قراءة في كتاب “مفاهيم قرآنية حول حقيقة الإنسان” للدكتور فاروق أحمد الدسوقي

إنجاز: الأستاذ موسى شواش

المحاضرة الأولى: الإنسان والزمان

      كان مدخل هذه المحاضرة طرح التساؤل التالي: متى يبدأ وجود الإنسان ومتى ينتهي هذا الوجود؟  واعتبر أن الإجابة على هذا السؤال هي أحد الاختلافات الجوهرية بين الأديان السماوية بعامة، والدين الإسلامي بخاصة من جهة، وبين العقائد والاتجاهات المادية من جهة أخرى، وذلك بسبب أن الأديان السماوية تقوم على الإيمان بالغيب، الذي يقتضي الإيمان باليوم الآخر، أي استمرار الوجود الأبدي للإنسان في دار الخلود، في حين ينكر الماديون هذه العقيدة، معتبرين أن وجود الإنسان يبدأ بميلاده وينتهي بموته.

      ثم قدّم إجابة القرآن الكريم على هذا السؤال، والتي تحدد علاقة الإنسان بالزمان في آيتين كريمتين هما: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28]. فيرى بأن الإنسان يبدأ وجوده بمرحلة يكون فيها ميتا قبل أن ينتقل إلى الحياة الممتدة بين الولادة والموتة الثانية، والمنتهية مع بداية الحياة عند البعث والنشور، والانتقال إلى إحدى الدارين. فهذه الحقيقة مؤكدة في آيات القرآن التي يتقدم فيها الموت على الحياة.

تطرق بعد ذلك لآثار عقيدة الإيمان باليوم الآخر في الحياة الإنسانية وحصر أهمها فيما يلي:

ــ الأثر الفكري، فبدون عقيدة مفسرة لمغزى الحياة وممكنة للتكيف مع طبيعتها ومتغيراتها، يكاد يستحيل على الفرد أن ينعم بإدراك جدوى الحياة، وامتلاك القدرة على تقبلها وتفسير متناقضاتها وجميع غوامضها. وإحراز اطمئنان النفس في أحضانها.

      وبالرجوع إلى القرآن نجده يبرز لنا الحقيقة العظمى والتي تذكر الإنسان بالغاية من وجوده في هذه الحياة وذلك في آيات عدة منها قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 165]، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]

      فالحكمة الإلهية العظمى من خلق الإنسان في هذه الحياة هي ابتلاؤه باختيار عبادة الله على غيرها من الاتجاهات، وذلك استعدادا منه لنيل النعيم بعد الموت في الآخرة، يقول الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: “وتلك حكمة إنشائه، فاستتبع قوله: (إلا ليعبدون) أنه ما خلقهم إلا لينتظم أمرهم بوقوفهم عند حدود التكاليف التشريعية من الأوامر والنواهي، فعبادة الإنسان ربه لا تخرج عن كونها محققة للمقصد من خلقه وعلة لحصوله عادة”[1].

ــ الأثر النفسي، فالمؤمن باليوم الآخر يفهم الحياة على أنها ابتلاء كلها، مما يتيح له عدم الاصطدام بحقائقها، ويعينه على تحمل مكارهها وصعوباتها، باعتبارها مرحلة اختبار مؤقتة تحيل على حياة أبدية في الآخرة، ينعم فيها بالسعادة أو يشقى بالعذاب.

ــ الأثر الخلقي، حيث ترتبط القيم الخلقية ارتباطا وثيقا بالإيمان باليوم الآخر، إلى حد استبعاد وجود انضباط أخلاقي قوي ومستمر، بعيدا عن حافز الجزاء والعقاب، الذي يوفره الإيمان باليوم الآخر للنفس البشرية.

المحاضرة الثانية: الإنسان والمكان

      ذكر فيها بأن تصور العالم في الإسلام، يختلف عن تصور العالم عند الماديين اختلافا جذريًّا، فالماديون يظنون أن الكون كله هو العالم المحسوس المرئي، ومن ثم فهو يتمثل في الفضاء الكوني بما فيه من مجرات وأجرام سماوية، وبما في ذلك الأرض وما عليها، ويعجزون عن إدراك ما هو موجود خارج الفضاء الكوني، لأن العقل لا يستطيع تصور العدم.

      أما في التصور الإسلامي للكون، فالقرآن يحدثنا عن عوالم متعددة ضمن نوعين كبيرين هما عالم الغيب وعالم الشهادة. فبالنسبة للإنسان ولكل الكائنات حتى الملائكة، يوجد ما هو غائب عنهم وما هو مشهود لهم. ومن ثم فليس في الوجود سوى الله عزوجل، الذي وحده يعلم كل شيء، ويعلو على كل شيء {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 9].

      ويرى الكاتب بأن عالم الشهادة بالنسبة لنا أهل السماء الأولى، يشمل ما تحتها من نجوم وكواكب إضافة إلى الأرض نفسها، وهو ما يسعى العقل دوما لاكتشاف أبعاده اللامحدودة. وأما عالم الغيب فهو السماوات الست وما فيها. وأما أهل السماء الثانية فعالم الشهادة عندهم هو السماء الثانية والأولى وما فيهما، بحيث يمكنهم التعرف على جوانب في عالم شهادتهم هذا، بخلاف السماوات الخمس التي فوقهم، وتمثل عالم الغيب الذي لا يعلمون عنه شيئا. وهذا ما يصدق على عوالم السماوات الأخرى.

      ثم قدم تصورا جديرا بالاعتبار، حول حقيقة الأرضين السبع المذكورين في القرآن والسنة، ويقتضي أن في كل سماء أرض مثل أرضنا، التي تحوط بها السماء الأولى من كل جهة مثل مح البيضة، والسماء الثانية تستوعب السماء الأولى وما فيها، زيادة على مجالها الخاص بها، بحيث يكون عالم كل سماء شاملا لما تحته من السماوات، ويشمله ما فوقه منها.

      وبين تشابه الأرضين السبع فيما بينهن، انطلاقا من نصوص الوحي، {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [فصلت: 12]، “وأوحى في كل سماء أمرها” أي ناموسها وقانونها، وطبيعة الخلق فيها، والحكمة من وجودها، والمهام الموكولة لكل مخلوق فيها.

ومن دعاء الرسول المؤكد لانفصال كل أرض عن غيرها، “اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن الحديث..”[2]

ولندرك قيمة هذا التصور ومستوى ما يحظى به من الجدة والتميز، نستعرض فيما يلي أقوال بعض المفسرين لسبع أرضين وسبع سماوات.

لنرى كيف فهموا قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]

      قال ابن كثير: وقوله تعالى: (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)؛ أي: سبعًا أيضًا.   وقال القرطبي: ذكر تعالى أن السموات سبع، ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى: (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) ، وقد اختلف فيه، فقيل: ومن الأرض مثلهن؛ أي: في العدد؛ لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار، فتعين العدد، وقيل:  (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) ؛ أي: في غِلَظهنَّ وما بينهن، وقيل: هي سبع إلا أنه لم يفتق بعضها عن بعض، قاله الداودي، والصحيح أنه الأول، وأنها سبع كالسموات السبع.
وفي ظلال القرآن لسيد قطب: والسموات السبع: لا علم لنا بحقيقة مدلولها وأبعادها ومساحتها، وكذلك الأراضي السبع، فقد تكون أرضنا هذه التي نعرفها واحدة منهن، والباقيات في علم الله، وقد يكون معنى (مِثْلَهُنَّ) أن هذه الأرض من جنس السموات، فهي مثلهن في تركيبها أو خصائصها، وعلى أية حال فلا ضرورة لمحاولة تطبيق هذه النصوص على ما يصل إليه علمنا؛ لأن علمنا لا يحيط بالكون، حتى نقول على وجه التحقيق: هذا ما يريده القرآن، ولن يصح أن نقول هكذا إلا يوم يعلم الإنسان تركيب

الكون كله علمًا يقينيًّا… وهيهات!

      وفي تنوير الأذهان من تفسير روح البيان؛ للشيخ إسماعيل حقي البروسويّ: (مِثْلَهُنَّ)؛ أي: مثل السماوات السبع في العدد، واختلف في كيفية طبقات الأرض، فالجمهور على أنها سبع أرضين طباقًا بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض، وقال الضحاك: مطبقة كلها فوق بعض من غير فتوق وفرجة؛ سواء كان بالبحار، أو بغيرها، بخلاف السماوات.

فمن خلال هذه التفاسير يمكن وصف ما قدمه الكاتب بالتصور الأوضح والأقرب للصواب.

المحاضرة الثالثة: الفطرة أو مصير المشركين الذين لم تبلغهم رسالة الإسلام

      حيث تطرق إلى بيان معنى الفطرة وحقيقتها، وأنها هي الطبيعة الأولى التي يخلق عليها الإنسان، وأن الله يخلق الإنسان موحدا بمقتضى الطبيعة والخِلقة والجِبلّة {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، وأن التوحيد الذي نزل من السماء عن طريق الوحي له مثيل في نفس كل إنسان لم تتبدل فطرته، ولا فرق بينهما؛ اللهم إلا أن معرفة الفطرة بالله إجمالية كلية؛ ومعرفة الوحي تفصيلية بيانية.

      والذي يغير الفطرة الموحدة هم الشياطين والبيئة والمجتمع والثقافة السائدة فيه، وعلى رأس ذلك كله الأسرة.

      أما التغيير الإرادي الذي يحدثه الإنسان في فطرته من التوحيد إلى الشرك وذلك بعد بلوغه سن الرشد فهو حادث، حيث إن العامل الحاسم في تغيير الفطرة هو إرادة صاحبها، وما هذه العوامل الأخرى من تربية الوالدين وثقافة المجتمع، إلا مؤثرات مساعدة في الاستقامة على ما تميل إليه الفطرة، ويدعو إليه الدين أو الانحراف عن ذلك.

ثم تطرق إلى الجواب على السؤال التالي: “ما هو مصير المشرك الذي لم تبلغه رسلة الإسلام”، وعرض أهم الآراء الواردة في الجواب على هذا السؤال والتي كانت كالتالي:

ــ أن المشرك الذي لم تبلغه رسالة الإسلام، لا يعذب على الشرك، لأنه لم تصله الرسالة السماوية الهادية له إلى التوحيد، مستدلين بقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]،

ــ أن من مات على الشرك سواء وصلته رسالة السماء الصحيحة أم لم تصله فإنه في النار ودليلهم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48].

      ثم ذكر الرأي الذي رجحه قائلا: والرأي الصواب واضح وأساسه هو حقيقة الفطرة، فالذي يموت على الشرك في أي زمان ومكان ومهما كانت بيئته، فإنه يخلد في النار لا محالة بمقتضى وعيد الله للمشركين، حيث أَوْعَدَ أنه لا يغفر الشرك، ويغفر ما دونه من الذنوب والآثام وحتى الكبائر لمن يشاء، حيث اقتضت حكمة الله أن يغرس الفطرة الموحدة في النفس الإنسانية، و أن يشهد الإنسان على استيعابه وتعلمه، وتقبل نفسه لهذه الحقيقة، {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } [الأعراف: 172، 173].

      والحكمة من هذا الإشهاد هي إبطال حجة المشرك بعدم وصول الرسالة إليه، إذا لم تكن الرسالة وصلته، ولذلك أشهد الله كل الناس بلا استثناء واحد منهم قائلا لهم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) فردوا عليه جميعا قائلين: (بَلَى) أي نعم نشهد أنك ربنا الواحد، وبذلك شهد كل منا على نفسه أمام الله بأنه وعى وأدرك هذه الحقيقة الكونية العظمى التي تقوم عليها كل الحقائق الكونية الأخرى، وهي أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه.

      وأما قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، فالمقصود به أن الله لايعذب أحدا على تفاصيل التوحيد وتكاليف الشريعة، التي لا تدرك إلا بالتعليم، فخرج من ذلك أصل التوحيد المتوصل إليه بالفطرة، التي هي قاسم مشترك بين جميع الناس.

      فمسؤولية الإنسان قائمة على الفطرة المركوزة في النفس، والتي على أساسها يكون حسابه يوم القيامة، بحسب اختياره بين المحافظة عليها أو تغييرها وتحريفها؛ وكانت الغاية من بعثة الأنبياء والرسل هي التذكير بما في الفطرة من الميل للحق والبغض للباطل ومعرفة المعرف وإنكار المنكر، والدعوة إلى صونها من غلبة الهوى والزلل عن أحكامها، وإرشاد الناس إلى الدين القيم الجامع للفضائل والمكرمات كلها.

المحاضرة الرابعة: الخلافة أو مكانة الإنسان الوجودية

      فبين معنى الخلافة في تحديد القرآن الكريم لمركز الإنسان الوجودي ووظيفته الكونية ودرجته بين المخلوقات جميعا، كما أنها التعبير القرآني عن رسالة الإنسان في حياته الدنيا؛ لقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]. فالجعل يفيد الجبر وليس يفيد الاختيار. وقوله: (خليفَةً) مطلقة دون أن يحدد من هو الذي سيكون الإنسان خليفة له، هل سيكون خليفة لله أو لغير الله؟ وهذا التساؤل قد حسم بإخضاع الله الإنسان لمهمة الاستخلاف عنه سبحانه وليس عن غيره، إذ الاستخلاف الواقع بين الناس، والذي تفرضه التنظيمات المجتمعية، وضبط العلاقات المختلفة فيما بينهم، ومنها علاقة الحاكم بالمحكومين، لا ينفي كون الإنسان في أصله وحقيقته خليفة عن الله في الأرض، علم ذلك أم جهله، كما أن هذا النوع من الاستخلاف يندرج تلقائيا ضمن الاستخلاف العام، بمعنى أن الله أسند إلى الإنسان ممارسة الحرية المشروطة بالمسؤولية في دائرة التكليف المحددة، تحت مراقبة الله وبتدبيره الحكيم للكون والكائنات، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها.

      وسواء جرى عمله على نهج الوحي أم خارجه، فهو في الحالين مستخلف مسؤول، وبالتالي فإن تساؤل الكاتب عن كيف يحقق الإنسان خلافته لله وكيف يحققها لغير الله، يجب تعويضه بتساؤل أكثر دقة وإلحاحا، وهو كيف يحقق الإنسان خلافته الشاملة والرشيدة لله، فيظفر بخيري الدنيا والآخرة؟

      ثم بين أن الخلافة تعبير عن علاقة بين الإنسان “المستخلف”، وبين ربه الذي استخلفه من جهة، (وتتمثل في الخضوع والطاعة واستسلام الخليفة لمن استخلفه “العبودية”)، وعن علاقة أخرى بين الإنسان الخليفة وبين كل ما استخلفه الله عليه في الأرض من جهة أخرى (وتتمثل في سيطرة الإنسان الخليفة وهيمنته واستغلاله وحاكميته وتسخيره لكل ما استخلفه الله عليه “السيادة”)؛ فالخلافة عبودية وسيادة، وإذا لم يحقق الإنسان عبوديته لله فإنه يضيع سيادته في الأرض.

      وأرى أنها فعلا عبودية إما مختارة أو مفروضة، فكل الناس عبيد لخالقهم إما طوعا بالإيمان بالله وإما كرها عند عدمه، لأن العبد في جميع أحواله واقع في قبضة خالقه. وغاية الدين نقل الناس من العبودية المفروضة إلى العبودية المختارة.

      كما أن السيادة في الأرض، متاحة للإنسان فيما استخلفه الله عليه، ولا تكون دائما مقرونة بإقرار العبودية الاختيارية لله، لكنها لا تستمر ولا تفلح في إقامة الحضارة الإنسانية الرشيدة، المحققة للسعادة الدنيوية الكاملة والسعادة الأخروية الدائمة، إلا على أساس الدين القيم.

المحاضرة الخامسة: الأمانة أو جوهر الإنسانية

      استهل هذه المحاضرة بقول الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]، ثم استعرض المعاني العامة للآية، فاستنبط منها بأن الأمانة عرضت على جميع المخلوقات في السماوات والأرض، فأبت حملها وأشفقت منها عدا الإنسان، وفي معنى الأمانة، بين أن الإنسان يتميز عن سائر المخلوقات جميعا بحمل الأمانة، وأن الأمانة هي جوهر الإنسانية أو فيها يكمن سر الإنسانية.

ثم حدد لمعرفة حقيقة الأمانة، البحث عن خاصية آدمية تتوفر فيها ثلاثة شروط  و هي:

ــ أن تدخل هذه الخاصية كمكون أساسي وجوهري في حقيقة الإنسانية.

ــ أن تكون خاصة بالإنسان لأنه الوحيد الذي حملها.

ــ أن تكون هذه الخاصية قابلة للضياع كما المحافظة عليها، وأنها أمر غيبي ذو شأن خطير. ويرى ضرورة أن تتصف بالمعنى الخاص في الأرض، أي الوديعة المستردة التي يحاسب عليها حاملها.

      ثم ذكر اختلاف المفسرين قديما وحديثا في تحديد مدلول الأمانة، التي عرضها الله عزوجل على المخلوقات فقبلها الإنسان وحده، ومن أبرز ما قيل في هذا الصدد أنها: الصلاة- العبادة- الطاعة- التكليف- الرسالة السماوية – الشهوة.

      وبين وجود اتجاه جديد في العصر الحديث يفسر الأمانة بالحرية والاختيار والمسؤولية، وأن كثيرا من الناس يرون بأنها العقل، وبعضهم يرى بأنها الخلافة، لأن الإنسان ينفرد بها، وهناك من اعتبرها خاصية النطق أو الخاصية الاجتماعية في الفطرة الإنسانية، أو الحضارة التي اختص بها الجنس البشري.

      وذكر بأنها كلها خصائص متلازمة؛ وأن الله خلق الإنسان لابتلائه في الدنيا، فجعله حرا مختارا، وهذا يترتب عليه المسؤولية والجزاء في الآخرة.

      بعد ذلك حاول اختبار الخاصيات، التي يفترض كونها هي الأمانة المعنية، لاستبعاد ما لا يصلح منها أن يكون وديعة مستردة، أو التي لاتعتبر مكونا جوهريا في الذات الإنسانية، وبالتالي لا تتوفر فيها الشروط الثلاثة المحددة من قبل.

      فبدأ بالصلاة والعبادة والطاعة والتكليف، وقد استبعد كونها هي الأمانة المميزة للإنسان، لأن الحيوانات والجمادات أخبر القرآن بأنها عابدة مسبحة لخالقها، {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، وقد فاته أن يتبين بأن عبادة الإنسان مختارة غير مقهور عليها، خلاف ما هو عليه الحال لدى غيره من المخلوقات الأخرى، والتي لا يمكن وصفها بكونها مكلفة، مادامت فاقدة لحرية الاختيار، ومجبولة على الانقياد التام.

      وأما بالنسبة للعقل والخاصية الاجتماعية والنطق، فذكر بأن القرآن قرر بأن الحيوانات اجتماعية عاقلة ناطقة، مستشهدا بنطق الهدهد والنمل على عهد سليمان عليه السلام، وإذا كانت الحيوانات حقا تعيش في جماعات متضامنة، وتتفاهم فيما بينها بنطقها المعلوم، فإن عقلها لا يرقى أبدا إلى مستوى عقل الإنسان، الذي أنيط بحريته وتكليفه حمل الأمانة، فالحيوان لا يفكر ولا يدرس أموره، وإنما تقوده غرائزه بحيث لا يملك الخروج عن حكمها الصارم.

      وقال عن خصائص الحرية والاختيار والمسؤولية: وكلها مقومات لحقيقة الابتلاء، فليس الإنسان هو الكائن المبتلى والمحاسب وحده، بل يشاركه في ذلك الجن أيضا، وبالتالي لا يمكن تفسير الأمانة التي نص القرآن على تحمل الإنسان لها، أنها الحرية أو المسؤولية أو الابتلاء.

      وهنا فعلا إشكال ناجم عن تصريح القرآن بكون الإنسان تحمل الأمانة من بين جميع الخلائق، وكون الجن أيضا يمتلكون القدرة ذاتها على الاختيار ويحاسبون على أعمالهم، ويقرن القرآن في ذلك دوما بين الإنس والجن، بما يدل على كونهم حقا شركاء في حمل الأمانة والمحاسبة عليها.

     كما أن الاختبار الاستقرائي لملابسات الأمانة وحقيقتها، يفضي إلى الجزم بأنها هي الاختيار المسؤول، الذي لا ينفك عن جميع صور الأمانة. وأن ممارساتها المختلفة، ليست سوى ممارسات عملية تأكيدية، لما سبق عليها من إرادة وما لازمها من مسؤولية تثبيتها والحفاظ عليها، إزاء المتغيرات والمعيقات عن استصحاب الاختيار إلى نهاية الإنجاز.

      واستبعَد أن تكون الشهوة لدى الإنسان هي المقصودة بالأمانة، لكونها موجودة عند الحيوان أيضا. ولا يخفى أن الشهوة لدى الإنسان أمانة يحاسب عليها حسابا شديدا، وأنها ابتلاء من الله عظيم، تمتحن بها عفة المرء ونزاهته.

     ثم تطرق إلى الخلافة التي اختص بها الإنسان في الأرض، وأكد أنها لا تدخل في ذاته كمكون جوهري، وهي حقيقة جوهرية تعكس طبيعة الجنس البشري وميزته على غيره من الخلائق المسخرة له. والخلافة والإنسانية متصلان غير منفصلين.

      ويرى أن الخلافة تحدد مركز الإنسان الوجودي ووظيفته في الكون، وذكر بأن العلاقة بينها وبين الأمانة كعلاقة الوظيفة بالمؤهل، لأن الله جعل الإنسان خليفة دون تخيير، بخلاف الأمانة التي تحملها بإرادته، لكن الكاتب أغفل كون القدرة على الاختيار، تمارس سواء فيما يفرض أساسا وفيما يعرض اقتراحا تخييريا، وقد عُدت جميع الفرائض والتكاليف الشرعية أمانات واجبة الوفاء، والاستخلاف ممارسة شاملة للاختيار على أوسع نطاق، فلو عزلت الأمانة عن الاستخلاف لأفرغ من طبيعته ومغزاه.

      وأضاف بأن الخلافة ليست وديعة مستردة كما هو شأن الأمانة. وهذا تضييق لا مسوغ له لمعنى الأمانة، التي تعم كل ما يؤتمن عليه، دون أن يقتضي دائما صفة الاسترداد.

      فالاستخلاف داخل في معنى الأمانة، التي يسأل عنها كل فرد من البشر، فإن قام بها على وجهها الصحيح أثيب، وإن أخل بها عوقب، {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129]، {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 13، 14]

      وقال المؤلف علينا العودة إلى آيات خلق الإنسان في القرآن والسنة، لعلنا نجد فيها خاصية تتوفر فيها الشروط الثلاثة، ومن ثم تكون هي الأمانة.

     فأورد الآيات الدالة على نفخ الروح بعد تسوية الجسد ومنها: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 28، 29]، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } [السجدة: 7-9].

      والحديث الصحيح: “إن أحدكم ليجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله، ثم يبعث الله إليه الملك فينفخ فيه الروح”

      وقد ربط التعرف على حقيقة الأمانة أو جوهر الإنسانية، من هذه النصوص وغيرها، بمعرفة حقيقتين قرآنيتين وهما:

الأولى: أن النفس لا الروح هي مصدر حياة الإنسان. فهو يفرق بين النفس والروح، مع أن القرآن سمى دائما الروح عندما تنفخ في الجسد وتسري فيه نفسا، فهي الحرة المسؤولة عن الأفعال خيرها وشرها، لكونها المخاطبة بالتكاليف والمحاسبة عليها يوم البعث والنشور، وهي المعذبة في الجحيم والمنعمة في الجنة. قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا  قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7- 10]، {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 – 30]، وإذا فالنفس مسؤولة عن حياة الإنسان القلبية، التي لا تحصل إلا بممارسة الاختيار والمسؤولية، فتؤمن وتكفر، وتصلح وتفسد، وتشقى وتسعد. ومن جهة أخرى أوافق الكاتب فيما ذهب إليه، بأن الروح التي هي النفس كما بينا، غير مسؤولة عن حياة الجسد البيولوجية، والتي تحصل بروح حيواني غيرها. والتي بتوقف نظامها داخل البدن، تحصل الوفاة وتستمر الروح/النفس خارج إطاره المتلاشي، في حياة البرزخ إلى يوم القيامة، لتواصل وجودها في جنة أو نار.

الثانية: يرى أن ثمة فرقا بين البشرية والإنسانية في القرآن الكريم، فالبشرية تعني الخصائص الحيوية عند الإنسان، والتي هي أحوال له باعتباره كائنا حيا، ومن ثم يشاركه فيها الحيوانات الأخرى (التكوين الجسدي، الغرائز كغريزة الأكل والنوم والغريزة الجنسية…). أما الإنسانية كمصطلح قرآني فهو يعني الخصائص العليا، التي يتمتع بها بنو آدم ولا توجد عند الكائنات الحية الأخرى، فكل ما هو مشترك بين الإنسان والحيوان من أحوال وخصائص ليس من الإنسانية، ولا نكاد نجد آية في القرآن تستخدم كلمة إنسان، إلا ويكون موضوع الآية الرئيسي هو خاصية من خصائص الإنسان، التي ينفرد بها عن الحيوان، مثال ذلك: (خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، (عَلَّمَ الإْنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).

      ولست أشاطر الكاتب هذا الاستنتاج، لأن الله في قرآنه خلع الصفة البشرية على رسله، وهم أعلى شأنا وأرفع إنسانية، من ذلك قوله تعالى: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 93]، {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [المؤمنون: 34]، ووصف الإنسان بما يستوي فيه مع الحيوان وهو الخلق من نطفة ومن طين فقال: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} [يس: 77]، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: 7].

      ثم اختار المؤلف اعتبار الأمانة هي الروح ذاتها، مؤكدا أن النفخة الإلهية هي سر الإنسانية وهي جوهر الإنسان، وحيث إن آدم تلقاها وهو حَيٌّ فإنه يمكن أن تضيع منه وهو حي، والقرآن يثبت أن الأمانة أمر فردي، حمله كل واحد من أبناء آدم. وحدثنا القرآن الكريم عن خلق أبناء آدم بمرحلتي التسوية ومرحلة النفخ الإلهية الكريمة كآدم سواء بسواء. قال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ  ثمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ  ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 7 – 9].

وخلص إلى التقريرات الآتية:

ــ أن الأمانة أمر ينفرد به الإنسان ولا يشاركه فيه غيره، حيث أن الله لا ينفخ الروح في أجنة الحيوانات ولم يرد ما يثبت ذلك.

ــ أن بني آدم يتلقون الروح وهم أحياء، ومن ثم إذا فقدها أو ضيعها بعضهم فإنهم لا يموتون، بل يظلون أحياء؛ فهي وديعة مستردة قابلة للضياع وللمحافظة عليها.

      ويُعترض على هذا الكلام بأنه إذا كانت الأمانة هي الروح، فمن المسؤول عن ضياعها وحفظها، غير الروح المكلفة شرعا بالحفاظ على تكاليف الدين والاستقامة على نهجها؟ {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 8، 9]، فلا مناص من التفريق بين الأمانة وبين المسؤول عن حفظها وضياعها، وإلا فإن الروح المنفوخة في كيان الإنسان أي النفس، والتي يعتريها الرشد والغي، قد تصير مساوية مثلا لدين الله المنزه عن أي نقص، والمنزل من السماء إلى الأرض على رسل الله الأطهار.

      فالروح التي أضحت نفسا بمجرد نفخها في الجسد، وغدت الجزء الأهم والأشرف في الذات الإنسانية، هي من يتحمل الأمانة، باعتبارها ممارسة لحرية الاختيار، بين الهداية والضلال والصلاح والفساد، سواء كان ذلك نهجا قويما في دين الله أم كان فطرة وعقلا حال تعذر تلقي الوحي.

      وفي الحديث عن حذيفة، رضي الله عنه قال: “حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة» وحدثنا عن رفعها قال: ” ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا  وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، ويقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ” ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلما رده علي الإسلام، وإن كان نصرانيا رده علي ساعيه، فأما اليوم: فما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا”[3].

      (في جذر قلوب الرجال) قال الأصمعى وأبو عمرو، وغيرهما: الجذر: الأصل[4]، ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن الأمانة من أفعال القلب الذي يمكن اعتباره مركز الروح/النفس، فقد يتحلى بها حينا وقد يتخلى عنها حينا آخر، أويتنكر لها ويخونها باستمرار، لكنه يظل مسؤولا عن طريقة تعامله معها في جميع الأحوال.

     فلزم التمييز بين الروح/النفس كأداة لحمل الأمانة، والأمانة في حد ذاتها باعتبارها صفة ملازمة للروح ولا تفارقها أبدا، سواء تمثلت حقيقتها ووفت بحقها، أم جحدتها وقابلتها باللامبالاة والرفض، ويظل الإنسان محتفظا بصفته الإنسانية، والتي يغلب عليها ضياع الأمانة، ونقض العهود ومخالفة ما فيه الصلاح والفلاح دنيا وأخرى.

ومن ثم يجوز اختزال الأمانة العظمى في ممارسة الاختيار، وتحمل مسؤولياته العملية في كل الأحيان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – انظر التحرير والتنوير، تفسير سورة الذاريات.

[2]صحيح ابن خزيمة (4/ 150) وقال الألباني: إسناده حسن لغيره.

 [3] – رواه الشيخان وغيرهما.

[4]شرح صحيح البخارى لابن بطال (10/ 39)

Print Friendly, PDF & Email

تعليق واحد

  1. علماؤنا ما زالوا مختلفين في ما هية كل من الروح والنفس.. وقد حُسم القول في الروح في قوله تعالى: يسألونك عن الروح؛ قل الروح من أمر ربي. صدق عز من قائل.
    أما قول المحاظر بأن الروح هي الأمانة فاراه – والله أعلم- مجانبا للصواب. فالروح جوهر. والأمانة عرض او وظيفة انفرد الإنسان بحملها دون سائر المخلوقات على جهل منه بثقل أدائها حق أدائها مصداقا لقوله تعالى: ” إنا عرضنا الامانة..الآية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *