المعالم المنهجية للاجتهاد الفقهي عند أبي بكر بن العربي من خلال كتبه: “أحكام القرآن” و”شرحيه للموطأ” و”المحصول في أصول الفقه”

الباحث الدكتور عمي إبراهيم

      بحث دكتوراه تحت عنوان: المعالم المنهجية للاجتهاد الفقهي عند أبي بكر بن العربي من خلال كتبه: “أحكام القرآن” و”شرحيه للموطأ” و”المحصول في أصول الفقه”، الأستاذ المشرف الدكتور محمد بنكيران، بتاريخ: 5ذو القعدة 1442/ 15 يونيو 2021، جامعة ابن طفيل القنيطرة.

تقرير البحث:

      الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

      وبعد: فإن علم الفقه من أشرف العلوم، والوحي الإلهي هو أساسه والفقه الإسلامي العظيم هو نسيج الإسلام المتين وشرع الله الحكيم، وهو الذي به صاغ المسلمون حياتهم في ضوء النصوص الشرعية، فتوحدوا في العبادة والمعاملة والسلوك، وهو المنطلق الحضاري الرائع للأمة؛ لأنه يبني لها أصول عزتها، وقوام حياتها، ويضع لها مخطط عملها في المستقبل.

     وهو يمتاز بسمات تميزه عن القوانين الوضعية وذلك من حيث مصدره، فمصدره القرآن الكريم الذي هو كلام الله ووحيه والسنة النبوية الشريفة، فكل فقيه مجتهد لا بد له من استنباط أحكامه الخاصة بالشريعة من هذين المصدرين، بل هو مقيد بهما وبما يتفرع عنهما مباشرةً وما ترشد إليه روح الشريعة وقواعدها وكافة مبادئها الكلية، ومن ثم كانت نشأة الفقه كاملة، سوية البنية، وطيدة الأركان وذلك تبعاً لاكتمال مبادئه، وتمام قواعده، ولأن أصوله رست راسخة في زمن الرسالة، وأثناء نزول الوحي على الهادي الأمين.

      وأحكام الفقه متآزرة، ففيها تكمن العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، وكل ذلك لتتحقق غاية الرضا والإيمان والسعادة والراحة والطمأنينة وتنظيم سير الحياة الخاصة والعامة لتحلَّ السعادة في العالم أجمع ومن هنا نلمح أهمية للفقه تكمن في أحكامه المتعلقة بكل ما يصدر عن المكلف.

      كما تتجلى أهمية الفقه أيضاً من كونه يتصف بالصفة الدينية حلاً وحرمة، فكل فعل أو تصرف مدني في المعاملات يتصف بوجود فكرة الحلال والحرام، وأهمية أخرى للفقه في كونه يحاسب على الخطأ في الدنيا والآخرة، فهو يردع أكثر من القانون فالقانون يحاسب على الإساءة ويعاقب عليها في الدنيا، أما الفقه فإنه ينهى على الرذائل من جهة، ومن باب آخر ترى الفقه يعد بالإثابة على الفعل، وهكذا نرى أن الفقه يسبر الطريق أمام الحياة المثالية المتكاملة إذا ما طبق بالشكل الصحيح، فالفقه وكما رأيناه أرخى بظلاله على كافة نواحي الحياة فرسم ما لها وما عليها ليكون الإنسان على جادة الصواب مهما صنع إن كان متمسكاً بحبال الفقه، وبالتالي يكون العمل بالفقه واجباً إلزامياً، فالمجتهد على سبيل المثال عليه أن يعمل بما أداه إليه الاجتهاد فهذا هو حكم الله تعالى وعلى باقي الناس أن يعملوا بفتوى المجتهد، فلا طريق أمامهم لمعرفة الحكم الشرعي سوى ما أفتى به ذلك المجتهد.    فإن الاجتهاد في الفقه الإسلامي فرض كفاية على الأمة الإسلامية في كل عصر من عصورها، لأن به تستنطق النصوص وتستنبط الأحكام لتجيب عن القضايا النازلة، والحوادث المستجدة.

      ونظرا لأهمية الاجتهاد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمه للصحابة رضوان الله عليهم ويقرهم عليه، وكان في أثناء ذلك يمارسه أمامهم من أجل أن يترسخ منهج الاجتهاد في أذهانهم ويكتسبوا دربة على التعامل والتفاعل مع نصوص الوحي.

     ولذا فقد اجتهدوا في حضرته عليه السلام وتباينت آرؤهم في القضية الواحدة، وفهم النص الواحد، فأقرهم على اجتهادهم ما دام الاجتهاد يتقصد فقه النصوص وإثراء المعرفة وإيجاد ألوان من الحلول للقضايا النازلة.

     وكان لجهد النبي عليه السلام وتعليمه للصحابة الكرام هذا المنهج العظيم أثر بالغ في نفوسهم، ووقع محمود في تصرفاتهم وسلوكاتهم، وقد لاحظ النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ذلك ولمسه منهم، وشهد لهم بذلك فقال: “أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، وأشهدهم في الإسلام عمر، وأصدقهم حياء عثمان بن عفان، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة”[1].

      وعن الصحابة الكرام أخذ التابعون وأتباعهم هذه السنة الحميدة والطريقة الفريدة في الفقه والاستنباط، والكشف عن معاني النصوص وبذل قصارى الجهد في طلب الحكم الشرعي، واسمتر الحال على هذا النهج إلى أن جاء زمن أئمة الفقه، وجهابذة الرأي والفتوى، فكان أشهرهم: الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة، ومن بعدهم أبو حنيفة النعمان بالعراق، والإمام مالك بالمدينة، والإمام الشافعي بالعراق ومصر، والإمام أحمد ببغداد والعراق، وهؤلاء الأئمة الأعلام اختلفوا في اجتهاداتهم نظرا لاختلاف بيآتهم، ولما كانوا يتوفرون عليه من نصوص وآليات الاجتهاد.

     ومستند كل مجتهد منهم هو الأدلة الشرعية المختلفة على رأسها القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس، التي أجمع عليها الفقهاء، بالإضافة إلى أدلة أخرى اختلفوا فيها ولكنها اعتبرت أدلة عند البعض دون الآخرين وهي: الاستحسان، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، والعرف، وشرع من قبلنا، ومذهب الصحابي… وما توسع الفقهاء في اعتماد هذه الأدلة إلا سعيا إلى إيجاد الحكم المناسب لكل حادثة واقعة جديدة ضمن إطار روح الشرع وأحكامه بهدف جلب المنافع للناس ودرء المفاسد عنهم تحقيقا للآية الكريمة: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)[2].

      ثم جاء من بعد الأئمة تلامذتهم وأتباعهم وهم بدورهم اختلفوا في مسائل الفروع نتيجة لانتشار المذاهب وتنوع المصادر وتعدد مدارس كل مذهب، ولقد غلب مذهب مالك على الحجاز والبصرة ومصر وما جاورها، وإفريقية والأندلس، والمغرب الأقصى. فكان في كل قطر مدرسة تميزت بأعلامها، وكتبها، ومنهجها في الفتوى والعمل والقضاء، وتميزت المدرسة الأندلسية بدراستها للفقه دراسة مقارنة تخرجه من المقارنة بين آراء علماء المذهب إلى المقارنة بين آراء أئمته وآراء غيرهم من الأئمة الآخرين، واختيار الصالح منها، تبعا لقوة دليله.

وكان لهذا المنهج رواد وأعلام أشهرهم:

1ـ محمد بن الحارث بن أسد الخشني ت: 361هـ صاحب كتاب: “الاتفاق والاختلاف في مذهب مالك”.

2ـ يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري ت: 463هـ وله كتب جليلة منها: “التمهيد” و”الاستذكار” و”الكافي في الفقه المالكي”.

3ـ سليمان أبو الوليد الباجي ت: 474هـ وله تصانيف بديعة منها: “المنتقى” و”المنهاج في ترتيب الحجاج” و”الإشارة” و”إحكام الفصول”.

4ـ أبو الوليد بن رشد الجد ت: 520هـ وله: “المقدمات الممهدات” و”البيان والتحصيل”.

5ـ محمد بن عبد الله بن العربي المعافري ت: 543هـ وله: “أحكام القرآن” و”القبس” و”المسالك”.

6ـ محمد بن أحمد بن رشد الحفيد ت: 595هـ من أشهر كتبه “بداية المجتهد”.

7ـ إبراهيم بن موسى الشاطبي ت: 790هـ له كتب نفيسة منها: “الموافقات في أصول الشريعة والاعتصام”.

وهؤلاء الأعلام أقدامهم متساوية في العلم والفضل، شهد لهم بذلك السابق واللاحق، إلا أن أبا بكر بن العربي تميز بطول رحلته، وأخذه عن علماء أفذاذ من أشهرهم أبو حامد الغزالي المتوفى سنة: 505 هـ، كما أنه كتب في مختلف العلوم الإسلامية؛ منها: التفسير، والأصول، والفقه، وفقه الحديث، وعلوم الحديث، واللغة، وعلم الكلام، بالإضافة إلى ذلك أنه مارس خطة القضاء، ونزل القواعد الأصولية والأحكام الفقهية على واقعه القضائي، وهو في كتبه أحيانا يشير إلى نوازل نزلت به فيبين الحكم الذي فصل به فيها، كما أنه تخرج على يديه جهابذة ونقاد من أشهرهم: القاضي عياض اليحصبي ت: 544 هـ، وأبو القاسم بن بشكوال الأنصاري ت: 568هـ، كما أن تراث الحافظ رحمه الله انكب عليه العلماء والباحثون شرقا وغربا؛ دراسة، وتحقيقا، ومراجعة، ومقارنة، وأحيانا نقدا وتمحيصا.

      فنظرا لهذه المزايا وغيرها في شخصية ابن العربي وإنتاجه العلمي، فإني خصصت بحث أطروحتي حوله وجعلته بعنوان: “المعالم المنهجية للاجتهاد الفقهي عند أبي بكر بن العربي من خلال كتبه: “أحكام القرآن” و”شرحيه للموطأ” و”المحصول في أصول الفقه”.

أسباب اختيار الموضوع:

هذا وقد دعتني إلى البحث في هذا الموضوع أسباب عدة أهمها:

1ـ أن ابن العربي هو أول من أدخل علم الخلاف إلى بلاد المغرب كما صرح بذلك ابن خلدون في المقدمة فقال: “وهو لعمري ـ أي علم الخلاف ـ علم جليل الفائدة، في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم، ومران المطالعين له على الاستدلال فيما يرومون الاستدلال عليه، وتآليف الحنفية والشافعية فيه أكثر من تآليف المالكية، لأن القياس عند الحنفية أصل للكثير من فروع مذهبهم كما عرفت، فهم لذلك أهل النظر والبحث، وأما المالكية فالأثر أكثر معتمدهم وليسوا بأهل نظر، وأيضا فأكثرهم أهل المغرب، وهو بادية غفل من الصنائع إلا في الأقل، وللغزالي رحمه الله تعالى كتاب: “المآخذ” ولأبي بكر بن العربي من المالكية كتاب: “التلخيص” جلبه من المشرق، ولأبي زيد الدبوسي كتاب: “التعليقة” ولابن القصار من شيوخ المالكية “عيون الأدلة”، وقد جمع ابن الساعاتي في مختصره في أصول الفقه جميع ما ينبني عليها من الفقه الخلافي، مدرجا في كل مسألة منه ما ينبني عليها من الخلافيات[3]، لذا رأيت من الواجب علي أن أعتني بهذا العلم الذي اهتم به ابن العربي وبرع فيه، وكسّر به جمود الفقهاء على كتب الفروع، كما رد به على أهل الظاهر الذين وقفوا على ظواهر النصوص.

2ـ قوة اختياراته الفقهية المؤسسة على الدليل، والكاشفة للتعليل، والهادفة إلى بناء فكر مستنير ومتحرر من الجمود والتقليد.

3ـ إغفال كثير من الباحثين والدارسين للمقاصد الشرعية عند ابن العربي واقتصارهم على الجانب الجدلي والخلافي أو تخصيص الدراسة في كتاب معين.

4ـ تجاوز أغلب الدراسات المنجزة حول ابن العربي الاعتراضات والانتقادات التي وجهها بعض العلماء قديما وحديثا، إلى بعض آرائه المنافية للنص الصريح أو الحديث الصحيح

خطة البحث:

      وقد اشتمل البحث في حلته النهائية على مقدمة، وفصل تمهيدي، وبابين وخاتمة، فخصصت المقدمة لبيان أهمية الاجتهاد وضرورته، ومستنداته، وذكر نماذج من المجتهدين خاصة في المذهب المالكي. كما ذكرت فيها موضوع البحث، والإشكال المطروح فيه، والأسباب الداعية إلى اختياره، وخطة البحث ومصادره والمنهج المتبع فيه، أما الفصل التمهيدي، فخصصته لعرض دراسة نقدية لترجمة ابن العربي، وما يتعلق بها كنشأته، وطلبه للعلم ورحلته، وشيوخه، وتلامذته، وكتبه، وأفردت الباب الأول لمنهج ابن العربي في استثماره للدلالات اللغوية والأدلة الأصولية المتفق عليها والمختلف فيها، أما الباب الثاني، فخصصته لمنهج ابن العربي في استنباط الأحكام الفقهية، وترجيحاته الاجتهادية، ورده على المذاهب الفقهية، وأساليبه القوية، واعتراض بعض العلماء عليه ومراعاته للمقاصد الشرعية، والخاتمة ذكرت فيها خلاصات واستنتاجات الموضوع، وما تمخض عن ذلك من خلال دراستي ومعايشتي له مع ت وصيات وتوجيهات.

وكان منهجي في توثيق النقول: ذكر المصدر بعنوانه كاملا وصاحبه مع تاريخ وفاته والجزء والصفحة ودار النشر والتحقيق وسنة الطبع، وفي نصوص القرآن الكريم ذكرت الآيات وأرقامها وسورها، أما أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فعزوتها إلى مصادرها، مع ذكر كتبها وأبوابها الواردة فيها، وما ذكر في البحث من أشعار فقد أرجعتها إلى قائليها وكذا الدواوين الواردة فيها.

      هذا فما كان من صواب فبتوفيق من الله وما كان من خطإ أو سهو أو نسيان فمن نفسي وحسبي أنني اجتهدت، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]. أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في السنن. كتاب المناقب، باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي، وقال: حسن غريب لا نعرفه من حديث قلابة إلا من هذا الوجه، سنن الترمذي الجامع الصحيح للحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، (ت: 279هـ)، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، نشر دار الفكر للطباعة والنشر، بدون تاريخ للطبع.

[2] سورة الحج، الآية: 78.

[3]. مقدمة عبد الرحمان بن خلدون المتوفى سنة: 808هـ، تحقيق أبي عبد الرحمان عادل بن سعد، الدار الذهبية للطبع والنشر والتوزيع، ص: 496، بدون تاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *