القواعد الأصولية وتطبيقاتها عند الإمام شهاب الدين القرافي، من خلال كتابه ”الذخيرة”.

إنجاز:الدكتور الحاج المهدي باباخويا

أطروحة دكتوراه الدولة في الدراسات الإسلامية، تخصص الفقه وأصوله 

إشراف الدكتور محمد الروكي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية فاس-سايس، شعبة الدراسات الإسلامية،

جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس.

1423 ھ /2002 م.

مقدمة:

      تتناول الاطروحة تجربة علم من أعلام التجديد الأصولي والفقهي في المذهب المالكي، وهي تجربة شهاب الدين القرافي المتوفى سنة 684 هجرية، من خلال موسوعته الفقهية الموسومة ب”الذخيرة” والتي تعتبر من أمهات الفقه المقارن، إن على مستوى الفقه المالكي بمنهجيه العراقي والقروي، أو على مستوى فقه المذاهب الأخرى، وهي تجربة تشكل مشروعا تجديديا في المذهب المالكي، استوفى كل عناصر منظومة البحث الفقهي تنظيما وتأصيلا وتخريجا واستنباطا وتنزيلا، تبين للمجتهد الخطوات المنهجية التي ينبغي أن يعتمدها في مجال البحث الأصولي والفقهي، وقد اعتمد القرافي في هذه التجرية على الطابع التقعيدي، الذي جمع فيه بين الجانب النظري والجانب التطبيقي.  ولذلك كان عنوان الأطروحة: القواعد الأصولية وتطبيقاتها عند الامام شهاب الدين القرافي من خلال كتابه “الذخيرة”.

أولا: حدود البحث وأبعاده:

      تـنحصـر حـدود البحث وأبعاده في الكشف عن إسهام القرافي في مجال التقعيد الأصـولي والفقهـي تنظيرا، وتقعيدا، وتوظيفا.، ذلك أن الطابع العام الذي يطبع كتاب “الذخيرة” هو الطابع التقعيدي ولهذا عملت على:

1ــ استخراج القواعد الأصولية الموجودة في كتاب الذخيرة وتصنيفها تصنيفا أصوليا حسب مجال تخصصها، وذلك بالاعتماد على تصور القرافي لأصول الشريعة ذلك أنه قسمها الى قسمين:

ــ القسم الأول: وهو القواعد الأصولية المعروفة في أصول الفقه.

ــ والقسم الثاني: هو القواعد الأصولية الكلية والتي بناها على قانون المناسبة.

فالقسم الأول صنفته تبعا لطرق البحث الأصولي على الشكل الآتي:

ــ القواعد الأصولية الخاصة بالأدلة.

ــ القواعد الأصولية الخاصة بالأحكام.

ــ القواعد الأصولية اللغوية.

ــ القواعد الخاصة بلواحق الأحكام.

أما القسم الثاني والخاص بالقواعد الكلية فقد صنفته إلى صنفين

ــ القواعد الأصولية الخاصة بأسرار التشريع ومقاصده.

ــ القواعد الكلية الجامعة للفروع.

2ــ دراسة القواعد دراسة تكشف عقلية القرافي الأصولية مع بيان تطبيقاتها وقد تم ذلك بما يلي:

ـ أولا: الدراسة المصطلحية للقاعدة

ـ ثانيا: بيان معنى القاعدة وتصور القرافي لها

ـ ثالثا: تطبيق القرافي للقاعدة وبيان كيفية توظيفه لها مع إبراز وظائفها من خلال تطبيقاته العملية لها في مختلف الأبواب الفقهية..

ـ رابعـا: الكشف عن الأمور التي قلد فيها من الأمور التي أبدع فيها اعتمادا على المقارنة وذلك بالرجوع ما أمكن إلى الكتب التي صرح بأنه اعتمد عليها.

3ــ الكشف عن القضايا التي كانت تهيمن على تفكير القرافي وتوجه منهج بحثه في كتاب “الذخيرة”.

4ــ إظهار جوانب الجدة والابتكار في مجال البحث الأصولي والفقهي تقعيدا وتأصيلا.

5ــ الكشف عن القيمة العلمية للمنهج الذي اعتمده القرافي في مجال البحث الأصولي والفقهي.

ثانيا: محتوى البحث

      من خلال ما أسفر عنه المنهج من مادة علمية تم تقسيم البحث إلى مدخل وبابين ومقدمة وخاتمة. أما المقدمة فقد بينت فيها أهمية الموضوع، إن على مستوى المادة الفقهية أو على مستوى المنهج والتقعيد، ودواعيه والمنهج المعتمد فيه. وأما الخاتمة فقد رصدتها لما تحصل لدي أثناء رحلتي مع القرافي في “الذخيرة”. وأما المدخـل فقد خصصته للتعريف بكتاب “الذخيرة” وبمنهج القرافي فيه دون التعريف بالقرافي وظروف عصره السياسية والاجتماعية والعلمية لأمرين:

الأمر الأول: إن عنوان البحث يوحي بأن الدراسة ستهتم بالقواعد الأصولية وتطبيقاتها عند القرافي دون غيرها.

الأمر الثاني: إن الباحث عن سيرة القرافي وظروف عصره السياسية والاجتماعية والعلمية، يجد أنه وقع الاهتمام بهما لأنه من الأعلام المشهورين الذين حظيت شخصيتهم وعصرهم باهتمام الدارسين والباحثين وأصحاب المناقب والطبقات في القديم والحديث.

وعـلى هذا الأساس فإن ما يخص حياته وعصره وشيوخه وتلاميذه، لا يحتاج إلى المزيد من الكشف والتعريف. لهذين الأمرين اكتفيت بالتعريف ب “الذخيرة” وبمنهج القرافي فيها.

ففيما يخص التعريف بكتاب “الذخيرة” تناولت فيه النقط الآتية:

ـ اسم الكتاب وتوثيقه

ـ مصادره وكيفية التعامل معها

ـ أساس البحث وأبعاده

ـ أهمية كتاب “الذخيرة”

      أمـا منهج القرافي في كتاب الذخيرة، فقد بينت فيه كيفية عرضه للمادة الفقهية والخصائص التي تميز بها القرافي في منهج البحث، كما تناولت الفكر الأصولي عند القرافي، إن على مستوى المضمون والمنهج أو على مستوى الأصول أو الأدلة أو القواعد. وفي الأخير ختمت المدخل يجرد لأهم القواعد الأصولية الموجودة في الذخيرة “.

الباب الأول فقد خصصته لأهم القواعد الأصولية في الأحكام الشرعية وأدلتها، والتعارض والترجيح. وقد قسمته إلى ثلاثة فصول:

ــ الفصـل الأول: خصصته لأهم القواعد الأصولية المتعلقة بالأحكام وتطبيقاتها. وقسمته إلى ثلاثة مباحث:

ـ المبحث الأول: خصصته للقواعد المتعلقة ببيان خصائص كل نوع من أنواع الأحكام.

ـ المبحث الثاني: خصصته للقواعد الخاصة بالحكم التكليفي، فكشفت من خلاله تصور القرافي للحكم التكليفي على مستوى التنظير والتطبيق.

ـ المبحث الثالث: خصصته للقواعد المتعلقة بالحكم الوضعي، وبينت فيها أهم ما تميز به القرافي فيه عن غيره من الأصوليين.

ــ الفصـل الثاني: خصصته لأهم القواعد الأصولية المتعلقة بأدلة الأحكام، وقسمته إلى مبحثين:

ـ المبحث الأول: خصصه للقواعد الخاصة بالكتاب، وبينت فيه أهم ما تميز به العراقي فيها، إن على مستوى التنظير أو التطبيق.

ـ المبحث الثاني: خصصته للقواعد الخاصة بالسنة، وركزت فيه على القواعد التي جاء فيها القرافي بأشياء جديدة خاصة قاعدة أقسام تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم.

ــ الفصل الثالث: خصصته للقواعد المتعلقة بالتعارض والترجيح، وبينت فيه كذلك تصور القرافي لكيفية التعارض والترجيح. وقسمته إلى مبحثين:

ـ الأول خصصته لبيان التعارض والترجيح بين الأدلة، وكيفية الترجيح بينها.

ـ الثاني خصصته لبيان التعارض بين الأحكام وتصور القرافي لكيفية إزالته.

الباب الثاني: خصصته لأهم القواعد الأصولية الخاصة بالدلالات ومقاصد التشريع، وقسمته إلى فصلين:

ــ الفصل الأول: خصصته لأهم القواعد الأصولية الدلالية، وقسمته إلى ثمانية مباحث:

ـ المبحث الأول خصصته للقواعد المتعلقة بالأمر، وقد ركزت فيه على القواعد التي جاء فيها القرافي بالجديد تنظيرا، وتقعيدا، وتطبيقا.

ـ المبحث الثاني: تناولت فيه بعض القواعد المتعلقة بالنهي، وقد تعاملت معها كما تعاملت مع قواعد الأمر.

ـ المبحث الثالث: خصصته للعموم والخصوص، وبينت فيه كيف أن القرافي اهتم بالعموم اهتماما كبيرا على مستوى التنظير والتطبيق.

ـ المبحث الرابع: تناولت فيه قاعدة حمل المطلق على المقيد.

ـ المبحث الخامس: تناولت فيه قاعدة الأصل في الاستعمال الحقيقة.

ـ المبحث السادس: تناولت فيه قاعدة الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي.

ـ المبحث السابع: خصصته القاعدة المبتدأ يجب انحصاره في الخبر.

ـ المبحث الثامن: خصصته القاعدة الكلام إذا سيق لمعنى لا يحتج به في غيره.

ــ الفصل الثاني خصصته للقواعد المتعلقة بأسرار التشريع ومقاصده، وقد تناولت فـيـه أهـم القواعد التي كشف فيها القرافي عن مقاصد التشريع وأسراره، وبينت فيه كيف ارتقـى بها إلى مستوى القواعد الأصولية تنظيرا وتطبيقا، وقسمته إلى المباحث الاتية:

ـ المبحث الأول: خصصته لقواعد ارتباط الأوامر بالمصالح. وتناولت فيه القواعد الآتية:

القاعدة الأولى: عري الأمر عن المصلحة خلاف الأصل.

القاعدة الثانية: الأوامر على قسمين: منها ما تكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته، ومنها ما تكون صورة فعله غير كافية في تحصيل مصلحته.

القاعدة الثالثة: كل مأمور شق على العباد فعله سقط التكليف به، وكل ما شق على العباد اجتنابه سقط النهي عنه

ـ المبحث الثاني: خصصته لقاعدة: ارتباط النواهي بالمفاسد.

ـ المبحث الثالث: خصصته لقاعدة: دفع المشقة عن النفوس مصلحة ولو أفضت إلى مخالفة القواعد.

ـ المبحث الرابع: خصصته لقاعدة: كل تصرف لا يترتب عليه مقصوده لا يشرع.

ـ المبحث الخامس: خصصته لقاعدة: الأصل اعتبار الأوصاف المشتملة على الحكم، فإذا تعذر اعتبارها إما لعدم انضباطها أولخفائها، أقيمت مظنتها مقامها. ثم ختمت البحث بخاتمة بينت فيها أهم ما تحصل لدي أثناء رحلتي مع القرافي في كتابه ” الذخيرة “.

ثالثا خلاصة ما انتهى اليه البحث

      من خلال صحبتي للقرافي في تفكيره الأصولي والفقهي، تنظيرا، وتقعيدا، وتطبيقا، تبين لي أن هناك عناصر جديدة أضافها إلى مجال البحث الأصولي والفقهي، وعناصر أخرى تابع فيها البناء تستدعي البحث والدراسة، لأنني لم أوفها حقها، ولذلك وجب التنبيه إليها، وحت الباحثين على خوض غمار البحث فيها، لأنها -في نظري -تعتبر من أهم القضايا الأصولية التي ينبغي أن توجه إليها الجهود العلمية، وهذه العناصر يمكن إجمالها بما يلي:

ـ ربط الفروع بأصولها: إن قيام القرافي بربط الفروع بأصولها عمل لا زلنا نحتاج إليه في وقتنا الحاضر لتحقيق الأهداف الآتية:

ـ لتنقية الفقه وتهذيبه من الأقوال التي لا أصل لها.

ـ لمعرفة الأقـوال التي قالها العلماء بناء على مصالح ومناسبات تخص عصرهم وظروفهم. ذلك أنه توجد أقوال قالها العلماء لعلل، فرغم زوال هذه العلل لا زلنا نجد من يقول بها.

ـ إن تجاوز الفقه الفروعي السائد في أغلب كتب الفقه خاصة المتأخرة منها، لن يتأتى إلا بهذا المنهج الذي اعتمده القرافي في الكشف عن أصول مالك وقواعده.

ـ إن ربط الأصول بالفروع يمكن من تجاوز المنهجية الجافة التي تسود مجال البحث الأصولي الناتجة عن انفصاله عن الفقه، حيث صار علم الأصول هدفا بحد ذاته بعد أن كان وسيلة للتفقه واستنباط الأحكام، كما أصبح الفقه عبارة عن حفظ أقوال ونقول مبتورة عن أصولها، فصار الفقه مقطوع الصلة بأصوله ومجاله مما عطل حركة الاجتهاد الفقهي.

ـ إن اعتماد منهج ربط الفروع بأصولها، يمكن من الدراسة السليمة لأصول الفقه. مما يمكن من إيجاد الملكة الفقهية الاستنباطية المبدعة، التي تجعل الفقيه قادرا على الاجتهاد، ولذلك وجب البحث في جهود العلماء الذين مزجوا في مجال البحث الأصولي بين النظري والتطبيقي.

ـ إن المنهج الذي اعتمده القرافي في عملية التأصيل، وكشف القواعد، نحتاج إليه في عملية الإضـافة والتجديد في مجال أصول الفقه، فلقد رجع إلى المادة الفقهية واستقرأها، فكشف ما كشف وجدد ما جدد. ولذلك أقترح أن تكون الدراسات الأصولية كلها تهتم بالفقه وتستخرج منه القواعد الأصولية التي اعتمدها الأئمة في اجتهاداتهم وفتاواهم بدل العكوف على الكتب النظرية التي تدرس الأصول بشكل مجرد مفصول عن مجال تطبيقه. وهذا يمكننا من الإضافة والتجديد في مجال أصول الفقه.

ـ إن الاعتماد على القواعد الكلية في مجال التخريج والقياس، من الأمور التي ينبغي الاهتمام بها في مجال البحث الأصولي والفقهي، تنظيرا وتقعيدا، اعتمادا على قانون المناسبة الذي بنى به القرافي القواعد الكلية، لأن بها نستطيع جعل الشريعة تستوعب كل المستجدات والتطورات والتي لا يمكن أن يستجيب لها التخريج على المناسبات الجزئية.

ـ إن توسيع القرافي لدائرة الأحكام إلى كل أية أو حديث -خلافا للمشهور عند الفقهاء -من شأنه أن يوسع آفاق البحث الفقهي، ويعطينا فقها حضاريا واجتماعيا، نفقه به الحياة وسنن الله في الخلق. وهذا يستدعي الاهتمام بالآيات والأحاديث التي أخرجها الفقهاء من دائرة بحثهم واعتبروها عارية على الأحكام. والحق كما بين القرافي أن استنباط الأحكام لا یکاد تعرى عنه آية أو حديث.

ـ إن طريقة القرافي في تقعيد القواعد عن طريق المناسبات الكلية، جديرة بالاهتمام والدراسة للوقوف عند الياتها وبيان كيفية حدوثها، ليتم على ضوئها كشف القواعد التي تتحد مناسباتها، ومحاولة استكشاف قواعد أخرى والاستفادة منها في مجال تكوين الفقيه.

ـ إن القواعـد التي اكتشفها القرافي ينبغي اعتمادها في مجال تكوين العقلية الفقهية، كمـا يـنبغي تطبيقها لاستيعاب مستجدات الحياة وضبطها بضوابط الشريعة وقواعدهـا، ولذلــك وجـب التــنبيه إلى تشغيل هذه القواعد في مجال البحث الفقهي المعاصر، وهذا أمر يحتاج إلى جهابذة الفقهاء وعليتهم، كما يحتاج إلى تكاثف الجهود والقيام بالبحوث الجماعية، وهذا يحتاج كذلك إلى مؤسسات تحتضن هذا المشروع.

ـ من خلال توظيف القرافي للقواعد الأصولية، تبين كيف أنه كان يطردها في كل الفروع الفقهية والإشكالات العلمية، فكان يقبل نتائجها ولو أدى به الأمر إلى مخالفة غيره -ولوكان مالكا -رغم دفاعه عن مذهبه، لأن هذا الدفاع لم يكن دفاعا عن المذهب وإنما كان دفاعا عن القواعد وتطبيقاها. وعلى هذا الأساس ينبغي الاعتماد على القواعد وتحكيمها في جميع القضايا والنوازل وقبول نتائجها ولوكان فيها خروج عـما ألفه الناس، فبدون الخضوع للقواعد العلمية ابتداء وانتهاء -سيبقى العلم عرضة للغش والتلاعب والتطويع والتوجيه والخضوع لمؤثرات غير علمية-.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *