المنهج الأصولي في التعامل مع النصوص، دراسة أصولية لغوية لمدرسة الغرب الإسلامي في القرن الثامن الهجري

الباحث الدكتور حميد عنبوري

أطروحة لنيل الدكتوراه في اللغة العربية

تاريخ المناقشة: 30 ذو الحجة 1430 موافق 2009/12/17

مقدمة

      الحمد لله الأكرم الذي علم الإنسان بالقلم، علمه ما لم يعلم، ورفع من شأنه بالعلم درجات، وجعل الخشية لأهله بركات. والصلاة والسلام على من أرسله معلما للبشرية، فأنار لهم السبيل ووضع لهم علامات وأخبر صلى الله عليه وسلم بأن من يلتمس العلم يسهل الله له به طريقا إلى الجنات، وأرشد إلى أن الخير في الدين رهين بالفقهيات.

من مقدمات أهل العلم في الكتب الثلاثة المعتمدة عندنا في البحث:

      (الحمد لله الذي رفع بالعلم درجات أهله، وأجزل ثوابهم على اكتسابه وعلى نقله، كما أنعم عليهم بالتوفيق لدرسه وحمله) من مقدمة الإمام الشهيد ابن جزي، تقريب الوصول، ص87.

      (الحمد لله الذي خلق الخلق ليبرهنوا عليه، وبعث فيهم رسلا منهم يهدونهم إليه صلى الله عليهم عموما وعلى محمد وآله خصوصا صلاة نجدها بين يديه. أما بعد: فإن العلم أجمل السجايا الإنسانية، وأجزل العطايا الربانية، لاسيما علم الشريعة، إذ هو في سماء المعلوات أسطع بدرا، وأهله من بين أولي الدرجات أرفع قدرا، بجنة رعايته يتحصن يوم الفزع الأكبر من العذاب الأليم، وبنور هدايته يستضاء في ظلم الحشر إلى جنات النعيم، فلقد فاز بالسعادة من أحيا به رسما داثرا، وحاز مع المسلمين فيه قسما وافرا) من مقدمة الإمام الشريف التلمساني، مفتاح الوصول، ص295.

      (الحمد لله الذي أنقذنا بنور العلم من ظلمات الجهالة، وهدانا بالاستبصار به عن الوقوع في عماية الضلالة، ونصب لنا من شريعة محمد ﷺ أعلى علم وأوضح دلالة. وكان ذلك أفضل ما من به من النعم الجزيلة والمنح الجليلة وأناله) من مقدمة الإمام أبي إسحاق الشاطبي، الموافقات 1/19.

      بهذه الفقرات من المقدمات الثلاث المنوهة بالعلم وأهله، افتتح أئمتنا الثلاثة مصنفاتهم الأصولية التي اعتمدناها في بحثنا. وقد حاولت أن أسير على منوالهم فاقتفيت أثرهم واقحمت جزءا من مقدماتهم في مقدمتي عرفانا بجميلهم علي في هذا البحث.

      فنسأل الله العلي القدير أن يرفعنا وإياهم بالعلم درجات، وأن يقسم لنا من الخشية ما يحول بيننا وبين السيئات، وأن يجمع بيننا وبينهم في أعلى الجنات.

أسباب ودواعي اختيار الموضوع:

      لقد بدأ اهتمامي بعلم أصول الفقه منذ فترة مبكرة حين كنت تلميذا بالشعبة الأدبية الأصيلة، وكان الكتاب المقرر عندنا آنذاك هو “علم أصول الفقه” للشيخ الجليل عبد الوهاب خلاف رحمه الله. وكان هذا الكتاب الأكاديمي في متناول التلاميذ من حيث منهجه وأسلوبه[1] ولفت انتباهي ذلك التعامل مع النصوص، ولأول مرة أجد نفسي أتفاعل مع النص وأتجاوب معه بسبب المنهج الفريد الذي يستدرجك نحو النص، حيث يترامى إليك من بعيد، بل لتكاد أحيانا تستحضر النص قبل الوصول إليه. فتأملت هذه العلاقة بين القضايا الأصولية والنصوص، فوجدتها علاقة متينة، ليس في هذا الكتاب فحسب بل في جل الكتب الأصولية، وخاصة منها التي تنتمي إلى مدرسة تخريج الفروع على الأصول.

      فالقواعد الأصولية اللغوية والشرعية مثل: الأمر والنهي، والحقيقة والمجاز، والمنطوق والمفهوم، ثم المصالح الضرورية وقواعدها، والمصالح الحاجية والتحسينية والتعليل، كل ذلك لا قيمة له إلا إذا تم تطبيقه على الآيات والأحاديث. ومن ثم لا غرابة أن نجد الإمام محمد بن إدريس الشافعي – وهو منشئ هذا العلم على الأرجح – من أشهر فقهاء النصوص.

      فهناك ترابط وثيق بين القاعدة الأصولية والنص الشرعي، ولو حاولنا استخراج النصوص المستعملة عند الأصوليين في مختلف المباحث الأصولية لوجدنا فيها تفسيرا وشرحا يضاهي تفسير النصوص القرآنية عند المفسرين، وشرح النصوص الحديثية عند فقهاء الحديث، وهذه طبيعة علم أصول الفقه الذي يجمع بين النقل والعقل كما يقول الإمام أبو حامد الغزالي في المستصفى.

      وبهذا نستطيع أن نتحدث عن تفسير وشرح أصولي للنصوص أو لنقل التفسير الأصولي للنصوص. فالأصولي يوظف منهجه حتى ينسجم مع فقهه، ومن هنا جاز القول إن الأصولي فقيه من هذا الجانب، ولا غرو أن نجد الإمام البخاري وهو المحدث في صحيحه فقيها في منهجه حيث يضع عنوانا يترجم لفقهه حتى قيل: فقه البخاري في تراجمه، فهذا المنهج الفريد عند الأصوليين في تعاملهم مع النصوص كان سببا من أسباب اختيار الموضوع.

      ثم إن الأصولي لا غنى له عن القواعد اللغوية، فعلاقة المباحث الأصولية باللغة لا تقبل الانفصال بأي حال من الأحوال. ولذلك لا يخلو كتاب أصول من القضايا اللغوية، بل إن القسم المتعلق بالمباحث اللغوية عند الأصوليين يعد من أهم الأقسام المقررة عندهم. ولا عجب أن يبدأوا به مصنفاتهم ابتداء من الإمام الشافعي في كتابه الشهير “الرسالة”، ولذلك كان الأصوليون لغويين، وكان الإمام الشافعي لغويا متمكنا، حتى قال الأصمعي وهو لغوي ضليع: (صححت شعر هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن ادريس الشافعي) من مقدمة ديوان الإمام الشافعي ص10.

      ثم إننا نحاول أن نجمع بين اللغة والمقاصد لضرورة الجمع بينهما، فخصصنا الباب الثاني من القسم الثاني لمنهج الأصوليين في التعامل مع النصوص من الناحية المقاصدية، ولا يغني أحدهما عن الآخر، وكما يقول الإمام الشاطبي نفسه: (لسان العرب هو المترجم عن مقاصد الشارع) الموافقات 4/324. ثم لا عجب أن ينوه الشاطبي بالجانب اللغوي وهو رجل المقاصد بامتياز، حيث يقول في حق من أراد فهم القرآن: (فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة) الموافقات، 2/64.

      وهذا أيضا من بين الأسباب لاختيار الموضوع.

      وأما اختيار مدرسة الغرب الإسلامي، فلاعتبارات مختلفة أهمها:

ـ وجوب العناية بثراثنا المغربي، وهذا دين في ذمة الأجيال المتلاحقة.

ـ تفنيد الزعم الذي يدعي أن المغاربة مقصرون في تأليف الأصول، وقد أشار إلى هذه الفرية المرحوم الدكتور عمر الجيدي.

ـ مراعاة الخصوصية المغربية في التأليف.

      وأما حصر ذلك في القرن الثامن الهجري، فلأن هذا القرن ينتمي إليه أئمتنا الثلاثة، وأعتقد أنهم بمناهجهم المختلفة، والقرن الثامن الهجري باعتباره يؤرخ لقرب نهاية الأندلس، عاملان أساسيان لأخذ نظرة عن مدرسة الغرب الإسلامي.

      وأستطيع القول إن مدرسة الغرب الإسلامي يغلب عليها الطابع التطبيقي ابتداء، فهي مدرسة تطبيقية في عمومها، وهذا ما جعلنا نختار منها نماذج الدراسة، إذ هي لا تترك القاعدة الأصولية مجردة، فهي أميل إلى مدرسة الفقهاء منها إلى مدرسة المتكلمين بالنظر إلى التقسيم التقليدي المعروف.

أهمية الموضوع العلمية:

      إن اكتساب المنهجية للتعامل مع النصوص الشرعية هو الذي يحمي من الزلل، وكلما استطاع المسلم المثقف أن يتعامل مع النصوص معتمدا في ذلك على قواعد وضوابط، كان ذلك أدعى للفهم السليم. فنصوص الشرع واحدة، لكن الفهوم متعددة. ولا شك أن بعضها أرجح من بعض، فالفهوم منها راجح ومرجوح، ولذلك تعددت المدارس الفقهية وتنوعت المذاهب، وهذا التعدد والتنوع مقبول مادام في إطار فهوم العلماء المحكومة بضوابط علم الأصول وقواعد اللغة. أما إذا انتقلنا إلى أفهام أخرى غير ما يذكره العلماء، فلا نكون إذ ذاك أمام راجح ومرجوح، بل نكون أمام مقبول ومردود. فإذا صادف الإنسان المسلم الفهم المقبول فلا إشكال، ويبقى الخطر أمام فهم لا يرقى إلى مستوى القبول، ويدافع عنه صاحبه باستماتة بدعوى أنه أحد المعاني المحتملة. وقد يصل الأمر في بعض المواقف المتعصبة أن يزعم غير العالم أنه صاحب الفهم الراجح. وقد يكون هذا المعنى المتوصل إليه يتعلق بقضايا خطيرة من قبيل تكفير الناس، فتكون النتيجة الطبيعية عنده أن الكافر يجب أن يقتل، فتحدث فتن لها أول وليس لها آخر.

      وهذا للأسف الشديد حصل مع شباب متحمس في التدين، فتعامل مع نصوص شرعية بفهم قاصر غير معتمد على قواعد الأصول واللغة، وبعيد عن الفهم المقاصدي للنصوص، فجاء هذا الفهم بعواقب وخيمة.

      إن الجاهل قد يقتل بسبب سوء فهمه للنص، والقتل قد يكون بالسلاح بشكل مباشر، وقد يكون بشكل غير مباشر، لكنه في النهاية قتل للنفس، كما حصل مع الرجل الذي لم يرخص له في التيمم حين أفتوه بالغسل فاغتسل فمات، فقال الرسول ﷺ بصريح العبارة ناسبا إليهم القتل: (قتلوه قتلهم الله)، وذلك لأن المتصدي للفهم والإفتاء كان جاهلا، كما قال ﷺ: (ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال)، وكما قال الإمام ابن القيم في مقدمة كتابه “الداء والدواء”: (وقد جعل النبي ﷺ الجهل داء، وجعل دواءه سؤال العلماء) ص3.

      إن الله عز وجل أمرنا أن نعتمد في الفهم والفتوى على أهل العلم الذين يملكون أدوات الفهم والاستنباط. فإذا غاب أهل العلم في الفهم والفتوى والتقوى أو غيبوا تحصل الكارثة. وهذا ما حذر منه النبي ﷺ بقوله: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس – وفي رواية من العباد- ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) رواه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكره ابن الأثير في جامع الأصول تحت رقم 5871 في كتاب العلم في فصل: في رفع العلم.

      وإنما الذي يهدد فهم النصوص بالخطر ثلاثة عناصر هي:

      أهل الغلو وأهل الجهل، وأهل الباطل، كما ذكر الرسول ﷺ في الحديث: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغاليين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين. وهذه (معاول ثلاثة كل واحد منها يمثل خطرا على الميراث النبوي: تحريف أهل الغلو المترتب عن التنكب عن الوسطية في العقيدة والعبادة والسلوك، وانتحال أهل الباطل الذين يحاولون – كيدا منهم للإسلام- أن يدخلوا في السنة ما ليس منها، وتأويل أهل الجهل الذين ليس لهم من الرسوخ في العلم والتجرد للحق ما يعصمهم من الزيغ والانحراف في الفهم والتطبيق) المدخل لدراسة السنة النبوية، القرضاوي، ص 95.

      من أجل هذا تبدو الأهمية العلمية للموضوع، فنسأل الله العلي القدير أن يكون في هذه الدراسة جديد، والله من وراء القصد، وهو صاحب التسديد.

منهج البحث وخطته:

      لقد اعتمدت منهجا معينا في بحثي وسلكت خطة سرت عليها أحب أن أبسطها فيما يلي:

      إن اهتمامنا في هذا البحث بالجانب اللغوي لا يعني أننا اعتمدنا على أهل اللغة، ولو فعلنا ذلك لم نكن قد حققنا الهدف المنشود من البحث، وإنما حاولنا أن نجمع بين الدراسة الأصولية واللغوية بالاعتماد على الأصوليين دون غيرهم، باعتبار أن المنظومة الأصولية ذات منهج متكامل لا يفتقر إلى غيره. وإنما كنا نستأنس باللغويين من باب المقارنة، لاسيما وقد أكدنا مرارا في ثنايا البحث أن الأصوليين كانوا لغويين ابتداء، ولم يعتمدوا على غيرهم في المباحث اللغوية، بل أكدنا أن الأصوليين تفوقوا على اللغويين في مسائل لم يهتم بها اللغويون. يقول إمام الحرمين في عناية الأصوليين باللغة: (اعتنوا في فنهم بما أغفله أئمة العربية، واشتد اعتناؤهم بذكر ما اجتمع فيه إغفال أئمة اللسان وظهور مقصد الشرع) البرهان، ص 130- الجويني.

      أما من الناحية التطبيقية، فقد كنا نعتمد على فهم الأصوليين للنصوص الشرعية لا على غيرهم، وإنما كنا نستأنس ببعض المفسرين والفقهاء للمقارنة، وذلك حتى نؤكد أن هناك تفسيرا وشرحا أصوليا للنصوص كما أسلفنا.

      ولا غرو، فالمصنفات الأصولية فيها مندوحة عن كل المصنفات التطبيقية، ولقد تبين لي من خلال الغوص في بطون المصنفات الأصولية أن الباحث لو أراد أن يستقصي الأقوال في المسألة الواحدة ما خرج منها إلا بعد جهد جهيد، وربما تطلب منه ذلك وقتا ليس بالقصير، وقد يتعذر عليه الاستقصاء، فخلصت إلى أن الباحث حسبه من ذلك المشهور من الأقوال، فإن بدا له قول مهجور فيه فائدة أضافه. وكل من غاص في أعماق المصنفات أدرك مدى جهله كالسباح الماهر كلما تعمق في البحر أدرك قلة خبرته، وصدق الله العظيم ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ وإن استقصاء ما في مصنفات علم واحد تقصر دونه الأعمار، فما بالك بمصنفات علوم مختلفة.

      وأما من حيث التعامل مع المصادر، فقد جعلت ذلك مستويات:

      المستوى الأول: المصادر المعتمدة في البحث من حيث الدراسة وهي النماذج الثلاثة: تقريب الوصول، ومفتاح الوصول، والموافقات. وهذه يستحيل البحث من دونها لأنها موضوع الدراسة، فهي ركن من أركانه.

      المستوى الثاني: مصادر أصولية، ويمكن اعتبارها من ضروريات البحث، وقد حاولنا الاعتماد على الأمهات منها، وإن لم نتناولها كلها بسبب الاستغناء بالمعتمد منها، ثم بعدها مراجع أصولية لأئمة مشهورين ينتمون لعصرنا بعضها في علم أصول الفقه بشكل عام وبعضها في مباحث منه.

      المستوى الثالث: مصادر ومراجع متنوعة بعضها لغوي، وبعضها في التفسير والفقه وقليل منها في الفكر.

      وقد كنت أحرص على أن أرتب مصادري ومراجعي في كل فصل من فصول البحث حسب تواريخ وفيات أصحابها إن كانوا من القدامى، أو بترتيبهم حسب أهمية المرجع إن كانوا ينتمون إلى عصرنا الحديث. وأحيانا كنت أرتبها حسب طبيعة الموضوع، وذلك كله ما استطعت إليه سبيلا، لأن العملية ليست آلية. فقد يكون إمام أو كتاب متأخر من حيث الزمان نقدمه حسب أهميته أو أهمية كتابه. وقد يأتي المتأخر بما لم يأت به المتقدم، والعبرة بفكره وقوله لا بتاريخه وزمنه. ولله در الشاعر:

              قل لمن لا يرى المعاصر شيئا    ويرى للأوائل التقديمَــــــــا

              إن ذاك القديم كان حديثـــــــــا    وسيمسي هذا الحديث قديما

      وكنت أحرص كل الحرص على أن أنسب كل قول إلى صاحبه مهما كان، لأنني أعلم قول أهل العلم: إنه من بركة العلم أن ينسب القول إلى قائله كما ذكر الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره. وهذا لم يكن يمنعني من مناقشة أئمة وفقهاء ومفكرين في آرائهم من أمثال ابن تيمية في إنكاره المجاز والأبهري في قوله: إن أوامر النبي ﷺ تقتضي الندب، والدكتور البوطي في اتهامه للطوفي في عقيدته؛ وكل ذلك بأدب جم رفيع يليق بمقام هؤلاء الأئمة والعلماء. ولم أكن أرغب في ذكر آرائهم دون مناقشتها.

      وأما من حيث تخريج الأحاديث، فقد اعتمدت منهج الاختصار لأن البحث ذو طبيعة أصولية. وإني لأدرك أهمية هذا العلم ضمن علوم الحديث. وأعلم أن فن التخريج علم مستقل قائم بذاته له مصادره. ولم أتوسع في التخريج كما يفعل المشتغلون بالحديث، وربما كان البحث يقتضي التوسع في التخريج لو كان بحثا فقهيا محضا من أجل بيان درجة الحديث من حيث الصحة والضعف أو القبول والرد، وبيان مواطن الجرح والتعديل في رواة الحديث، لكنني اكتفيت بالإحالة على مصدر جامع لأمهات الكتب الحديثية، وقد اعتمدت في الغالب على “جامع الأصول” لابن الأثير، إلا ما ندر، وحسب هذا الكتاب أنه جمع أصولا ستة من كتب الحديث المعتمدة عند الفقهاء والمحدثين وهي: الموطأ وصحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داوود والترمذي والنسائي وهي (التي حوت معظم ما صح عن النبي الكريم ﷺ) كما يقول محقق الكتاب عبد القادر الأرناؤوط.

      هذا، وقد قسمت البحث إلى قسمين: خصصت الأول للقضايا النظرية، تحدثت في الباب الأول منه عن علم الأصول ومناهجه، وتحدثت في الباب الثاني عن علاقة علم الأصول بالنصوص. وخصصت القسم الثاني للجوانب التطبيقية، تحدثت في الباب الأول عن تطبيقات على النصوص في المسائل الأصولية اللغوية، وتحدثت في الباب الثاني عن تطبيقات في مجال المقاصد الشرعية، وتناولت في كل باب عدة فصول.

      وكنت أحاول أن أعلل معظم الفصول كما يبدو واضحا من خلال مطلع الحديث عنها حتى أبرر وجوده بين ثنايا البحث، كما حاولت أن أفعل ذلك مع الباب كله من خلال حديثي في فقرة “بين يدي الباب”، وإني لأعلم أن الباحث غير ملزم بذلك، ولكنها منهجية ارتضيتها لنفسي تساعد القارئ على سبب اختيار الباحث لهذا الفصل أو ذاك و لهذا الباب أو ذاك.

الصعوبات والعوائق:

      لست أدعي لنفسي أنني وجدت البحث سهلا ذلولا، فلا أنكر أنني حين مشيت في مناكبه وأردت قطف ثماره سرعان ما وجدت نفسي وسط بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض.

      ولا عجب، فالباحث في قواعد الأصول والمقاصد واللغة يحتاج من الدربة والدراية ما يعينه على خوض تلك اللجج. فتلك علوم ثلاثة تعد من أعمدة العلوم التي تعين على فهم النصوص، وهي لا تدرك بالتمني ولا تنال ب”سوف” و”لعل” و”لو أني”، ولا يبلغها إلا من كشف عن ساعد الجد وشمر، واعتزل أهله وشد المئزر.[2]

      ولا أفشي سرا إذا قلت إنني كثيرا ما قرأت الصفحة والصفحتين والثلاث في كتب بعض الأصوليين، فلم أكن أظفر بشيء وكنت أعاود القراءة علني أصل إلى مقصود المؤلف، وأحيانا كنت أتساءل مع نفسي أين العيب والخلل؟ هل في ما كتبه هؤلاء الأئمة والعلماء، أم العيب في هذا الجيل. وسرعان ما كان يحضرني بيت الشاعر:

                 ومن يك ذا فم مر مريض    يجد مرا به الماء الزلالا.

      ومن لم ينل حظه من توفيق الله فلا حظ له، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور، ولاسيما إذا كان المرء يسبح في بحر العلوم الشرعية. لكن سرعان ما بدأ ينقشع السحاب ويزول الظلام ويسود النور شيئا فشيئا إلى أن عم أركان هذا البناء، فكان هذا البحث بحمد الله وتوفيقه وهذا لا يعني أن البحث أصبح خاليا من النقائص جملة وتفصيلا، فذلك ما لا أدعيه لنفسي، ولا يدعيه عاقل. فالنقص من سمات البشر، وإنما الكمال لله وحده، وكل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا نبينا محمد ﷺ كما روي عن إمامنا مالك. ولله در العماد الأصفهاني الذي قال: (إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يوم إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر).

      والباحث يقول بلسان حاله، ولولا الأستاذ المشرف الذي يقول للباحث: غير هذا ليكون أحسن، وزد هذا لأنه يستحسن، وقدم هذا ليكون أفضل، واترك هذا ليكون أجمل… لولا هذا لكان النقص أخطر، وهذا دليل على أن فضل الأستاذ المشرف أكبر.

      وفي الختام لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل لأستاذي الفاضل الدكتور أحمد امحرزي علوي على ما تجشم من عناء في مسيرة هذا البحث، حيث اعتنى به منذ أن كان بذرة فتعاهده حين أصبح فسيلة، إلى أن اشتد جذعها فأصبحت نخلة باسقة أينعت هذه الثمار، فله مني أحسن الجزاء وأسأل الله العلي القدير أن يجعل ذلك في ميزان حسناته، آمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]وهو كتاب قيم للمبتدئين في طلب هذا العلم، وقد نوه بصاحبه الإمام الشيخ محمد أبو زهرة في مقدمة طبعته السابعة.

[2] هذه العبارة مقتبسة من مقدمة “الأشباه والنظائر” للإمام السيوطي.

Print Friendly, PDF & Email

تعليق واحد

  1. دراسة مميزة تحتاج إليها الأمة في وقتنا الراهن، الذي زلت فيه الفهوم وانحرفت عن الفهم الصحيح للنص الشرعي ولم يهتد بالضوابط الأصولية المانعة عن الزيغ.
    وفق الله الباحث الدكتور حميد العنبوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *