القواعد الفقهية في النوازل المالية، من خلال كتاب “المعيار” للونشريسي (ت 914هـ) (من نوازل المعاوضات إلى نوازل الديون) ، جمعا ودراسة

الدكتور محمد أبوالعلاء قاسمي أعد هذه الأطروحة، ونوقشت يوم 23 أكتوبر 2019 برحاب كلية الآداب بالقنيطرة.

المُقَدِّمَة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى صحبه أجمعين، وعلى من تبع هداه وتمسك بشريعته واقتفى هديه إلى يوم الدين، وبعد:

      فإن العلوم الإسلامية بشتى فروعها وتخصصاتها، مظهر من مظاهر التكامل المعرفي بين العقل والوحي، وصورة حية للتفاعل المنتج بين عناصر الحضارة الإسلامية والإنسانية، وعلى رأسها عنصر الرسالة (الفكرة / الدين / الوحي / النص المؤسس)، وهذه العلوم استمدت إسلاميتها من ناحيتين اثنتين:

ــ الأولى: من النص المؤسس لمعارفها ومباحثها، وهو نص ربانيٌّ مصدرا ووجهة (كتابا وسنة).

ــ الثانية: البيئة المحتضنة لهذه العلوم، فهي بيئة إسلامية لكون المشتغلين بها علماء مسلمين يستمدون معارفهم من دينهم ومرجعيتهم الحضارية.

      ولا شك أن تطور العلوم الإسلامية مر بمراحل، كما هو حال كل فكرة أو بناء أو صرح مادي أو معنوي، غير أن أهم عنصر في مراحل صيرورة تطورها هو دورانها حول النص المؤسس، أو الوحي بتعبير أدق، فنشأت في إطاره علوم كثيرة، يمكن إجمالها في محورين اثنين:

      الأول: مرتبط بعلوم توثيق النص الديني، وتصحيح نسبته، فهي علوم وَسَلِيَّةٌ خادمة لهذا المقصد الكبير، منها علوم الحديث، وعلى رأسها علم مصطلح الحديث، ونقد الرجال، أو ما يصطلح عليه بـ علم الجرح والتعديل، وقد استفاد من مناهج المحدثين علماء علوم القرآن، فاعتنوا بالمباحث الخادمة للنص القرآني توثيقا وأداء وضبطا ورسما…

      أما المحور الثاني: فهو ما تعلق بعلوم البيان والإيضاح والتأويل، أو ما يمكن التعبير عنه بعلوم فهم النص الديني، وشرحه، وتفسيره وفقهه، ويمكن إجمالها عموما في علمين كبيرين، حويا علومًا في نفس المحور، واندرجت فيهما جُمَلٌ منه اندراجا تامًّا وانصهارًا متجانسًا، وهما: (علم التفسير) الذي خدم النص القرآني بيانا لمعاني آيه وسوره، و(فقه الحديث) وشروحه ومدونات فقهه، ويمكن تلخيص هذين المحورين في مصطلحين درج عليهما العلماء في اصطلاحاتهم، وهما مصطلحا (الرواية والدراية).

      ومن ههنا فإن المقصد العمَليَّ للعلوم الإسلامية، هو التوجه إلى الكتاب والسنة وتفسيرهما، واستخلاص الأحكام منهما، وهي استخلاصات في بعدها التكليفي مرتبطة بالجانب العملي، مما يسمى في الاصطلاح العلمي بـ (الفقه).

     ولا شك أن علم الفقه من أشرف العلوم وأنفعها، بحيث ازدوج فيه العقل والنقل، وامتزج فيه الرأي والشرع، فهو يمثل الجانب العملي والتطبيقي للشريعة الإسلامية، ولهذا دعا القرآن الكريم الأمَّة إلى استنفار الجهود في طلبه، واستفراغ جزء من أبنائها للحذق فيه، فقال تعالى: ] وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [([1])، والتفقه المذكور في الآية يعم ما نحن بصدده من الحديث عن الفقه بمعناه العلمي، ويشمل التفقه في الدين جميعا بدء من العقائد، وانتهاء بالآداب والسلوك.

      وبناء على هذا، فإن الفقه مرتبط بواقع الناس وحركة المجتمع، فهو مواز للحياة ومساير لمستجداتها، وأي شرود عن الواقع وأفعال المكلفين في أي تنظير فقهي فهو خروج عن مقاصد الفقه وأبعاده العملية والوظيفية.

      غير أن تحصيل الفقه يُتَوَسل إليه بأدوات ومناهج وقواعد تكفَّل ببيانها والتنظير لها علم أصول الفقه، الذي هو علم المنهجية الإسلامية الذي تفتقت به مناهج النظر والعمل، وتوازن به الفقه في جانِبَي التنظير والتنزيل. وهذه الوظيفة المنهجية لعلم الأصول هي ما يجعل الفروع المستمدة بقواعده فقهيةً بالمعنى الاستدلالي، ويسمى مُستمِدُّهَا فقيهًا بالمعنى العلمي، وإلا فإن أخذ الفروع الفقهية دون قواعدها الاستدلالية، لا يعدو أن يكون نقلا للفقه، أو حملا لفروعه دون أنساقها المنهجية والقاعدية.

     وبهذا يتمايز المشتغلون بعلم الفقه، فالناس فيه قسمان: فقيه، وحامل فقه، وقد يكون الحامل لنصوص وأدلة الفقه مفتقرا إلى الفقيه بالمعنى التخصصي والاصطلاحي للكلمة، بل هو مفتقر إليه في كل الأحوال.

      ولما كان الفقه ناشِئًا عن الدليل، وكان مرتبطا بفروع الحياة الفردية والجماعية، فإن أحد جوانبه الذي تميز به التراث الإسلامي، وتحتَّم على الباحثين إدراجُه في اهتماماتهم، هو ما ارتبط ارتباطا وثيقا بتفاصيل الحياة العملية، ورافق الناس في مساجدهم وأسواقهم، وثقافتهم وسياستهم، واقتصادهم واجتماعهم، مما يسمى بـ “فقه النوازل والوقائع والحوادث”، فكان لزاما على الدارسين الغوصُ في مصنفاته ومظانه، وسبرُها بمناهج البحث الرصين، والعودة بها إلى قواعد النظر الوجيه، إما على جهة التأصيل والتحرير، وإما على جهة الكشف والتنوير، إذ قواعد النظر والفقه موجودة في هذه المظان وجودا يعسر معه تفهُّمُ فتاوى المفتين دون استحضارها.

     ولا شك أن كتب النوازل تمثل مستودعا هاما يهدي الباحثين إلى استكشاف أصول الاستدلال وقواعد الفقه، لأن الأحكام الشرعية فيها ارتبطت ارتباطا وثيقا بالواقع المعيش، فهي أكثر واقعيَّةً من غيرها، بل هي مِرآةُ يُستَكشَفُ بها حال المجتمعات الإسلامية وطبيعة علاقتها بالفقه والشريعة الغراء.

      ولما كانت مصادر الفتوى وفقه النوازل متميزة بهذا وأكثر، عقدتُ العزم على استكشاف ما فيها من العلم والدرر فخصصت البحث في موسوعة نوازلية قلَّ نظيرُها، وجَعلت بحثي في تراث عَلَمٍ من أعلام الفقه ممن خَبَرَ تراث المالكية قبله فقها وأصولا، وهو فقيه حاضرة فاس، الإمام أحمد بن يحيى الونشريسي (ت 914هـ) رحمه الله من خلال موسوعته النوازلية المسماة بـ: (المعيار المُعرِب والجامع المُغرِب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب) فاستقر موضوع البحث على عنوانه الموسوم بـ: القواعد الفقهية في النوازل المالية، من خلال كتاب “المعيار” للونشريسي (ت 914هـ) (من نوازل المعاوضات إلى نوازل الديون) جمعا ودراسة.

دوافع البحث:

      كان وراء اختيار هذا الموضوع جملة من الدوافع والمحفزات العامة والخاصة، بعضها متصل بمجال اشتغالي واهتماماتي العلمية المرتبطة بالفقه وقواعده والنوازل ومصنفاتها، والبعض الآخر متعلق بالقيمة العلمية لكتاب المعيار، فقد ضم بين ثناياه فتاوى تهدي الباحثين إلى أسُسِ وقواعد الفقه المسعفة لهم في عملية التخريج على الأقوال والنصوص الفقهية، والمساعدة للمشتغلين بالفقه في ترشيد نظراتهم للنوازل المتعاقبة والمتواترة على واقعهم وحياتهم العامة والخاصة، الفردية والجماعية.

ــ الدوافع العامة: وتتجلى في دافعين اثنين:

أولهما: أهمية كتب النوازل فقها ومنهجا: وذلك لكون الفقه التطبيقي يتجلى في أجوبة المفتين وفتاوي الفقهاء النوازليين، فأهمية فقه النوازل كامنة في حيَوِيَّة الفقه ومواكبته لتفاصيل حياة المكلفين، كما أن هذه الأهمية تتجلى منهجيا في كون نصوص المفتين مادة علمية ووثيقة تاريخية، تُجَلِّي للباحثين والدارسين مناهج أصحابها في الاجتهاد والفتوى ومعالجة النوازل المستجدة في واقعهم.

      ولا شك أن كتب النوازل تعد مرجعا مهما للباحثين بتنوع تخصصاتهم: فيمكن للمؤرخ تلمس حيثيات الوقائع التاريخية المرتبطة بسياقاتها الاجتماعية وتحولات المجتمعات القيمية والسياسية، مما يمكن فقدُه في كتب التاريخ والسير، وخاصة إذا علمنا بأن كثيرا من كتب التاريخ تأثرت مضامينها بتوجهات ومذاهب أصحابها ومواقفهم الفكرية واختياراتهم السياسية.

      ويقف الباحثون في العلوم الشرعية بتنوع تخصصاتهم المعرفية من خلال كتب النوازل على مآربهم ومطالبهم العلمية والبحثية، وذلك باستنطاق نصوص الفتاوى، وقراءتها قراءة فاحصة ومستنيرة بأدوات التفسير والتعليل.

     كما يجد فيها اللُّغَوي ضالته، وخاصة إذا تعلق الأمر بالدراسات اللسانية واللغوية التي تُعنَى بالتطور اللساني واللهَجِي، فيمكن ملاحظة المستويات اللغوية واللَّهَجية للمستفتين، ومقارنتها مع مستويات خطاب المفتين، فتتبين لدى الدارس أحوال التخاطب اللغوي والاستعمال التداولي للغة.

      إن من أهم ما يستفيده الباحثون في نصوص النوازل ومؤلفات الفتاوى هي تلك الهدايات المنهجية المعبرة عن التمازج الوظيفي بين نصوص الشارع واجتهادات الفقهاء، ففتاوى المفتين وإن بدت عارية عن النصوص الشرعية كتابا وسنة في أغلبها، لا يمكن ادعاء فصلها عن هذه النصوص فصلا تامَّا، بل إن أجوبتهم وتعليلاتهم مستمَدَّةٌ في غالبها من النصوص وإشاراتها، ومفهوماتها ومقاصدها، ولهذا نجد كثيرا من هذه العبارات مصوغة صياغة قواعدية في نصوص دستورية واضحة المعاني قصيرة المباني.

ثانيهما: أهمية القواعد الفقهية في الدراسات الأكاديمية: ومن جملة الدوافع العلمية العامة للخوض في غمار هذا البحث، هو غَناء القواعد الفقهية وأهميتها وضرورتها في البحث الفقهي المعاصر، وذلك لأن الدراسات الأكاديمية عامة، وشعب الدراسات الإسلامية خاصة، ينبغي أن تنصب الجهود فيها لاستخلاص نصوص القواعد ونخلها وصَفِّها، وبيانها بيانا علميا ومنهجيا رصينا، يكون بموجبها الفقهُ معلَّلا ومَنُوطًا بقواعده، وبهذا الربط يكون التفقه مفيدا للباحثين والطالبين، فيتمكنون من معاقده وقواعده أوَّلاً، ثم يبنون على ذلك ما شرد من الفروع وتشعَّب من المسائل، بإرجاعها إلى أصولها وردها إلى قواعدها، ونظمها في نظريات وكليات ومعان جامعة.

      وفي هذا المعنى يصرح الإمام الغزالي (ت505هـ)  بأنه «لا مطمع في الإحاطة بالفرع وتقريره، والاطلاع على حقيقته، إلا بعد تمهيد الأصل وإتقانه، إذ مثار التخبط في الفروع ينتُجُ عن التخبط في الأصول»([2])، وإن كان الغزالي هنا يقصد بالأصول قواعدَ علم أصول الفقه النظرية، لكن المعنى يعمُّ كذلك القواعد الفقهية العملية، وهو عموم وظيفي ظاهر وبين، وهذا ما جعل الإمامَ القرافي (ت 684هـ) بعدُ يقسم الأصول إلى قسمين: أصول الفقه، والقواعد الفقهية، فقد نص على ذلك بقوله «وأصولها (أي الشريعة) قسمان: أحدهما المسمى بأصول الفقه (…) والقسم الثاني: قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه»([3]).

      فقواعد الفقه يتجلى قدرها وأهميتها في كونها كثيرة العدد، أي: مبثوثة في النصوص الشرعية واجتهادات الفقهاء وتقعيداتهم المباشرة وغير المباشرة([4])، كما أن لها مَدَدًا عظيما يثمر فروعا بالقياس عليها، والتخريج على أصولها وأدلتها، وملاحظة مقاصدها التشريعية بتلمُّسِ أسرار الشرع فيها، فكثيرٌ من القواعد الفقهية تعبر عن أحكام وحِكم وأسرار الشرع تعبيرا مباشرا بمنطوقها، أو غير مباشر بآثارها وتطبيقاتها في الواقع الفقهي والعملي للمكلفين.

ــ الدوافع الخاصة:

أولا: أهمية الكتاب

فالمعيار يُعَدُّ من أضخم موسوعات النوازل التي حوت بين ثناياها فقها غزيرا مرتبا على أبوابه المعهودة في كتب الفقه العام، معنى ذلك أنه كتاب يصلح أن يكون منطلقا لمثل هذه البحوث، فضلا عن مميزاته، وخصائصه شكلا ومضمومنا.

ومما حفزني لجعل الكتاب محور البحث: كون الموسوعة الضخمة المسماة بـ (معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية) لم تجعله من المصادر الأساسية لتتبع القواعد وإن حوت صفحاتها بعض النقول منه، غير أنها لم تستوعبه بالدراسة الوافية الشافية، فكان هذا دافعا قويا جعلني أهتم بالكتاب من زاوية القواعد الفقهية، تتبعا، وشرحا، وتطبيقا([5]).

ثانيا: النوازل المالية

فكتاب المعيار حوى فتاوى كثيرة في نوازل الأموال، تدل دلالة واضحة على اهتمام المستفتين إلى حدود القرن العاشر بأحكام الأموال تعاملا وفقها، ففي الكتاب نوازل تدور حول فقه المال في جوانب تعامل الناس به وبصوره الفقهية المعروفة، فكان من المفيد تتبع هذه النوازل المالية، والبحثُ في ثناياها عن القواعد الفقهية الحاكمة لفقهها.

ثالثا: القواعد والنوازل

وآخر هذه الدوافع ما يروج في الساحة العلمية من شُبَهٍ وتدليساتٍ تدعو الباحثين إلى البرهنة نظريا وتطبيقيا على أن الفقه الإسلامي مبني على أصول كلية وقواعد محكمة، وخاصة ما يتعلق بفقه النوازل في شقها المتصل بالأجوبة والأحكام، وذلك دفعا لشبهة خلو الفقه النوازلي من أصول وقواعد ناظمة لمسائله، وإبطالا لدعوى ذاتية المفتي ونظره في النوازل بخلفياته الثقافية وميولاته النفسية.

أهداف البحث:

ويمكن إجمالها في الآتي:

1ــ جمع القواعد الفقهية الثَّاوية في نوازل المعيار بنصوصها وألفاظها، وترتيبها وفق منهجية محدَّدة، وربطها بفروعها وتطبيقاتها من نوازل الأموال، وذلك بعد دراستها وفق طريقة القواعديين المشهورة.

2ــ الاستدلال على المنحى التعليلي لفقه النوازل المالية، ببيان ارتباطها بنَسَق قاعدي واضح، يرجع فيه المفتون في أجوبتهم على النوازل إلى قواعد فقهية مقررة في المذهب وغيره، بها يعللون ويُفهِمُون المستفتين مستندات أجوبتهم، وكل هذا سنؤكده بحول الله تعالى بنُقول واضحة، سواء من كتاب المعيار أساسا، أو من مصادر أخرى أصولية أو فقهية.

3ــ المساهمة في مشروع تجميع القواعد الفقهية ودراستها، ومحاولة سد بعض الفراغات في هذا المشروع الكبير، وذلك من جهة الاهتمام بكتاب المعيار، والتنبيه على أولوية كتب النوازل في البحث القواعدي الأكاديمي.

4ــ التعريف بالإمام أبي العباس الونشريسي، وذلك من خلال تلمُّس جهوده في معلمته النوازلية، وبيان خصاله العلمية تأليفا وتدريسا.

5ــ التعريف بمعلمة الونشريسي النوازلية، وذلك من خلال استعراض أهم جوانبها المميزة لها منهجًا ومضمونًا، وكذا بيان اهتمام العلماء والدارسين بها، تعليقا واختصارا ومعارضة وتنقيبا وبحثا، ورصد بعض الجهود في ذلك.

6ــ التأكيد على أن فقه النوازل عند المالكية أنموذج فذٌّ، حوى في طيَّاته مناهج النظر والاجتهاد الفقهي، ومسالك معالجة القضايا والحوادث في ضوء النصوص الشرعية والمصالح والأعراف المطردة، وأنه فقه حيٌّ لما تضمنه من قواعد أصولية، وقواعد فقهية، تجعل مسائله أكثر من مجرد نوازل وقتية.

من الدراسات السابقة:

وأقصد بها الدراسات والبحوث الفقهية والأصولية التي جعلت كتاب المعيار منطلقا ومحلا لاستخراج القواعد الفقهية بصورها المتنوعة بين قاعدة كلية وضابط فقهي، وكذا دراسة قضايا المعيار الفقهية والمقاصدية وغيرها، وفيما يلي سرد لبعض عناوين هذه الدراسات والبحوث:

1ــ فقه المقاصد في نوازل وقضايا المعيار للونشريسي: (دراسة تحليلية تأصيلية مقارنة)، للباحث خالد عبد القادر، وهي رسالة ماجستير تقدم بها لكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، سنة 1427هـ/2006م، وقد تتبع فيها جملة من النوازل، وقسَّمها إلى عبادات وعادات ومعاملات وجنايات، وتتبع كذلك نوازل الولايات، ثم استخلص من أجوبة المفتين بعض الفقه المقاصدي منوطا بتطبيقاته المجلية له في القضايا المذكورة، وتقع الرسالة في (257 صفحة).

2ــ المقاصد الشرعية للفتاوى الفقهية في نوازل ضرر البيان من خلال كتاب المعيار للونشريسي، للباحث حسني خيري حسن، وهي رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، بقسم الدراسات الإسلامية التابع لكلية الآداب بجامعة سوهاج، بتاريخ 1431هـ/ 2010م، وقد استخدم الباحث منهج الاستقراء في تصنيف نوازل البنيان حسب قضايا حددها وانتقاها، وعمد إلى كتب الفقه في المذاهب الفقهية الأربعة، فذيل تحليلاته بآراء الفقهاء واجتهاداتهم وتقصيدهم لبعض مسائل البنيان والعقار في ضوء الأدلة الشرعية، وتقع الرسالة في (450 صفحة).

3ــ آراء الإمام الداودي في باب المعاملات من خلال المعيار المعرب (جمع ودراسة)، للباحث حميم عمران، وهي رسالة قدمها لنيل درجة الماجستير في الفقه وأصوله، بقسم الشريعة التابع لجامعة الحاج لخضر باتنة، سنة 2010، ويقع البحث في (149 صفحة).

4ــ النوازل الفقهية المالية من خلال المعيار: (دراسة نظرية وتطبيقية)، للباحث محمد الرميح، وهي رسالة أنجزها لنيل درجة الماجستير، بقسم الشريعة التابع لجامعة أم القرى، وهي مؤرخة بتاريخ 1432هـ/ 2011م، وقد سلك الباحث في هذه الدراسة مسلك التحليل للنوازل المالية الواردة في كتاب المعيار مع التركيز على مستندات وأدلة الفقهاء في أجوبتهم، مع إبراز جوانب الاستفادة منها في الواقع المعاصر ونوازله المتجددة. وهي رسالة تقع في (675 صفحة).

5ــ أصول أبي العباس الونشريسي من خلال المعيار المعرب، للدكتورة عفيفة خروبي، تقدمت بها لنيل شهادة الدكتوراه بجامعة الجزائر، وقد استخلصت الباحثة أصول الاجتهاد والاستدلال الفقهي التي اعتمدها الونشريسي في فتاويه وأجوبته، ويقع الكتاب في جزأين بمجموع تجاوز (800 صفحة) وهو صادر عن دار البصائر للنشر والتوزيع، وقد نشر بدعم من وزارة الثقافة في إطار تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية سنة 2011م.

6ــ ضوابط تنزيل الأحكام الشرعية في كتاب المعيار المعرب للونشريسي: للباحث بلخير عثمان، والبحث رسالة لنيل درجة الدكتوراه في العلوم الإسلامية، تخصص: الفقه وأصوله، بجامعة أبي بكر بلقايد، كلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، السنة الجامعية: 1431-1432هـ/ 2010-2011م، والرسالة تقع في (215 صفحة).

7ــ القواعد الأصولية وتطبيقاتها الفقهية لعلماء المالكية من خلال كتاب “المعيار” للإمام أبي العباس الونشريسي رحمه الله (ت914هـ)، القواعد المتعلقة بالأحكام والرواية والأفعال ودلالات الألفاظ، جمعا ودراسة. وهي رسالة تقدم بها الباحث خليل يامن لنيل شهادة الدكتوراه من الجامعة الإسلامية وقد نشرت بتاريخ 19/ 05/ 1438.

منهج البحث:

اعتمدت في هذا البحث المنهجين الاستقرائي والتحليلي، انسجاما مع طبيعة البحوث في القواعد الفقهية، ويمكن تجلية هذين المنهجين في الخطوات الآتية:

ــ القراءة الأولية لكتاب (المعيار) وتقييد نصوص القواعد وما يظن أنها قواعد فقهية.

ــ تمحيص نصوص القواعد، ومقارنتها بألفاظ القواعد المبثوثة في كتب هذا الفن.

ــ إثبات ما يصلح أن يكون قاعدة فقهية.

ــ ذكر القاعدة الفقهية بلفظها وعدم التصرف فيها، إلا في النادر القليل جدا.

ــ تتبع الصيغ المختلفة للقاعدة الواحدة وجمعها للاستعانة بها في متن الدراسة.

ــ شرح وتحليل مضامينها الفقهية.

أما دراسة القاعدة الفقهية فإنها على طريقة القواعديين، وخاصة المعاصرين منهم، ويمكن اختصار خطوات الدراسة فيما يلي:

1ــ عرض صيغة القاعدة والاقتصار على لفظها الوارد في الكتاب([6]).

2ــ بيان مضامينها الفقهية.

3ــ إيراد بعض أدلتها التفصيلية.

4ــ عرض ألفاظها المختلفة حسب ورودها في الكتاب.

5ــ سَوْقُ بعضِ تطبيقاتها الفقهية في نوازل المعيار من خلال فتاوى الأموال.

هذا، وقد التزمت قدر المستطاع في تحرير مضامين هذا البحث ما يلي:

1ــ شرح الألفاظ الغريبة مع التركيز على المصطلحات الفقهية لارتباطها بطبيعة البحث.

2ــ لم أتقيد بذكر المجيب على النازلة دائما، إلا إذا كان محل الشاهد في مطلع الجواب فأذكر المجيب.

3ــ اعتمدت المصادر ذات الصلة بشرح القواعد والمسائل اللغوية والفقهية، فتنوعت هذه المصادر بين كتب اللغة والفقه والأصول والقواعد الفقهية وكتب التفسير والحديث وفقهه، وغيرها.

4ــ وثقت الآيات القرآنية الواردة في متن البحث، ملتزما قراءة ورش عن نافع من طريق الأزرق، مقتصرا على ذكر السورة ورقم الآية.

5ــ خرجت الأحاديث والآثار من مصادرها تخريجا مختصرا.

6ــ ترجمت للأعلام الواردة أسماؤهم في المعيار، فلم أترجم لغيرهم سواء في متن البحث أو في الهوامش مخافة التطويل.

7ــ وضعت فهارس علمية تعين القارئ على الوصول إلى مطلبه بسهولة ويسر.

خطة البحث:

وقد تضمنت خطة البحث بعد المقدمة مدخلا وبابين ثم خاتمة وخلاصات، وفيما يلي تفصيل لها:

المدخل: فقد كان في التعريف بالمؤلِّف والكتاب، وتضمن مبحثين اثنين، الأول: ترجمتُ فيه للإمام الونشريسي من خلال عرض معالم حياته العلمية، مركِّزًا على ذكر أهم شيوخه وتلامذته، وبيان مكانته العلمية، ثم ختمت الترجمة بسرد لمؤلفاته ورسائله.

أما المبحث الثاني: فقد خصصته للتعريف بالكتاب، وذلك بالتنصيص على عنوانه، وبيان مقصد المؤلف من تصنيفه، والتعريف بأبوابه وطريقة الونشريسي في ترتيبه، ثم إبراز الجوانب المميزة له والمعرِبة عن قيمته العلمية.

وبعد المدخل جعلت الباب الأول([7]) في فصلين اثنين، الأول: فيه مبحثان، خصصت الأول للتعريف بالقواعد الفقهية لغة واصطلاحا، أما المبحث الثاني فقد تتبعت فيه أنواع القواعد بالتقسيم والتعريف، وأهم الفروق بينها، وما يترتب عن تلك الفروق من الآثار التطبيقية في الفروع الفقهية ضيقا وسعة، قلة وكثرة.

أما الفصل الثاني: ففيه مبحثان، الأول: في بيان مفهوم النوازل المالية لغة واصطلاحا، فاستعرضت مفهوم النازلة وما يتصل بها من المصطلحات القريبة منها، مثل الواقعة والحادثة والمسألة، وفي المبحث الثاني: بيان لأهم أبواب النوازل المالية الواردة في كتاب المعيار، وحرصت على ذكر عناوينها الفقهية، دون الخوض في تفاصيلها، لكون ذلك خارجا عن مقاصد البحث، ثم عرجت على جملة من الخصائص المميزة للنوازل المالية فجعلتها في نقاط ثلاثة (المصطلحات، والأسلوب، ثم المضمون الفقهي).

وما مر من الفصول والمباحث يشكل دراسة تمهيدية نظرية للمقصود الأساس من هذه الرسالة، وذلك لأن صلب البحث يتجلى في الباب الثاني، وهو القسم التطبيقي للأطروحة.

وقد خصصت الباب الثاني: للقواعد الفقهية في النوازل المالية، جمعا ودراسة، وفيه فصول سبعة، أورد عناوينها دون الخوض في تفاصيلها تجنبا للتكرار بحول الله تعالى:

الفصل الأول: القواعد الفقهية الخمس الكبرى، وفيه خمسة مباحث

المبحث الأول: (الأمور بمقاصدها).

المبحث الثاني: (المشقة تجلب التيسير).

المبحث الثالث: (لا ضرر ولا ضرار).

المبحث الرابع: (اليقين لا يزول بالشك).

المبحث الخامس: (العادة مُحَكمَةٌ).

الفصل الثاني: قاعدة (الخراج بالضمان).

الفصل الثالث: القواعد المتعلقة بالعقود، وفيه تمهيد وثمانية مباحث:

تمهيد في بيان حقيقة (العقد).

المبحث الأول: الأَصْلُ الصحةُ وحَمْلُ العُقُودِ عليها.

المبحث الثاني: (المسلمون عند شروطهم).

المبحث الثالث: (حَمْلٌ تصرفات العقلاء على الاعتبار أحُّق وأَوْلَى من حملها على الإلغاء والإهدار)

المبحث الرابع: الملحق بالعقد يقدر واقعا فيه.

المبحث الخامس: لا يستباح ملك أحد إلا بالنص منه والرضا الذي لا مرية فيه.

المبحث السادس: لا يعد السكوت رضا.

المبحث السابع: المكره لا يلزمه شيء من العقود.

المبحث الثامن: الشريعة دالةٌ على أن ما جُهِل أمرُه فهو على السلامة، وأن الأحكام متعلقة بالظاهر.

الفصل الرابع: قواعد في فقه المقاصد، وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: وسيلة المحرم محرمة.

المبحث الثاني: ترك الحرام واجب، وما لا يتوصل لواجب إلا به فهو واجب.

المبحث الثالث: إذا بطل الأصلُ بطل فرعُه.

المبحث الرابع: كل ما يَكِرُّ على الأصل بالإبطال فهو باطل.

الفصل الخامس: قواعد في فقه الموازنات، وفيه تمهيد وثلاثة مباحث.

تمهيد.

المبحث الأول: مراعاة العامة أولى من مراعاة الواحد والاثنين.

المبحث الثاني: إذا ازدحم حقان على المال فإن أقواهما مقدم على الآخر.

المبحث الثالث: يرتكب أخف الضررين.

الفصل السادس: قواعد في التقريب والتغليب، وفيه تمهيد ومبحثان.

تمهيد.

المبحث الأول: الأصل الحمل على الغالب.

المبحث الثاني: ما قرب من الشيء له حكمه.

الفصل السابع: قواعد في الملكية.

تمهيد في بيان حقيقة الملكية وأسبابها.

المبحث الأول: من ملك ظاهر الأرض يملك باطنها.

المبحث الثاني: الأملاك لا تُزال من أيدي مالكيها إلا بأمر محقق لا شك فيه.

ثم ذيلت البحث بخاتمة جامعة لخلاصات وإفادات علمية ومنهجية، يمكن الاهتداء بها في ترشيد صناعة الفتوى والعمل النوازلي، والاستنجاد بها لتوسيع البحث في الموضوع من خلال مصادر نوازلية وفقهية أخرى بإذن الله تعالى.

من صعوبات البحث:

      من المعلوم أن البحث العلمي تكتنفه صعوبات منهجية وموضوعية وذاتية متفاوتة بتفاوت طبيعة البحث، ومساحته، وموضوعه، وأدوات إنجازه، وقد اعترضتني صعوبات في مسيرتي مع البحث منذ أن كان فكرة متداولة بيني وبين أستاذي المشرف، يمكن إجمالها في الآتي:

أولا: عدم وجود نسخة محققة تحقيقا علميا رصينا لكتاب المعيار، فما بين أيدينا من النسخ تخريج للكتاب من حيز المخطوط إلى المطبوع، وهذا ما جعل اعتمادي على متنه يزيد صعوبة، لكون فتاويه وكثيرٍ من مسائله تحتاج إلى رجوع مباشر إلى مصادرها الأصلية، وخاصة ما يتعلق بالأقوال والآراء الفقهية للمقارنة بينها وفهمها في سياقاتها المعرفية.

ثانيا: طول الكتاب، مما جعل عملية البحث عن القواعد تحتاج إلى نَفَسٍ طويل وتكرار للقراءة، فضلا عن تناثر القواعد الفقهية في أكثر من باب فقهي، مما حتَّم عليَّ إثبات نصوصها في المتن، مع كون كثير منها ضوابط فقط وليست قواعد بالمفهوم الواسع للكلمة.

ثالثا: وجود بعض البياضات في متن الكتاب، وهذا ما جعل بعض التطبيقات الفقهية لبعض القواعد غامضةً في مضمونها الفقهي، مما دعاني إلى إهمالها، باستثناء بعض النقول التي أثبتُّها لوضوحها وظهور معناها من سياقها.

كلمة شكر:

وبعدُ: فأتقدم بالشكر الجزيل والثناء الجميل إلى أستاذّي وشيخَيَّ المشرفَين على هذا العمل منذ أن كان فكرة كامنة، ورعياه إلى أن استوى على سوقه فأصبح ثمرة كاملة، تستحق أن تكون محور المناقشة والتقويم، فجزى الله أستاذي الدكتور خالد المقالي عن هذا العمل خير الجزاء، وأدامه ساهرا على المعرفة والعلم، وبارك في عمره وعمله، كما أتوجه بعبارات الشكر والتقدير والاحترام إلى أستاذي الفاضل الدكتور سيدي أحمد الزيادي حفظه الله، فمن عرفه عرف التقدير للباحثين، وتلمس منه قصده إلى إعانة الطلبة على الوصول إلى مقاصدهم العلمية وتحقيق مآربهم البحثية، فجزاه الله عنا جميعا خير الجزاء، وبارك الله في أعماله وجهوده وجعلها في ميزان حسناته.

والله أرجو التوفيق والسداد، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يقر به أعين السادة الدكاترة أهل النقد والفحص أعضاء لجنة المناقشة، ونافعا في بابه الباحثين والقارئين، اللهم أمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

وكتبه الطالب الباحث: محمد أبو علاء قاسمي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 [التوبة: الآية 122].

2 المنخول من تعليقات الأصول: أبو حامد الغزالي، حققه: محمد حسن هيتو، دار الفكر المعاصر-بيروت لبنان، دار الفكر دمشق، ط3، 1419 هـ -1998م، (ص: 59).

3 أنوار البروق في أنواء الفروق: شهاب الدين القرافي، عالم الكتب، بدون طبعة وبدون تاريخ، (1/ 2، 3).

4 أقصد بالتقعيد المباشر هو الذي يعمد صاحبه إلى تحرير القاعدة والتنصيص عليها صراحة، مثل صنيع من ألف في القواعد، كابن نجيم، والسبكي، والسيوطي والمقري، والونشريسي وغيرهم، أما التقعيد غير المباشر فهو بث القواعد الفقهية في ثنايا المؤلفات الفقهية وغيرها على جهة التطبيق والإعمال دون التنصيص عليها صراحة.

5 وسيأتي تفصيل مطول حول كتاب المعيار في الباب الأول من هذا البحث إن شاء الله.

6 إلا إذا عُدِم لفظها في الكتاب، فأُثبتها في متن البحث، وأذيلها بالدراسة المستوعبة، وأورد ألفاظها الواردة في الكتاب لتكون مبينة لها ومؤكدة لمضمونها الفقهي. وعدد القواعد التي أثبتها في متن البحث دون ورودها في المعيار ثلاثة فقط.

7 لعل الناظر في التوازن الكمي بين الباب الأول والثاني سيجدهما غير متوازنين، والأمر فيه راجع إلى طبيعة دراسة القواعد المستقرأة في الباب الثاني فمن الإجحاف الالتزام بهذا التوازن لأنه سيكون على حساب الدراسة القواعدية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *