الموازنة بين المصالح والمفاسد وتطبيقاتها في فقه الأقلية المسلمة بالغرب

الأستاذ الدكتور البشير أصواب 

ناقش يوم الخميس 22 صفر 1435 موافق 26 دجنبر 2013 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في موضوع: “الموازنة بين المصالح والمفاسد وتطبيقاتها في فقه الأقلية المسلمة بالغرب”.

 وقد تكونت لجنة المناقشة من السادة الأساتذة:
الدكتور زكرياء المرابط رئيسا
الدكتور عبد اللطيف أيت عمي مشرفا ومقررا
الدكتور الحسين أيت سعيد عضوا
الدكتور ميمون باريش عضوا
الدكتور الحسين أطبيب عضو

       وقد دامت المناقشة زهاء خمس ساعات، وبعد المداولة منحت اللجنة للطالب الباحث البشير أصواب شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا.

وفيما يلي مقتطفات من التقرير الذي تقدم به الباحث: 

       انتقل وجود الأقلية المسلمة بالغرب من أن يكون مجرد وجود طارئ أو مؤقت( كعمال أو طلبة أو لاجئين …) إلى أن يكون وجودا مواطنا دائما مستقرا، فصارت الأقلية المسلمة جزءا لا يتجزأ من المجتمعات الغربية، تساهم في النشاطات السياسية والثقافية والاجتماعية والفنية والاقتصادية، وهذا ما ولد قضايا وتحديات تتجاوز تلك القضايا الجزئية التي كان يطرحها أفراد الجيل الأول من “الجاليات المسلمة”، إلى قضايا أكبر دلالة وأعمق تأثيرا كمسائل التجنس والإقامة والاندماج والمشاركة السياسية وغيرها، خاصة بعد أن وصل المسلمون بالغرب إلى مرحلة أصبحوا فيها قادرين على التفاعل مع محيطهم والتأثير فيه.

      وإذا علمنا من جهة، أن مثل هذه المشكلات والتحديات لم تطرح في تاريخنا الإسلامي إلا في فترة محدودة وجيزة وفي ظروف وأحوال مغايرة تماما لما نعيشه اليوم، وذلك فيما عرف بنوازل أهل الأندلس وقرطبة، ومن جهة أخرى أن المسلم اليوم، يعيش- وبالأخص في المجتمعات غير المسلمة- عصرا اختلطت أوراقه، وتعقدت أموره وتباينت أحداثه وتشابكت مصالحه مع مفاسده، أدركنا ثِقل المهمة وعِظم المسؤولية الملقاة على عاتق الباحثين والدارسين في مجال الفقه الإسلامي اليوم، قصد تقديم الحلول الشرعية والمساهمة في تيسير حياة الأقليات المسلمة في المجتمعات غير الإسلامية والغربية منها خاصة.

       وتعتبر الموازنة بين المصالح والمفاسد من أهم ما ينبغي على الدارس والباحث في قضايا الأقليات المسلمة بالغرب أن يعتمد عليه ويرجع إليه، وقد سبق لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن تنبه إلى أن المسلمين يكونون في أمسِّ الحاجة إلى فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد” لاسيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة، فإن هذه المسائل [أي التي تتعارض فيها المصالح والمفاسد] تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل”.

       وإذا كان فهم ومعرفة المصالح والمفاسد على وجهها التام، بأن هذا يُعَدُّ مصلحة وذاك يُعد مفسدة وبأن درءَ هذه أَوْلَى من جلبِ تلك، لا يعدو أن يكون نصف المهمة ومنتصف الطريق، إذ لا تتحقق الفائدة ولا يتحصل الغرض إلا باكتمال النسق الكلي المكون من مرحلة الفهم ومرحلة التطبيق، فإنني وجدت من الضروري أن أبحث موضوع الموازنة بين المصالح والمفاسد، باعتبار مسيس الحاجة إليه وشدة ارتباطه بالواقع المعاصر عامة وواقع الأقليات المسلمة خاصة، غيرَ مُكْتَفٍ ولا مقتصر على الجانب النظري منه أو ما سميناه بمرحلة الفهم، بل تناولت مرحلة التطبيق واخترت لذلك فقه الأقليات المسلمة ببلاد الغرب.

       وغَنِيٌّ عن البيان أن القضايا والتحديات التي يطرحها الوجود الإسلامي بالغرب كثيرة ومتشعبة، ولا يتسع جهد باحث واحد للإلمام بها كلِّها ودراستِها واحدةً تِلو أخرى، ولهذا ارتأيت أن أقتصر في بحثي هذا على تطبيق الموازنة بين المصالح والمفاسد على ما أعتبره أمهات القضايا التي تعترض الأقلية المسلمة ببلاد الغرب، من قبيل: قضية إقامة المسلم ببلاد الغرب وتجنسه بجنسية تلك البلاد، قضية المشاركة السياسية للمسلمين بالغرب وما تطرحه من تحديات خاصة ما تعلق بالانتخابات ترشيحا وتصويتا ودعما انتخابيا، ثم قضية اندماج المسلمين في المجتمع الغربي وما يطرحه من تحدي الذوبان وخطورة الانعزال.

بعض نتائج وخلاصات البحث:

ــ إن إطلاق مصطلح الجالية المسلمة على المسلمين بديار الغرب غير دقيق، والأنسب في نظري هو مصطلح “الأقلية المسلمة” الذي اخترنا تعريفه كما يلي: ” تلك المجموعة من المسلمين التي تعيش في مجتمع تُطبَّق فيه قوانين غير إسلامية من قِبل سلطات حاكمة غير إسلامية، أو تسود فيه لسبب أو لآخر ثقافة وأعراف وتقاليد غير إسلامية”.

ــ تمكنا من تجاوز مشكل التضارب في إحصائيات عدد المسلمين بأوروبا، واعتمدنا على إحصائيات مركز بحثي أكاديمي هو “مركز بيو Pew ” وقارناها بغيرها، لنخلص إلى أنه في سنة 2010م بلغ عدد المسلمين في أوربا 44340000 نسمة (44 مليون و340 ألف نسمة)، يمثلون نسبة 6%  من مجموع سكان أوربا، منهم أزيد من 19 مليون مسلم يقيمون بدول الاتحاد الأوربي.

ــ إن اصطلاح دار الحرب ودار الكفر لا يعدو أن يكون إلا توصيفاً للواقع تبعاً للحالة السياسيّة السائدة قديما، وليس مطلوباً لذاته، فليس مأموراً به في نصوص الكتاب والسنة وبالتالي فليس من لوازم دين الإسلام، فضلا عن المفاسد التي تنشأ من استعماله، لذا لا مندوحة من تجاوز هذه الاصطلاحات القديمة وإعادة النظر فيها، لأن  القول بها يسيء إلى الإسلام وإلى أمته، ويشوه وجه دعوته، وعلى هذا فديار الغرب اليوم لا يمكن وصفها بدار حرب بل هي دار عهد وأمان بالمفهوم الذي قدمناه، يتمتع فيها المسلم بحقه في التمسك بعقيدته الإسلامية والدعوة إليها فضلا عن ممارسة شعائره الدينية.

ــ إن الوجود الإسلامي بالغرب ـ من حيث الأصل ـ وبالنظر إلى المصالح التي يحققها ويجلبها للمسلمين عامة، والمفاسد التي تندفع به، نقول بأنه وجود ضروري لا مندوحة عنه إذا كنا فعلا نتمثل عالمية الرسالة الإسلامية، وبالتالي لا مجال للتساؤل عن مشروعية هذا الوجود، بل ينبغي أن يكون التساؤل منصبا على سبل وإجراءات النهوض بهذا الوجود وتقويته حتى يكون وجودا فاعلا مؤثرا محققا للمصالح المرجوة من ورائه.

ــ إن إقامة المسلم بديار الغرب لا يمكن الإفتاء فيها بحكم واحد يشمل جميع الحالات، كما هو شأن من يحرم الإقامة مطلقا، بل الصواب هو اعتماد الموازنة بين مصالح هذه الإقامة ومفاسدها بالنسبة للمسلم، وبعد ذلك يحكم الفقيه بالحكم الذي يناسب حالة المسلم المستفتي تبعا للموازنة التي أجراها. وبالنظر إلى ما قلناه سلفا وباستحضار الوضع الذي يعيشه غالبية المسلمين في الدول الغربية حاليا، فحكم الإقامة يتردد بين الإباحة أو الجواز والندب أو الاستحباب، بَيْدَ أنَّ هذا لا ينفي أن توجد حالات معينة ومخصوصة لبعض المسلمين في الغرب تدعو إلى الحكم بالحرمة والمنع أو على الأقل الكراهة.

ــ اتضح لنا ومن خلال الموازنة بين مصالح التجنس بجنسية دولة غربية ومفاسده، أن المصالح المترتبة عن اكتساب الجنسية بالنسبة للمسلم مصالح حقيقية ناجزة، بينما المفاسد التي اعتبرها البعض مترتبة عن التجنس مفاسد إما موهومة أو غير محتمة الوقوع أو يمكن اتقاء ضررها ودفعه، وعليه فمصالح التجنس راجحة على مفاسده، فيقدم جلب هذه المصالح إذن، ويكون الحكم بجواز تجنس المسلم بجنسية الدولة الغربية، والله أعلم.

ــ من خلال الموازنة بين مصالح ومفاسد المشاركة السياسية للأقليات المسلمة بالغرب تبين لنا أرجحية مصالح المشاركة على مفاسدها، وبالتالي نقول باستحباب هذه المشاركة السياسية بالنسبة للأقليات المسلمة بالغرب، إن لم نقل بوجوبها في بعض الظروف والأحوال، كما ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.

ــ بإعمال قواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد في بعض قضايا المشاركة السياسية للمسلمين بالغرب.

خلصنا إلى ما يلي:

ــ التصويت الانتخابي للأقلية المسلمة ينبغي أن يتحرى الموضوعية والكفاءة، ويعتمد قواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة عن التصويت لهذا المرشح أو ذاك بغض النظر عن الدين.

ــ إذا اتفق المسلمون بدولة غربية ما أو بدائرة انتخابية ما على تقديم مرشح مسلم قوي أمين، وكانت هناك حظوظ كبيرة للفوز بذلك المقعد، فلا يجوز لأي مسلم، مهما كان اجتهاده الفردي، أن يكون في صف غير المسلمين، سواء ترشحا أو تصويتا، لأن في هذا مفسدة واضحة وهي تشتيت كلمة المسلمين وإضعاف صوتهم الانتخابي والسياسي.

ــ إذا دخل غمار الانتخابات مرشح مسلم إلى جانب مرشحين غير مسلمين لكنهم أكثر كفاءة وقوة منه وقدرة على الدفاع على ما يتعهدون به، أو تساوى وتقارب المرشح المسلم مع غيره من حيث الكفاءة والقدرة والخبرة، غير أن حظوظ المرشح المسلم في الفوز ضئيلة، فالموازنة بين المصالح والمفاسد هنا تقتضي التصويت لذلك المرشح غير المسلم ولو كان ذلك على حساب خسارة المرشح المسلم فمصلحة الأقلية المسلمة تقتضي التصويت لمن تراه أقدر على الدفاع عن مصالحها وحقوقها ولو كان غير مسلم.

ــ إن الموازنة بين المصالح والمفاسد تقتضي أن يكون المحدد الأساس لتصويت الأقلية المسلمة في الانتخابات التشريعية في الغرب هو النظر إلى الحزب وبرنامجه وليس المرشح الذي ترشح باسمه أو على قائمته الانتخابية، بينما في الانتخابات المحلية أو الرئاسية على المجموعة المسلمة أن تُراعيَ في تصويتها شخصية المرشح وسيرته ومدى تعاطفه مع المسلمين وليس مُهِمًّا الحزب الذي ترشح باسمه.

ــ لنا أن نقول مطمئنين بشأن المشاركة السياسية للأقليات المسلمة بالغرب، بأن الموازنة بين المصالح والمفاسد تقتضي تقديم خيار الترشح والتصويت على القوائم الانتخابية للأحزاب التقليدية القائمة أصلا في الغرب، على خيار تأسيس أحزاب إسلامية والمشاركة السياسية من خلالها.

ــ ينبغي على المسلمين بالغرب ألا يجمعوا بيضهم في سلة حزب واحد دون غيره، بل الواجب عليهم الانفتاح على أحزاب متعددة، فالمشاركة السياسية الراشدة للمسلمين بالغرب تقتضي منهم تنويع خياراتهم من حيث الأحزاب التي ينخرطون فيها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *