الفكر السنني وأثره في ترشيد العقل المسلم من خلال كتاب فقه الدعاء للأستاذ الدكتور إسماعيل الحسني

إنجاز الدكتور مصطفى فاتيحي.

تقديم:

      واليوم نشهد بشكل جلي عمق الأزمة وتجذرها، واستحكامها في عقول الناس ووجدانهم، ولقد ظهر ذلك في عدم الاقتدار على التمييز بين وظيفة الدعاء في زمن الجائحات وبين لزوم اتخاذ الأسباب والتزام الحيطة والحذر، فبدا الأمر وكأن بينهما تنافرا وتقابلا.

       فكنا مرة أخرى مع أفهام مغلوطة وتأويلات كليلة صادمت بين الحاجة إلى الدعاء كموقف إيماني راسخ، بحيث نرتبط من خلاله برب الأسباب جل وعلا، وبين وجوب وتحتم اتخاذ الأسباب باعتبارها جملة من القوانين والنواميس المبثوثة في كل زوايا الكون وجزئياته، وذلك من مسؤولية الإنسان المستخلف المكلف ببذل منتهى الجهد، واستفراغ الوسع في ركوب تلك النواميس وتسخير معطياتها لصالحه.

      وإذا كانت المناسبة شرط ولكل مقام مقال يصبح التعريف بالمؤلفات الهادفة إلى بناء الوعي واجب الوقت، لا سيما تلك التي اتسمت بالنظر الاستشرافي، من ذلك ما قدمه الأستاذ الحسني في كتابه الموسوم بـ” فقه الدعاء في القرآن الكريم نظرات في آيات الدعاء ” حيث تتبع موارد الآيات التي اشتملت على الدعاء واقفا عند السياق والمقام، يستخلص العبر والدروس ويستخرج الحكم والأحكام والدرر والنوادر.

      وهو مسلك يعد من مجالات التجديد في التفسير؛ لأنه يقوم على القراءة النسقية والتناول البنيوي من داخل تربة القرآن الكريم، فتتعاضد المعاني وتتكامل المباني على تحقيق المقصود، بما يحقق تجاوز النظرة التجزيئية القاصرة المنتجة للتنافر وتوهم التعارض.

الإشكالية الرئيسة للكتاب:

      يسعى الكتاب إلى الاشتباك مع إشكال حقيقي وجلي يتمثل في مستوى الجمع المكلف بين نزوع المؤمن إلى الأخذ بالسنن عند نزول النوائب المختلفة، فيبتعد عن العبثية والإهمال، وبين التشبع المستمر بالنظرة الإيجابية، التي تجنبه السقوط في متاهات اليأس من روح الله والقنوط من رحمته.

     ويصرح المؤلف أن هذه الإشكالية رافقته طوال دراسته لآيات الدعاء في القرآن الكريم. فقد تبين له ” أن الثقة المطلقة في الله لا تغني عن تحمل الداعي مسؤوليته في فهم واقعه وتدبير مشاكله، أعني أن الدعاء لا يلغي كدح الإنسان ودوره، كما لا يشل الدعاء عقله، ولا يجمد طاقاته في فهم أسباب الظواهر التي تطرحها حركة الواقع. كما أن سعيه إلى الكشف العلمي عن النواظم المتحكمة في حركة واقعه، محدود في معظم الأحوال بسقف محدد، نعم لا شك في ذلك، ولكن محدودية السقف المعرفي والتاريخي لا تغلق أبواب الرجاء والأمل في إيجاد الحلول للمعضلات التي تفرزها حركة الواقع ومستجداته. (ص 19).

أهمية الموضوع:

      يبين الدكتور إسماعيل الحسني أن أهمية الموضوع لا تنحصر في نوع الإشكالية التي يطرحها، وإنما تمتد هذه الأهمية أيضا إلى انطواء آيات الدعاء في القرآن الكريم على كنوز علمية، لعل أهمها التنبيه إلى شروط الدعاء، والتنصيص على كثير من آدابه. من ذلك ما ورد عند الشيخ رشيد رضا ( من خالف في دعائه سنن الله في خليقته أو في شريعته فهو غير جدير بالإجابة، بل هو سيئ الأدب مع الله تعالى؛ لأنه يدعوه لأن يبطل لأجله سنته التي لا تتبدل ولا تتحول أو ينسخ شريعته بعد ختم النبوة وإتمام الدين). (ص 47).

      وعليه تكمن أهمية الكتاب وموضوعه في إسهامه في ترشيد العقل المسلم من خلال مدخل مهم وهو الدعاء، خصوصا إذا استحضرنا العلاقة الوجدانية التي تربطنا بالدعاء، ولا ريب أن التفاعل الوجداني مع أي فكرة يعطيها من الرسوخ ما يجعل اقتلاعها ليس بالأمر الهين.

ــ وأيضا القراءة النسقية لموضوع الدعاء في القرآن الكريم.

ــ استنبات الثقافة السننية والوعي السنني في تربة القرآن.

ــ الرقي بموضوع الدعاء من الطرح الوعظي إلى الممارسة الفكرية المسؤولة والواعية.

ــ ارتباط موضوع الدعاء بالتزكية بمفهومها الشامل ( تزكية الفكر تزكية الوجدان وتزكية السلوك).

محتويات الكتاب:

      عالج الأستاذ الإشكال المشار إليه آنفا من خلال مقدمة بسط فيها رؤيته للموضوع، ثم تتبع مواضع ورود الدعاء في سور القرآن الكريم من سورة الفاتحة إلى سورة الشعراء، وكان في كل سورة من تلكم السور يضع عنوانا دالا ومعبرا يلخص فيه موضوع الدعاء وقضيته وأبعاده التربوية والمنهجية، فجاءت تلك المواد منسجمة متكاملة يأخذ بعضها بحجز بعض، ثم وعد بإتمام باقي السور في جزء ثان.

منهجية الكتاب:

      يتسم أسلوب معالجة هذا الموضوع بالسمات الآتية:

ــ العمق والوضوح: أسلوب سلس بعيد عن التقعر مع العمق في الطرح والتناول.

ــ النفس الاستشكالي: بحيث نجد الأستاذ الحسني ينأى عن الطريقة التقريرية وإلقاء الأحكام، ويسعى إلى اعتماد مقاربة سجالية تحليلية استشكالية، وهو مسلك ينم عن الانهمام بالقضايا الحارقة ومكابدة قلق السؤال، بشكل مستمر.

ــ الخلفية المقاصدية والأصولية: لا تخطئ عين القارئ استثمار الأستاذ لتكوينه المقاصدي مستحضرا القواعد الأصولية من استقراء ومراعاة للمقام والنظر الكلي، وهو مهيع محمود الغب مأمون النتائج.

ــ مصادر الكتاب ومراجعه: كعادته في كل كتاباته يحرص الأستاذ الحسني على النهل من المصادر التراثية الوازنة والمراجع المنهجية المعاصرة، مع حس نقدي جلي وشخصية علمية بارزة في التقويم والاستدراك والإضافة والإفادة.

خلاصة:

      وبالنظر إلى ما سبق فإن هذا الكتاب يعد إضافة نوعية إلى المكتبة الإسلامية ضمن الكتابات الرامية إلى ممارسة الاجتهاد والتجديد عوض الاكتفاء بالتغني بوصف محاسنهما والأمل في ممارستهما.

      وتحتاج مثل هذه الكتابات إلى التفاعل البناء معها تقويما وتسديدا وبناء، من أجل تحقيق نقلات نوعية تمكن من تقديم العلاجات القمينة باقتلاع الداء المستشري في الجسد من أصله وجذوره.

      ما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه الكتب الوازنة التي تسهم في تحقيق الأمن الفكري من خلال المداخل الحقيقية، تجنبا لكل أشكال الغلو أو التطرف من أي جهة كان.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *