الفكر السنني وآفاق النهوض الحضاري

 الأستاذ الدكتور رشيد كهوس

حاوره الدكتور محمد قاسمي والدكتور مصطفى فاتيحي

      ولتنوير القراء والباحثين حول هذا الموضوع وبيان آفاق البحث فيه، يسرنا أن نحاور أحد الخبراء في هذا الميدان الذي قدم جهدا معتبرا وواعدا ــ بحثا وتنقيبا وجمعا وتنظيرا ــ وهو الدكتور رشيد كهوس.

ــ دكتوراه في التاريخ: (تاريخ الإسلام وحضارته)، (كلية الآداب ــ وجدة .)

ــ أستاذ بكلية أصول الدين بتطوان ــ التابعة لجامعة القرويين سابقا ولجامعة عبد المالك السعدي حاليا/ المغرب.

ــ منسق “ماستر العلوم الإسلامية: مناهج الاستمداد وآليات التجديد”، بكلية أصول الدين بتطوان.

ــ عضو مركز دراسات الدكتوراه العلوم العقدية والفكرية في الغرب الإسلامي.

ــ عضو محكم لدى مجمع الفقه الإسلامي بالهند.

ــ عضو محكم لدى الجمعية الدولية للعلوم والثقافة بالسويد.

ــ رئيس تحرير (مجلة المدونة) المحكمة الصادرة عن مجمع الفقه الإسلامي بالهند.

له العديد من المؤلفات منها:

ــ السنن الإلهية في السيرة النبوية، الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة، دار السلام بالقاهرة، 2017.

ــ العمران الإسلامي دراسة تأصيلية في ضوء القرآن والسنة، دار الحكمة-مصر، ط1: 1434هـ-2013م.

ــ بناء الأسرة في الإسلام: المنطلقات والأحكام، منشورات مجمع الفقه الإسلامي بالهند، إصدار دار الكلمة بمصر، ط1: 1440/2019.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1ــ في البداية دكتور هل لكم أن تبينوا لنا كيف تشكل لديكم الاهتمام بهذا الموضوع؟

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وآله وصحابته أجمعين.

      أما بعد: ففي البداية أتقدم بجزيل الشكر إلى الدكتورين الفاضلين مصطفى فاتيحي ومحمد قاسمي على استضافتي في هذا الحوار حول موضوع من أهم موضوعات العصر. وهو موضوع (السنن الإلهية) الذي بدأ اهتمامي به لما كنت طالبا بسلك الإجازة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة، حيث كان أحد أساتذتنا الفضلاء (وهو الدكتور محمد منفعة-بارك الله في صحته وعمره-) الذي درسنا مادة التاريخ، كان يركز كثيرا في محاضراته على السنن الاجتماعية ويوجه أنظارنا إلى البحث فيها ودراستها، هذا فضلا عن استفادتي من المكتبة السننية لمؤسسة الندوي للدراسات والأبحاث العلمية التي فتحت مكتبتها أنذاك للباحثين، فاستفدنا كثيرا من التوجه السنني لمديرها وما ألفه في هذا المجال من دراسات سننية رصينة.

     فمن هناك بدأ اهتمامي وشغفي بهذا العلم، حتى كتبت فيه أول دراسة سننية بعنوان: (تأملات سريعة في واقع الأمة الإسلامية)، ثم بعد ذلك زاد اهتمامي أكثر حتى أنجزت فيه رسالتي للدكتوراه (شعبة التاريخ)… ثم توسعت مشاريعي العلمية السننية أكثر عندما التحقت بكلية أصول بتطوان؛ حيث أسست فريقا للبحث في السنن الإلهية، وشجعت الباحثين على المضي فيها حتى أصبحت من المواد المدرسة بالكلية بسلكي الإجازة والماستر، ومن التخصصات التي يميل إليها كثير من الباحثين بالكلية لإنجاز بحوثهم للإجازة ورسائلهم العلمية في الماستر والدكتوراه.

2ــ لو تفضلتم أستاذ بوضع تعريف للفكر السنني حتى يساعد على استيعاب ما يلي من قضايا.

      قبل أن أعرف الفكر السنني لابد من التعريف بالسنن الإلهية. فالسنن الإلهية هي: إرادة الله الكونية، وأوامره الشرعية، وأفعاله المطلقة، وأحكامه القدرية في وقائع الاجتماع البشري، وكلماته التامات، ووعوده الحقة، وحكمته في آفاق الكون وتسلسل التاريخ، الجارية بالعباد من المعاش إلى المعاد..

      وبتعبير آخر: هي المنظومة السننية الحاكمة لصيرورة العمران البشري، الناظمة لحركة الاستخلاف الإنساني والوجود الكوني وسير المجتمعات عامة، ولسلوك الإنسان وحركته في المجتمع، وصيرورته في عالم الشهادة الدنيوي، وفاعليته في التاريخ خاصة.. التي تهدف إلى إصلاح الإنسان –فردا ومجتمعا وأمة- في المعاش وإسعاده في المعاد، وتحقيق شهوده العمراني على الأمم.

      أما الفكر السنني فهو ما أنتجه العقل المسلم عبر التاريخ في السنن الإلهية، وذلك من خلال تفاعله مع نصوص الوحي ونظره فيها وفي الآفاق، وسيره في الأرض واستنطاقه للتاريخ، وفقهه للواقع وفهم مجرياته.

3ــ ما هي برأيكم أسباب انحسار الثقافة السننية في واقع المسلمين؟

إن أسباب انحسار الوعي السنني في واقع المسلمين متعددة، وأجمل أهمها فيما يلي:

ــ غلبة الجمود على عقل المسلمين:

      إن الجمود مع التقليد يوقف حركة العقل الذي أنيط به التفكر والنظر والتدبر، ذلك بأن غلبة الجمود الفقهي والكلامي والفكري الذي ران على العقل الجمعي للأمة، ففرقها مذاهب ومزقها شيعا، وأوقعها فيما وقع فيه من سبقها من الأمم التي تفرقت شذر مذر، فضعفت واستكانت وذهب ريحها، فأدى بها ذلك إلى الاشتغال بالجزئيات والأمور الهامشية والقضايا الفروعية على حساب الكليات والقضايا الأصولية، ومنها الفقه الأكبر، فقه الحضارة أو علم السنن الإلهية، الذي لم يحظ بالعناية اللائقة به..

ــ التقليد الأعمى:

       لقد ربط القرآن المجيد الجمود وموت المنطق بالتقليد الأعمى الذي تراكم في العقل الجمعي السَّلبي للكفار في الآية الكريمة: ﴿إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23]، نعى على المقلدين الأخذَ بآراء من سبقهم من آبائهم دون بحثٍ ولا تمحيص…

      وعليه، إن التقليد هو السبب الثاني في انحسار الثقافة السننية، حيث تم استدعاء آراء قديمة إلى واقعنا المعيش لم تكن صالحة حتى في عصرها، فبالأحرى في عصرنا هذا الذي شهد تحولات عميقة، وواجه تحديات اجتماعية وحضارية وسياسية وقيمية..

      إن الإصرار على فهوم ضيقة وآراء شاذة فرضتها ظروف تاريخية معينة هو استلاب الحاضر لمصلحة الماضي، ومصادرة الزمن لمصلحة فترة معينة.

      وهكذا فإن التقليد مضاد للسنن الإلهية، فهو يثبط الهمم ويعطل العقول عن إدراك حركة الحياة ومسايرة الزمن وفهم مستجدات العصر..

      إن هذا الشلل الذي أصاب العقل المسلم وحال بينه وبين التفكير،  أدى إلى الإعراض عن الفكر السنني والغفلة عنه، وتقليد الآباء، واتباع الأهواء.

     وعلاوة على ذلك فإن تمسك هؤلاء بدلالة الألفاظ على حساب المعاني، واستماتتهم في الوقوف عند عبارات المتقدمين، وأخذهم بالشاذ من الآراء، وعكوفهم على قضايا جزئية لا تنفع الأمة في شيء، واختزالهم الدين في أشكال ومظاهر خرجت به عن جوهره الحقيقي في كونه دينا يسعى إلى صناعة الحياة في سبيل الله على منهاج سنن الله.. حجب عقولهم ومداركهم عن المعرفة السننية الكلية، وخلط سلم الأولويات عندهم، فانقلبت الضروريات هامشيات، والعكس كذلك.

ــ الواقع المتردي:

      يتجلى هذا الواقع في التبعية العمياء للغرب، وغياب القيم الروحية، وانتشار الثقافة الانحلالية التفسخية، واعتماد المناهج الغربية في العلوم الاجتماعية والإنسانية وفي النظر والتحليل والدراسة، إضافة إلى وحدة الأمة الغائبة، والتعصب المقيت للمذاهب، والاستماتة في التمسك بدين الآباء الموهومين، واستحكام لوثة التكفير في الأمة، وارتكاس الأمة في وهدة التخلف، والظلم الاجتماعي أو غياب العدالة الاجتماعية؛ -حيث أصبح هم الإنسان ما يعيل به أسرته، وما يجلب به حقوقه في الحياة-… كل هذا وغيره شغل الأمة عن الاهتمام بقضاياها الكبرى، وبالقضية الكبرى: فقه الحياة والحضارة والنهضة: السنن الإلهية.

ــ العقائد الإرجائية والجبرية الفاسدة:

      حيث دخل على المسلمين في عقيدتهم ما ليس منها، وتسرب إليها ما لا يتصل بأصلها.

      وقد أخذ بعضهم بمخلفات من عقائد الجبرية والمرجئة، من نحو أن العبد مجبر على أفعاله، لذا فهو لا يؤاخذ على ترك الفرائض ولا اقتراف الذنوب والسيئات والآثام… وقد أدت هذه العقائد الفاسدة إلى القعود والتقاعس عن العمل والمسارعة للخيرات،  والابقاء على العقل المسلم في قاعة الانتظار، كما أدت إلى عدم البحث في السنن الإلهية التي تخضع لها سائر الكائنات.

      ويضاف إلى ما تقدم اعتقاد العبث واللعب في الوجود؛ ويتجلى هذا في عدم رؤية النظام السنني الذي أقام عليه الله الكون والحياة، وأخضع له جميع الكائنات، وعدم رؤية علاقة الإرادة الإنسانية بالسنن الإلهية…

      ومن ثم فإن الذي يغيب عن هذا الارتباط الوثيق بين مكونات الكون، وهذا النظام السنني الذي يسري وفقه الكون والحياة والحياء، لا يمكن أن يقدر المسؤولية الدنيوية، ولا المسؤولية الأخروية. وصدق الله تبارك وتعالى حيث يقول: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين) (الدخان: 38). ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا) (المؤمنون:115).

ــ انصراف المسلمين عن طلب العلوم الدينية والكونية:

      إن إهمال المسلمين لعلوم دينهم ودنياهم والنظر في أقوال أسلافهم، وانصراف الطلاب عن ذلك أو يكادون، فتجدهم لا يقرأون من الكتب الدينية إلا مختصرات مما كتبه المتأخرون، لا ترقى بهم إلى تصحيح مقدمات العلوم، وضبط أصولها وأدلتها، وتمييز صحيحها من سقيمها.. وهم فوق ذلك إنما يحفظونها دون فهم، ويتلقونها بالتسليم، كأنها الوحي، ويعتبر علم السنن الإلهية من أهم العلوم الدينية والكونية التي تعرضت للإهمال من قبل المسلمين.

     إن أمة اقرأ لا تقرأ، ذلك بأن نسبة الأمية في العالم الإسلامي تزيد على 46% -حسب إحصائيات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم-، وبذلك لم يعد العلم يشكل أولوية في قاموس المسلمين، ومن الطبيعي أن ينتج عن هذا الجهل والخرافة والأوهام، والاهتمام بالشكليات على حساب الكليات، وبفروع الدين على حساب جوهره ومقاصده وسننه الكلية. فأدى بهم ذلك إلى المروق من الدين والانسحاب من الدنيا.

      وتأسيسا عليه، فإن اكتشاف السنن الإلهية واستنباطها من الكتاب المسطور (القرآن الكريم) والكتاب المنظور (الكون) لا يتم إلا بالعلم، ذلك بأن الوحي القرآني أكد في أكثر من موضع أن السبيل إلى سبر أغوار الكون والوقوف عند سنن الله فيه، وتعرف أسرار القرآن الكريم واستنطاق آياته لاستنباط المنظومات السننية التي قررها الوحي، لا يكون إلا بنور العلم. (لأولي الألباب) (لقوم يعقلون) (لقوم يتفكرون)…

      والحاصل أن المسلمين لم يكونوا على مستوى الأمر الإلهي(اقرأ) الذي ربط بين قراءة الكتاب المنظور (الكون) وقراءة الكتاب المسطور (القرآن)، فجعل القراءة باسم الله الذي خلق الإنسان من علق والذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم، فلم يفد المسلمون لا من قراءة المسطور ولا من قراءة المنظور، فجهلوا السنن الإلهية التي تحكم الحياة، وتوقفوا عن النظر والقراءة الواعية للوحي والسير في الأرض استنباطا لسنن الاجتماع والعمران الحضاري.

      لذلك فنحن في حاجة إلى القراءتين معا؛ قراءة باسمه تعالى عبر التعلق بقدرته المطلقة في الحركة الكونية والآفاق، وهي قراءة سننية كونية شاملة لآثار القدرة الإلهية وصفاتها، وأوامره التكوينية، وعظمته وربوبيته، وبديع صنعه، وتناسق نظامه الكوني، قراءة خالصة لقدرة الله تعالى في كتابه المنظور (الكون)، وفي بديع خلقه للإنسان في أحسن تقويم، (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق) (العلق: 1-2)..

     وقراءة ثانية بمعيته (اقرأ وربك الأكرم) وهي قراءة في عالم الصفات التي تتجلى في الخلق، وفي الكون الذي سخره للإنسان، وفي العلم الذي أكرم الله به الإنسان، فالله تعالى هو مصدر العلم والمعرفة؛ فهو الذي هيأ الإنسان بجميع الحواس والملكات والقدرات والطاقات الملائمة لإدراك المعلومات وتصور الحقائق والمعاني، وهو الذي يفتح لمن شاء من عباده من مغلقات الأسرار في الوجود.. وهي قراءة لتجليات السنن الإلهية في حركة المخلوقات والمكونات وتفاعلاتها.

     وبناء عليه؛ فإن السنن الإلهية تدعونا أن ننهض بعد طول رقاد، ونزيح عنا ظلمة الجهل والأمية والأوهام التي حجبت عنا رؤية المعرفة والحقيقة قرونا طويلة، ولن تتبدل أحوال المسلمين إلا طبقا لسنن الله في التغيير: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)(الرعد: 11).

ــ النظر التجزيئي وغياب الرؤية الكلية:

       إن  غياب الرؤية الكلية والنظر التجزيئي النصفي في نصوص الوحي أدى إلى التجني على العظمة الإعجازية للقرآن الكريم والسنة النبوية، وسننهما الكلية.

     إن سيطرة النظرة الجزئية، هي التي حالت دون الانتفاع بالهدايات السننية في الوحي الإلهي، وحولت الدرس القرآني إلى مماحكات لغوية وكلامية، وجدليات فقهية عقيمة، وآراء شاذة خرجت به عنه مقصد الكلي.

     لقد ركزت الدراسات القرآنية على جانب ضيق من علوم القرآن والتفسير -(باستثناء بعض الجهود لأفراد الأمة)-، وألفت فيه مجلدات طوال، وشروحات كثيرة، وإن كانت له أهميته، لكنها أغفلت جانبا مهما والذي يمثل أزيد من 90 % من آيات القرآن الكريم تحث العقل المسلم على النظر والتدبر والقراءة المقاصدية الحضارية الواعية للكون والسير في الأرض والتوغل في التاريخ، واستنطاق آيات القرآن الكريم وأخذ العبرة من الأمم الغابرة واكتشاف سنن الاجتماع والعمران الإنساني وامتدادها في مسار التاريخ، وغير ذلك.. وكان من نتائج ذلك الفصل النكد أن غاب الوعي السنني، وارتفع نسبة المية (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) (البقرة: 78)، فهم يرددون آياته دون أن يدركوا لها معنى أو مغزى، حيث يقتصرون على ما يتلقى عليهم، دون النفاذ إلى عمق الآيات وأسرارها ومغازيها.

ــ التراكمات الفكرية والحضارية والسياسية:

      إن هذه التراكمات التي امتدت من زمن الفرق والصراعات السياسية إلى اليوم، أو تلك التي خلفها الاحتلال الأجنبي لبلدان المسلمين وغزوه الفكري لعقولهم، كانت عاملا مهما في إبعاد المسلمين عن التعامل الصحيح مع الوحي الإلهي قرآنا وسنة؛ فواقع اليوم هو نتيجة لتراكم مآسي الأمس، وما خلفته من آثار على مسار الأمة وعقلها، وتفاعلها مع نصوص الوحي.

      خلاصة القول: إن العقل المسلم في أمس الحاجة إلى إعادة تشكيله وإنقاذه من براثن الجمود والتقليد والفكر التجزيئي الموغل في الفروعية المتشظية، وانتشاله من أوحال الواقع المتردي، وتحريره من آثار الغزو المترسبة فينا، المتراكمة طبقا عن طبق على ركامنا التقليدي. وتأسيس وعي الإنسان  بالفقه السنني الكلي ومساعدته على مطابقة حركة حياته في تفاصيلها وجزئياتها اللامتناهية مع معطيات هذه السنن الإلهية ومتطلباتها ، وأن لا يناقضها أو يصادمها، أو يحاول تعطيل الوظيفة التسخيرية لأية مفردة من مفرداتها السننية التي ناط الله بها أمرا من أمور الحياة الكونية والبشرية، وسلوك الإنسان وتصرفاته.

      ذلك بأن الضرورة تشتد أكثر إلى علم السنن الإلهية للتهذيب النفس وإصلاح الإنسان وبناء المجتمعات وصياغتها من جديد.

      إن هذه المنظومة السننية الكلية المتوازنة الأبعاد، هي الدليل المعرفي والمنهاج العملي الصحيح الذي يقود حركة الإنسان في الأرض نحو التوافق الذاتي، والانسجام الاجتماعي، والتكامل الحضاري والكوني، والشهود العمراني.

      إن تجاوز الأسباب التي أدت إلى غياب الفكر السنني عن العقل المسلم ووعيه قمين بإعادة بعث هذا العلم القرآني الرائد، والرؤية القرآنية الكلية، وتفعيله على أرض الواقع، والذي سيسهم لا محالة في بناء عقل علمي منهجي مقاصدي، وتقديم معارف وقيم ونماذج وحلول جديدة لمشكلاتنا المعاصرة.

4ــ وما هي مظاهر هذا الانحسار؟

تتجلى هذه المظاهر فيما يلي:

      طغيان الفقه الفروعي: إن المتتبع بطريقة استقرائية لحركة التأليف عبر التاريخ يجد أن الفقه الفروعي قد تضخم كثيرًا، وتوسعت مذاهبه وتفرعت أبوابه بشكل استقصائي زاد حتى عن الحد الطبيعي، وبالمقابل لا نجد لفقه عظيم كفقه السنن الإلهية إلا إشارات قليلة في كتب المتقدمين، بل نكاد لا نجد أي جهد واضح يذكر لكثير من الأعلام الكبار بالرغم من علو كعبهم في الفهم والمدارسة والاستقصاء… فالفقه المتعلق المجتمع البشري لم يتعد فقه الأسواق والعلاقات الاقتصادية الشعبية كقضايا المزارعة والرهن والسلم.

      أما الفقه الاجتماعي الحضاري الذي يعالج القضايا الكبرى الأمة قضايا العدالة الاجتماعية، والقيم السياسية، وقوانين الاجتماع البشري، فيكاد أن يكون غائبا، وما ألف في هذا المجال معدود جدا.

      ذلك بأن غياب الرؤية الكلية وسيطرة النظر التجزيئي في نظرنا في نصوص الوحي أدى إلى الامتداد والاستمرار والتعمق في الفقه الفروعي النظري وتضخمه، سواء في ذلك الفقه الذي يسير خلف المجتمع ويكتفي بالحكم على تصرفاته بالحلال والحرام، بدلَ أن ينزل إلى الواقع فيُصبغه بفعل الحلال ومنع الحرام، ويصنع حياة الناس في سبيل الله، أو الفقه الذي خرج من الحاضر والمستقبل، واستغرقه التنظير بالفراغ بعيدًا عن معالجة القضايا المصيرية الكبرى للأمة ومشكلاتها الاجتماعية والحضارية والسياسية الحقيقية.

      كما أن الجمود والخمود والتقليد والانكماش والتضييق أدى إلى العقم الفكري، وعطالة العقل المسلم عن النظر والتفكير، وتوقف حركة التجديد والاجتهاد، وعزل العلوم الإسلامية عن الواقع، فهي في ضفة والواقع في ضفة أخرى، هذا فضلا عن آفة التكرار والاجترار الناتجة عن هذا الجمود والتقليد؛ حيث نلاحظ ذلك بشكل كبير في بعض العلوم الشرعية (كالفقه والتفسير وعلم الكلام مثلا) على حساب علوم أخرى..

      كما أن الواقع المرير والوضع المتردي للأمة أسفر عنه اليأس والإحباط والقنوط الذي أصابها، وذلك جراء  الفساد السياسي والخلقي والاجتماعي والخذلان والهوان الذي تعرضت له، أدى بها إلى الاعتقاد أنه ليس بعد هذا الشر إلا الشر، وأن ما نزل بها من الضر لا كاشف له، وأن ما وقع فيه الناس من الفساد، وما مني به الدين من الكساد، وما عرض له من العلل، لا فائدة في السعي لإصلاحه والبحث عن عوامل تغييره..

     أما البدع العقدية من الجبرية والمرجئة والعبثية والمراهقة الفكرية فقد أدت إلى الهزيمة النفسية وإصابة الأمة في مفاصلها بالشلل، وفي عقلها بالعطب، وفي رحمها بالعقم.

     كما أن انتظار السنن الخارقة والتواكلية أدت إلى تنكب المسلمين عن الأخذ بالأسباب، والعدول عن سنن النهوض والازدهار الاجتماعي، وعدم التفاعل من نصوص الوحي، فنتج عن ذلك الانحسار والوهن الحضاري والعجز عن الإفادة من الإمكان الحضاري والتغيير الاجتماعي..

    ونتج عن جميع ما تقدم تراجع قيم وزحف أخرى؛ تراجعت القيم الإسلامية الحقيقية لصالح القيم الغربية المادية، وتراجعت قيم الأمة لصالح قيم الفرد والأنانية، وتراجعت قيم العدل لصالح قيم الاستبداد والظلم…

5ــ كيف يمكن للبحث في الفكر السنني أن يسهم في تجديد العلوم الإسلامية؟

      إن التجديد لا يعني إلغاء العلوم الأخرى، أو تعطيلها عن وظيفتها، وإنما يعني الرجوع إلى التلقي من الينابيع الأولى والعودة إلى الجادة المستقيمة، ونفي ما يمكن أن يلحق بالتدين من علل، وبمناهج العلوم من خلل ناشئ من تجمد العقل المسلم على فهوم واجتهادات بشرية جاءت لمعالجة مشكلات عصر معين، ذلك بأن من المسلم به أن صواب اجتهادات معينة لعصر معين لا تعني بالضرورة صوابها لكل عصر.‏

     وتأسيسا عليه؛ فإن إسهام الفكر السنني في تجديد العلوم الإسلامية يتجلى في أنه ينقلها من الرؤية التجزيئية التبعيضية إلى الرؤية الكلية الشمولية، ومن الاشتغال بقضايا لفترة تاريخية مضت، إلى الاشتغال بقضايا العصر ومستجداته ومشكلاته، ومن الغياب عن الواقع إلى الحضور فيه ومعاجلة مشكلاته..

     ففي الفقه مثلا الذي انحبس في خمسمائة آية -وهي آيات الأحكام- وما ورد في بيانها النبوي، ينقلها الفكر السنني من هذا النظر الجزئي إلى النظر الكلي في رحاب القرآن الكريم والواسع، والسنة النبوية الغراء، وتحريك العقل المسلم للتفكير والنظر من أجل مواكبة امتداد الحياة وتشعبها، ونمو الأمة وامتدادها، والإجابة عن أسئلة الحياة المتعددة..

    هذا علاوة على أن الفقه السنني يجمع بين الجانب التعبديّ (فقه الأحكام)، وضبط السُّلوك الإنساني وحركته الاجتماعية (فقه الحياة-فقه الأمة)، وفق نظامٍ سُنَنيٍّ دقيق…

     أما في السيرة النبوية فإن المنهج السنني للاستمداد من السيرة الخالدة يقتضي الانتقال بها من المنهج السردي إلى المنهج التحليلي الاستقرائي الاستنباطي يتتبع وقائعها ومفرداتها، ويستنطق أحداثها في وحدة موضوعية واعية متناسقة البدايات والنهايات والمقدمات والنتائج والعلل والمعلولات من أجل اكتشاف بصائرها اللطيفة وهداياتها السننية وأبعادها المقاصدية وخصائصها الرسالية البلاغية للإنسانية، وأسرارِها الربانية ومعانيها السامية التي بُعث من أجلها منقذُ البشرية صلى الله عليه وسلم.

     كما أن الفكر السنني ينقل علم الكلام من الجمود والتقليد لمقولات جدلية موروثة إلى التجديد والإحياء ومواجهة المستجدات المعاصرة: كالإلحاد، والعلمنة، والتغريب، وغيرها..

     هذا فضلا عن إسهامه الكبير في تجديد الدرس القرآني، ذلك بأن علوم القرآن هي أقرب للتأريخ للقرآن منها إلى فهمه واستنطاق آياته واستنباط هداياتها السننية والاجتماعية والقيمية والحضارية..، ومن ثم فإن التفسير السنني للقرآن الكريم يسهم إسهاما كبيرا في تجديد علوم التفسير والقرآن.

     أضف إلى كل ما تقدم أن النظر الكلي الذي يعتمده الفكر السنني يهدف إلى الانتقال من تحقيق النص وأثره في الإنجاز التاريخي إلى التفكير بآليات وكيفيات إعمال النص في الواقع وتنزيله في الحياة.

     ومن تقديس التراث والاعتزاز به إلى استنطاقه ليجيب عن أسئلة الحاضر ومشكلاته ويبصر بالمستقبل. ومن السير خلف المجتمع والحكم على تصرفاته، إلى السير أمام المجتمع وقيادته وبيان سبل السلام والأمن لمسيرته. ومن النظرة الجزئية التجزيئية الضيقة إلى الرؤية الشاملة لمقاصد الدين وأهميته في بناء الحياة وإصلاح الإنسان وبناء العمران.

    وبناء على ما تقدم فإن الفكر السنني هو المدخل الأساس والمنطلق الأول لاستئناف التجديد في العلوم الإسلامية شكلا ومضمونا، ومنهجا وقيما، وأصولا وغايات، وربطها بالواقع، وتوجيهها لمسيرة الأمة وامتدادها في الحياة.

     إن الاختناق الفكري والعجز عن العطاء المقنع، والتيبس والوقوف عند ما كتبه السلف دون تجاوزه وإعادة النظر فيه، يعارض سنن الله تعالى في تجدد الحياة، وتطور عقل الإنسان والمحيط الذي يعيش فيه، بل إن التوقف عند فهوم بشرية في عصر معين، وإقامة المتاريس والخنادق حول إعادة النظر فيها، هو إخراج للإسلام من الحياة، وإدخال له في غياهب التاريخ.

      لقد أصبح استدعاء الفكر السنني إلى ساحة التجديد وتجاوز القضايا التقليدية التي ما نزال نبدي فيها ونعيد.. ضرورة ملحة في هذا العصر، من أجل النهوض بالعلوم الإسلامية في وحدة معرفية واحدة كلية، وربطها بالواقع العملي للحياة، وإبراز أبعادها القيمية والاجتماعية والإنسانية والسياسية والحضارية..

      إن الفكر السنني هو المدخل إلى ردم الفجوة بين العلوم الإسلامية، ووصل ما انقطع منها، وإرجاعها إلى أصولها ومصادرها المعرفية الأولى للتلقي من المعين الأول (الكتاب والسنة وواقع السيرة العطرة)، وإزالة ما اعترى فهم النصوص الشرعية من غبش وخلل، وتجاوز القضايا والتراكمات التاريخية التي عطلت مسيرتها وأبعدتها عن وظيفتها القيمية والاجتماعية والحضارية، إصلاحا للواقع، ومضيا نحو المستقبل.

6ــ من خلال تجربتكم الطويلة في الموضوع ما هي مقترحاتكم لاستنبات الفكر السنني لدى الأجيال المتعاقبة؟

     إن عملية النهوض بالواقع المعيش تتطلب التزام المنهاج السنني واكتشاف السنن الإلهية وفهمَ آلية عملها، ومن ثم امتلاك القدرة على تسخيرها ومدافعةِ سنة بسنة وقدر بقدر..

ومن ثم؛ فإن استنبات الفكر السنني لدى الأجيال يقتضي ما يأتي:

ــ أولا: التأسيس والتقعيد لهذا العلم من خلال الوعي الصحيح والفهم العميق لنصوص الوحي الإلهي في عالميته وشموليته ووحدة موضوعيته وتناسبيته وعطاءاته المستمرة، وفي علاقته مع الوجود الكوني بأسره.

ذلك بأن الله تبارك وتعالى منحنا بالقرآن الكريم والسنة النبوية منهاجا يرقى عن كل المناهج، ونورا نافذا إلى كل التفاصيل وساطعا في كل النواحي، محيطا بكل التجارب والخبرات البشرية، فبه نقرأ ماضينا، ونصلح واقعنا ونستشرف مستقبلنا، (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النساء: 26).

ــ ثانيا: الإفادة من السيرة النبوية العطرة في معانيها السننية الكلية؛ ذلك بأن السيرة الغراء تقدم لنا ثروةً مهمة في وجوه الحياة المتعددة؛ إذ هي المنهاج الشمولي اللاحب لفهم الدين في علاقته بالحياة، وهي الوجه العملي الذي يتجلى فيه تنزيل السنن الإلهية على الواقع؛ لكن لم يُعتن بها بعد كما ينبغي، ولم تفهم كما تتطلب حاجياتُنا، ولم يتم تنزيلها بدقة وإحكام..

وعلاوة على ما تقدم؛ فإن امتلاك ناصية المنهج الصحيح لإعادة قراءة السيرة النبوية العطرة، والنظر الكلي في وقائعها ونصوصها، هو الطريق الصحيح لاستنبات الفكر السنني في الأجيال الصاعدة، لأنه يساعد على استثمار السنن الإلهية في السيرة النبوية وتنزيلها تنزيلا سليما في الواقع.

ــ ثالثا: إعادة تشكيل العقل المسلم، من خلال إخراجه من العطب الذي أصيب به، وإنقاذه من الارتجالية والفوضى الفكرية، وتوعيته بالسنن التي تحكم الحياة والأحياء وتضبط الكون المادّي، وتؤطّر الاجتماع البشري..

ــ رابعا: إدراج الفكر السنني في مختلف المراحل المعرفية لأجيال الأمّة ومؤسساتها وهيئاتها عامة، وفي المناهج الدراسية الجامعية خاصة، حيث يصاغ المقرر لكل مستوى حسب قدراته وملكات فهمه واستيعابه.

ــ خامسا: توعية الأجيال بالفكر السنني عن طريق الإعلام المقروء والمنظور والمسموع، وعن طريق الفعاليات والأنشطة الثقافية والعلمية، وتأسيس المراكز البحثية المتخصصة في الفكر السنني..

ــ سادسا: تقديم قراءات قاصدة ونماذج تحتذى وتدريب الأجيال على النظر والتحليل والاعتبار والاستقراء للظواهر الاجتماعية والكونية واكتشاف السنن المؤطرة لها.

وتأسيسا على ما تقدم؛ فإن عودة الفكر السنني إلى واقع الأمة، رهين بتوفر وسائل التفاعل بين الإنسان والوحي، نظرا ووعيا وتنزيلا.

بكلمة جامعة استنبات الوعي السنني وفق الأنموذج النبوي الأول و(لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)، فالأمر يحتاج إلى إرادة قوية وهمة عالية لتنزيل الفكر السنني وترسيخه لدى الأجيال وعيا وسعيا وتفاعلا مع المجتمع.

إنها مَهمةٌ ضخمة تنوء بالعصبة أولي القوة، مهمة الانتقال من الإهمال إلى الإعمال، ومن الكمون والجمود إلى السعي والحركة، مهمةٌ شاقة بعيدة المرمى عبر مجاهل الطريق، وخلال فخاخ التقليد والجمود والفهوم المعوجة، والثقافات المغشوشة، والتغريب والاستلاب الأجنبي والدجل الثقافي، والعبء الثقيل على أهل العلم لتوعية الأجيال بهذا العلم الحضاري الرائد.

7ــ هل ترون أن الانفتاح على علوم الآلة المعاصرة يمكن أن يساهم في تحقيق ذلك؟ وكيف؟

      إن الفصام النكد الذي وقع بين علوم الدين وعلوم الدنيا والعلم والدين بسبب ظروف تاريخية معينة ونشأة الفرق والمذاهب أدى الانفصال بين هذه العلوم إلى الاعتقاد أن الوحي يهتم بما هو ديني فقط، وهو ما تسعى إلى تحقيقه اللائكية (علمنة الدين)، مما لا يشهد له الكتاب والسنة. بل العكس من ذلك فالكتاب والسنة يؤسسان للتكامل والتداخل بين علوم الغاية وعلوم الآلة، وبين جميع العلوم الإسلامية والإنسانية والاجتماعية والكونية (علوم الآلة المعاصرة أو علوم الإعانة).

      ومن ثم فإن الانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية والكونية يسهم في ترسيخ الفكر السنني لدى الأجيال وتوعيتهم به، ذلك بأن الوحي القرآني عندما تحدث عن المجتمع الإنساني فإنه تحدث عنه باعتباره حلقة في سلسلة النظام الكوني السنني القائم على التناسق بين عناصره الوجودية، تناسقًا يؤدي به وظيفته الاستخلافية على أحسن وجه، وذلك من خلال إفادته من كل العلوم عمله اتي تقتضيها هذه الوظيفة.. ومن ثم فالسنن الإلهية مرتبطة بعلوم الحياة والأحياء، ذلك بأن السنن الإلهية تحكم سلوك الإنسان كما تحكم الكون والخلق سواء.

     إن علم السنن الإلهية تتكامل داخله علوم إسلامية متعددة؛ فالبحث فيه وثيق الصلة بعلوم القرآن والتفسير، كما أنه وثيق الصلة بعلوم التاريخ، خاصة (فلسفة التاريخ)، وفقه الحضارات والعمران، والسنة والسيرة النبوية، والقيم والأخلاق والمقاصد، والفقه وأصوله والعقيدة وأصول الدين، والمنطق الفلسفة، وله ارتباط أيضا بالعلوم الكونية والطبيعية، وهو وثيق الصلة أيضًا بمجالات علوم: النفس، والاجتماع، والأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، والاقتصاد، والسياسة، واستشراف المستقبل…

      وينطلق مفهوم التكامل المعرفي بين العلوم (علوم الوحي وعلوم الكون) من مفهوم التوحيد (توحيد الذات الإلهية المطلق)، ومن مبدأ التوحيد الذي أسس له الوحي؛ مبدأ التوحد والتكامل في فهم علاقات الكون والحياة، وأن بناء الكون والحياة والإنسان وحدة في تنوع متكامل.

     وعليه؛ فإن التجزيئية والرؤية النصفية بدأت التي بدأت بالعقول وانتقلت إلى العلوم وفعلت فعلها، فتضعضعت العلاقة بين العلوم الدينية والإنسانية والاجتماعية والكونية، وانتهت إلى التقابل بين علوم الدين وعلوم الدنيا، أو علوم الوحي وعلوم الكون والتسخير، لا إلى التداخل والتكامل.

      وهنا من الأهمية بمكان القول: إن الفكر السنني هو حلقة وصل وساحة التقاء بين كل العلوم والتخصصات. ومن ثم فإن الأمة في أمس الحاجة إلى استثماره في كافة العلوم، فهي في حاجة إليه، وهو في حاجة إليها، إذ كل العلوم في حاجة إلى بعضها.

     ولبيان حاجة علم السنن الإلهية إلى باقي علوم الآلة والإعانة، لابد من إبراز العلاقة التداخلية التكاملية بين علم السنن وبعض الآلة والإعانة كما يلي:

    ففي التكامل بين جميع العلوم نجد الآيات القرآنية تصل الدنيا بالآخرة، وعالم الغيب بعالم الشهادة، كل هذا يؤكد الوحدة والتداخل بين مصادر المعرفة ومناهجها وغاياتها.

      فمثلا لعلم السنن الإلهية صلة وثيقة بالقيم؛ لذلك من المهم جدا ربط القيم بالسنن، لإبراز العلاقة بينها، والكشف عن السنن الإلهية الموجهة للقيم، وعن سنن القيم، وقيمة السنن، وكيفية تفعيل القيم من خلال سننيتها التي توجه الحياة الإنسانية.

      كما تتكامل السنن مع المقاصد في بعدها الوظيفي في السعي في إصلاح الإنسان في المعاش وتحقيق سعادته في المعاد، وفي الارتكاز على العلل، فالمقاصد تتأسس على العلل الغائية، أما السنن فترتكز على العلل السببية والغائية معا، ومن ثم فالسنن الإلهية أشمل من المقاصد، والمقاصد فرع من السنن، كما نجد تكاملا بين الفقه والسنن، فغاية الفقه تحقيق السنن الإلهية، وصناعة الإنسان المؤهل للاستخلاف في الأرض، والقيام بمهمة العبودية لله تعالى، ومن ثم فالفقه باب من أبواب السنن الإلهية.

      كما أن علم أصول الفقه من أهم آليات استنباط السنن الإلهية، أضف إلى ذلك أن السنن الإلهية تقوم على الاستقراء والتتبع واستحضار البعد الغيبي وقاعدة السببية في النتائج كعلم الأصول.

       وفي علاقة السنن بالعقيدة: فيُعَد فقه السنن الإلهية أحد المرتكزات المهمة التي تساعد المسلم على تكوين تصوره عن الإنسان والكون والحياة، ومن ثم: عن عقيدته التي يدين بها.

      فلعلم السنن صلة وثيقة بعلم العقيدة وأصول الدين، فأغلب مباحث العقيدة مرتبطة بالسنن الإلهية (الإلهيات، النبوات، الغيبيات، السببية، الدعاء والتوكل، المعجزات والكرامات (سنن التأييد)، المشيئة والقدر، التقوى، أفعال الخلق.(…

       أضف إلى ذلك أن المقصد الأساس للسنن الإلهية مقصد عقدي وهو: إثبات صدق الرسالة القرآنية والنبوة الخاتمة، وتعظيم الله تعالى وعبادته.

      أما عن حاجة الفكر السنني إلى علم الاجتماع والتاريخ فإنّ نصوص الوحي القرآني تحدّثت عن مجتمع الأنبياء والعوامل النفسية والمادية على شكلِ معادلات رياضية اجتماعية هي شبيهة بمعادلات العلوم المادية، تكشف عن العلاقة التلازمية بين السلوك النفسي والاجتماعي ونتائجه، بل لقد تجاوزت الآيات القرآنية التي جاءت في سياق سنني الحقائق اليقينية الناتجة عن المقدمات في العلوم المادية إلى بيان العواقب والمآلات التي سوف تنتهي إليها المجتمعات التي تتنكب سنن الهدى والرشاد، وتسير في طريق الضلالة والخبال.

      أضف إلى ذلك أن فهم الظواهر الاجتماعية يقوم على البحث في العلاقة السببية بينها، كما يقوم على البحث في تاريخها ورصد مدى التطور الحاصل في بنياتها نهوضا وسقوطا، وتفسير الاختلافات الناشئة عن ذلك التحول، وهذا منهج السنن الاجتماعية كذلك.

      أما التاريخ الذي يطلق عليه «أبو العلوم الاجتماعية» هو الماضي، وإن استشرافه وتعرف قوانين حركته هو الذي يحقق لنا العبرة، ويؤهلنا للعبور إلى الحاضر والمرور إلى المستقبل: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) [يوسف: 111] .

      هذا وتعتبر السنن الإلهية في التاريخ دعمًا للبشر ومساعدًا لهم في الابتعاد عن الوقوع في الخطأ والعثار مرة أخرى. فكل التجارب البشرية العريقة عبر التاريخ؛ تراث من العبر، وسجل من السنن المطردة لكل الناس إذا أرادوا أن ينظروا إليها، ويعتبروا منها، ويعملوا يمقتضاها.

      إن التاريخ في كل حوادثه ووقائعه مظهر للحكمة وحسن التدبير الإلهي المتجلي في السنن الإلهية التي تضبط حركة التاريخ وتوجه سيره وصيرورته.

      أما حاجة الفكر السنني إلى المنطق فتتجلى في أن المنطق يكشف لنا عن السنن الإلهية التي تربط بين الحقائق النظرية والوجودية، وهو آلة للكشف عن سنن الله تعالى في الحق والباطل، والخير والشر، والتحسين والقبح، والمنكر والمعروف.

       من هنا نلاحظ العلاقة التكاملية التداخلية بين السنن الإلهية والمنطق… وكل منطق لا يؤدي وظيفته هذه فلا فائدة منه ولا يعول عليه.

     أما عن حاجة الفكر السنني إلى الفلسفة فالفلاسفة (أفلاطون، أرسطو، سقراط، ابن رشد..) يؤكدون أن هناك قانونا يحكم جميع الموجودات، وعلى العقل البشري أن ينظر في نظام الكون ومنطق الأشياء لاكتشافها.

فالوجود (الكوني والبشري) حسب الفلاسفة يحكمه قانون واحد، والذي نسميه السنن الإلهية.

      ومن هنا فالسنن الإلهية تقوم على النظر في الكتاب المسطور (الوحي)، والكتاب المنظور (الكون). وكذلك الفلسفة تقوم على نفس المنهج (النظر في الكون ومنطق الأشياء)، وإن اختلفت في مصادر النظر وغاياته (الفلسفة اليونانية مثلا).

      وهكذا مع جميع علوم الدين والدنيا، تتداخل المعارف، وتتكامل العلوم، وهي في خدمة بعضها بعضا، من أجل خدمة مصالح الإنسانية في مسيرتها الاستخلافية المعاش، وتحقيق صلاحها ونجاتها في المعاد.

     ومن ثم فإن الناظر في نصوص الوحي (قرآنا وسنة) سيجدها مفصلة بجلاء بالمنطوق الظاهر أو بالإشارة إلى روافد السنن الإلهية من الأمر بالسير في الأرض والنظر والاعتبار بأحوال من وقعت عليهم هذه السنن، والدعوة إلى النظر في الكتابين (الوحي-والكون) باستعمال علوم الآلة وعلوم الإعانة في التحليل والدراسة، والنظر والاستقراء، من أجل اكتشاف تلك السنن والوعي بها ثم تسخيرها والعمل بمقتضاها.

8ــ أنتجتم العديد من الكتب والدراسات حول الموضوع وأشرفتم على العديد من الأبحاث والأطروحات فيه، فما هي الآفاق التي يمكن للباحثين استشرافها من خلال ما توصلتم إليه، وكيف تقيمون البحث في هذا الحقل المعرفي؟

     أغلب الدراسات التي أنجزها الباحثون -من مختلف المؤسسات الجامعية الدولية- في رسائلهم الجامعية أو بحوثهم العلمية المحكمة، هي دراسات تأصيلية باستثناء القليل منها، ونحن نتطلع إلى التأسيس لهذا العلم بناء على جهود السابقين التأسيسية له (الإمام ابن خلدون، الشيخ محمد عبده، الشيخ محمد رشيد رضا…) ومن خلال تكاتف جهود المتخصصين، وقد بدأت أول محاولة في كتابي: (علم السنن الإلهية من الوعي النظري إلى التأسيس العملي)، وهناك جهود معتبرة ورصينة أخرى؛ للدكتور الطيب برغوث، والدكتور عبد العزيز برغوث، والدكتور رمضان خميس الغريب، والأستاذ محمد معمر جابري، وغيرها من الجهود في المشرق والمغرب، وأرجو أن تعقبها جهود أخرى من أجل التأسيس والتقعيد والتنزيل لهذا الفكر الحضاري، انطلاقا من القرآن الكريم والسنة النبوية، وجهود السابقين، فضلا عن الاستفادة من الخبرات البشرية عبر التاريخ، وما بثه الله تعالى في هذا الكتاب المفتوح (الكون) من سنن ونواميس..

     ذلك بأن الفكر السنني لم يأخذ بعد طريقه إلى المؤسسات العلمية البحثية الرائدة التي أنيط بها إخراج الأمة من حفر الجهل والأمية والعجز الحضاري الذي تعيش فيه.. ولهذا نتطلع إلى أن تقوم المؤسسات والمراكز والهيئات البحثية والأكاديمية، بتوحيد جهود الباحثين المتخصصين في هذا المجال، من أجل مشاريع بحثية وعلمية تخدم الفكر السنني، وتوضح آليات تنزيله في الواقع، وتقوم بتوعية الأجيال بمنزلته وأهمية في النهوض الحضاري للأمة…

ونحن على أمل نستشرف من خلاله مستقبلا زاهرا لهذا الفكر دراسة وبحثا، وتأليفا وتمكينا، وعيا وسعيا، وتنزيلا في الواقع.

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. حوار مهم وغني عن الفكر السنني
    حفظكم الله تعالى أستاذنا الفاضل: فضيلة الدكتور رشيد كهوس، ونفع بكم
    وجزى الله هذا المركز خير الجزاء على هذا الحوار الماتع والنافع.

  2. بدر الدين اليعقوبي - باحث في علم الاجتماع وعلم السنن

    حفظك الله أستاذي الفاضل و سدد الله خطاك وزادك علما ونفع بك وبعلمك الأمة، جزاك الله خير الجزاء على هذه الفوائد العلمية المتميزة وعلى هذا الحس الحضاري المسؤول. لقد حان الوقت بل أصبحت الحاجة ملحة إلى تأسيس علم السنن الإلهية من أجل الخروج من الأزمة المعرفية والفكرية ومن أجل تصحيح المناهج التعليمية والتربوية والفكرية الاسلامية، فلا بد من تأسيس هذا العلم واستقلاله حتى يصبح ميزانا وموجها للفقهاء في تنزيل الأحكام ومؤطرا وموجها لحركة الحياة من أجل حفظ مصالح الإنسان والعمران.

    • بدر الدين اليعقوبي - باحث في علم الاجتماع وعلم السنن

      لدي ملاحظة؛ تتعلق بفكرتين جاءتا في ثنايا هذا الحوار العلمي المتميز؛ على وجه التحديد في قولكم: “المقاصد تتأسس على العلل الغائية، أما السنن فترتكز على العلل السببية والغائية معا، ومن ثم فالسنن الإلهية أشمل من المقاصد، والمقاصد فرع من السنن”. وهذا الكلام أكده وقال به الكثير من الباحثين والمفكرين، في مقابل هذا نجد باحثين آخرين وعلماء ومفكرين لهم رؤية مختلفة؛ إذ يعتقدون أن المقاصد ترتكز على العلل السببية والغائية معا، في شتى مجالات الحياة، وفي مختلف أبواب الشريعة الجزئية والكلية، العامة والخاصة، ويرون أن المقاصد أوسع وأرحب من السنن، وليست فرعا من السنن.
      أولا: “المقاصد تتأسس على العلل السببية والغائية معا”:
      علماء المقاصد حينما يقررون أن “المقاصد ترتكز على العلل السببية والغائية معا”، فإنهم يقولون هذا الكلام باعتباره قاعدة علمية تحكمها ضوابط منهجية ومعرفية تستمد شرعيتها من الخطاب القرآني.
      وحينما ننظر فيما كتبه علماء المقاصد كأبي حامد الغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، والعز بن عبد السلام، والشاطبي، والطاهر ابن عاشور وغيرهم، نجد أن المقاصد تتأسس على العلل السببية والغائية معا، وأن التعليل السببي يكون موصولا بالتعليل الغائي. لقد درج هؤلاء العلماء على العمل بالتعليل السببي الذي يقرن الأحكام بأوصاف ظاهرة منضبطة ويربط الأسباب بمسبباتها، وهذا ما يعرف بالمعقول التفسيري، ثم يقومون بوصل هذا الأخير بالتعليل الغائي الذي يرتكز على ربط الأحكام بقيمها المعنوية، وربط الأسباب بفاعلها، وهذا ما سماه “طه عبد الرحمن” بالمعقول التوجيهي أو المعياري. وخير مثال على هذا هو المسلك الاستدلالي المعروف بتحقيق المناط، ويمكن أن نصنف في هذا الإطار لكثير من اجتهادات فقهاء المالكية في الغرب الإسلامي.
      ثانيا: “المقاصد أشمل وأعم من السنن، والمقاصد ليست فرعا من السنن”:
      يرى الكثير من الباحثين والمفكرين أن المقاصد ليست فرعا من السنن، ولا جزءا من السنن، وليست فرعا من أصول الفقه، بل هي الفقه الأكبر؛ لأن دائرة علم المقاصد أرحب وأوسع من دائرة علم السنن الإلهية، ولا يمكن أن تُحصر في دائرة علم من علوم الشريعة. فالمقاصد بمنزلة الروح من جسد هذه العلوم كلها، لها مكانتها في العلوم العقدية وأصول الدين، ومكانتها في الفقه وأصوله، وهي ركن أساسي في علم أصول الفقه. وشرط أساسي في الاجتهاد الفقهي؛ فهي الميزان الذي يوجه الفقيه، وهي المعيار الأساسي والحاسم في فهم الأحاديث، وهي لباب علم التفسير. وإضافة إلى ذلك فالمقاصد بمثابة الفلسفة الكبرى التي تهدف إلى بيان النظرة الكلية الإجمالية والإطار العام والتصور الكامل لجميع العلوم الإنسانية والطبيعية، وفي مقدمتها علم التاريخ بسننه العمرانية، وعلم الاجتماع بكل أقسامه وفروعه. ومن المقاصد ينطلق الفكر الاجتماعي الإسلامي وتصاغ المؤسسات والأنظمة والضوابط التي تتحكم في حركة المجتمع.
      ومعلوم أن مقاصد القرآن الكريم هي المرجعية العليا والترجمة العملية الواقعية المعبرة عن مصالح الإنسان وصلاحه في الدنيا والآخرة. وهذه المقاصد ترجع إلى الإرادة؛ وهي ضربين: مقصد الإرادة الكونية المتعلق بكتاب التكوين(أو المقصد التكويني) ومقصد الإرادة الشرعية المتعلق بكتاب التكليف(أو المقصد التشريعي). وبين هذين المقصدين تناسق وتناغم وتكامل وتلازم ويشكلان منظومة واحدة لا تتفرق بنيتها؛ لأن الذي صدر منه كتاب التشريع هو ذاته الذي صدر منه كتاب التكوين، ومن ثم يستحيل التعارض أو التناقض بينهما، فتحقيق المقصد التشريعي مفض إلى تحقيق المقصد الكوني، ولا يمكن بناء المقصد التشريعي إلا على مقررات المقصد الكوني.
      وحينما ننظر في القرآن الكريم نجد أن أصل الأحكام الكونية التي لها علاقة بسنن الله النافذة في الكون ترجع كلها إلى مقصد الإرادة الكونية. وبناءا على هذا المقصد بُنيت السنن الكونية. والإرادة الكونية صفة إلهية أزلية؛ هي إرادة قدرية خلقية؛ وهي المشيئة الشاملة لجميع الموجدات ومنها انبثق وتفرع جميع ما في الكون من أشياء وأحياء وقوانين ونظم وسنن. ومن هنا كانت المقاصد أشمل وأعم من السنن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *