المواطنة في الاجتهادات المعاصرة: دراسة تاريخية فقهية قانونية مقارنة

الباحث الدكتور محمد إكيج ناقش أطروحته بتاريخ: 05 ذي الحجة 1434 موافق 11 أكتوبر 2013، بقاعة محمد حجي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، وقد نال بها الباحث درجة الدكتوراه في الآداب، شعبة الدراسات الإسلامية وحدة الاجتهاد المعاصر والمشكلات الإنسانية بتقدير: مشرف جدا مع تنويه اللجنة والتوصية بالطبع.

       لقد استجدت في الواقع الإسلامي المعاصر مستجدات عدة شملت ميادين شتى في حياة الإنسان المسلم، حتمت على النظار الإسلاميين أن يؤمموا فكرهم ونظرهم صوبها، للبحث في ثناياها وكشف ما تطرحه من تحديات وإشكالات تحتاج إلى بيان بالحجة والبرهان.. خاصة وأنها دخلت على المسلمين ديارهم من غير استئذان، وأوجدت لنفسها مواطئ أقدام راسخة وعصية على مجرد الحكم عليها بالحلال أو الحرام.. 

       ولعل من جملة تلك القضايا التي اقتحمت مجالنا الإسلامي، وأضحت موضوعا مثيرا للجدل إما مدحا أو قدحا، مسألة المواطنة، باعتبارها تجربة إنسانية رائدة في تدبير الاختلاف، وتحقيق التعايش السلمي بين مختلف الانتماءات، وحفظ الحقوق وأداء الواجبات المتبادلة لكل الفئات الاجتماعية والعرقية والدينية المتساكنة تحت سقف فضاء واحد ومشترك..

       فبفضل مبدأ المواطنة، تمكنت المجتمعات المتقدمة حضاريا في كثير من بلدان المعمورة من الحد من الصراعات الإثنية، والعرقية، والاجتماعية والجنسوية، وكذا بناء أمنها واستقرارها السياسي والاجتماعي وتحقيق رخائها الاقتصادي..

       كما مكّن هذا النظام من إلغاء العديد من القوانين والإجراءات التعسفية والتمييزية التي كانت تفرض في حق الفئات المستضعفة في تلك المجتمعات، خاصة النساء والسود والعمال.. الشيء الذي أعاد الاعتبار للكرامة الآدمية – هناك – على أكثر من صعيد..

       وحينما نتحدث عن هذه التطورات التي صاحبت مبدأ المواطنة، فإنه يحق لنا أن نتطلع باعتزاز إلى ما قررته تشريعات الإسلام من مبادئ مثالية غاية في النبل، لم تتوصل إليها البشرية إلا بعد أن أراقت في سبيلها أنهارا من الدماء وقطعت من أجلها أكواما من الجماجم؛ فقد قرر القرآن الكريم في العديد من آياته مبدأ المساواة في الخلق والقيمة الإنسانية، ونص على الكرامة الآدمية المطلقة، واعتبر الحرية فضيلة ثمينة تستحق بذل المهج والأرواح، وعد العدالة حقا لا ينبغي التهاون في إقامته أو التفريط في طلبه، وحضّ على سياسة الشؤون العامة للناس بالعدل والتشاور وعدم الجور والاستفراد، وأكد أن الاختلاف بين بني البشر سنة ربانية ومنّة دينية ورحمة دنيوية غايتها تحقيق الانسجام والتفاعل والتواصل من خلال سنة الاحتياج التي فطر عليها الإنسان.

       ولقد تجسد هذا واقعا منظورا في مجتمع المدينة برئاسة النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم بذلك للبشرية النموذج الأمثل لمجتمع التعاقد والتعدد على أساس الاشتراك في حقوق المواطنة وواجباتها، بغض النظر عن الانتماءات الدينية أو القبلية أو العرقية الخاصة بموطني ذلك المجتمع.

      مستوى الفكر أو الممارسة، عرفت منزلقات وتجاوزات خطيرة، وبُعدا عن تمثل أسلم لهذه المبادئ الراقية، خاصة تجاه مواطني الدولة الإسلامية من الأجناس والأديان الأخرى.. مما استدعى ضرورة إعادة قراءة هذه التجربة والمقولات المصاحبة لها في ضوء النصوص الإسلامية السليمة والمستجدات الراهنة في الحياة الإنسانية عامة وحياة المجتمعات الإسلامية خاصة، بعيدا عن المقولات الاستردادية التي تثني على ماضي السلف غثه وسمينه، وفي منأى أيضا عن المقولات “الترديدية” الوافدة التي تقدح في كل ما هو أصيل وتمدح كل ما هو دخيل !!.

       في هذا السياق إذا، يأتي هذا البحث المتواضع الذي وسمته بـ: “المواطنة في الاجتهادات المعاصرة: دراسة تاريخية فقهية قانونية مقارنة”، ليعرض ويحلل جملة من الاجتهادات والمراجعات التي تضمنتها بعض الكتابات الفقهية والفكرية الإسلامية المعاصرة، والتي تناولت إشكالية المواطنة في زاوية من زواياها (المفهوم، التأصيل، الحقوق والواجبات، المشاركة والاندماج…) سواء فيما يتعلق بغير المسلمين في المجتمع الإسلامي أو فيما يخص الأقليات المسلمة في مجتمعات غير المسلمين،  وذلك من خلال إعادة قراءة المفاهيم الفقهية الموروثة والاجتهاد في التأسيس لمفاهيم جديدة، وفق الضوابط التالية:

ــ التمييز بين ما هو نص شرعي مقدس، وما هو اجتهادات بشرية وممارسات تاريخية خاضعة للنقد والتقويم..

ــ استصحاب المستجدات الواقعية والتحولات الدولية الراهنة وموقع المسلمين فيها..

ــ الإحاطة بملابسات الموضوع وتمظهراته السريعة والتغير في الواقع الراهن..

ــ إعمال قواعد السياسة الشرعية القائمة على أساس نفي الحرج وجلب المصالح ودفع المفاسد وفقه الموازنات والأولويات من أجل تحقيق الاستيعاب الإيجابي لغير المسلمين في بلاد الإسلام، وتيسير اندماج المسلمين في بلاد الآخرين.

ــ عدم بخس التجارب الإنسانية والحضارية الناجحة كيفما كان صاحبها، شريطة أن لا تنافي الأصول أو تتجاوز حدود المعقول.

المصادر الأساسية للدراسة:

         ولقد اعتمدت الدراسة مجموعة هامة من الكتابات المعاصرة، لما تتميز به من الجرأة العلمية في اقتحام إشكاليات هذا الموضوع، ونذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر: كتابات الدكتور يوسف القرضاوي، وراشد الغنوشي، والدكتور محمد سليم العوا، وكتابات الدكتور طه جابر العلواني، وكتابات الدكتور حسن الترابي، وكتابات المستشار طارق البشري، وكتابات المستشار الشيخ فيصل مولوي، وكتابات الأستاذ فهمي هويدي، وكتابات الأستاذ علال الفاسي، وكتابات الدكتور أحمد الريسوني وغيرها كثير…. هذا فضلا عن عدد من الدراسات والبحوث المبثوثة في دوريات الفكر الإسلامي المعاصر أمثال: “مجلة إسلامية المعرفة”، ومجلة “المسلم المعاصر”، ومجلة “التسامح”، و”المجلة العلمية للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث”، و”مجلة المنهاج” وغيرها..

منهجية الدراسة:

       ولقد سلكت في هذه الدراسة منهجا استقرائيا، لا يدعي الإحاطة والشمول، لموضوع المواطنة في الكتابات الإسلامية المعاصرة وكيفية تناولها لبعض إشكالاتها التفصيلية.. ثم مقارنة مجمل ما جاء في تلك الكتابات مع التراث الفقهي القديم من جهة، لبيان مناحي التجديد والاجتهاد والمراجعة في القضايا ذات الصلة بموضوعنا؛ ثم مع ما أنتجه الفكر البشري الراهن من قوانين وطنية ومواثيق دولية ناظمة لقضايا حقوق الإنسان وقضايا الأقليات الدينية والعرقية، من جهة ثانية، للوقوف على حدود التعارض أو التكامل معها.

       كما حاولت جهد المستطاع تذييل كل مباحث هذا العمل بعدد من الاستنتاجات والخلاصات التي تبرز توجهات المدرسة الاجتهادية المعاصرة في كل قضية من القضايا المثارة في المبحث. أما هوامش البحث، فضمنت معظمها إضافات وتعليقات ومقارنات وتوضيحات، فضلت عدم إثقال متن البحث بها.

تقسيم الدراسة:

       وجاء البحث في بنائه العام في فصل تمهيدي، وبابين رئيسين فضلا عن مقدمة وخاتمة.

       أما الفصل التمهيدي، فخصصته للحديث، بشيء من التركيز، عن الاعتبارات التي أذكت السجال الفكري والثقافي حول موضوع المواطنة سواء في السياق الغربي أو السياق العربي الإسلامي، ويمكن تلخيص تلك الاعتبارات المرتبطة بسياقنا العربي والإسلامي فيما يلي:

ــ الحمولة الفسلفية للمفهوم المرتبطة نشأة وتطورا بالمنظومة الفكرية والسياسية والاجتماعية الغربية، وما يطرحه ذلك من صعوبة تبييء هذا المصطلح في الفضاء العربي والإسلامي.

ــ المساهمة السلبية لجهاز الدولة العربية والإسلامية الحديثة في تنمية مفهوم المواطنة على مستوى الممارسة الواقعية..

ــ تعدد الولاءات في المجال العربي والإسلامي، حيث تُخترق المواطنة  بعدد من الانتماءات مثل الطائفية والمذهبية والقبلية..

ــ اقتران مفهوم المواطنة في المجال العربي والإسلامي ببعض المفاهيم الفقهية الموروثة المشوشة من قبيل “الذمة”، و”دار الحرب” و”دار الإسلام”..

       وانطلاقا من هذه الاعتبارات، تباينت زوايا المقاربة والتحليل والنظر لهذا الموضوع في الفكر العربي والإسلامي، سواء على مستوى الخطاب أو مرجعيات الاستمداد أو الأهداف المبتغاة، وقد حاول البحث – في هذا الفصل – الوقوف عند آراء أهم الاتجاهات الفكرية التي تناولت موضوع المواطنة في السياق العربي والإسلامي، وما يميز كل اتجاه عن الآخر في مقاربته، والتي  تمثلت في الاتجاه  الليبرالي، والاتجاه القومي، والاتجاه الديني بشقيه المسيحي والإسلامي، مبرزا خصوصية التيار الاجتهادي ضمن الاتجاه الإسلامي، باعتبار أن آراءه ستشكل أرضية هذا البحث للإجابة عن تساؤلاته وإشكالاته.

       أما الباب الأول الذي جاء تحت عنوان:”المواطنة في الأنساق الفكرية والسياسية المختلفة”، فقد قسمته إلى فصلين، أفردت الأول منهما للحديث عن مفهوم المواطنة في الفكر الغربي، وأما الثاني فتناولت فيه المقاربة التأصيلية للمواطنة في الفكر الإسلامي.

       وهكذا، حاولت في الفصل الأول الإحاطة بمختلف مراحل  تطور مفهوم المواطنة وكيفية تداوله في السياق الفكري والسياسي الغربي، انطلاقا من البدايات الجنينية لهذا المفهوم في الفكرين اليوناني والروماني، حيث اتسم المفهوم عموما بسعة في التصور ومحدودية في الممارسة العملية، بحكم  تأثرهما بواقعهما الاجتماعي والسياسي الذي يكرس الطبقية والفئوية بين الناس.

     ثم تطرقت للتطور الذي شهده المفهوم خلال عصر النهضة  الأوربية، وذلك من خلال صياغة مفهوم جديد للمواطنة نقله من مجرد الانتماء لدين أو طبقة إلى مفهوم سياسي يعتمد الأمة والدولة معيارا للانتماء، والتعاقد السياسي والاجتماعي أداة لضبط العلاقات البينية للأفراد والمؤسسات؛

       ثم عرجت على التحولات الكبرى التي عرفها المفهوم مع عصر الأنوار، وبينت كيف ساهمت نظريات فلسفية أبرزها نظرية العقد الاجتماعي، وقيام الدولة القومية الحديثة والثورات السياسية والاقتصادية الكبرى في إحداث تحولات كبرى في المفهوم سواء في بنائه النظري أو ممارساته التطبيقية.

       وختمت هذا الفصل بالوقوف عند جهود بعض المفكرين الغربيين أمثال “جون يوري” و”شارل تايلور” و”يورغن هابرماس”  .. في إعادة النظر في المفهوم التقليدي للمواطنة، وبحثهم عن كيفية جعله أكثر انسجاما مع مجتمعاتهم في ظل موجة العولمة الثقافية والاقتصادية والتحولات السياسية والاجتماعية التي أدت إلى تقلص سيادة الدولة الوطنية وتهميشها، وبروز ظاهرة المجتمع المدني العالمي، وتنامي الهجرة العالمية خاصة في اتجاه البلدان الغربية..  

    وانطلاقا من هذه المقاربة التي حاولنا خلالها الإحاطة نسبيا بمختلف مراحل تطور مفهوم المواطنة وكيفية تناوله في السياق الفكري والسياسي الغربي، خلصت الدراسة إلى أن هذا المفهوم لم يتشكل دفعة واحدة وإنما تحرك واستكمل كيانه عبر مراحل تاريخية متتابعة، حيث انتقل من كونه مفهوما خاصا بالصفوة إلى كونه محددا بامتلاك القوة بغض النظر عن طبيعتها، إلى أن استوعب في النهاية فئات العامة من البشر..

      أما الفصل الثاني من هذا الباب، فحاولت فيه مقاربة جهود الفكر الإسلامي المعاصر في التأسيس والتأصيل لهذا المفهوم، حيث عرجت في المبحث الأول على “إشكالية المصطلح” وجهود الباحثين العرب والمسلمين في تحريره وتبييئه في السياق الفكري والاجتماعي والسياسي العربي والإسلامي.

وقد سلكوا من أجل ذلك عدة مسالك:

ــ المسلك الأول لغوي صرف، حيث عمدوا إلى عملية النحت اللغوي وبناء المصطلح قياسا على الاشتقاقات العربية الدالة على المفاعلة، وانتهوا إلى أن مصطلح “المواطنة” مشتق من مادة  (و.ط.ن) أو (و.ا.ط.ن).

ــ وأما المسلك الثاني فهو توظيف المصطلح بمضامينه السياسية والفكرية كما هي مؤسسة في الفكر الغربي..

ــ وأما المسلك الثالث، فيتمثل في البحث عن مصطلح بديل أو معادل لـ”مواطن” أو “مواطنة”، من حيث الدلالة العضوية الكاملة في المجتمع السياسي وما يترتب عن ذلك من حقوق ومشاركة في الحياة العامة.

ــ وأما المسلك الرابع، فيكمن في محاولات بعض الباحثين تأصيل المصطلح من خلال الحفر عن دلالاته في بعض النصوص الدينية والأدبية.

      وانتهينا في هذا المبحث إلى أن معظم الباحثين العرب والمسلمين على اختلاف مناهجهم واستمداداتهم الفكرية والأيديولوجية – باستثناء بعض الغلاة الرافضين لكل وافد – أصبحوا يتداولون هذا المصطلح بكل دلالاته السياسية والحقوقية والاجتماعية إلى حد الإسفاف أحيانا، إذ شاع في البلاد العربية والإسلامية إرداف لفظة “مواطنة” بكل مجالات الحياة العامة، فصرنا نقرأ ونسمع عن “التلفزة المواطنة”، و”الرياضة المواطنة”، و”الجماعة المواطنة” وغيرها… وفي ذات المنحى سار عدد من الباحثين في الفكر الإسلامي المعاصر، فقد وجدوا أنفسهم، مقتنعين تارة ومرغمين أخرى، باستعمال المصطلح وإضافته إلى الإسلام أو السنة النبوية أو تاريخ الإسلام أو الفقه الإسلامي..

       وفي المبحث الثاني من هذا الفصل، بسطت محاولات الكتابات الإسلامية المعاصرة في تأصيل مفهوم المواطنة من خلال التدبر المقاصدي في نصوص الوحي القرآنية والحديثية التي تحيل على المبادئ العامة للمواطنة، والمتمثلة أساسا في الحرية والمساواة والعدالة.

       وقد انتهت القراءة الإسلامية المعاصرة لنصوص الوحي في هذا المجال إلى أن النص الديني القرآني والحديثي ثري بمضامين الثالوث القيمي للمواطنة (المساواة والحرية والعدالة)..

       واستكمالا لهذه المقاربة التأصيلية لمفهوم المواطنة، عمل الفكر الإسلامي المعاصر على بيان التجليات الحية لتلك المبادئ من خلال تحديد المعالم الرئيسة لكيفية التعامل والتعاقد والشراكة والتكافل والتوافق في المجتمع الإسلامي سواء فيما بين أعضاء الجماعة الإسلامية  أو مع الأطراف الأخرى المتساكنة معها.  

      وقد ظهر هذا جليا في آلية إعلان الحقوق السياسية والمدنية لمواطني الدولة الإسلامية في العهد النبوي، ولذا تم التركيز على تحليل مضامين وثيقتين أساسيتين وهما:

أولا: “صحيفة المدينة” باعتبارها عقدا سياسيا واجتماعيا صيغ على شكل مواد قانونية قابلة للتطبيق، وأسس نموذجا للتعايش الديني والسياسي والقومي المشترك بين مختلف الأطياف المكونة لمجتمع الإسلام آنذاك، مما يدل على أن الإسلام يقبل فكرة تأسيس مجتمع سياسي متنوع في دولة واحدة، ونظام واحد على أساس الإسلام، يتمتع فيها الجميع بحق المواطنة الكاملة.

      وأما الوثيقة الثانية، فهي خطبة حجة الوداع، حيث نظر إليها الاجتهاد الإسلامي المعاصر على أنها بمثابة إعلان للحقوق المدنية والاجتماعية التي تتطلبها دولة المواطنة، وليس مجرد خطاب وعظي ذي أبعاد تربوية أو تعبدية، ألقاه النبي صلى الله عليه وسلم في سياق أداء مناسك الحج.

     وقد خلصت الدراسة بعد هذه المقاربة التأصيلية لمبادئ المواطنة إلى أن التاريخ الإسلامي الأول في العهد النبوي والراشدي عرف نماذج مشرقة، لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية، تمثلت قيم المواطنة بكل ما تحمله من معاني التعايش والتسامح مع الآخر.. 

      وفي الباب الثاني، تناولت بالدرس والتحليل والمقارنة أهم القضايا التي ناقشها الاجتهاد الإسلامي المعاصر التي لها صلة بموضوع المواطنة، والتي تجيب عن الأسئلة الدقيقة والحرجة ذات صلة بالمقولات المؤسسة لمفهوم المواطنة في السياق العربي والإسلامي، وذلك من قبيل:

ــ هل يتمتع غير المسلم في المجتمع الإسلامي المعاصر – فعلا وواقعا – بالمواطنة المتساوية مع المسلم؟ وهل له حق الولاية العامة كما لغيره من المواطنين المسلمين؟

ــ هل للمواطن المسلم كامل الحرية في استبدال دينة بدين آخر دون أن يعرضه ذلك لا للمساءلة القانونية ولا للعقوبة الدنيوية؟

ــ كيف يمكن التوفيق بين خضوع المسلم في بلاد غير المسلمين لأحكامها وقوانينها مع مبدأ الولاء والبراء الذي يعد جزءا أساسيا من عقيدة المؤمن؟

ــ ألن يجهض تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في الواقع الراهن – خاصة في شقه الزجري – كل المكتسبات التي تحققت للإنسان المعاصر في مجالات الحرية الشخصية والديمقراطية السياسية..؟

فهذه التساؤلات المستفزة ونحوها هي التي جعلت النظار الإسلاميين يتجاوزون مرحلة التذكير بالأصول العامة والمبادئ الكلية لمفهوم المواطنة، والانخراط في مرحلة الاجتهاد بما يعنيه من المراجعة وإعادة القراءة للنص الديني والكسب البشري أنّى كان مصدره وما يصاحب ذلك من إبداع في الحلول والاقتراحات التي تراعي تبدلات الزمان والمكان وتغير أحوال الإنسان…

لأجل ذلك جاء هذا  الباب ملتئما في ثلاثة فصول.

      خصصت الأول منها لبيان معالم المقاربة الاجتهادية لمفهوم المواطنة في الفكر الإسلامي المعاصر، وقد كسرته على ثلاثة مباحث، أفردت الأول للحديث عن المبررات والدواعي التي حملت الفكر الإسلامي المعاصر على ضرورة فتح باب الاجتهاد والتجديد في مجال الفقه السياسي، ولخصتها في عاملين اثنين:

      أحدهما نفسي، يتمثل في إزالة ذلك التهيب والحذر المبالغ فيهما على أصول الشريعة الإسلامية، وأصول الفكر الديني السياسي.. من الاقتلاع أو التمييع أو الإذابة في جوهر حضارات ومفاهيم مناقضة لمبادئ الشريعة الإسلامية، خاصة وأنها واجهت في القرنين الماضيين عواصف عاتية مزعزعة..

     وأما الثاني، فيكمن في ضرورة تحرير الفقه السياسي من احتكار الحكام وبطانتهم، أو من يعملون في وظائف الدولة الكبرى ذات الصبغة السياسية..

      وعرجت باقتضاب على أهم القضايا التي كانت محل المراجعة في الفقه السياسي الإسلامي المعاصر، وخاصة قضايا “الخلافة” و”مفهوم الدولة الإسلامية”  ومسألة “رئاسة الدولة وإمامتها العظمى” وقضية “ولاية الأمة أو “سلطان الأمة” وموقعها في القرار والاختيار، ومنها المفاهيم الواردة في الكتب السلطانية وتأثيرها في التراث الفقهي الإسلامي.. هذا فضلا عن قضايا التعايش والمساكنة والاختلاف مع الآخر تحت سقف الأوطان الجديدة وفق مبادئ المواطنة.

     كما بينت أن هذه المراجعة الاجتهادية لمجمل القضايا التي طرقها الفكر الإسلامي المعاصر، لم تكن مبنية على مجرد الهوى والتشهي، أو التقليد والاقتباس من الآخر تحت مبرر المجاراة أو المباهاة، بل هي مراجعات منضبطة بأسس شرعية ومقاصدية وواقعية.  

     وفي المبحث الثاني من هذا الفصل استعرضت قراءة الاجتهاد المعاصر للمقولات الفقهية والتجارب التاريخية للمسلمين المسيئة لمبدأ المواطنة المتساوية في المجتمع الإسلامي، وتوقفت عند مسألتين:

     أولاهما تتعلق بما يسمى بالشروط العمرية، نظرا لما تحتوي عليه من أحكام كثيرة تمس الإسلام ومبادئه الأصيلة المقررة للكرامة الإنسانية والحرية الآدمية والمساواة الفطرية، الشيء الذي اتخذه المناوئون مهمازا يلمزون به تسامح المسلمين وتعايشهم مع مخالفيهم..

      وقد تناول الباحثون المعاصرون هذه الشروط بالتحليل والنقد العلمي، سواء على مستوى أسانيدها وصحة نسبتها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، أو على مستوى مضامينها ومدى انسجامها مع روح النصوص الإسلامية الأصيلة، وانتهوا إلى أن هذا النص التاريخي ليس له من شرف الانتماء للقرون الخيرة إلا الادعاء والتلفيق، ومن ثم لم يعد يصلح لا أن يكون حجة يستقوي به الغلاة الناقمين على غير المسلمين في هذا العصر، ولا أن يكون فزاعة مخيفة في يد أصحاب الشبه المشككين في سماحة المسلمين وحسن تعاملهم مع الآخرين.

      وأما المسألة الثانية فتتعلق بمسألة التحية والسلام على غير المسلمين، باعتبارها مسألة تشغل بال المسلمين بحدة، وتمتزج أحيانا بشيء من القلق والتوتر النفسي والمعرفي، الذي تذكيه عدد من الفتاوى المعاصرة الصادرة في هذا الباب التي لم تخرج عن إطار الفتاوى القديمة المؤسسة على حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه”.. مما استدعى من مفكري الإسلام المعاصر ضرورة التدخل لإعادة النظر في هذه الآراء وتمحيصها في ضوء المستجدات المحيطة بالمسألة، وانتهوا إلى أن هذا النص ينبغي أن يقرأ في ضوء أسس التصور الإسلامي، وليس في ضوء خصوصية مؤقتة ارتأتها السياسة الإسلامية  في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

      وفي المبحث الثالث من هذا الفصل، بينت كيف انتقل الفكر الإسلامي المعاصر من منهج النقد المطلق للمقولات الفكرية والسياسية الغربية، إلى منهج القراءة الإيجابية للكسب الغربي في مجال المواطنة وحقوق الإنسان. حيث أصبح يتعاطى مع المفاهيم الغربية على أنها كسب بشري يمكن الاستفادة منه وتوظيفه في السياق الاجتماعي والسياسي العربي والإسلامي دون الشعور بأن شيئا من النرجسية العربية أو الإسلامية قد امتهن..

      بينما تناولت في الفصل الثاني أهم المفاهيم الفقهية الموروثة المشوشة على التنزيل السليم والأمثل لمفهوم “المواطنة” في المجال العربي والإسلامي، وقد عرضت لثلاثة مفاهيم كانت محل مراجعة ونقد من قبل الاجتهاد المعاصر، أولاها مفهوم “الذمة” لتعلقه بغير المسلمين من سكان الدار، حيث استعرضت آراء القائلين بأبدية هذا العقد أمثال سيد قطب، وأبو الأعلى المودودي، وعبد الكريم زيدان، والدكتور يسوف القرضاوي وغيرهم، كما عرضت آراء القائلين بضرورة مراجعة هذا العقد والاستعاضة عنه بعقد المواطنة نظرا لغياب هذا المفهوم في الخطاب القرآني، وانتهاء الظروف التاريخية التي أنتجته، واقترانه بالممارسات الرديئة والمنافية لروح التسامح المبثوثة في النصوص الإسلامية.

      وخلص الاجتهاد المعاصر في المسألة إلى أن هذه العقود التاريخية التي أنتجها الفقه الإسلامي القديم كانت تصلح للفترات التي أنتجت فيها، وربما كانت تمثل أرقى ما أنتجه الفكر الإنساني في إبانها، إلا أنها ليس من أنظمة الدولة في الإسلام بل تتطور بتطور العلاقات والظروف التي تجعل الدولة في حل من إسقاطها حين تكون مصلحة الدولة في ذلك.  

      وثانيها مفهوم “دار الإسلام ودار الحرب” لارتباطه بإشكالية التقسيم الفقهي للمعمورة وحدود الوطن الإسلامي، خاصة وأن بلاد الإسلام اليوم أصبحت ديارا متعددة وليست دارا واحدة، وأن المسلم يجد في العالم الموصوف “بالحربي” إلى عهد قريب، الحماية والأمان لنفسه وماله بل وحتى دينه، ما لا يجده في بلاد الإسلام..  

      وخلص الاجتهاد المعاصر بخصوص هذه المسألة إلى أن تقسيم الأوطان إلى “دار إسلام” و”دار حرب” صناعة فقهية محضة وليست تشريعا ملزما، وأكدوا أن الاستمرار في تداول هذا القاموس الفقهي بخصوص الديار والأوطان، قد يسوغ لبعض المسلمين في الغرب استحلال أموال غير المسلمين واستباحة التحايل على المرافق العامة والخاصة لأهل تلك البلاد، وتوجيه الأعمال العدوانية ضد غير المسلمين سواء كانوا محاربين أو مدنيين، كل ذلك بدعوى أنهم في “دار حرب/ كفر” وأن ما فيها مستباح للمسلمين !!!

    وأما المفهوم الثالث فيتعلق بإشكالية “الردة” في ضوء حقوق الإنسان والمواطنة، لما يثيره من تساؤلات وإشكالات تمس الحرية الدينية للمواطن المسلم، وقد عرجت ابتداء على مجمل الاعتبارات الفقهية والسياسية والفسلفية التي اتخذها النظار الإسلاميون المعاصرون متكئا لمراجعة هذا المفهوم، ثم بينت منهجيتهم في هذه المراجعة وتمثلت أساسا في إعادة قراءة آيات الردة في القرآن الكريم، وإعادة قراءة أحديث فقه الردة، والاستدلال بوقائع الردة في العصر النبوي وكيف تعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخيرا مناقشة موقع “الردة” من الحدود الشرعية المعتبرة في الخطاب القرآني وكذا في الخطاب الفقهي.

      وقد انتهى النقاش الفقهي المعاصر لهذه المسألة إلى أن الردة التي تستحق التجريم هي الردة السياسية المقرونة بالخيانة والغدر، والسعي لزعزعة ثوابت الأمة واستقرار نظام الدولة والمجتمع؛ وأن الأنسب لهذا العصر، والأوفق بمقاصد الشريعة الإسلامية، اعتبار عقوبة جريمة الردة تعزيرا لا حدا من الحدود، أمرها موكول لمن له سلطة الاختصاص تشريعا وقضاء وتنفيذا.

       أما الفصل الثالث، فاستعرضت فيه كيف تناول النظار الإسلاميون المعاصرون مسألة الاندماج والمشاركة للعناصر المتغايرة الانتماءات والمتباينة البيئات في ظل مبادئ المواطنة، ثم في ضوء المتغيرات الهائلة التي طرأت في الحياة الراهنة للمسلمين وغير المسلمين على السواء؛ وقد قاربت هذه المسألة في مبحثين، خصصت الأول لكيفية معالجة الاجتهاد الإسلامي المعاصر لمسألة تولي غير المسلمين للوظائف العامة في الدولة الإسلامية، خاصة على مستوى رئاسة الدولة الإسلامية، وولاية القضاء في بلاد المسلمين وتولي القيادة أو المشاركة في جيوش المسلمين.

      والملاحظ أن الاجتهاد المعاصر في هذه القضايا، وإن كان يؤكد على ضرورة المساواة بين جميع المواطنين في تولي الوظائف العامة في الدولة الإسلامية، إلا أنه يتجه إلى التشبث صراحة أو إيحاء بضرورة جعل هذه المناصب القيادية في بلاد الإسلام حكرا على المسلمين، رغم أن القضاء في معظم البلاد الإسلامية لم يعد يقضي بأحكام الشريعة الإسلامية إلا في قضايا الأسرة، بينما تستند قراراته وأحكامه في باقي القضايا المدنية والجنائية والتجارية والإدارية إلى قوانين مقتبسة من النظم القضائية الغربية؛ كما أن المؤسسة العسكرية العربية والإسلامية المعاصرة، أصبحت تُسير وفق ضوابط ومقاييس مادية وفنية مقتبسة من المدارس الحربية الأوربية والأمريكية، ولا تهتم بمقتضيات “فقه الجهاد” التي وضعها الفقهاء قديما حتى في الحياة الخاصة لأبسط جندي في صفوفها بلْه أن يكون ذلك في سياساتها العامة.

     أما المبحث الثاني فأفردته لبحث مسألة اندماج ومشاركة المسلمين في الحياة العامة أو الخاصة لغير المسلمين، ابتدأته بالتعريف بفقه الأقليات المسلمة وكيفية نشأته واهم الضوابط الناظمة له، وذلك باعتباره فقها جديدا موجها لمعالجة الإشكاليات الاجتماعية والتربوية والسياسية والفقهية التي تواجه المسلمين في بلاد غير المسلمين سواء في حياتهم الشخصية أو العامة.

       ثم عرضت لمسألة الاندماج الشخصي للمسلم في مجتمعات غير المسلمين، خاصة على مستوى التجنس بجنسية تلك البلدان، والتقاضي أمام قضائهم والخضوع لأحكامهم لما يحيط بهاتين المسألتين من شبه الولاية لغير المسلم أو البراءة منه.

      وقد انتهى الاجتهاد المعاصر بخصوص التجنس بجنسية البلدان غير الإسلامية إلى ترجيح القول بالجواز، مؤيدا ذلك بفقه الواقع وفقه النص؛ فأما فقه الواقع، فيقتضي التيسير على الأعداد الهائلة من المسلمين التي تعيش في مجتمعات الآخرين، أي ما يمثل حوالي ثلث مسلمي العالم، والتي اكتسبت في معظمها جنسيات بلدان الإقامة، وأما فقه النص، فيقتضي تحرير الجنسية من التلبس ببعض الأغلال العقدية التي لا تناسبها وخاصة مفهومي الولاء والبراء، لأنها ليست سوى عقدا يكفل للمسلم الحق في العيش المشترك مع غيره والتمتع بكافة حقوق المواطنة، مع أداء الواجبات المتطلبة لذلك.

      بينما انتهى الاجتهاد المعاصر في مسألة التقاضي إلى أنه يجوز للمواطن المسلم في دولة غير إسلامية اللجوء إلى قضاء غير المسلمين، على أن يراعي الخصوم عدم الظلم بينهماـ أو أن يكون في الحكم مخالفة صريحة لمعلوم من الدين بالضرورة.

      أما بخصوص مشاركة المواطن المسلم في الوظائف العامة لغير المسلمين، فتناولت مسألة المشاركة السياسية من خلال الانخراط في الأحزاب السياسية القائمة هناك أو بإنشاء أحزاب إسلامية خالصة، أو بمجرد المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، ثم مسألة المشاركة في جيوش غير المسلمين بمقتضى عقد المواطنة التي تتطلب ضرورة الدفاع عن حوزة الوطن والمشاركة في صد العدوان إما بشكل اختياري أو إجباري..

      وقد انتهى الاجتهاد المعاصر في المسألة الأولى، إلى التأكيد على مشروعية المشاركة السياسية للأقليات المسلمة في مجتمعاتها، بل وتجاوز ذلك إلى مرحلة التنظير والممارسة الفعلية..

      بينما انتهى النظر الفقهي المعاصر في مسألة المشاركة في جيش غير المسلمين، إلى أنها من أعقد المجالات التي يمكن أن يظهر فيها التعارض الصريح بين الواجبات الوطنية – التي تلزم المسلم بصفته مواطنا –  مع الأحكام الشرعية – التي تلزمه بصفته مسلما، وعليه فالحل يكمن في ضرورة التوفيق بينهما ما استطاع، فإذا عجز فلا بد أن يختار بين الواجبين في إطار فقه الأولويات والموازنات..

خلاصات الدراسة وآفاقها  

وأخيرا ختمت هذه الدراسة بخاتمة ضمنتها مجمل الخلاصات وبعض المقترحات التي بدت لي مناسبة للموضوع.

فأما الخلاصات فأوجزها فيما يلي:

1ــ إن موضوع المواطنة في الاجتهادات المعاصرة، موضوع شاسع، يتقاطع فيه ما هو فقهي بما هو فكري وما هو قانوني وما هو تاريخي، ويحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث، خاصة وأنه يَعِــدُ بمزيد من النقاش الساخن إثر ما شهده العالم العربي من ثورات وتحولات على مستوى مراكز السلطة والقرار.

2ــ إن المواطنة الكاملة ستظل مفهوما نظريا ومثاليا، لم – وربما لن – يتحقق كاملا على مستوى الواقع السياسي لأي مجتمع من المجتمعات، بما فيها المجتمع الغربي، ولا أدل على ذلك من السياسات التمييزية التي تلحق بالمواطنين الذين لا ينحدرون من أصول غربية محضة..

3ــ لقد أظهرت جهود الباحثين المعاصرين في الفكر الإسلامي  في سياق التأصيل لمبادئ المواطنة – من خلال النصوص القرآنية والحديثية والشواهد التاريخية المضيئة في الممارسة الاجتماعية والسياسية والفقهية للمسلمين – أن دلالات المواطنة كانت موجودة وممارسة بقدر مُعْتبَر في تاريخنا الإسلامي.

4ــ إن ترجيح القول بانتهاء ما يسمى بعقد “الذمة” نابع من ترجيح فقه السلم والمسالمة وثقافة العيش المشترك، وتكريس لمعاني البر والقسط مع غير المسلمين.

5ــ إن التميز لا يتحقق بمجرد التحيزات الجغرافية والأوصاف القيمية البعيدة عن التمثل، بل بالمساهمة الإيجابية في البناء الحضاري للإنسانية وتنزيل مضامين حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية سواء أكانت الدار “دار إسلام” أم “دار كفر”.

6ــ إن مفهوم “دار الإسلام” تجاوز الحدود الجغرافية والتاريخية واتسع باتساع رقعة العقيدة الإسلامية التي تتسع باتساع القلوب المؤمنة في كل بقاع المعمورة، وليس بقرارات ولاة السلطان.

7ــ إن الحرية الدينية، بمفهومها العام، مكفولة لجميع مواطني الدولة الإسلامية، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، استنادا إلى قول الحق سبحانه {لا إكراه في الدين}. وهذا الحق الذي يكفله الإسلام للمنتمين إليه، لا يجوز لأحد ممن يخالفه التنقيب عنه، مادام صاحبه يكتمه في عقله وضميره ولا يجهر به أو يدعو إليه علنا أمام الملأ، وأمره موكول إلى خالقه عز وجل في اليوم الآخر.

8ــ إن الاستمرار في الترويج لـ”فقه الردة” بكل حمولاته ومفاهيمه التاريخية الموروثة من شأنه أن يجرئ بعض من يفتأت على أهل السلطان، فيغالي في تكفير الناس والمجتمع من غير بينة قطعية.

9ــ إن إضفاء “الصبغة الدينية” على بعض الوظائف العامة التي استثني غير المسلمين من توليها في الدولة الإسلامية محكوم في جزء كبير منه بالنظرة الفقهية الموروثة التي كانت تُنظّر لتلك الوظائف من منطلق ديني، والحال أنها صارت اليوم وظائف دنيوية محضة، وهو ما يتطلب نظرا فقهيا جديدا يواكب تطور مسار الولايات العامة في المجتمع الإسلامي.

10ــ إن بعض المفاهيم العقدية، مثل مفهوم الولاء والبراء، توظف توظيفا سلبيا وخارج سياقاتها، تحول دون اندماج جمهور كبير من المسلمين  في مجتمعاتهم، بل وتساهم في بناء ذهنيات طائفية مناوئة لمحيطها ومسيئة لصورة الإسلام والمسلمين في نظر الآخرين.

11ــ إن الولاء لقيم المواطنة لا يتنافى والولاء لأحكام الدين والالتزام بشرائعه، بقدر ما يتكاملان ويتعاضدان في الشخصية المسلمة المتوازنة التي تحفظ الدين وتبني الوطن.

أما المقترحات فيمكن إيجازها فيما يلي:

1ــ جعل النصوص الفقهية القديمة والأحداث التاريخية الماضية للمسلمين – خاصة فيما له صلة بالتجارب الإنسانية والعلاقات الاجتماعية – موضوعا للتفكير لا مصدرا للتشريع.

2ــ عدم بخس التجارب الإنسانية الرائدة في تدبير قضايا المواطنة والتعدد والاختلاف، واستثمارها في كل ما له صلة بالوسائل والإجراءات التنظيمية.

3ــ التوسع في دراسة مسار الولايات العامة في الدولة الإسلامية الأولى، قصد التمييز بين الوظائف الدينية والوظائف الدنيوية.

4ــ دراسة مفهوم المواطنة في الوثائق السياسية والفقهية لمختلف الحقب التاريخية للمسلمين، خاصة على مستوى الممارسات الاجتماعية للأفراد والمؤسسات والنظم الأهلية.

5ــ ضرورة تأكيد الباحثين المسلمين، خاصة في مجال القانون الدستوري، على الصبغة الأممية لصحيفة المدينة باعتبارها أول وثيقة دستورية عرفتها البشرية.

6ــ ضرورة استثمار فقه الأقليات في التأسيس لوحدة المذاهب وتجاوز الخلافات الفقهية الموروثة. 

      هذا ولا أدعي أنني وفيت هذا الموضوع حقه، أو أحطت بمجامعه، أو أحسنت العرض والتصنيف، أو أجدت التقديم والتمثيل والمقارنة، فتلك أمور تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتتبع والتقصي.. ولكن حسبي أني أخلصت النية، وبذلت وسعي، فإن وفقت فبفضل المولى الحكيم العليم، وإن قصرت فلسوء فهمي وقلة تبصري وسذاجة تدبري..

 

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *