تدبير الخلاف الفقهي عند القرطبي من خلال كتابه الجامع لأحكام القرآن

الباحث الدكتور محمد أمنزوي

بحث دكتوراه في موضوع: “تدبير الخلاف الفقهي عند القرطبي من خلال كتابه الجامع لأحكام القرآن”، إشراف: الدكتور الأستاذ محمد بنكيران، نوقشت بجامعة ابن طفيل يوم الأربعاء 03 جمادى الأولى 1443هـ/08 دجنبر 2021م. 

تقرير حول الأطروحة

أولا: إشكال الموضوع

      تتمثل الإشكالية التي تأسست عليها هذه الدراسة في بيان منهجية القرطبي في تدبير الخلاف الفقهي، انطلاقا من آيات الأحكام، والأصول المعتمدة لديه في الاستنباط والترجيح، وتأثير ذلك في الأحكام الشرعية. وقد أجبت من خلالها على التساؤل الآتي: كيف وظف الإمام القرطبي الأدلة الأصولية والقواعد الفقهية على اختلاف مراتبها ومستوياتها الدلالية في بناء الأحكام الشرعية؟ وكل ذلك وفق منهجية نقدية تكشف مدى استقلاليته في الاستنباط وتحرره في الترجيح داخل المذهب وخارجه.

ثانيا: أسباب اختيار الموضوع

اخترت البحث في هذا الموضوع للأسباب الآتية:

1ـ الإمام القرطبي من أبرز العلماء المجتهدين، والأعلام المفسرين، وهو ما يجعل البحث في تراثه التفسيري ذا أهمية بالغة.

2ـ لم تتناول الدراسات العلمية مع كثرتها -فيما أعلم- هذا الجانب المهم وهو منهج القرطبي في تدبير الخلاف الفقهي، فسعيت إلى التطرق إلى هذا الجانب بما وفقني فيه الله تبارك وتعالى.

3ـ الشعور بالحاجة الملحة لخدمة هذا التفسير، لما ينطوي عليه من موروث فقهي هام.

ثالثا: أهداف البحث

يهدف هذا البحث إلى الوقوف على مسلك الإمام القرطبي في تدبير الخلاف الفقهي والاستدلال، من خلال الجوانب الآتية:

ـ الوقوف على مواطن الإبداع الفقهي والكشف عن اجتهاداته ومدى استقلاليته في الترجيح.

ـ بيان الملكة الفقهية الكبيرة التي تميز بها عن أقرانه.

ـ الوقوف على الأصول، التي استند عليها في تدبير الخلاف الفقهي، ومحاولته تقليل الفجوة بين العلماء.

ـ الكشف عن عنايته بالخلاف العالي، والخلاف النازل، من خلال عرضه لأقوال الفقهاء وأدلتهم.

رابعا: خطة البحث

      يتكون الإطار العام لهذه الدراسة، من مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة. وبيان ذلك في الآتي:

      فأما المقدمة فتناولت عناصرها المعهودة، وأما الباب الأول فكان بعنوان: “الإمام القرطبي وكتابه الجامع لأحكام القرآن“، وكان القصد منه استيعاب كل ما يحيط بالمؤلف، وكتابه الجامع وقد ضمنته ثلاثة فصول، حيث خصصت الفصل الأول منها: لمعرفة الأوضاع السياسية، حيث كان العالم الإسلامي منقسما إلى دول متعددة حيث كانت دولة الموحدين في الأندلس والمغرب وفي مصر كانت الدولة الأيوبية التي انتهى حكمها ثم قامت بعدها دولة المماليك أما في بغداد فقد كانت الخلافة، كما تحدثت فيها عن الأوضاع الاجتماعية، والفكرية، وكانت هذه الفترة فترة ازدهار فكري منقطع النظير سواء في الأندلس بلاد المؤلف أو في الشرق الإسلامي.

      وأما الفصل الثاني: فقد وضعت فيه ترجمة وافية للمؤلف منذ ولادته إلى وفاته، مع بيان شيوخه وتلامذته، كما أشرت إلى مكانته العلمية وإلى مؤلفاته، فقد بلغ مرتبة عظيمة جدا، وحصل جانبا هاما من علوم الشريعة بمختلف ألوانها، هذه العلوم التي تلقاها عن مشايخ كثيرين موزعين بين الأندلس ومصر، أما عن تلامذته فلا أعلم من ترجم للقرطبي ذكر  عنهم شيئا، وقد يعود سبب ذلك إلى عزلته وتفرغه للتأليف، كما بينت في نفس الفصل عقيدته الأشعرية، وهي عقيدة جماهير علماء الأمة، وأيضا مالكيته، وأما الفصل الثالث: فقد تحدثت فيه عن قيمة تفسيره الجامع بين تفاسير العلماء، ومدى استفادة من جاء بعده منه، وبينت منهجه الذي سار عليه فيه، فقد أجمع كل من ترجم له على قيمته وأهميته الكبيرة، من العلماء السابقين إلى أخر حفاظ العصر، كما بينت منهج القرطبي، في تفسير القرآن والذي اتخذ مسارين، أحدهما التفسير بالمأثور من العناية بالسنة في تفسير القرآن وأقوال الصحابة والتابعين، والآخر التفسير بالرأي.

      وأما الباب الثاني فكان تحت عنوان “الخلاف الفقهي في تفسير القرطبي: أسسه العلمية وآدابه الشرعية” فقد تضمن فصلين: أولهما بينت فيه أسس القرطبي في التعامل مع الخلاف الفقهي، من خلال بيان موارده في تدبيره له، هذه الموارد المتنوعة الكثيرة بين كتب الحديث وعلوم القرآن والتفاسير وكتب العقيدة واللغة وغيرها، والتي استثمرها جيدا في نقله للمسائل التي عالجها في تفسيره الجامع. كما بينت منهجه في تحقيق الأقوال المنسوبة للمذاهب، وأيضا ما اتسم به عرضه لأدلة العلماء من البسط والتوسع، وإعطاء كل قول مكانته وحقه، وتوضيح منهجه في عرضه ودراسته للمنقولات عن الصحابة الكرام وغيرهم من خلال تصحيح الروايات وبيان ما لا يصح منها، ومنهجه في الرد على العلماء، ووسائله وأدواته في ذلك.

      وأما الفصل الثاني فكان الحديث فيه عن أدب القرطبي مع الصحابة وعلماء الأمة، وبيان أخلاقه في تعامله مع المسائل الخلافية، وما اتصف به من العدل والإنصاف أثناء عرضه ومناقشته لها.

      وأما الباب الثالث فكان عنوانه “القرطبي وتدبيره للخلاف الفقهي“، وقد تضمن مقدمة عن الخلاف وأسبابه وآدابه وأربعة فصولا كالآتي: خصصت أولها للحديث على أصول القرطبي المتفق عليها: مثل القرآن وأوجه الاستدلال به والسنة وعلاقتها بالقرآن الكريم وأقسامها وبيان أمثلة كل قسم من خلال الجامع، والإجماع وحجيته وأنواعه والقياس وشروطه وأنواعه، وإبراز مدى العناية بهذه الأصول في تدبير الخلاف. وأما الفصل الثاني، فتحدثت فيه عن الأدلة المختلف فيها مثل قول الصحابي، ومراتبه  وعمل أهل المدينة، ودوره في تدبير الخلاف، ثم طريقة نقله له، كما تحدثت عن سد الذرائع، والعرف، والاستحسان، وكيف وظفها في تدبيره للخلاف الفقهي. وأما الفصل الثالث فبينت فيه منهجه في تدبير الخلاف من خلال الجمع بين الأدلة، أو الترجيح، أو تأويل النصوص، وذكرت أمثلة على ذلك . وأما الفصل الرابع، فقد تم فيه الحديث عن منهجه في ضبط الخلاف الفقهي، من خلال تعظيم النصوص من القرآن والسنة، وبينت وقوفه مع الدليل وعدم تجاوزه له عند عرضه للمسائل الفقهية، كما بينت أنه كان يولي فهم النصوص أهمية كبيرة، مستعينا باللغة العربية وفتاوى النبي صلى الله عليه وسلم، وفهم الصحابة في تنزيل هذه النصوص، كما أوردت عنايته بعلم المقاصد الشرعية، ومدى تأثيرها في توجيه الأحكام، والترجيح بينها، وأيضا القواعد الأصولية التي استعان بها في ضبط النصوص.

      أما الخاتمة، فقد ضمنتها خلاصة ما انتهى إليه البحث من نتائج، وما عسى أن يسدَّه من فراغ، ويستشرفَه من آفاق، ويكشفَه من جديد في قضايا الخلاف الفقهي.

خامسا: منهج البحث

      إن طبيعة البحث تقتضي أن يتبع منهجا وصفيا تحليليا، واستقرائيا، يبدأ باستقراء الجزئيات، وتصنيفها، وترتيبها، وما يكتنفها من الشروح والتعليلات، ثم يتوج ذلك باستنتاجات وترجيحات. فهذا المنهج يتسم بالاستنباط، في استخدامه للقواعد الأصولية، والحديثية واللغوية، في فهم النصوص فهما متينا ومحكما، من أجل سبر أغواره واستثمار طاقاته، كما اعتمدت أيضا على المنهج المقارن عند المقابلة بين آراء العلماء من خلال عرض المسائل المختلف فيها.

 سادسا: صعوبات البحث

لا شك أن كلَّ بحث تكتنفه صعوباتٌ، ولقد كان من صعوبات هذا البحث ما يأتي:

ـ طبيعة الكتاب الذي تم اختياره لموضوع الدراسة، تستوجب جهدا خاصا، باعتبار أننا أمام أحد أوسع كتب أحكام القرآن، والذي يتطلب قراءة دقيقة متأنية حتى نستطيع الإلمام بأقصى ما يمكن فيما يتعلق بهذا الموضوع.

ـ طبيعة الموضوع وهو ما يحتم على الباحث أن يتتبع منهج القرطبي في تدبير الخلاف الفقهي، في جميع المسائل الخلافية، خاصة وأن المؤلف كان إماما مجتهدا، يؤدي به اجتهاده في بعض المواطن إلى مخالفة المذهب المالكي في مسائل كثيرة، ولذلك كان حريا على الناظر أن يقف على حكم هذه المسائل في المذهب المالكي، ثم تتبع هذه المواطن التي خالف فيها المؤلف المذهب، وكيف عالج هذه القضايا.

سابعا: الخلاصات والنتائج

ـ لقد أظهرت هذه الدراسة مكانة الإمام القرطبي الأخلاقية والعلمية التي اتصف بها، وما حصله من العلوم في الأندلس ومصر، وتنوع الأخذ عن المشايخ في الغرب والشرق، وتبين من خلال هذا البحث تنوع مؤلفاته، بين الفقه والتفسير والعقيدة وغيرها، مما يدل على موسوعية هذا الإمام ومدى إحاطته بعلوم الشريعة، كما أن هذه الدراسة توضح  قيمة تفسير الإمام القرطبي، وما له من المكانة العظمى عند العلماء، والذين أجمعوا على أنه من بين أفضل التفاسير وأوسعها في باب أحكام القرآن.

ـ وفرة موارد هذا العالم في عرضه لمسائله، وما تميز به منهجه من الحرص على توثيق ما يتعلق بما نسب للنبي -صلى الله عليه وسلم-، أو للمذاهب الفقهية، مع الإشارة إلى الضعيف والصحيح منها، وأيضا إبراز أدلة كل المذاهب، وعرضها، ومناقشتها، ومنهجه في الرد عليها والذي اتخذ مسارين: أحدها الرد عن طريق الأدلة النقلية، والآخر عن طريق الأدلة العقلية.

ـ الاهتمام ببيان الخلاف النازل والخلاف العالي الذي حاول فيه أن يستوعب أغلب مذاهب علماء الأمصار المشهورين بالفتوى والفقه.

ـ أدب القرطبي وإنصافه للصحابة رضوان الله عليهم، وما يكنه لهم من التبجيل والاحترام والتعظيم، مما جعله يلتمس لهم الأعذار في كثير من المناسبات التي حتمت بيان ذلك، وقد سلك هذا الأدب أيضا مع باقي العلماء، فلم يدفعه الخلاف معهم إلى التنقيص منهم، أو تجاوز الحد في رده عليهم، بل كان منصفا أمينا، يقف مع الحق حيث كان بغض النظر عن قائله.

ـ جعل هذا الإمام الجليل الدليلَ حكماً في القضايا الخلافية، وكان أكبر همه إعطاء النصوص حقها من الفهم بالاستناد إلى فتاوى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفهم الصحابة -رضوان الله عليهم-، كما أسهم استعماله للمقاصد الشرعية في التقليل من حدة الخلاف.

ـ اعتمد القرطبي في تدبير الخلاف الفقهي على أصول متفق عليها كالقرآن والسنة والإجماع والقياس، وأخرى مختلف فيها كقول الصحابي وعمل أهل المدينة والاستحسان وسد الذرائع والعرف وغيرها…

ـ منهج الإمام القرطبي في تعامله مع الأدلة اتخذ أشكالا ثلاثة، فكان يجمع بينها عند إمكانيته، وحين يتعذر ذلك، ينتقل إلى التأويل، وإن لم يسعفه الأمر يلجأ إلى الترجيح بينها. كما فعل الكثيرَ من القواعد الأصولية سواء المرتبطة بالدلالات اللغوية، أو المرتبطة بقواعد الشريعة، أو المرتبطة بالأحكام الشرعية في تدبيره للخلاف الفقهي، وقد استند كذلك إلى مبدأ إعمال المقاصد وجعله أصلا معتمدا، وركنا في الترجيح في كثير من القضايا الخلافية، مما يؤكد مدى عنايته خصوصا، وعناية المالكية عموماً بهذا الأصل العظيم.

ـ ولم يكن له منهج واحد في نقله لنصوص السنة، فإنه يلجأ أحياناً إلى اختصار الحديث في مواضع، وينقله أحياناً بتمامه في مواطن أخرى، مع عنايته الكبيرة بتوثيقه له، فيما يتعلق برواته من جرح وتعديل، وقد تميز بالعدل والإنصاف في منهجه هذا، وعند رده على العلماء في تعامله مع الخلاف الفقهي، حيث رجح كثيرا من المسائل رغم مخالفتها لمذهبه المالكي: كترجيحه لقول الشافعي في استقبال القبلة عند السفر، وفي الإشهاد على النكاح، وإباحة أكل لحم الخيل، وترجيحه لقول ابن سيرين في الإفطار في رمضان ما دام وصف المرض ينطبق عليه، وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي يتجلى فيها بوضوح حياده وموضوعيته رحمه الله.

ـ ولقد أولى أدلة المخالفين له من العلماء أهمية كبيرة في الرد عليهم، واستيعابها مع إعطائها ما تستحقه من النظر وبيان مواطن صحتها ومكامن ضعفها، وهو ما يتضح من خلال العديد من الأمثلة، ذلك أنه لم يكن يتجاهل قيمة تلك الأدلة ودورها في إغناء الفقه الإسلامي من خلال الكشف عن كثير من مناهج وأدوات الاستنباط المتنوعة.

ـ واهتم في تدبيره للخلاف بالرواية المذهبية، فقد اعتمد أمهات دواوين المذهب المالكي خاصة ومذاهب علماء الأمصار عامة، كما عني بتصحيح رواياتها، وتحقيق ألفاظها وتتبع آثارها، وميز المشهور والراجح من الأقوال منها، ونبه على ضعيفها وشاذها، وصنف الأقوال المتعارضة من حيث قبولُها واعتمادُها، واعتنى بتوجيهها، كما اهتم بمستوى الاستنباط والتخريج الفقهي، حيث كشف عن معاني الفقه من منطوق الألفاظ ومفهومها، ووسع نطاق الاستنباط حيث نحى مسلك الموازنة بين الأقوال داخل المذهب، وبينه وبين غيره من المذاهب، ونجح في تحصيل مواضع الخلاف وتحرير أسبابه في ثنايا تدبيره للخلاف الفقهي.

      وخلاصة القول، إن القرطبي كان تدبيره للخلاف تدبير عالم مجتهد، ممحص، حيث كان يؤصل للمسائل ويعلل ويقيس ويرجح ويصحح الروايات ويضعفها، وينظر في الأدلة سواء العقلية منها والنقلية، فيناقشها، ويصحح منها ما يراه صحيحا، ويضعف منها ما يراه ضعيفا، وإن أدى به الأمر لمخالفة مذهبه في بعض الأحيان مما يؤكد استقلاله في الاجتهاد الفقهي وعدم مبالاته بمخالفته للمذهب جملة، والخروج عنه إذا تبين له أن الحق مع غيره من المذاهب الأخرى.

ثامنا: آفاق البحث

      إنني لا أدعي أني وفيت هذا البحث حقه، فالنتائج التي توصلت إليها يمكن أن تكون اسشرافا لدراسات أخرى سواء في الجامع لأحكام القرآن أو في مصنفات أخرى للمالكية، خاصة مالكية الغرب الإسلامي، لبيان دورهم البارز في إغناء الفقه الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *