادية ــ الطبيعية كما شيدتها الداروينية، مؤكدة انفصال العلمي عن الغيبي، والمادي عن الروحي، معتدة بالعقل العلمي، رافضة لأي سلطة سواه، متمادية في الإثبات أن لا خلاص للبشرية في أي جائحة ولا كارثة تصيب الأرض أو الإنسان سوى العلم. بل تذهب أكثر من ذلك إلى الحديث عن إحراج العلم للدين في زمن كورونا، حيث صارت المختبرات العلمية بديلا لبيوت الله الموصدة، وكسدت تجارة الدين، وألقي رجاله إلى هامش التاريخ، واشرأبت الأعناق إلى رجال العلم في تطلع نافذ لما تتفتق به عقولهم من حلول. متجاهلة على نحو غريب السؤال المحرج الذي يضعنا أمامه الفيلسوف الفرنسي إدغار موران: كيف يمكن الإقرار بسلطة العلم في زمن فقد فيه العلم براءته ونبله، بحكم تحالفه مع السلطتين السياسية والإقتصادية ضد الإنسان.[8]

      فهذه الرؤية وإن كانت تنهل من الفلسفة الداروينية، فإن جذورها البعيدة تمتد إلى عالم الميثولوجيا المفارق لعالم اللوغوس، حيث يسرق البطل بروميثيوس شعلة العلم من الآلهة لتصبح ملكا للإنسان، ورغم كل مايتم إضفاؤه على الأسطورة هنا من رمزية، بغية انتشالها من عالم الخرافة وإلحاقها بعالم المعنى بعد طرد الدين منه، فإنها تجعلنا نطرح السؤال: كيف نعتبر الإله مصدر العلم ثم ننكر عليه العلم بعد ذلك؟

      وتشكل هذه الرؤية الخلفية المؤسسة للعلمانية التي تصف نفسها بالعلمية، وهي تحظى بقبول واسع بين النخبة العربية من أكاديميين ومثقفين وباحثين، لأنها تقدس العلم  وتقر بالحتمية بدل العبث، فلا إله عندها سوى العلم، ولا كتاب سوى قوانين الطبيعة، كما أنها لا تعارض حضور الدين في الحياة كبعد من أبعاد الوجدان الذي لا يبارح العقل البشري، لكنها ترفض بشكل قطعي حضوره في مجالات العلم والمعرفة، إلا بشرط أن تخضعه للدراسة لا أن يخضعها، وأن تنقده لا أن ينقدها، مادام الدين برأيها مجرد عقل دوغمائي منعدم التفكير.

      ورغم أن هذه العلمانية أقل تطرفا من سابقتها، حيث تنحصر سجالاتها بين النخبة أو داخل أسوار الجامعات والمعاهد ومؤسسات الأبحاث العلمية، إلا أنها نادرة في مجتمعاتنا العربية.

      كما تسود رؤية ثالثة لا تنظر للجائحة إلا في سياق تداعياتها الواقعية على الوجود الإنساني في أبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مستندة الى مناهج العلوم الاجتماعية، ومناهج التخطيط والإحصاء، لرصد أشكال الاختلالات الاجتماعة التي يمكن أن يحدثها الوباء، فهي رؤية لا تكثرت بالبحث في أصل الوباء بقدر ما تهتم بفهم انعكاساته على الواقع الاجتماعي والسعي لعلاجها، وإبراز علاقات القوى المادية المتصارعة في زمن الوباء، ومستقبلها على الواقع البشري في بعديه الاقتصادي والسياسي.[9]

      وتنهل هذه الرؤية من المدرسة الواقعية المادية، فلسفة تختزل الإنسان إلى كائن مادي، وتختزل الوجود الإنساني الى قوى مادية يؤسسها الواقع، حيث تصبح البنية الفوقية بكل أشكال الوعي التابعة لها من قيم ومعرفة، مجرد صدى للواقع بكل قواه المادية الفاعلة، ويتحول الإنسان إلى قوة منتجة أو مستهلكة، وهي علمانية معادية للدين أيضا من جهة أنه يخدر الوعي الجمعي وينشر قيم الصبر والقناعة التي هي في زعمها ضد التقدم.

      وهكذا نرى أن كل أشكال العلمانيات السابقة وإن تعددت رؤاها، فهي تنطلق من منظور واحد أوحد، وهو المنظور المادي، حيث تقصي الروح وترفع قيمة الجسد، الجسد كمسرات أو آلام عند الوجودي، وكحتمية عند الطبيعي، وكوحدة اقتصادية عند الوضعي، وبالرغم من أن الوجودية تؤمن بحرية الإنسان، فحريته حرية حسية صرفة، بحيث لا يتمثل الوجودي حريته إلا من خلال مغامراته الحسية.

      لهذا تتضافر هذه الرؤى جميعا لأجل غاية واحدة: وهي إزاحة الله عن عرش الكون، وتنصيب الإنسان بدله، لأجل تحطيم الرؤية الدينية الأخروية، التي تشكل عائقا في نظرها أمام المتعة الدنيوية ولذاتها. لكن الإنسان المؤله والموكل إليه قيادة الكون هو إنسان حائر في الرؤية الأولى، وكائن بيولوجي لا يعدو كونه جزءا من نظام الطبيعة في الرؤية الثانية، ومجرد قوة إنتاجية أو استهلاكية في الرؤية الثالثة. وهي كلها رؤى تجزيئية اختزالية تمزق الهوية الإنسانية تمزيقا جائرا، وتهين الإنسان من حيث تدعي تكريمه، وتستعبده من حيث تدعي تحريره، وتشقيه من حيث تريد إسعاده. فالوجودية تسلب الإنسان كينونته الأخلاقية، والحتموية تسلبه كينونته الحرة، والمادية تسلبه كينونته الثقافية. فلم تعمل كلها إلا أن استبدلت الإنسان الأعلى “النتشوي” بالإله.

      أما بالنسبة للطائفة الثانية، فهي طائفة محدودة من الإسلاميين تؤسس رؤاها انطلاقا من منظور أنطولوجي معادي للاتجاه الأول، لكنها لاتعاديه من جهة تأكيده على قيم الدنيا، فهذا أمر يسمح لها به النص القرآني نفسه،{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] ولكنها تعاديه من جهة إنكاره للبعد الديني في الوجود الإنساني، ولأجل ذلك تنسب هذه الطائفة  نفسها إلى الله وتُنَصب نفسها حامية للدين وراعيته، وإن كانت سلوكات وممارسات بعضها على أرض الواقع قد تتناقض في قليل أو كثير من الأحيان مع ما تدعيه.

      ويمكن استعراض موقفها من خلال رؤيتين مختلفتين:

      رؤية تنظر للوباء بوصفه نقمة إلهية لحقت البشر بحكم إسرافهم في الفساد، واستخفافهم بالأوامر الإلهية، فامتد الغضب إلى غيرهم من الأبرياء الذين لاذنب لهم سوى تقاسم الأرض معهم، ولسان حالهم يقول مع بني إسرائيل {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} [الأعراف: 155].

      ويؤكد أصحاب هذه الرؤية أن الوباء لن يرفع بالبحث العلمي، ولا بالحظر الصحي، ولا بكل الوسائل التي يتيحها العلم المعاصر، فلا مخرج أمام الإنسان سوى العودة إلى الله، وذلك بتوبة الجماعة كلها وليس الفرد وحده، وتكون هذه التوبة من خلال الحكم بما أنزل الله، وإقامة حدود الله وتشريعاته، وتعظيم حرماته وشعائره.

      وقد ملأت تدويناتها مواقع التواصل الاجتماعي أيام انحصار الوباء في الصين، جازمة أن الوباء انتقام إلهي لمسلمي الإيغور، ولما وصل الوباء أرض إيران اعتبر انتقاما من أهل التشيع لانحرافهم العقدي، لكن عندما انتشر في ربوع العالم الإسلامي السني، وعطل شعائر المسلمين الجماعية، تحول الوباء إلى علامة من علامات الساعة سبق التنبؤ بها في السنة النبوية، وإلى إعجاز علمي أحيانا أخرى. وتحول أصحاب هذه الرؤية إلى أطباء يلوون أعناق النصوص ليا لإثبات فعالية العلاج الديني للفيروس، من رقية شرعية ووضوء ونقاب كممارسات شعائرية معجزة علميا تلغي الحاجة إلى العلاج الكيميائي. وقد خاض بعضهم حربا ضد مؤسسات الصحة ومؤسسات الإفتاء نفسها، بخصوص مسألة إغلاق المساجد ومنع غسل الموتى، وتحول بعضهم إلى تجار كورونا يكدسون الأموال باسم الرقية الشرعية. فيلغون الأسباب المادية التي تثبتها السنن الكونية والشريعة الإلهية نفسها، كما ينفون الحرية الإنسانية التي هي أساس فعل الاستخلاف والأمانة، فيتم اغتيال فاعلية العقل في زمن الوباء حيث الحاجة أمس إلى التفكير.[10]

      وهكذا يذهب التأويل من أقصاه إلى أقصاه، حيث يصبح النص الديني أحيانا خادما للأيديولوجيا، بدل أن يكون خادما لقيم الإنسانية التي جاءت الأديان لحمايتها، وهي تأويلات تستند إلى أيديولوجيا التعصب وسيكولوجية التطرف، فلا تزيد الإسلام إلا حصارا على حصار اللحظة التاريخية التي يعيشها، ولا تزيد المسلمين إلا تخلفا وانحطاطا على انحطاطهم.

      وهي رؤية تنهل من فهم ضيق للدين، ينتصر للنص ويغمض عينيه كفعل النعام عن الواقع، ورياح الحداثة الكاسحة التي لا يمكن لتجاهلها إلا أن يقودنا إلى المزيد من الهزائم الحضارية. والأخطر منه تقديس الفهومات التراثية للنص أكثر من تقديس النص ذاته، فيجمد النص ويتم الإسهام في موته من حيث الرغبة في إحيائه. وينسى أصحاب هذا التصور أننا سبب مآسينا قبل غيرنا، وأن هزيمتنا الحضارية لن يكون مخرجها بانتظار المفاجآت من السماء، ولا حتى بالشماتة بالأعداء، ففي هذا إلغاء لقوانين الكون. فلا نهضة بدون عمل ولا عمل بدون علم. وحتى الدين الذي يرون فيه سندهم، لن يكون بسبب سوء الفهم والتنزيل سوى هلاكهم في مجتمع جاهل متخلف.

      إن هذه الرؤية وان كانت تدعي طهرانية الذات، فهي تصدر في الحقيقة عن أنانية خفية، يتم بموجبها إسقاط عيوب الذات ونواقصها ورغباتها المحرمة على الآخر “الكافر”، بتزكية النفس، وتدنيس الغير، وإقصاء كل أشكال الاختلاف في إطار الدين والفكر عامة. محتكرة مفهوم الإيمان لحوزتها، مؤسسة رؤيتها على التصنيف والتفاضل، صنف يؤمن بالإسلام ويقيمه، هو سبب كل خير في هذا العالم، وصنف يكفر بالإسلام ويهينه، هو سبب كل شر في هذا العالم.

      لذلك تظل رؤية مفعمة بالنرجسية وإن ادعى أصحابها الدفاع عن قدسية الإله، فإنهم في حقيقة الأمر لا يرون مقدسا سوى ذواتهم استنادا الى شرعية دينية، حيث ينصبون أنفسهم مكان الله، فيوزعون صكوك الغفران قولا، ويحصون أصحاب الجنة وأصحاب النار في الدنيا قبل الآخرة. لذلك فهي رؤية تلتقي مع المنظور المادي في نزعة السيطرة والتسيد، مع فارق أن الأول يتسيد على الكون باسم العقل، والثاني يتسيد باسم الله نفسه، معتبرا نفسه خازن أبواب الجنة والنار ومالك مفاتيحها، وتشكل هذه الرؤية الأساس الذي تقوم عليه بعض التيارات الإسلامية ذات التوجه المتطرف والعنيف خصوصا.

      أما الرؤية الثانية فهي وإن كانت تقاسم هؤلاء المنظور الديني الأخروي، فأصحابها أشد اعتراضا عليهم من الطائفة العلمانية، لأنها ترى فيهم خصما يهددها من الداخل، ينقض غزلها ويقوض جهودها المستمرة لأجل تحسين صورة الإسلام في الداخل والخارج وبلورة أبعاده الحضارية. فهم يحملونهم مسؤولية ما يمارس على أهل الإسلام من تنكيل، وما يشن عليه من هجوم خارجي بمساندة علمانيي الداخل. لذلك يحرص أصحاب هذه الرؤية على محاربة التطرف الديني أكثر من غيرهم، مستشعرين خطر أخطاء الطائفة الأولى عليهم بحكم انخراطهم في المجتمع وقربهم من مراكز السلطة، حتى إنهم لشدة حرصهم على الظهور بصورة المعتدل، صاروا ينازعون العلماني خطاب العقلنة والعلمنة والدمقرطة، بل يسابقونه إليه على المنابر الإعلامية.

      وقد ارتأت هذه الطائفة أن تستبعد فكرة الانتقام الإلهي في تعاملها مع الفيروس، وألا تخوض في أي تفسيرات غيبية حول الوباء، وإنما سارعت إلى احتضان أزمة الجائحة اقتصاديا واجتماعيا، بنشر أشكال الوعي المجتمعي حول خطورته وأساليب الوقاية منه، وأشكال التخطيط الاستراتيجي الممكنة لتجاوزه، فباركت قرار الحظر وإغلاق المساجد، وساندت السلطة في كل أشكال الكفاح ضد الوباء.[11]

      وتحضر هذه الرؤية عند اتجاه الإسلام السياسي، الذي نهج خيار المشاركة في التدبير السياسي، الأمر الذي جعله يتحول من سائس إلى مدافع عن نفسه، لأجل إثبات حسن النوايا ودفع هجومات الخصوم من الجهتين: العلمانية اللادينية المتطرفة من جهة، والأصولية الدينية المتعصبة من جهة أخرى، إضافة إلى المناورة الدائمة مع أنظمة الحكم التي تحتضنها، والمواجهة الدائمة للنقد الشعبي. وبذلك تفتقد هذه الطائفة كثيرا من سندها الداخلي والخارجي، ماجعلها تنهج نهج التقية في لباس أشبه بالعلمانية، حتى دب التعلمن في أوصالها بشكل خفي يكاد يقضي على ماهيتها المغايرة، فأصاب سلوكها بالتشوه وخطابها بالازدواجية.

      انطلاقا من هذه الجولة حول ما كتب عن كورونا في عالمنا العربي الإسلامي من بعض التيارات العلمانية والإسلامية، يمكن القول أن حقيقة الصراع العلماني- الإسلامي تنتهي إذن -وبلا أغلفة اللغة – الى الصراع بين منظورين اثنين: منظور مادي يلبس ثوب العلمية والحداثة، ومنظور ديني يلبس ثوب السياسة، طائفة تريد الدنيا وتصرح بذلك، وطائفة تدعي أنها تريد الآخرة لكن سلوكها قد لايوافق قولها. ولئن كان المنظور الأخروي أكثر ضمانة من الناحية الأنطولوجية، فإن أصحابه قد يبدون في كثير من الأحيان مناقضين للرسالة التي يحملون، عاجزين عن استيعاب روحها الإنسانية الكونية، في حين قد يظهر أصحاب المنظور الأول أكثر استيعابا لمشروعهم وتصالحا معه.

      إلا أن التيارين معا لم يتجاوزا نطاق التفكير الأحادي المنغلق، ففي الوقت الذي تنغلق فيه العلمانية على منظور مادي يقدس الجسد ويكفر بالروح وعوالمها، نجد من الإسلاميين من ينغلق على نفسه مقصيا غيره، ومتعاليا فكريا عن عالمه الأرضي الذي تعتبر الخطيئة شرطه وشرط نزول كل الرسالات السماوية.

      فمزق كلاهما الهوية الإنسانية وظلما الإنسان ظلما عظيما. فكل كارثة حلت بوجودنا البشري يتعين النظر اليها في كل أبعادها. فلا الوجودية الملحدة التي تقصي البعد الغيبي والحضور الإلهي من مسرح الوجود الإنساني كفيلة بفهم الإنسان، ولا التصور الديني المنغلق الذي ينفي خصوبة الحياة، وينكر بشرية الإنسان القابلة للخطيئة كفيل بفهم الإنسان أيضا. ففي الوقت الذي يسعى فيه العقل الغربي جاهدا للتخلص من الرؤية الاختزالية للإنسان، وصياغة ابستمولوجيا جديدة لفهم العالم قائمة على التركيب. يلهث العقل العربي – المصر على تكرار مآسي غيره- وراء التجزيء والتقطيع للكينونة الإنسانية التي تأبى إلا أن تظل فوق كل تضييق.

      فالإنسان هو ذلك الكائن المادي- الروحي، الطبيعي- الثقافي، السياسي- الاقتصادي، الديني-الدنيوي، الحسي-الغيبي. وكل حديث عنه خارج هذه الرؤية الكلية جهل وقصور عن فهمه. وما ذلك إلا لأن الطائفتين معا يسيرهما الهوى الأيديولوجي والعمى الطائفي أكثر من سؤال الحقيقية الذي يجب أن يرتقي فوق كل انتماء.

لأجل هذا تزداد الحاجة إلى التأكيد على البعد التركيبي للوجود الإنساني، بقدر حاجتنا إلى تشجيع كل أشكال التفكير المشترك في مآسينا الخاصة والكونية، التي بات وباء كورونا المستجد جزءا منها، من أجل العثور على السبل الكفيلة لإنقاذ ما تبقى من كوكبنا الأرضي، وإنقاذ الإنسانية المحتضرة فينا، بدل إيقاظ نعرات الحقد والإقصاء.

      فمآسي البشرية اليوم أقوى من أن يعالجها المسلمون وحدهم، ولا النصارى واليهود أيضا وحدهم، فبالأحرى طائفة من هذه الديانة أو تلك. فالعالم اليوم يحتاج إلى تكثيف الجهود والالتفاف صفا واحدا لمواجهة الخطر الأكبر؛ وحش الطغيان والاستبداد والتطرف المادي والروحي على حد سواء.

      ولو تمكن التياران العلماني والإسلامي من تحويل صراعهما إلى منافسة، وخلافهما إلى اختلاف، وتطرفهما إلى تسامح لكان للعالم العربي الإسلامي وجه آخر أكثر إشراقا وتنورا. فالإسلامي بحاجة إلى بناء منظور جديد للدين، قائم على الاعتراف بالغير وبمغايرته وبدوره في الفضاء العمومي، لبناء فضاء مفتوح، يتسع فيه العيش المشترك للعلماني والإسلامي على السواء، وما أحوج إلى فكر علماني راشد، يعترف بالدين وحرية ممارسته ويقر بضرورته الحيوية في الحياة الاجتماعية، بعيدا عن الحقد الأيديولوجي والإقصاء الممنهج. من أجل بناء مجتمع جديد برؤية هابرماسية “مجتمع ما بعد العلمانية” كما تصوره في كتابه: “بين النزعة الطبيعية والدين”، وهو ما لن يتأتى بدون الاستناد إل قيم الحوار واحترام كل طرف لخيارات الآخر، والتحرر من الاندفاع والتشويه والإقصاء والاتهامات العارية عن الدليل، واستعادة المناظرات العلمية الرصينة كما مورست في لحظات إشراق الحضارة الإسلامية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] –  انظر مقال ” عصيد ومغالطة رجل القش” أحمد الفراك.  https://www.hespress.com/writers/463893.html

[2] _ انظرأيضا مقال ” عصيد يتهم د.الفايد بممارسة الشعوذة و”الطب الخرافي”.. هل يمكن محاكمة العلم بالأيديولوجيا؟!  نبيل غزال – هوية بريس (howiyapress.com).  وقد أثار تصريح عصيد حملة واسعة في العالم الافتراضي  من طرف إسلاميي المغرب، انظر: حملة انتقادات تلاحق عصيد بشأن علاقة “كورونا” بصوم رمضان (hespress.com) أتبعت بحملة مضادة من طرف اتباع الحركة الأمازيغية العلمانية التي اتهمت التيار الاسلامي بالتطرف والإرهاب. وقد امتد هذا الصراع في كل ربوع العالم العربي. في الجزائر انظر مقال:” كورونا..دعوة لتعليق الصيام تشعل جدلا بالجزائر”. عبد الرزاق بن عبد الله  (aa.com.tr) في مصر انظر مقال ” حتى كورونا لم تسلم من الاخوان ” محمد نافع https://www.hafryat.com/ar/node/14650

– انظرأيضا مقال  – كورونا بين الإسلاميين والعلمانيين – نعيم مصطفى- رسالة بوست (resalapost.com)

– انظرأيضا مقال: اعتبر تعليق صلاة الجمعة المقدسة مقدمة لإستعادة العلمانية – زهية منصر- الشروق أونلاين (echoroukonline.com)

–  انظر أيضا الجدول الواسع حول الأعمال الخيرية التي يقوم بها الإسلاميون في زمن كورونا، الامر الذي اعتبره العلمانيون استغلالا للجائحة من اجل استعادة تأثيرهم الشعبي الذي فقدوه بسبب انخراطهم في العمل السياسي. https://al-ain.com/article/chairperson-tunisia-corona-complacency-brotherhood.

[3] _ انظر: مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث – الإنسان في زمن كورونا: تأمّلات في المرض والموت والدين – حمادي أنور (mominoun.com)

[4] _ انظر:  ألبير كامو حول كورونا.. المعاناة عشوائية وذلك أبسط ما يمكن قوله ريناس مللي      (ultrasawt.com)

[5] ألبير كامو ” الإنسان المتمرد ” ترجمة نهاد رضا، منشروات عويدات، بيروت، باريس، الطبعة الثالثة، ص 34.

[6] جان بول سارتر ” الوجود والعدم: بحث في الأونطولوجيا الظاهراتية، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الآداب، بيروت، الطبعة الأولى 1966. ص 126. https://www.noor-book.com/كتاب-الوجود-والعدم-جان-بول-سارتر-ترجمه-عبد-الرحمن-بدوي-pdf

[7] – انظر كورونا وجدل الدين والعلم في الفضاء الإسلامي- لحسين بن عمر (arabi21.com)

[8] Edgar Morin- science avec conscience, librairie Arthème Fayard,1982,édition du seuil,1990,p32 ,33 .

https://monoskop.org/images/e/e5/Morin_Edgar_Science_avec_conscience.pdf

[9]–  انظر: مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث – سوسيولوجيا جائحة الكورونا- عبد الصمد الديالمي (mominoun.com)

[10] – انظر مقال: الرقية والأعشاب.. الإفتاء: السلفيون استغلوا كورونا لتحقيق أرباح | مصراوى- محمود مصطفى  (masrawy.com)

– انظر أيضا مقال ” شطحات السلفيين في أزمة فيروس كورونا” الحسن بن عمر https://www.elwatannews.com/news/details/4664539

[11]– انظر ما نشر في الموقع  الإلكتروني لحزب العدالة والتنمية المغربي ” كورونا..المصباح يواصل ديناميته التأطيرية والتواصلية عن بعد” http://www.pjd.ma/node/68924

– انظر أيضا ” العدالة والتنمية ينخرط بجميع هيئاته ومسؤوليه في المجهود الوطني لمواجهة وباء كورونا”  http://www.pjd.ma/node/67517-  –

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *