حوار حول نسبية الحقيقة في مجال العلوم الطبيعية (الجزء الثاني)

الأستاذ الدكتور أبوبكر الحسني

السؤال الحادي عشر: يُعرف العلم التجريبي بكونه علما وصفيا يوفر غالبا معلومات ظاهرية وجزئية وإجرائية مفيدة، لكنه قد لا يقدم تفسيرا كافيا ولا حقائق نهائية في الكثير من إشكالات المادة خاصة و قضايا الحياة وتحدياتها عامة. نريد منكم شيئا من التوضيح.

      أهداف العلم التجريبي نوعان. معرفي ويتعلق بدراسة العالم المادي لفهم خصائصه وماهيته وتفاعله. وهذه المعرفة ازدادت دقة على مدى عدة قرون ووصلت لمستوى الذرة وأجزاء الذرة، وعند هذا المستوى بدت الخصائص والتفاعلات مختلفة عما عهده العلماء في العالم المرئي، أوما يسمى بفيزياء نيوتن التي تتسم بالحتمية وإمكانية توقع التحولات التي تطرأ على الأجسام بحسابات رياضية دقيقة. فأبحاث فيزيائيين كإنشتاين Enstein وبورBohr وهيزنبيرغ Heisenberg وشرودنغر SchrodingerوبلانكPlanck  أوضحت مثلا أنه لا يمكن معرفة مكان وسرعة الإلكترون في نفس الوقت، وأن الجزيئات لها طبيعة مزدوجة تتفاعل تارة على أنها موجات كهرومغناطيسية وتارة كجزيئات. وهذا الجانب المعرفي لطبيعة المادة لعله وصل إلى حدوده، نفس الشيء ينطبق على فهم طبيعة المادة الحية أوالحياة. فقد مكن التقدم التقني من الوصول إلى البنية الجزيئية للمادة الحية، وتبين أنها مكونة من نفس العناصر التي تتكون منها الجمادات بنسب مختلفة. ولعل أعظم الاكتشافات هي معرفة تكوين ال د ن أ   DNA وفهم الشفرة الوراثية المكونة من شريط من ثلاثة ملايير حرف؛ تحوي كل المعلومات الوراثية الضرورية لتشكل أنسجة وأعضاء الجنين، وكذلك كل المعلومات الوراثية الضرورية لوظائف الخلية والأعضاء. ويشكل ظهور الشفرة الوراثية تحديا أمام التفسير المادي للحياة المبني على الصدفة، ذلك أن ترجمة هذه الشفرة إلى بروتينات تحتاج وجودا مسبقا للبروتينات التي تحتاج بدورها إلى شفرة لتكوينها فيلزم الدور كما يقول العلماء. ولذلك لم يكن من بد لكبير الملاحدة ريشارد داوكينز Richard Dawkins أن يصرح أن الشفرة الوراثية، ربما جاءت من الفضاء داخل المذنبات، التي اصطدمت بالأرض قبل ملايير السنين. وهذا التفسير الخيالي لا يحل المشكلة، لأنه لا يخبرنا عن أصل هذه الشفرة في الفضاء قبل وصولها للأرض، وأصل البروتينات الضرورية لقراءة الشفرة وتحويلها إلى بروتينات. والتحدي الكبير كذلك هو إنشاء كائن حي من ملايير الخلايا على شكل أنسجة وأعضاء متناسقة ومتكاملة، انطلاقا من شفرة وراثية داخل خلية واحدة ناتجة عن تلقيح البويضة من طرف الحيوان المنوي.

      فالخلايا تشتغل كطابعات ثلاثية الأبعادimprimante 3D ، تستقي المعلومة من الشفرة الوراثية، لتطبع أشكالا بديعة من الأنسجة والأعضاء، لإنشاء جسم متناسق ومتكامل، سميع بصير مفكر مريد في نهاية المطاف. فمن أين جاءت الشفرة الوراثية التي تفوق النظم المعلوماتية تعقيدا، والتي تزود الروبوتات والطابعات الثلاثيات الأبعاد بالمعلومات، التي تمكنها من إنشاء أشكال هندسية أقل روعة وكفاءة، من أبسط المخلوقات الحية.

      إلا أن هذه التحديات، التي تبين عجز الإنسان ومحدودية قدرته على فهم ماهية المادة، وتفسير أصل الحياة وفهم المادة الحية، كل هذه التحديات لم تمنع الإنسان من الإفادة من المعارف العلمية التجريبية المكتسبة واستغلالها، لإحداث ثورة تكنولوجية غيرت أسلوب حياة الإنسان في ظرف وجيز. فوسائل الاتصالات وتكنولوجيا النانو والذكاء الاصطناعي، والبوتيكنولوجيا وعلم الأعصاب، ستشكل أساسا لتغيرات عميقة في نمط الحياة، خلال العقود القليلة القادمة.

     إذن ما يتميز به العصر الحالي، هوالوقوف على مدى عجز الإنسان وجهله بحقيقة وكنه جميع مستويات الكون من جهة، وقدرته على تسخير الأسرار المادية التي تحَصل عليها، لتحقيق ثورات تكنولوجية هائلة، تنسيه ضعفه وتنفخ في غروره، وتدفعه إلى التجبر والطغيان من جهة أخرى. ولعلنا نقترب شيئا فشيئا من مفهوم الدجال، الذي يفتتن به معظم الناس في آخر الزمان، لما يجريه الله على يديه، من خوارق وأمور عظام، مع عجزه الحقيقي وهوانه على الله، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى الخوف منه في أعين الصحابة فقال هوأهون على الله من ذلك، كما في الحديث المتفق عليه، الذي رواه شعبة ابن المغيرة رضي الله عنه.

      ويبقى الإنسان قادرا على فهم السنن الكونية، التي أودعها الله في العالم المادي، والإفادة منها مع عجزه عن الوصول إلى الحكمة الإلهية، التي شاءت أن تكون الآيات الكونية على ماهي عليه، رغم أنهم يعتقدون أن تغيرات ولو جد طفيفة على المعادلات الرياضية، التي ينتظم بها الكون بدءا بالذرة والجزيئات، وانتهاء بالمجرات، سيؤدي إلى اختلالات هائلة في الكون، بل يجعل ظهور الكون والحياة مستحيلا انطلاقا من حساباتهم.

     هذه استنتاجاتهم الرياضية، لكننا على يقين أن الله شاء أن يكون الخلق على ما هو عليه، وأن لو يشاء لخلق الخلق طبقا لسنن مغايرة؛ فهو سبحانه لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. فحين شاء جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم، وقلب العصا حية، وشق البحر لموسى عليه السلام، وأحيا الموتى لعيسى، وأجرى آيات عديدة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

السؤال الثاني عشر: لعل مما يكرس ابتعاد العلم التجريبي عن بلوغ الحقيقة المطلقة، وما هو أدنى منها؛ وهو المعلومة الصادقة دون زيادة أو نقصان، ما يتعرض له أحيانا من سوء الاستغلال والتوظيف، في مآرب تجارية وسياسية وأيديولوجية. يتحول معها من أداة بناء وإعمار إلى أداة إفساد ودمار، وقلب للحقائق والتعتيم عليها وتزييفها. فهل تؤكدون هذا الاستنتاج؟

      من أعظم الاختلالات التي يعرفها البحث التجريبي دخول الأهواء فيه. فالأهواء الأيديولوجية والمادية الربحية، تدفع المختبرات والشركات، بل حتى الدول، إلى توجيه الجهود البحثية بشكل غير موضوعي ومتحيز. وقد ظهر هذا جليا في أزمة الكوفيد الحالية بحيث قامت مختبرات ومجلات عالمية بنشر بحوث تبين فيما بعد بأنها مزورة. كما أن هناك أهواء أيديولوجية خلف عدة نظريات وعلى رأسها نظرية التطور؛ التي تدعم بمبالغ مالية هائلة، ويحارب كل من يعارضها بل يفصل من عمله، أو تقطع عنه الاعتمادات، وترفض المجلات نشر أبحاثه. رغم أن هذه النظرية لا تعدو كونها وجهة نظر؛ تحاول تفسير تاريخ ظهور الأحياء بميكانيزمات، أقل ما يقال عنها أنها تتنافى مع أبسط مقتضيات العقل، ولا دليل تجريبي عليها. كذلك الحال بالنسبة لنظرية النوع والحريات الفردية، التي تقنن للشذوذ وزنا المحارم، بل حتى شرعنة ممارسة العلاقات الرضائية مع الأطفال، بناء على أبحاث فاسدة، أجراها باحث فاسد على المنحرفين، وهو ألفريدكينسي Alfred Kinsey.

      هناك نوع آخر من التوظيف المضلل للعلم التجريبي وهو ما بات يعرف بالروحانيات الجديدة؛ وهي مزيج من الديانات الأسيوية والغنوصية والقَبالَة والتصوف الفلسفي، يقدم كل ذلك بلباس علمي، لتسويق معتقدات الطاقة الكونية، وقانون الجذب والشاكرات والريكي، وجعل المؤمن بها يعتقد بألوهيته وقدرته على التحكم في مصيره.

السؤال الثالث عشر: يمكن القول بأنه كلما عجزت مناهج العلم التجريبي عن تفسير ظاهرة طبيعية لا يمكن إخضاعها للتجربة، يلجأ العقل الإنساني إلى نوع من الإيمان بالغيب، ليصوغ جوابا متلبسا بشكل ما بمنهج العلم التجريبي، يسد حاجته إلى ادعاء امتلاك الحقيقة، ولو كانت نسبية أو لنقل متهافتة، ويكون استبعاد تكذيبها تجريبيا، مغريا بالتمادي على هذا النهج الخادع، إلى أي حد تؤكدون هذا المسلك لدى أنصار نظرية التطور.

      الخداع يمارسه العلماء الماديون والملاحدة منذ القدم، وهو الخلط والتمويه بين العالم المادي والعالم الغيبي لإلغاء الإيمان بالعالم الغيبي. ولقد ظن هؤلاء خلال القرون الماضية، أن تتابع الاكتشافات مع الزمن ستمكن الإنسان من الإجابة عن جميع الأسئلة، بما فيها الأسئلة الوجودية الكبرى، وأن الكون بما فيه ليس إلا مادة مدركة بالحواس أو بالأجهزة، وأننا لن نكون بحاجة لعوامل غيبية لتفسير الوجود. لذلك وضع هؤلاء الفلاسفة نظريات مادية كنظرية التطور والتحليل النفسي والمادية الجدلية معتبرين أن الزمن والتقدم العلمي كفيل بتصديق هذه النظريات. إلا أن الحقائق جاءت عكس التوقعات وجرت الرياح بما لا تشتهيه السفن. أما المادية الجدلية والتحليل النفسي فقد ثبت تفنيدهما ولم يعد يتبناهما إلا الطوباويون الذين يمنعهم العناد من رؤية الأمور على حقيقتها. بقيت نظرية التطور صامدة أمام التحديات لعدة أسباب، منها ما هو موضوعي ومنها ما هو غير موضوعي. الجانب الموضوعي مبني على الأحفوراتFossiles  وعن تاريخ ظهور الأحياء على وجه الأرض الذي عرف تعقيدا مطردا، ولكن ليس بالشكل الذي اشتهاه داروين، ويعطي انطباعا بتغير في أشكال الحياة مع تشابه بين هذه الأنواع وتشابه الخلايا المكونة لها. وهذا أمر محسوس ومبرهن عليه لا يستطيع أحد أن يجادل فيه.

      وانطلاقا من هذه المعطيات الموضوعية وضع داروين وجهة نظره لتفسير هذه الظاهرة، علما أن وجهة نظره ليست مبنية على أي تجربة على الإطلاق، بل فقط على الملاحظة في وقت كان فيه علم البيولوجيا بدائيا، ودون القدرة على الخوض في التفاصيل، ولتكون وجهة نظر داروين صحيحة يلزمه عدة أمور، على رأسها تفسير ظهور المعلومة الوراثية وهي شيفرة والشيفرة مناقضة للصدفة. فعندما نتحدث عن الشيفرة يلزم أن تكون قد وضعت من طرف حكيم عليم. وداروين لم يكن يعلم بوجود الشيفرة الوراثية أصلا، بل كانت الخلية تعتبر كائنا بسيطا مكونا من سائل يحتوي على بعض المواد العضوية والمسؤولة عن وظائف الخلية.

      ولحد الآن ليست هنالك نظرية أو تجربة تفسر أصل المادة الوراثية. بالإضافة إلى ذلك تستلزم وجهة نظر داروين وقوع طفرات عشوائية صغيرة جدا في هذه الشيفرة تتراكم على مدى ملايير السنين، ينتج عنها تغيرات طفيفة في أشكال الحياة، كان يتوقع أن يعثر عليها الباحثون في قابل الأيام. إلا أن الاكتشافات كذبت توقعاته؛ ذلك أنه خلال أكثر من 3 ملايير سنة لم تحدث إلا تغيرات طفيفة على الكائنات الحية، ثم بغتة وقع ما يسمى بالانفجار الكامبريcambrian explosion  مابين 541- و530- مليون سنة أي حوالي 10 ملايين سنة ظهرت فيه معظم المخططات الجسمية plans d’organisation  المعروفة حاليا، وهوزمن جيولوجي قصير لا يمكن أن يفسر بطفرات صغيرة تراكمية. فبينت الاكتشافات الأحفورية قصة أخرى لظهور الأحياء، وأنها ليست شجرة كما توقع داروين بل غابة تنفصل أشجارها بعضا عن بعض. بالإضافة لعجز النظرية عن تفسيير ظهور الإنسان بقواه العقلية الاستثنائية، وبقدرته على اللغة والكلام والفكر. والسؤال هو لماذا صمدت هذه النظرية رغم عجزها عن تفسير مقنع لظهور الأحياء. والجواب جاء في سؤالكم؛ ذلك أنها تحولت إلى عقيدة تبنتها القوى الغالبة، وأنفقت عليها الأموال وألزمت بها المناهج التربوية والبحثية، وحوربت كل النظريات المخالفة بعدة أشكال دون اللجوء إلى محاكم التفتيش كما كان سابقا، ولكن بالإعدام المعنوي والعلمي لكل من سولت له نفسه الكفر بهذه العقيدة الملحدة. فهناك علماء مرموقون عبروا عن رفضهم لهذه النظرية وتسفيهها، لعل أشهرهم عالم الأحياء الفرنسي المرموق غراسيه Pierre-Paul Grassé. فقد فند دور الطفرات العشوائية في ظهور الأحياء ودافع عن وجود إرادة موجهة للتطور.

      ولعل من أسخف النظريات في هذا المجال تعود لزعيم الإلحاد المعاصر داوكينز الذي يتحدث عن صانع الساعات الأعمى The Blind wachmaker، وهو عنوان لكتابه الذي يدافع فيه عن الداروينية، حيث اعتبر أن ظهور الكائنات الحية رغم دقة تصميمها تعود إلى الصدفة العمياء. وهذه قمة الغباء فهو حين عجز عن رؤية يد الخالق خلف بديع الصنعة توهم غياب الصانع.

السؤال الرابع عشر: نريد أن نعود إلى محاولة تحديد علاقة الحقيقة المطلقة بالإيمان، بحيث إن الإنسان كلما وجد أن المعطيات المعرفية المتوفرة لديه سواء كانت تجريبية أو غير قابلة للتجريب لا يمكنها منحه إلا حقيقة نسبية، فإنه يكمل ما بها من النقص عن طريق الاعتداد بالنتيجة المحصلة المجاوز لطبيعتها النسبية، ليرفعها إلى درجة الحقيقة المطلقة، وهذا هو النهج المتبع في الإيمان بالغيب، الذي ينطلق من معطيات عالم الشهادة، ليبني في النفس اليقين المطلق بما خفي عن الحواس من عالم الغيب. فما رأيكم في هذا التوصيف؟

      الاعتقاد في المسائل الغيبية، لا يمكن الحسم فيه انطلاقا من المعطيات الحسية، سواء كانت تجريبية أو استقرائية، لذلك فهي تحتمل الظن الغالب المفضي لليقين الجازم، كما تحتمل الظن الخفيف القابل للتحول إلى الشك المستحكم، والانتهاء إلى الكفر والجحود حسب الاستعداد النفسي، الذي غالبا ما يسبق على المعرفة ويتأكد ويزداد بعد تحصيلها، ومن ثم فهي مفتوحة على الخلاف في أوسع مداه. وتبقى الحقائق التجريبية ملكا مشاعا، كما قلت يتم حولها الإجماع في الغالب، رغم عدم تمكنها من الوصول إلى الحقيقة المطلقة، حول كنهها وطبيعتها الأصلية. فكل المذاهب تأخذ من هذه الحقائق التجريبية، ما يسعف مذهبها ويفند المذاهب المخالفة. ونفس الحقيقة التجريبية قد تدفع الإنسان إما للإيمان أو الكفر. هذا ليس فقـط في الحقائق الحسية والتجريبية، بل حتى في القرآن الكريم. كما جاء في سورة التوبة: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 124، 125]. إذا فنفس السورة ونفس الكلام يزيد المومن إيمانا ويزيد الكافر والمنافق كفرا ونفاقا. والقرآن آيات مسطورة والحقائق الحسية آيات منظورة، إذا توجه إليها القلب السليم، مريدا الحق وفقه الله وزاده هدى، أما إذا تيممها معاجزا متحديا سائرا وراء الشبهات والشهوات، زين الله له سعيه وأمد له في ضلاله وطغيانه ليزداد رجسا على رجس، ولكيلا يجعل الله له حظا في الآخرة، وليوفيه حظه كاملا في الدنيا: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20].

      فالحقائق الحسية والتجريبية، التي يرى فيها المؤمن أدلة على علم الله وحكمته وقدرته ولطفه، يرى فيها الكافر دليلا على الصدفة والعبثية وغياب خالق مدبر حكيم، كما زعم كبيرهم داوكينز أن الصدفة العمياء تشبه صانع الساعات الأعمى، فهي وراء الخلق! متهما المؤمنين بالخرافة والجهل، ناسيا أن ادعاءاته لا تستند على يقينيات حسية وإنما هي عقيدة ووجهة نظر. ولقد أمر الله المؤمنين ألا يحزنهم كفر الكافرين، وأن يجادلوهم بالتي هي أحسن وبالموعظة الحسنة. وأخبرهم أن الهداية بيد الله يهدي بها من يستحقها فلا تذهب أنفسهم على الجاحدين والغافلين حسرات.

السؤال الخامس عشر: إلى أي حد يمكن القول بأن المنهج العلمي التجريبي يحسم الخلاف ويوحد المواقف، ويحاصر الذاتية ويحد من تجاوزاتها مقارنة بمناهج العلوم الإنسانية؟

      الخلاف بين البشر سنة إلهية لا يمكن أن يرتفع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وأسباب الخلاف متعددة لا يتسع المجال هنا لعرضها. والعلم التجريبي مصدر من مصادر الحقائق التي تختلف درجات يقينيتها. ورغم أن حقائقه مادية ملموسة ويمكن التأكد من صدقيتها ويحصل على أغلبها الإجماع، إلا أن قصورها على العالم المادي وعدم قدرتها على حسم المعتقدات الفلسفية والدينية من جهة، ونظرا لما يتميز به الكائن البشري في غالب الأحيان من غياب للموضوعية واستفحال للذاتية والأنانية والنزعة القوية للظلم والجشع، فقد استمر الاختلاف بين البشر بل اشتد واتسع، وكانت نتائجه أكثر فسادا وتخريبا بالنظر إلى القدرة التدميرية الهائلة الناتجة عن تقدم العلم التجريبي. فمثلا الحربان العالميتان الأولى والثانية، واللتان وقعتا بين دول وصلت كلها آنذاك لذروة التقدم العلمي والتقني؛ قتل فيهما ما لا يقل عن سبعين مليون إنسان، بالإضافة إلى تدمير كامل للقارة الأوروبية، وهو ما يقدم الدليل الواضح، على أن العلم التجريبي كما بقية العلوم الإنسانية والفلسفية والدينية، غير قادر على حسم الخلافات بين البشر، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119].

      ويعتبر العلم التجريبي محايدا، إزاء الاستعمالات الصائبة والخاطئة لنتائجه من قبل الإنسان. حيث أن جل الاكتشافات والاختراعات لها تطبيقات سلمية وحربية وأخلاقية وغير أخلاقية. وتبقى المسؤولية على من يوجه هذه الاختراعات نحو التوجه الصائب أو الخاطئ. إنما يشترك الباحث في المسؤولية الأخلاقية، حين يساهم في برامج بحثية، مع العلم مسبقا أنها موجهة من قبل المسؤولين عنها لأهداف غير أخلاقية، كصناعة المخدرات والأسلحة البيولوجية والكيميائية والنووية. ويتحمل المسؤولية كذلك حين يزيف المعطيات العلمية لصالح جهات ترمي تحقيق منافع مادية، كالمختبرات المنتجة للأدوية أو منتجة للخمور أو الأغذية المضرة بالصحة. ونفس المسؤولية يتحملها الباحثون الذين يزورون المعطيات العلمية، لتمرير قوانين مخالفة للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومخالفة للشرع الحنيف. وهذا كثير ومعروف موثق في كثير من الحالات؛ كالشيوعية والنازية والنظام الدولي الجديد، الذي يرعى نظرية النوع التي يراد فرضها قسرا على مختلف الدول والثقافات، اعتمادا على أدلة علمية واهية.

السؤال السادس عشر: هل يمكن تصور استقلال العلوم الطبيعية عن التأثر بالثقافة المجتمعية، وما تشتمل عليه من معتقدات ونظام سياسي وأخلاقي، أم يكون لكل ذلك دخل معين قد يزيد أو ينقص ولا يختفي نهائيا، رغم التسليم بأن مجال الثقافة المجتمعية أقل تدخلا في نتائج العلوم التجريبية داخل الدول، مقارنة مع غيرها من المضامين المعرفية الأخرى؟

      البحث التجريبي له أهداف معرفية، ترمي إلى استكشاف كنه المادة، وفهم الظواهر الطبيعية لهدف معرفي بحث. والإنسان جُبل على حب الاستطلاع وحب الاستكشاف لإشباع فضوله. ولعل هذا الدافع هو الذي كان وراء معظم العلماء والفلاسفة لمحاولة وضع تصور للكون، بل تجاوزوا ذلك فصنفوا في الغيبيات. ومرت عدة قرون اقتصر فيها العلم على الملاحظة والاستقراء والاستنتاج العقلي مع غياب التجربة. ولعل من أوائل من اعتمد التجربة كوسيلة لبلوغ الحقيقة هو ابن الهيثم، الذي وضع مصنفات في جل الحقول العلمية، معتمدا على التجربة، وإبداع عدة آليات، مكنته من إحداث ثورة علمية، أسست للعلم التجريبي في أوروبا بعد تبنيها من طرف كوبرنيك  Copernicوغاليليو Galileo ونيوتن Newton  وفرانسيس بيكون Francis Bacon وويليام هارفي ،William Harvey الذي استفاد كذلك من اكتشافات عالم مسلم فذ، وهو الطبيب ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية. والسؤال المؤرق هو لماذا نجح العلماء الغربيون حيث فشل العلماء المسلمون، في تحويل هذه الاكتشافات العلمية الجبارة إلى تطبيقات تفيد البلاد والعباد؟ والجواب أن العلماء في الغرب وجدوا تجاوبا وآذانا صاغية من طرف الحكام ومن طرف أصحاب المال، الذين كان أغلبهم من اليهود والذين لمسوا في هذا المنهج الجديد إمكانية هائلة لتطويع القدرات الهائلة الكامنة في المادة والسيطرة عليها بغية تحقيق الغلبة والغنى والتفوق.

      وهنا أعود إلى سؤالكم أن ما كان بحثا نابعا عن فضول علمي، أصبح بحثا عن منافع مادية نفعية، منها ما هو مشروع ومحمود ومنها ما هو سبيل للسيطرة والتجبر والطغيان. فاعتنى أصحاب النفوذ بالعلماء أيما اعتناء، وأسسوا الجامعات والأكاديميات وأغدقوا عليها الأموال. أما العالم الإسلامي فلم يلتفت حكامه وأغنياؤه لجهود العلماء الأفذاذ، ولم يلمسوا فيها ما لمسه نظراؤهم في الغرب. فالغرب تقدم لما لفظ فلسفة أرسطوAristoteالعقيمة، التي بقيت لقرون تدور في حلقة مفرغة، وأخذ بالمنهج التجريبي، الذي مكنه من الإفادة من الطاقة الكامنة في الطبيعة، بينما بقي المسلمون يجترون فلسفة ومنطق أرسطو الذي لا يقدم ولا يؤخر.

      بل الأدهى من ذلك انحدر المسلمون إلى درك أسفل، لما اعتمدوا الإلهيات الإغريقية خاصة الأفلاطونية الحديثة عن طريق الإسماعيلية، والتي أخذها عنهم التصوف الفلسفي عن طريق ابن مسرة وابن عربي وابن الفارض والرومي وغيرهم. وعوض أن يتجه المسلمون في مجال الغيبيات للقرآن والسنة، وفي الطبيعيات للملاحظة والتجربة، جمعوا بين الغيبيات والطبيعيات في شخص الإمام عند الشيعة، وفي شخص الولي والقطب، والغوث والأبدال والحقيقة المحمدية لدى السنة. فطلبوا الهداية ممن لا يهتدي وطلبوا العون والمدد من الموتى وأئمة الضلال. مساران مختلفان: غرب أخذ بأسباب المادة، فوصل إلى ما وصل إليه من قوة ومنعة وسيطرة، وشرق نسي كتاب الله وسنة رسوله وأدار ظهره للسنن الكونية وتبع الخرافة والجهل والشعوذة. وحين دخل الاستعمار بلاد المسلمين وجد أقواما لا يكادون يفقهون قولا، وحصلت الصدمة الكبرى التي لم نفق منها بعد بل عدنا إلى سيرتنا الأولى وإلى التصوف الفلسفي، بتشجيع من الغرب لما رأى فيه من مخدر ومشل للطاقات حتى يبقينا تحت رحمته.

السؤال السابع عشر: بناء على ما بينتموه سابقا، هل يمكن استنتاج بأن الدين أكثر اعتبارا لحرية الإنسان ومسؤوليته، وأكثر تحقيقا لهما، لأنه مؤسس على الإيمان بالغيب وما يتفرع عنه من يقينيات مطلقة، لاتلزم إلا من أراد أن يلتزم بها وتجاوز فيها الشك إلى اليقين والنسبي إلى المطلق باختياره، عكس المنهج التجريبي الذي يعزل الذات عن مقرراته في الغالب الأعم، ويمارس عليها ضغطا أكبر وسلطانا أقوى لتسلم بنتائجه واستنتاجاته.

      لقد أنزل الله آيات بينات لهداية العباد، وكفل لعباده الحرية من شاء آمن ومن شاء كفر. ورتب على ذلك أحكاما شرعية وقدرية حسب الأحوال والظروف. كما أنه أنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، والحديد كناية عن المادة وما أودع الله فيها من طاقة هائلة، من أخذ بها أخذ بالقوة والمنعة والبأس الشديد. فالآيات القرآنية تدور بين النفي والإثبات اللذان يوجبان التصديق، والأمر والنهي اللذان يوجبان الامتثال. إلا أنه في كلتا الحالتين يبقى التصديق والامتثال اختياريين وغير ملزمين.

      أما الحقائق الطبيعية فهي آيات كونية قدرية، يخضع لسلطانها المؤمن والكافر. فقد قدر الله أقدارا لا يمكن للإنسان الفكاك منها. إلا أن الله وهب الإنسان الحواس والعقل وسخر له ما في البر والبحر ودعاه للنظر والاستكشاف، ولم يمنعه من إخضاع هذه السنن والمخلوقات للملاحظة والتجربة للإفادة منها، ورتب على ذلك عواقب وجزاء في الدنيا والآخرة. فالإنسان خاضع للسنن الكونية قدرا، لكن الله وهبه كذلك القدرة على إخضاع هذه السنن وتسخيرها لما ينفعه في دنياه وآخرته، وهومحاسب ومجازى على سلوكه فيما وهبه الله إياه، حسابا في الدنيا لا يعيه إلا أولو الألباب، وحسابا في الآخرة يراه المؤمن والكافر، فيثيب الله المؤمنين بإيمانهم، ويعاقب الكافرين بكفرهم، في يوم القيامة {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158].

      فلقد شاء الباري جلت قدرته، ألا يلزم الناس بالآيات الكونية، وترك لهم الاختيار من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، كما أن آيات الوحي لا تلزم الناس بالإيمان، بل تترك لهم المجال مفتوحا ليتخذوا الاعتقاد الذي يريدونه، متحملين بذلك مسؤوليتهم أمام الله كاملة يوم القيامة. والتعويل على الاكتشافات العلمية لإقناع الناس بالدين الحق لا يراعي هذه الحقائق. وهذا لا يمنع من إقامة الحجة على العباد، انطلاقا من الآيات القرآنية و الآيات الكونية، و هذه مهمة الرسل و من تبعهم من المؤمنين، الذين عليهم البلاغ وعلى الله الحساب، ولكي لا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

السؤال الثامن عشر: من المعلوم أن ممارسة الأبحاث والدراسات في أي حقل معرفي، لا تجنى ثمارها إلا على أساس التوجه الفكري، الذي يشتغل الباحث في إطاره، وهذا التوجه تتأتى غالبا صياغته من خارج الحقل المعرفي التخصصي نفسه، فالتوجه الفكري والاستعداد النفسي، هو الذي يفسر المعلومات المحصلة والخاضعة بطبيعتها للتوظيف الذاتي، المختلف والمتفاوت بين الباحثين والدارسين ابتداء و بين عامة الناس انتهاء.

كيف يمكن للباحث في مجال العلوم الطبيعية، أن يوظف الحقائق العلمية في تشكيل وتصحيح نظرته لنفسه والحياة، ويهتدي في مواجهة قضاياها الشائكة؟

      البحث العلمي يرمي إلى الحصول على معلومات موضوعية، حول مختلف مناحي العالم المادي أو عالم الشهادة. والباحث أيا كان توجهه الفكري أو العقدي، بإمكانه التعامل مع العالم المادي، لسبر غوره وفهم السنن التي تحكمه، والإفادة من هذه الخصائص فيما ينفعه. وسواء كان يهوديا أو نصرانيا أو مسلما أو ملحدا، يبقى تعامله مع العالم الموضوعي واحدا، وتبقى الحقائق الموضوعية المحصلة من الأبحاث متماثلة ومتشابهة. إلا أن هذا التعامل مع العالم المادي، تؤطره وترافقه وتلحقه نظرة خاصة للكون، تتمثل في الفكر والمعتقدات التي يتبناها الباحث. ورسوخ هذه المعتقدات في العقل والوجدان، لا تجعل الباحث ملزما دائما بتحري المسوغات والأدلة المادية والموضوعية، التي تسعف معتقداته، وإنما قد يختار خلاف ذلك تماما. وهذا يظهر جليا خلال المؤتمرات العلمية التجريبية، حين يلتقي الباحثون من مختلف الديانات يهودا ونصارى ومسلمون وملاحدة، ويناقشون مختلف البيانات والمعـطيات المادية بتجرد وموضوعية. بل يقنع بعضهم البعض بالأدلة القاطعة، التي لا تقبل الرد، بالنظر إلى ما وصلت إليه العلوم في مجال البحث، دون تشنج ودون مكابرة. أما المعتقدات فلا تناقش بتاتا خلال المؤتمر، بل قد تناقش خارج جدول الأعمال، أثناء تناول الطعام مثلا أو خلال الجولات، وحين ذاك تظهر الخلافات، وقد يشتد النقاش ويتمسك كل ذي عقيدة بعقيدته، ويحاول كل منهم استعمال المعطيات المادية المتفق عليها لتأييد مذهبه ومعتقده، وهو ما لا يسلم له به خصمه، ويفترقان وقد اتفقا على جل المعطيات المادية الموضوعية المقدمة في المؤتمر، مع بقاء كل منهما متمسكا بمذهبه لا يحيد عنه.

      والسؤال الذي قد يطرح، هو ما الذي يجعل الناس تغير من معتقدها في بعض المراحل من التاريخ؟ مثلا كان العرب على الإسلام والحنيفية، بعد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ثم تحول جلهم للوثنية بعد ذلك. كما أن الذين جاؤوا بعد المؤمنين بنوح وهود وصالح وموسى وعيسى عليهم السلام، سرعان ما بدلوا وغيروا؛ فمنهم من عبد الأوثان ومنهم من بدل وحرف وغير الوحي المنزل، وبلغ به الإلحاد في أسماء الله وآياته ما تجاوز به شرك الوثنيين. بل حتى الذين أسلموا وآمنوا بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم منهم من ارتد بعد وفاته، ومنهم من رام تحريف الدين الحنيف، بتأويلات باطلة للقرآن والحديث، وبوضع الأحاديث المكذوبة على الرسول عليه الصلاة والسلام، التي تخدم مذاهبهم الباطلة كالشيعة والقدرية والإسماعيلية وغلاة المتصوفة. بل حتى البقية الباقية من الوحي في الديانات الكتابية، والتي كانت تعصم النصارى مثلا من الانحدار الأخلاقي، حتى هذه تم التخلي عنها تدريجيا، من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر، فعم الإلحاد أوروبا وأمريكا، وتم التخلي عن منظومة الأخلاق، التي تجعل البشر متميزا، وتعصمهم من الانحدار لدرك الأنعام أو أضل سبيلا. وحتى المجتمعات الإسلامية، شهدت في الستينات والسبعينات مع بروز نجم الماركسية، شهدت موجة إلحاد عاتية، تلتها بحمد الله عودة للالتزام بالإسلام، عمت جميع البلاد الإسلامية، بل امتدت حتى للدول الغربية عن طريق المسلمين الأصليين، بل وبتزايد أعداد الغربيين الذين يهديهم الله للإسلام. ونشهد حاليا مع وسائل التواصل ومع الأحداث المأساوية، التي رافقت وتلت ما يسمى بالربيع العربي، نشهد موجة عاتية من الإلحاد،ومن الدعوة إلى التخلي عن ثوابت الإسلام، تحت مسمى التجديد وملاءمة الإسلام مع روح العصر. بل أدهى من ذلك اتبع كثير من الملتزمين بالإسلام، ما أصبح يعرف بالإلحاد الروحاني والباطني، مع إلباس كل ذلك لبوسا علميا تجريبيا. وهنا تكمن مسؤولية الباحثين التجريبيين، وعلماء الشرع الحنيف. فواجبهم تبليغ الدين الحنيف، دون تبديل ولا تغيير من جهة، وتبيان بطلان المذاهب الضالة، وأن هذه المذاهب لا تنبني على معطيات العلم المادي التجريبي، بل هي عقائد قديمة، تعود للفلسفة اليونانية والديانات الأسيوية، تبناها التصوف اليهودي والتصوف الفلسفي الإسلامي، ثم فلاسفة النهضة وفلاسفة القرن  السادس عشر، وأهمهم ديكارت Descarte وسبينوزا Spinoza ولايبنتزLeibniz، لتشكل في نهاية المطاف العمود الفقري لما يسمى بفكر الأنوار، الذي نتجت عنه الثورة الفرنسية والمنظومة الأخلاقية، وحقوق الانسان والعلمانية من جهة، والمادية الجدلية من جهة أخرى.

      والفتنة التي يقع فيها كثير من الناس، هو ربط علاقة سببية بين هذه المذاهب الضالة والعلم التجريبي، نظرا لأن الذين شاء الله أن يظهر على أيديهم التطور العلمي والتقني، هم أنفسهم الذين يتبنون هذه المذاهب والفلسفات. وتجديد الإسلام في هذا العصر يجب أن يتم عبر فك الارتباط بين العلم التجريبي والتقني، والمبني على سنن الله من جهة، وبين المذاهب الباطلة من جهة أخرى،وذلك بإنشاء وتكوين كوكبة من الباحثين، لهم تمكن من العلم الشرعي وإلمام بالعلم التجريبي، واطلاع واسع على الأصول الفاسدة للمذاهب الفاسدة، وهذا ما يسهل تفنيدها أمام العوام.

 السؤال التاسع عشر: لقد أضحى اليوم انغلاق الباحث الطبيعي داخل تخصصه الدقيق، نهجا معيبا في ظل تشعب المسالك البحثية، في إطار كل حقل من الحقول المعرفية المتكاثرة، لأنه في هذه الحالة، يتعذر عليه امتلاك ناصية المقاربة المعرفية الشمولية، المتوقفة ضرورة على تنويع مصادر المعرفة قدر المستطاع، بإنجاز دراسات جامعية، جامعة بحسب الإمكان بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، أو الاهتمام كحد أدنى بالدراسات المنهجية،  الخاصة بالمعارف المغايرة للتخصص.

هل لكم أن تَبسُطوا للقراء تجربتكم الشخصية، وتقدموا توجيهاتكم في هذا الاتجاه؟

      ليس من التجني، اعتبار كثير من الباحثين في الميدان التجريبي، مجرد تقنيين من الدرجة العالية، بالنظر إلى حجر اهتمامهم على تخصص يضيق يوما بعد يوم، بسبب تشعب الاختصاصات. ونادرا ما يحاول الباحث التجريبي الخروج من مجال اختصاصه، والاطلاع على التخصصات الأخرى وبالذات مجال العلوم الإنسانية، وتاريخ العلوم، وعلاقة العلم بالفلسفة و الدين. وهذا ربما راجع لمناهج التكوين، التي تبالغ في التخصص، وتهمل التكوينات الأفقية، التي من شأنها أن تربط بين التخصصات، و تسهل التواصل بين الباحثين من مختلف حقول المعرفة. ويبقى في هذه الحالة الجهد والاهتمام الفردي للباحث، هو الذي يمكنه من الاطلاع على حقول المعرفة خارج مجال تخصصه. ومهما بلغ هذا المجهود،  فإنه يظل قاصرا،  ما لم تنشأ هيئات و مراكز ومحاضن،  توفر مجالا للتواصل وتلاقح الأفكار و تبادل التجارب. ولعل مركز الامانة يعد من بين الهيئات القليلة، التي توفر مثل هذه الفرص.

      وعودة لتجربتي المتواضعة، ونظرا لاهتماماتي العلمية بمجالات الغدد الصماء والعلوم العصبية والمناعة،  وهي كلها أجهزة بالغة التعقيد،  وتنم وظائفها عن تدبير محكم، ينطبق عليه ما بات يسمى بالتصميم الذكي والتعقيد غير القابل للاختزال، وهما مفهومان يتبناهما معارضو نظرية التطور الداروينية، فقد مرت بي عدة سنوات، اقتصرت فيها اهتماماتي بالتخصص التجريبي الضيق، إلا أن التحولات الفكرية التي رافقت بداية الألفية الثالثة، وموجات الارتداد عن الدين، والتشكيك في توابثه عامة وفي الإسلام خاصة، بالاعتماد الزائف على العلم التجريبي، كل ذلك دفعني إلى مزيد من الاهتمام بتاريخ العلم والفلسفة، والاطلاع على الأصول الباطنية للمذاهب المعاصرة، التي تتدثر بثياب العلم لنشر مذاهبها متبنية ما يسمى بالعلموية Scientism. ولست أزعم أنني أحرزت باعا طويلا في هذا الميدان، إلا أنني اعتبر نفسي قد وضعت قدمي على الطريق وإن متأخرا. وأرجو أن ينتبه الباحثون في ميادين الفلسفة والعقيدة والعلوم الشرعية، والباحثون في العلم التجريبي، للأهمية البالغة للتواصل بين هذه التخصصات، لبلورة منهج جديد يناسب التحديات الجديدة، التي تواجه الأمن العقدي للأمة، والتي تشكل أزمة وجود، إذا لم يتم التعامل معها بما يلزم، فقد يتكرر عندنا السيناريو الأوروبي خلال القرون الثلاثة الماضية، والذي أدى إلى انتكاسة خطيرة بالتطبيع مع الإلحاد، ومع النظم الأخلاقية المصادمة لثوابت الدين. فقد بات ضروريا إقامة مراكز وهيئات كمركز الأمانة وإمدادها بما يلزم من موارد مادية وبشرية، تمكنها من القيام بالدور الريادي المطلوب لمواجهة التحديات الجديدة.  وبالله التوفيق وعليه الاتكال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *