تصنيف العلوم عند المتكلمين: الخلفيات والأدوار

الباحث الدكتور علال بلحسني ناقش هذه الأطروحة التي تقدم بها لنيل شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة محمد الخامس كلية الآداب والعلوم الإنسانية، أكدال ـ الرباط شعبة الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، وحدة التكوين والبحث “تطور الأفكار العلمية وتنقلها عبر البحر الأبيض المتوسط قبل العصر الحديث”، بإشراف الأستاذ الدكتور عبد الصمد تمورو، وذلك خلال السنة الجامعية 2011- 2012، وبعد مناقشة علمية مثمرة نال الباحث شهادة الدكتوراه في الآداب شعبة الفلسفة بميزة مشرف جدا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

   يعتبر تصنيف العلوم واحدا من أهم المباحث العلمية التي ازدهرت بشكل ملحوظ  في الحضارة العربية الإسلامية، فقد أصبح بعد فترة وجيزة من انطلاق الحركة العلمية في المجتمع العربي الإسلامي، مبحثا قائما بذاته له مبادئه وأصوله وأهدافه، بالإضافة إلى ممثليه من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم، الذين تصدوا للتعريف به، وبيان مقاصده، وطرقه، ومناهجه في تنظيم المعرفة وحصر مجالاتها وأوجه تحصيلها، وكذا مسالك ترتيبها أصولا وفروعا وأجزاء، إذ أصبح أداة تنظيمية للمعرفة، تسعى إلى ترتيب العلوم، وحصر موضوعاتها ومناهجها وفق تصور فلسفي وفكري معين. وهذا راجع بالأساس إلى آلية من أهم الآليات[1] التي اشتغل ويشتغل بها العقل العربي الإسلامي، ألا وهي “التصنيفية” والمقصود بها ذلك المجهود الضخم الذي قام به العقل العربي الإسلامي لتبويب وتصنيف وتنظيم وترتيب المعارف والعلوم والأحداث والأعلام والمدن والحضارات والأقاليم والدول والممالك والرئاسات والقراءات والمذاهب والملل والنحل والاختلافات والقصائد والكتب والشعوب والفنون والحيوانات والمعادن والأمم والأقوام والأدوية والنباتات والطبقات والنوادر والأمثال والرجال والسلاح واللباس والنساء والتواريخ والأيام والقصص والسور والتفاسير والصنائع والحرف والكلمات والعلوم والحقب والمؤلفات… الخ، ولم يستثنى أي مجال اشتغل عليه المفكرون العرب والمسلمون من هذه الآلية المصنفة الواضعة للهرميات والرتب حسب الوجود والدرجة أو الزمن والقوة والضعف، وآلاف التراكيب الممكنة. ولم تقتصر آلية التصنيفية على الفكر العربي الإسلامي، فقد اعتمدتها كل الحضارات الكبرى، فاليونان اخترعوا قبل سقراط آلية الكتالوك، كما اخترع الفرس الدواوين والسجلات والدفاتر، والعصر الحالي يعتمد على الأرشيف وقواعد المعطيات. جانب كبير من فكرنا الحالي تصنيفي، حتى التخصص لا يعتمد إلا على التصنيف والتقسيم، فالتشريح جزء من الطب، والطب جزء من علوم الصحة، وعلوم الصحة جزء من العلوم ككل، وهكذا[2].

      هذا وتعتبر آلية “التصنيفية” في مجال العلوم ذات أهمية كبرى بالنسبة للفكر العربي الإسلامي نظرا لبعدها البيداغوجي الذي يتمثل في تسهيل وتيسير عملية التعليم والتعلم، فعند النظر في مقدمات كتب إحصاء وتصنيف وترتيب العلوم يتبين أن أغلبها يربط بين الإحصاء والتصنيف والترتيب وبين طرق تحصيل العلوم في أسرع وقت وبجهد أقل.

     إضافة إلى أنها مجال للصراعات الإيديولوجية، وذلك من خلال إثبات صوابية الاختيارات الإيديولوجية للأنا وتخطيء الآخر وبيان تهافته، وما وقع بين التيار الحنبلي والتيار الاعتزالي، وبين أهل العقل وأهل النقل، وبين الغزالي وابن رشد شاهد على ذلك. وهي كذلك مجال للتموقع الفكري والسياسي، حيث تكون السيادة والقرب من مواقع السلطة لمن كانت اختياراته موافقة ومسايرة للسلطة السياسية والفكرية السائدة، مثل ما حدث زمن سيادة المعتزلة، حيث لم يكن يسمح بتولي المناصب العليا في الدولة كالقضاء والإفتاء والتدريس في المدارس الرسمية إلا لمن كان على رأي المعتزلة، فقد كان العلماء قبل توليهم أي منصب يخضعون للامتحان لمعرفة موقفهم من مجموعة من القضايا خاصة العقدية والسياسية منها، ولعل مسألة القرآن هل هو مخلوق أم لا؟ خير مثال على ذلك.

     كما أنه مجال للدفاع عن أطروحات عقائدية ومذهبية وذاتية، وفي نفس الآن مجال للدفاع عن الشرعية الفكرية والعقائدية والسياسية، أضف إلى هذا أنها- أي التصنيفية- تساعدنا على فهم التطور النظري والجهد التنظيري لدى مختلف الفرق الكلامية، نظرا لاختلاف منطلقاتهم ودورانها بين اعتماد النقل وتهميش العقل، أو بين إعلاء مكانة العقل وجعله حاكما على النقل بالقبول أو الرد، أو بين اعتماد حل وسط يوفق بين الإثنين. وبين الانغلاق على الذات والجمود على اختيارات الأنا، دون الانفتاح على ما يوجد عند الآخر، الأمر الذي أدى إلى بروز بعض الظواهر السلبية التي خيمت طويلا – مع الأسف الشديد- على سماء الفكر العربي الإسلامي مثل ظاهرة تكفير الآخر المخالف أو تبديعه وتفسيقه، لمجرد أنه اختار اختيارا مخالفا ولو كان هذا الاختيار أساسه ومنطلقه أمور اجتهادية أقصى ما يمكن أن يقال للمخالف فيها أنه مجانب للصواب.

    هذه بعض المجالات التي كان للتصنيفية دور في حضورها على مسرح الحضارة والفكر العربي الإسلامي ذكرناها على سبيل التمثيل لا الحصر.

      بعد هذه التوطئة التي تبرز أهمية ” التصنيفية ” بالنسبة للفكر العربي الإسلامي، نعود للحديث عن تصنيف العلوم، وذلك لما كانت العلوم كلها خاضعة لقوانين التطور، فإن الحديث عنها أو وصفها وضبطها في نسق تصنيفي معين خاضع بدوره لنفس القانون الذي من شأنه أن يجعل أية محاولة تصنيفية تتأثر بالاهتمامات العلمية والعقلية السائدة في كل عصر وهو ما يفسر تعدد وتنوع المحاولات التصنيفية عبر العصور المتلاحقة. فهي محاولات متواصلة تكاد تستغرق أغلب مراحل التاريخ الإسلامي. وهنا تكمن أهمية تلك المؤلفات التي خصصها أصحابها لتصنيف العلوم، إذ أنها تمثل من وجوه كثيرة جانبا مهما من التاريخ الحضاري العام في جوانبه العقلية والعلمية، وبصفة خاصة ما يتصل منه بنظم التعليم، وأسس الثقافة، وطرق التربية. فهذا النوع من المؤلفات يعنى برصد حركة تطور العلوم والفنون مع بيان مصطلحاتها الأساسية، ولا يخفى أن تاريخ العلوم لا يكاد ينفصل عن العلم نفسه، بل إنه يشكل جزءا أساسيا منه.

      يربط أغلب مؤرخي الفكر والعلوم عند العرب المحاولات التصنيفية الأولى بما عرفته الحضارة العربية الإسلامية منذ منتصف القرن الثاني الهجري من حركات علمية رائدة في مجالات علمية مختلفة نتجت عنها حركة التدوين الكبرى للعلوم العربية الإسلامية، فضلا عن بداية حركة نقل العلوم الأجنبية وترجمتها إلى العربية. ولكن الذي ينبغي التأكيد عليه أن بدايات النظر في مبادئ علم التصنيف وإجراءاته قد ترجع إلى ما قبل هذه المرحلة، لأن محاولة التمييز بين أنواع العلوم والمعارف العربية الإسلامية تعود إلى المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي، حيث اقترنت تلك المحاولات ببدايات النظر في علوم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر العربي وما يقترن به من لغة ونحو وصرف وبلاغة وعروض…

     لقد شهد المجتمع العربي الإسلامي بعد انقضاء العهد النبوي تطورات هائلة مست الحياة في جميع نواحيها الاجتماعية والسياسية والفكرية والعلمية والتنظيمية، استدعى ذلك التطور ظهور علوم جديدة مواكبة لمختلف المستجدات التي عرفها المجتمع الإسلامي، وهكذا ظهرت علوم الفقه والتفسير واللغة والحديث، والنحو والأصول والكلام والفلسفة، وحققت في مدة وجيزة من التطور والتبلور ما جعلها علوما وفنونا وصناعات لها مبادئها وقواعدها ومناهجها المستقلة، ولها أعلامها الذين مثلوا مختلف اتجاهاتها وتياراتها مما خلفوه من أعمال علمية رائدة.

      وقد اقترنت البدايات الأولى للنظر العلمي المنظم في تصنيف العلوم، وتنظيم المعارف عند العلماء المسلمين بالمرحلة العباسية التي شهدت حركة نشيطة لنقل العلوم الأجنبية وترجمتها إلى اللسان العربي، وبصفة خاصة بعد تأسيس “دار الحكمة” التي سرعان ما تحولت إلى ما يشبه الأكاديميات الحديثة، حيث أصبحت بغداد مركزا علميا وفضاء واسعا لتلاقح ثقافي كان من نتائجه ازدهار العلوم وتطورها في المجتمع العربي الإسلامي.

     لعل من أبرز مبادئ التصنيف الأولى التي أرساها علماء التصنيف، تلك القسمة الثنائية المشهورة التي تفصل بين العلوم العملية والعلوم النظرية، وبين العلوم العقلية والعلوم النقلية، أو بين العلوم الضرورية والعلوم الكسبية.

    كما دارت مناقشات كثيرة بين المفكرين المسلمين القدماء حول العلوم المحمودة والعلوم المذمومة، وحول العلوم التي يجب تعاطيها، والعلوم التي لا ينبغي الاشتغال بها، وهي مناقشات تعكس عند التأمل، طبيعة التصورات والمنطلقات المرجعية التي تشكل الخلفية الثقافية والإيديولوجية التي يستند إليها هذا المفكر أو ذاك.

     وقد ترتب عن هذه القسمة الثنائية مجموعة من المواقف والآراء المتباينة حول طبيعة بعض العلوم التي صنفت إلى علوم مطلوبة محمودة، وعلوم مذمومة غير مرغوب فيها، ولذلك فقد وجدت مؤلفات تنطلق من هذا التصور وتنظر إلى العلوم بصفة عامة من هذه الزاوية الأخلاقية المعيارية، التي وقف أصحابها موقفا رافضا لبعض العلوم الفلسفية والمنطقية.

      هذا ويعتبر تصنيف العلوم من المباحث المهمة التي لا يستغني عنها الفلاسفة والعلماء من أجل تنظيم بُناهم الفكرية وآرائهم، وذلك لأن التنظيم والتقديم والتأخير وإعطاء الأولوية لبعض الأمور، بما في ذلك العلوم والمعارف البشرية، من الأمور المطلوبة والمنطقية، وقد كان اليونانيون أقدم من اهتم بتنصيف العلوم، فعلى إثر توسع العلم وتفرعاته ظهرت مسألة تصنيف العلوم، وهو أمر له أهميته فيما يخص التعليم والتربية والحصول على نتائج تساعد على استيعاب العلوم، إذ لا بد للعلم من أن تعرف فروعه بدقة لكي يمكن القيام بالتحقيق اللازم في مجال كل موضوع، حيث يتأثر التصنيف بالنظرة العلمية والفلسفية، وبالعصر والزمان، وخاصة بأولئك الذين وضعوه، مما يساعدنا على إدراك آراء واضعه وأفكاره وعقائده.

      كما أن قيمة تصنيف العلوم تتبين من خلال تحديد موقع كل علم ضمن بقية الأنساق الأخرى. وبالتالي تحديد دوره وتأثير كل علم في نظام المعرفة.

      وبغض النظر عن هذا الدور أو ذاك فإن مسألة تصنيف العلوم لعبت دورا توجيهيا تربويا، ونحن نعرف أنه في تلك المرحلة كان التعلم الذاتي سمة بارزة، ومن ثم فإن تصنيف العلوم وتنظيمها من شأنه أن يمهد السبيل لبناء نظام دراسي منظم بشكل أكاديمي يتوافق وظروف تلك المرحلة على الأقل.

      كما أن أهمية علم التصنيف، بغض النظر عن طرقه ومناهج أصحابه في تقسيم العلوم وترتيبها، لا تنحصر فقط في وضع الحدود الفاصلة بين العلوم والمعارف، التي تشكل البناء الهيكلي العام لأي نظام تصنيفي، بل إنها بالإضافة إلى ذلك، لا تظل حبيسة الجانب الوصفي لما هو كائن من علوم العصر فحسب، وإنما تمتد إلى بيان ما يراه المصنف من منطلقه الخاص، جديرا بالوصف والترتيب والحصر، مما يفيد أن علم التصنيف لا يتحدد فقط في بعده الوصفي الصرف، وإنما يتدخل فيه المصنف الذي يصنف العلوم ويرتبها انطلاقا من تصوراته الذاتية أي من خلال رؤيته، ليس لما هو كائن فحسب وإنما لما ينبغي أو يجب أن يكون. ولذلك يجب التأكيد على أن أي عمل تصنيفي أو إحصائي للعلوم، لا ينفك أبدا عن رؤية معيارية توجه عمل المصنف وتدفع صاحبه إلى إخضاع العلوم المصنفة لموقفه من المعرفة والوجود والتربية… وفي هذا دليل على أن كل محاولة تصنيفية رهينة بالإطار التاريخي والثقافي للمرحلة التي تظهر فيها، أو تتأطر بها، ذلك أن كل عمل تصنيفي لا ينفك عن أن يكون صادرا من موقف يعكس جانبا خاصا من جوانب الموقف العام من علوم العصر نفسه،ومعنى هذا أن كل تصنيفات العلوم، سواء في مرحلة تاريخية معينة أو بالنظر إلى المراحل التاريخية المتعاقبة، ليست مجرد حصر منطقي أو إحصاء تقني لعلوم العصر فحسب، وإنما هي صورة من صور الحياة العقلية والفكرية والتربوية للمجتمع الذي تظهر فيه، ولذلك فتصنيف العلوم لا يمكنه أن يتم خارج الإطار التاريخي والثقافي العام لحركة المجتمع الذي يحتضنه.

      وبالنظر فيما سبق، تتبين أهمية المؤلفات التي تصدت لتصنيف العلوم عبر مختلف مراحل التاريخ العربي الإسلامي، ذلك أنها تمدنا بمعطيات مفيدة جدا للوقوف على مسيرة البحث العلمي في الحضارة العربية الإسلامية، مع بيان مدى العناية الخاصة التي حظي بها العلم ضمن الانشغالات الكبرى للمجتمع العربي الإسلامي، فضلا عن كونها ترصد تطور المفاهيم العلمية من عصر لآخر، عن طريق حصر مصطلحاتها وبيان إجراءاتها وتطبيقاتها في مختلف المجالات التي تستخدم فيها.

      وعليه فإن مسألة تصنيف العلوم من القضايا الفلسفية المهمة، والتي يترتب عليها عمليا آثار جد مهمة على المستوى الحضاري، حيث إن خطة تصنيف العلوم تحدد ما هو الأول من العلوم، وما هو الآخر، ما هو الأشرف، وما هو الأدنى رتبة …، وهي بالتالي خطة للأولويات الحضارية علما وعملا، وذلك باعتبار العلم هو أساس ومقدمة العمل.

      لقد كان اختيارنا لهذا الموضوع بناء على دوافع ذاتية وموضوعية، فبالنسبة للدوافع الذاتية يمكن القول بأن فكرة البحث في موضوع “تصنيف العلوم عند المتكلمين” قد تولدت لدينا منذ أن انتقلنا من مجال الفكر الإسلامي وتاريخ الأديان المقارن، إلى حقل الدراسات الفلسفية، فقد استقر رأينا بعد التشاور مع أستاذنا المشرف الدكتور عبد الصمد تمورو على الاشتغال على هذا الموضوع، لرصد الجهود التنظيرية لأقطاب علم الكلام في مجال تصنيف العلوم، مع العلم أن الفلاسفة المسلمين أمثال الكندي والفارابي وابن سينا… قد كان لهم قصب السبق في ذلك، الأمر الذي حتم علينا البحث في مدى تأثير وحضور النماذج التصنيفية للعلوم التي قدمها الفلاسفة في اقتراحات المتكلمين التصنيفية، خاصة وأن علم الكلام قد استفاد وبشكل كبير من التراكم المنهجي والمعرفي الذي قدمته الفلسفة، وهو ما نجده حاضرا وبقوة لدى الكثير من المتكلمين حتى إن بعض المعتزلة لم يكونوا يشهدون بعلو كعب المتكلم إلا إذا كان ما يتقنه من الفلسفة بقدر ما يتقنه من علم الكلام، فقد نقل عن الجاحظ قوله: ” ولا يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام، متمكنا من الصناعة، ويصلح للرياسة، حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة، والعالم عندنا هو الذي يجمع بينهما”[3].

      ومن الدوافع الموضوعية كذلك، محاولة الكشف عن جوانب الإبداع والتفرد التي ميزت مساهمات ومقترحات المتكلمين بخصوص تصنيف العلوم.

      كما يعتبر الإهمال الكبير الذي أصبح يتعرض له علم الكلام ضمن خريطة العلوم الدينية، في زمن الشروح وشروح الشروح والحواشي من الدوافع التي حفزتنا على البحث في هذا الموضوع والاهتمام به، وذلك لما أصبحنا نلاحظه من الاهتمام المتزايد بعلوم الرواية، وإقصاء وتهميش علوم الدراية والتي يمثل علم الكلام أحد ركائزها الهامة باعتباره علما يتأسس على النظر والتأمل والتدقيق والتمحيص ومقارعة الحجة بالحجة.

      كما أننا لا يمكن أن نؤسس لعلم كلام جديد يساهم بدوره في بلورة تصنيف للعلوم يراعى التطور الهائل، والمستجدات المتلاحقة التي يعرفها العصر وما يتعلق بها من نظريات ومقاربات جديدة ومستجدة، دون معرفة تاريخ علم الكلام القديم والمحطات التي مر منها وكيفية تعامله مع معطيات عصره وكذا معرفة الأسس المنهجية المعتمدة في تصنيفه للعلوم، وذلك لأن تاريخ العلم في نظرنا هو تاريخ تراكمي يبنى اللاحق فيه على السابق، وفق رؤية تجديدية تأخذ بعين الاعتبار متغيرات العصر ومستجداته.

      تلك إذن هي بعض الدوافع الذاتية والموضوعية التي تقف وراء اختيارنا لهذا الموضوع.

      ولمقاربة موضوع أطروحتنا تم الاعتماد على ثلاثة مناهج علمية هي المنهج التاريخي والمنهج التحليلي، والمنهج المقارن، أما المنهج التاريخي فقد اعتمدناه من أجل تتبع نشأة وتطور الفكر التنظيري لدى المتكلمين، وكذا المراحل التاريخية التي مرت منها كل فرقة، والأحداث الكبرى التي ميزت تاريخها، كما اعتمدنا المنهج التحليلي والمنهج المقارن، خاصة وأننا بإزاء فرق كلامية كل واحدة منها لها أصول ومنطلقات مختلفة عن الأخرى، الأمر الذي حتم علينا في بعض الأحيان المقارنة فيما بينها، وذلك من أجل معرفة الخلفيات الكامنة وراء جهودهم التنظيرية المتعلقة بتصنيفهم للعلوم، والأدوار التي لعبتها تصنيفاتهم في إغناء وإثراء الفكر العربي الإسلامي في أبعاده المختلفة.

      وقد امتد تحليلنا ومقارنتنا لمجال الأصول والأفكار والمصطلحات، بل إننا اعتمدنا عرض تصانيف العلوم على شكل خطاطات وهياكل بيانية لتسهيل هذه المقارنات، فالقارئ يستطيع أن يقارن بين هذه الخطاطات والهياكل ليخرج بتصور عن هندسة كل مدرسة وتراتبيات العلوم عند كل منها.

      ونشير إلى أنه رغم التكامل الواضح بين هذه المناهج، إلا أنه واجهتنا في كثير من الأحيان صعوبات التوزيع والتفريق بين هذه المناهج أو الانتقال من أحدها إلى الآخر دون مس بالانسجام والوضوح المطلوبين لعرض أفكار المتكلمين أو تحليلاتنا لها.

      هذا وقد قسمنا بحثنا في صيغته الحالية إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة.

      ففي المقدمة تحدثنا فيها عن أهمية “التصنيفية” كآلية من آليات اشتغال العقل العربي الإسلامي، كما تطرقنا فيها إلى طبيعة الموضوع وأهميته، وبعض الصعوبات التي واجهتنا، وكذا خطة البحث.

        أما الفصل الأول فقد خصص لتاريخ تصنيف العلوم، حيث ضمناه تعريفا لمفهوم التصنيف من الناحية اللغوية والاصطلاحية، كما أدرجنا فيه بعض النماذج لتصنيفات العلوم الأكثر حضورا في هذا المجال، وقد تضمن هذا الفصل ثلاثة مباحث:

        المبحث الأول يخص تصنيف العلوم عند اليونانيين وتناولنا فيه بشكل خاص التصنيف الذي اعتمده أرسطو، باعتباره رائد المدرسة اليونانية في هذا المجال، وكذلك لتأثيره الكبير فيمن جاء بعده من الفلاسفة.

      أما المبحث الثاني فيناقش تصنيف العلوم عند الفلاسفة المسلمين، وقد اقتصرنا فيه على نموذج الكندي والفارابي وابن سينا وإخوان الصفا، حيث تطرقنا فيه إلى مدى تأثرهم بالنموذج الأرسطي، وكذا الجوانب الإبداعية التي أضافوها.

      أما المبحث الثالث فخصص لبعض التصنيفات الأخرى التي قد يكون لها طابع عملي وتقني، وقدمنا كنموذجين لذلك تصنيف كل من الخوارزمي في كتابه “مفاتيح العلوم”، وابن النديم في كتابه “الفهرست”. كما ذكرنا في هذا المبحث تصنيفي كل من ابن حزم وابن خلدون اللذين كانا يسعيان من خلال تصنيفيهما إلى إبراز أن جميع العلوم إنما تستمد شرعيتها من خلال خدمتها للحقيقة الدينية وأن العلوم المضادة والمناقضة لها إنما هي علوم باطلة والمشتغل بها إنما هو مشتغل بشيء غير نافع.

      الفصل الثاني قدمنا فيه لمحة تاريخية عن علم الكلام، وذلك من حيث النشأة والتطور، كما تطرقنا فيه إلى مسألة المعرفة والفرق بينها وبين العلم، وقد قسمناه إلى مبحثين.

المبحث الأول تضمن تعريفات علم الكلام ومسمياته، وظروف نشأته وتطوره، وموقف خصومه وأنصاره منه.

     أما المبحث الثاني فناقشنا فيه مسألة المعرفة والعلم وسياقاتها التداولية سواء على المستوى اللغوي، أو على مستوى الاصطلاح القرآني، إضافة إلى بيان الفرق بين المعرفة والعلم، كما ناقشنا فيه موقف الفلاسفة والمتكلمين من العلم الإلهي وكيفية استحقاقه تعالى لصفة العلم، وكذا نوعية معلوماته.

الفصل الثالث خصص لتصنيف العلوم عند فرقتي المعتزلة والأشاعرة وقد جاء في مبحثين.

المبحث الأول اهتم بتصنيف العلوم عند المعتزلة، حيث بينا فيه السياق التاريخي لظهور هذه المدرسة وأصولها التي بنت عليها نظرياتها في علم الكلام، ومنهجها في تصنيف العلوم.

أما المبحث الثاني فتناول تصنيف العلوم عند الأشاعرة، وقد تحدثنا فيه عن الأصول الكلامية للمذهب الأشعري، كما قدمنا فيه مجموعة من النماذج لتصنيف العلوم لبعض أقطاب هذه المدرسة أمثال: الباقلاني والبغدادي والغزالي.

      الفصل الرابع تطرقنا فيه لتصنيف العلوم عند فرقتي الخوارج والشيعة، وقد قسمناه إلى مبحثين:

المبحث الأول خصص لتصنيف العلوم عند الخوارج، والسياق التاريخي لظهورهم وانقسامهم فيما بعد إلى أربع فرق كبرى، وهي الأزارقة، والنجدية، والصفرية، والإباضية وقد قدمنا في هذا المبحث النموذج التصنيفي للعلوم المقترح من بعض منظري فرقة الإباضية باعتبارها الفرقة الوحيدة من فرق الخوارج التي تمتعت بنوع من الاستقرار السياسي والجغرافي، مما انعكس بشكل إيجابي على إنتاجاتها الفكرية والإيديولوجية. الأمر الذي لم يتوفر لغيرهم من الفرق الخارجية الأخرى.

      أما المبحث الثاني فناقشنا فيه الإشكال المفهومي الذي يطرحه مفهوم ” الشيعة ” سواء على المستوى اللغوي، أو على مستوى الاصطلاح القرآني والحديثي، أو على مستوى سياق تطوره في التاريخ الإسلامي، وقد كان للانقسامات الكثيرة التي عرفتها الشيعة دور كبير في اختيارنا لفرقة الإمامية الإثنا عشرية باعتبار حضورها الهام في الساحة الكلامية قديما وحديثا، مما جعلنا نختارها دون غيرها من فرق الشيعة الأخرى، وذلك من أجل رصد جهودها التنظيرية فيما يخص تصنيف العلوم والذي يتمحور حول العلوم الواجب توفرها في الإمام القائم، والتي لا يمكن أن يستحق الإمامة بدون التحقق والاتصاف بها، وهذه العلوم هي علوم خاصة أو لدنية لا يمكن اكتسابها من طرف العامة. كما أوردنا في هذا المبحث تصنيفا للعلوم قدمه جابر بن حيان تلميذ جعفر الصادق الإمام السادس عند الإمامية الإثنا عشرية، وهذه العلوم المقترحة من طرف جابر يمكن لجميع الناس اكتسابها وتعلمها، بخلاف العلوم الخاصة التي تثبتها الإثنا عشرية لأئمتهم، ولعل هذا التفريق بين علوم خاصة وعلوم عامة يعكس خاصية من أهم الخصائص التي تميز الشيعة عموما والإمامية الإثنا عشرية خصوصا وهي “التقية”[4].

     أما الخاتمة فقد تضمنت الخلاصات التي توصلنا إليها خلال هذه الأطروحة، وآفاق البحث المستقبلي في ميدان تصنيف العلوم عند المسلمين، إضافة إلى بعض المقترحات التي يمكن أن تكون مجالا لاستكمال البحث في هذا الموضوع، فإذا كانت الأطروحة تناقش تصنيف العلوم من خلال علم الكلام القديم وفرقه الأربعة المشهورة، فإنها تشكل انفتاحا على علم الكلام الجديد خاصة مع تطور المناهج وتشعب المواضيع، وظهور علوم جديدة ليس لعلم الكلام القديم عهد بها.

      كما قمنا بإنجاز مجموعة من الملاحق المكملة للبحث ضمت كشافا بالمصطلحات، وبعض الوثائق التي تؤرخ لبعض الأحداث والمواقف المؤثرة في الساحة الكلامية، كما أنجزنا مجموعة من الفهارس للآيات، والأحاديث، والأعلام، والفرق، والبلدان.

     ومما ينبغي الإشارة إليه أنه خلال بحثنا ودراستنا لهذا الموضوع، واجهتنا مجموعة من الصعوبات والعوائق نذكر منها: شساعة الموضوع وتشعبه، كونه يتناول تصنيف العلوم عند المتكلمين بفرقهم الأربع الكبرى المعتزلة والأشاعرة والخوارج والشيعة، مع ضرورة استحضار السياق التاريخي الذي مرت منه هذه الفرق، والذي ساهم في بلورة وتطور الفكر التنظيري لدى متأخري هذه الفرق مقارنة مع المؤسسين الأوائل. تنوع المفاهيم واختلاف حمولتها الدلالية والمعرفية من حقل لآخر. قلة الدراسات التي اهتمت بتصنيف العلوم عند المتكلمين ونذرتها مقارنة مع ما كتب حول تصنيف العلوم عند الفلاسفة. صعوبة الحصول على بعض المصادر والمراجع وبالتحديد ما يتعلق بالخوارج والشيعة، خاصة وأننا التزمنا منذ البداية بالرجوع إلى ما كتبه منظرو كل فرقة على وجه الأصالة حتى لا نسقط في ذاتية الكتابات التي كتبت عن تلك الفرقة من خارجها، مما صعب نوعا ما من مأموريتنا فيما يتعلق بالفرقتين سالفتي الذكر، الأمر الذي اضطرنا إلى الرجوع إلى كتب التاريخ وكتب الفرق من أجل الكشف عما قامتا به – الخوارج والشيعة – من جهود بخصوص تصنيف العلوم.

    وقد حاولنا التغلب على هذه الصعوبات التي واجهت مسار بحثنا، وذلك بمساعدة وتوجيهات أستاذنا المشرف السديدة وتشجيعه الدائم، وحرصه الصادق في تجنيبنا الكثير من المزالق التي يمكن أن يقع فيها الباحث فله مني جزيل الشكر وعظيم الامتنان والعرفان.

    كما أتوجه بجزيل الشكر لأعضاء اللجنة العلمية المناقشة، مقدرا ما سينفقونه من وقت وجهد في سبيل تقويم هذه الرسالة وتقييمها، وما سيتفضلون به من ملاحظات وإرشادات وتصويبات وتوجيهات تدعم البحث وتفيد الباحث، والله أسأل أن ينفعني بعلمهم ويجزل لهم المثوبة والعطاء، إنه سميع مجيب.

     وأخيرا آمل أن تلقى هذه الدراسة مكانا لها بين الدراسات التي قدمت حول الفكر الكلامي، مبينة الجهود التنظيرية لعلماء الكلام في تصنيف العلوم، فإن أضافت شيئا حققت ما سعت إليه، وإن لم تفعل، فحسبها أنها أشارت إلى الموضوع وأهميته، وفتحت الباب أمام الباحثين المهتمين بهذا الموضوع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– هذه الآليات التي يشتغل على أساسها العقل العربي الإسلامي هي: 1- التعريفية: تهتم بمسألة الحدود والتعريفات للأشياء والأحداث والظواهر والأفكار والمناهج والمفردات والمصطلحات. 2- التصنيفية: تعنى بتبويب وتصنيف وتنظيم وترتيب المعارف والعلوم والأحداث والأعلام والمدن والحضارات والأقاليم والدول والممالك والرئاسات والقراءات والمذاهب والملل والنحل…الخ. 3- التأصيلية: تهدف إلى وضع أو اكتشاف قواعد ثابتة، ومبادئ وأوليات وأصول للعلوم والمعارف وكل أنواع النشاط. 4- التوفيقية: تعنى بالتوفيق بين متضادين أو لاختراع حل ثالث يجمع أو يتجاوزهم. وهذه الآلية هي أوضح الآليات الأربع وأعمها. هذه الآليات مأخوذة من مقال قيد النشر للدكتور عبدالصمد تمورو بعنوان: ” العقل العربي الإسلامي بين الانسداد والانفتاح “.  

[2]– نظرا لأهمية هذا التعريف الذي قدمه الدكتور عبد الصمد تمورو لآلية “التصنيفية” الوارد في مقال له بعنوان “العقل العربي- الإسلامي بين الانسداد والانفتاح” والذي هو قيد النشر، فقد ارتأينا ذكره كاملا دون تصرف.  

[3]– الجاحظ : “كتاب الحيوان”، حققه وقدم له فوزي عطوي، دار صعب، بيروت- لبنان، الطبعة الثانية 1397هـ/ 1978م، ج 2 ص 287.

[4]-التقية : التقية في اللغة : الحيطة والحذر من الضرر والتوقي منه، والتقية والتقاة بمعنى واحد ، قال تعالى : “إلاّ أن تتقوا منهم تقاة”) سورة آل عمران الآية 28) ، أي : تقية.

 

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *