الصيغة الصرفية وبناء المصطلح ــ دراسة في أنماط الاسم والصفة ــ

الباحث الدكتور جمال والزين، مركز الدكتوراه: الجماليات وعلوم الإنسان، تكوين الدكتوراه: التعابير والأشكال الرمزية، تخصص: اللغة العربية وآدابها، بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز ــ فاس، الموسم الجامعي:1437ـــ 1438 هـ / 2016م ــــ 2017م

      يندرج موضوع الأطروحة المعنون ب “الصيغة الصرفية وبناء المصطلح – دراسة في أنماط الاسم والصفة” ضمن اللسانيات التطبيقية، ويشكل حلقة وصل بين علم المصطلح الحديث النشأة واللسانيات التي تشكل أحد العلوم الحاضنة له قبل أن يستقل بذاته، فهو بحث في دائرة المشترك بين العلمين.

      وقد دفعنا لهذا الاختيار اقتناعنا بأن واقع  الفوضى المصطلحية يعود في جزء كبير منه إلى عدم مراعاة الطبيعة الاشتقاقية للعربية من قبل المشتغلين بترجمة المصطلحات العلمية، وإيماننا بأن تأهيل العربية للقيام بأدوارها الحضارية المنتظرة رهين بتفجير طاقاتها التعبيرية، والإفادة من إمكاناتها الذاتية من خلال الاستثمار الأمثل لمرونتها الاشتقاقية، وبمراعاة طبيعتها التصريفية غير السلسلية، والتي تختلف عن الطبيعة السلسلية للغات التي يولد المصطلح في أحضانها أول الأمر.

      وبالاستناد إلى الطبيعة التصريفية، فإن العربية تجعل من نظامها الصرفي ميدانا رحبا للنمو والتطور، وتتخذ الصيغة الصرفية منطلقا للتوليد، كما تجعل الاشتقاق أهم آلياته. ومن المعلوم أن بين الاشتقاق والصيغة الصرفية صلة وثيقة لأن كليهما يدور في فلك الآخر؛ فالصيغ الصرفية بمثابة قوالب مجردة تضمر دلالة خاصة، تسكب فيها المواد اللغوية لتتولد منها مشتقات لا نهائية ومصطلحات تستجيب للحاجات العلمية والحضارية المستجدة.

      ولا شك أن استثمار الدلالات الاشتقاقية التي تضمرها الصيغ الصرفية واستحضارها عند الترجمة، له دور أساس في توجيه الدلالة الاصطلاحية، وبناء مقابلات عربية تكون من حيث دلالتها قادرة على التعبير عن دلالة المفاهيم الوافدة، وتكون من حيث هي شكل لساني محصلة للأوصاف البنيوية التي تتساوق والنسق اللساني العربي. وهذا من شأنه أن يؤهل المصطلحات لمرحلة النضج، ويجعلها مثمرة وأكثر إنتاجية، وقابلة لأن تتولد منها مختلف المشتقات، مما سيمنحها ــ لامحالة ــ حياة في المجال التداولي للعربية ومقدرة على المنافسة من أجل البقاء والرواج في سوق الاستعمال. وفي المقابل، فإن تغييب الدلالة الاشتقاقية المضمرة في الصيغة عند بناء المقابلات العربية يؤدي إلى خلل في القدرة اللغوية، التي تمثل خزان مفردات اللغة ومعانيها، وبسبب ذلك تحصل هذه الترجمات المشوهة والنقول غير المضبوطة التي شاعت بين المستعملين.

      وتجدر الإشارة إلى أننا حصرنا عملنا في الصيغ الاسمية والوصفية لكون المصطلحات ذات الطبيعة الاسمية والوصفية هي المهيمنة على الوضع المصطلحي، عكس المصطلحات الأفعال التي تحضر على استحياء في عملية الاصطلاح. وقد اتخذنا من معجمين لسانيين متنا للدراسة هما: المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات الصادر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الطبعة الثانية 2002)، ومعجم المصطلحات اللسانية للفاسي الفهري ونادية العمري ( الطبعة الأولى 2007).

      يتنزل هذا البحث إذن في إطار قضية محددة، وهي قضية التنمية اللغوية للعربية في شقها المصطلحي، وغايتنا منه إبراز مقدرة الصيغة الصرفية –باعتبارها منطلق التوليد- على إثراء المعجم اللساني، وتمكين العربية من تجاوز القصور المصطلحي وسد الخصاص الذي تعاني منه، من خلال الاستثمار الأمثل لخصوبتها الاشتقاقية، وإسهامها في إيجاد حلول للفوضى المصطلحية. ويروم هذا البحث تحقيق حزمة من الأهداف والنتائج نجملها في ما يلي:

ــ الوقوف عند طبيعة العلاقة التي تربط علم المصطلح باللسانيات، وتدقيق الصلة بين المصطلح والكلمة.

ــ استقراء أهم الدلالات الاشتقاقية المضمرة في الصيغ الصرفية باعتبارها مركز جذب دلالي تستقطب المصطلحات المصوغة على منوالها، وإبراز مدى إسهامها في تنميط اللغة صرفيا ودلاليا، وإمكانية استثمار ذلك في الوضع المصطلحي.

ــ التحقق من دور الصيغة الصرفية في توليد مقابلات عربية سليمة مبنى ومعنى، والوقوف على مظاهر الخصوبة والإنتاجية التي تميزها من خلال مدونة مختارة من المعجمين اللسانيين متن الدراسة.

ــ توثيق الصلة بين الصرف والدلالة من خلال البحث في العلاقة بين الأبنية الصرفية والدلالات، والوصول إلى قواعد عامة تضبط العلاقة بين صيغة المصطلح ودلالته، مما يسمح بتيسير الكثير من إشكالات التوليد المصطلحي وقياسيته خاصة.

ــ تحديد جدوى مبادئ التصور الوصلي في الصرف الاشتقاقي- وهو التصور الذي اتخذناه إطارا نظريا لمقاربة الموضوع في شقه التطبيقي- في دراسة وتفسير بعض إشكالات تنميط الصيغ الصرفية في العربية.

وقد حاولنا تحقيق هذه الأهداف من خلال مقاربة جملة من الإشكالات أهمها:

ــ بماذا يمكن أن يرفد النظام الصرفي للعربية علم المصطلح؟

ــ ما طبيعة العلاقة بين المصطلح والكلمة؟ هل هما وحدتان متمايزتان أم هما وحدة معجمية أساس تتجلى تارة في الخطاب كلمة وتارة مصطلحا؟

ــ ما الدلالات النمطية التي تضمرها الصيغ الصرفية الاسمية والوصفية؟

ــ كيف تساهم هذه الدلالات في تصنيف اللغة وتنميطها صرفيا ودلاليا؟ وما أهمية ذلك في البحث المصطلحي؟

ــ إلى أي حد يمكن استثمار دلالات الصيغ الصرفية في بناء مقابلات عربية فصيحة للمصطلحات اللسانية الوافدة؟ وأي دور لتلك الدلالات في توجيه الدلالة الاصطلاحية؟

ــ ما أثر ذلك في خلق لغة واصفة للخطاب اللساني تحافظ على قسط وافر من الجمالية التي تتميز بها العربية؟

      وقد اعتمدنا في مقاربة إشكالات البحث منهجا وصفيا تحليليا يقوم على جمع المعطيات المرتبطة بموضوع الرسالة ووصفها وتحليليها، بهدف تقديم تفسير لها واستخلاص النتائج. كما اعتمدنا في جزء من هذا العمل في شقه التطبيقي على تحليل دلالي قائم على النظر في العلاقة بين النمط الصيغي الذي يبنى عليه المصطلح ومحتواه الدلالي. واستندنا في هذا الاختيار إلى النموذج الوصلي في الصرف الاشتقاقي لرائدته الباحثة الفرنسية دانيال كوربان Corbin Danielle  وفريقها العلمي في جامعة ليل Lille. ويعرف هذا الإطار النظري بالنموذج الوصلي  Modèle associatif  وهو نموذج صرفي يهتم بالمفردات المصوغة صرفيا Unités lexicales construites morphologiquement والتي تمثلها وحدات معجمية تتحكم في صوغها قواعد تفسر تولدها في المعجم من جهة، وتخبر بدلالتها من جهة ثانية. ومن هذا المنطلق تصبح للقاعدة الاشتقاقية وظيفتان: وظيفة صرفية ووظيفة دلالية. فينظر في ظهور الوحدات من جهتين: جهة الدلالة وما يعبر عنها من أشكال صرفية، وجهة الأشكال الصرفية وما ترتبط به من دلالات عامة.

      ونرى أن العربية بحكم طبيعتها الصرفية غير السلسلية أقْبَلُ لهذا النموذج من غيرها من اللغات، بل إن هذا التوجه الوصلي ليس غريبا عن العربية. فقد اعتنى القدماء بدلالات الصيغ الصرفية، وخصوا كل صيغة بدلالة عامة لا تخرج عنها المفردات المصوغة على منوالها. ولاحظ سيبويه أن “العرب مما يبنون الأشياء إذا تقاربت على بناء واحد”. لكنه ذكر استثناءات هي بمثابة موانع من تحقيق قياسية الظاهرة، إذ يثبت أن “من كلامهم أن يدخلوا في تلك الأشياء غير ذلك البناء”. لكن النموذج الوصلي يضيف إلى إثبات القياس تفسير الظواهر الشاذة.

      فمنطلقنا إذن هو النموذج الوصلي الذي يفترض أن دلالة المفردة تتكون في نفس الوقت مع تكون بنيتها الصرفية، وأن من مشمولات الدرس اللغوي أن يكشف هذا التوافق بينهما. ويسعى هذا التصور إلى تحويل النظر في هذه الظواهر اللغوية من الملاحظة العامة إلى قوانين تتحكم في بنية الوحدة المعجمية دلاليا. وإذا أمكن إثبات هذه المبادئ العامة، فإن ذلك سيسهم في إثراء المعجم العربي بتوثيق الصلة بين الصرف والدلالة توثيقا يسمح بتيسير الكثير من إشكالات التوليد المصطلحي وقياسيته خاصة.

      ويتوزع مادة أطروحتنا بابان ومقدمة سجلنا فيها الإطار العام للبحث، ودوافعه، وأهدافه وإشكالاته، والمنهج المعتمد في مقاربة الموضوع. وأنهينا البحث بخاتمة تضمنت خلاصاته ونتائجه، ثم مجموعة من الملاحق.

      يتضمن الباب الأول فصلين اثنين: عالجنا في الفصل الأول جدلية العلاقة بين المصطلح والكلمة من خلال خمسة مباحث: تناول المبحث الأول علاقة علم المصطلح باللسانيات، حيث سجلنا اختلاف الدارسين بين من يعتبره فرعا من فروع اللسانيات، وبين من يراه علما مستقلا بذاته، وأوردنا حجج الفريقين معا، وخلصنا إلى أن حصول علم المصطلح على استقلاليته لا يعني القطيعة بين علمين بينهما أواصر قرابة كثيرة، بل ضرورة علمية تقتضيها المهام العلمية المنوطة بكل منهما.

      واهتم المبحث الثاني بمعالجة العلاقة بين اللغة الخاصة واللغة العامة، وقد حاولنا خلاله استقراء مختلف المقاربات التي عالجت اللغة الخاصة، سواء من حيث تعريفها، أو من حيث طبيعة علاقتها باللغة العامة، وأفردنا الحديث في الأخير للمقاربة اللسانية الحديثة، التي أعادت النظر في الأسس التي قامت عليها المقاربة المصطلحية التقليدية، ومنها إعادة النظر في علاقة المصطلح بالكلمة، وهو ما عالجنا في المباحث المتبقية من الفصل.

      وقد خصصنا المبحث الثالث لتعريف المصطلح، واستعرضنا المقاربات التي تناولت الموضوع وما ترتب عنها من قضايا، سواء في التراث العربي أو في الدراسات الغربية الحديثة. وأفردنا المبحث الرابع للحديث عن العلاقة بين المصطلح والكلمة إن على مستوى الانتماء المرجعي والشكل المعجمي، أو على مستوى الدلالة والسياق، واستحضرنا كذلك في هذا المبحث مختلف المقاربات التقليدية والحديثة في الموضوع، وخلصنا إلى أن المصطلح والكلمة ليستا وحدتين متمايزتين، بل هما وحدة معجمية يمكن أن تتحقق في الخطاب كلمة أو مصطلحا حسب سياق استعمالها. وهذا ما يسمح للوحدتين بالتنقل بين اللغة العامة واللغة الخاصة. وهذا ما تناولناه في المبحث الأخير من الفصل الأول تحت عنوان: المصطلح والكلمة: الهجرة والهجرة المضادة. واستحضرنا الأبحاث المصطلحية الحديثة التي قاربت “الهجرة المصطلحية” من خلال مفهومين أساسيين هما: إضفاء السمة المصطلحية Terminologisation الذي بموجبه تتحول الكلمة إلى مصطلح وإزالة السمة المصطلحية déterminologisation الذي بموجبه يتحول المصطلح إلى كلمة، وخلصنا إلى أننا أمام حركات مد وجزر يقوم بها المعنى بين اللغة العامة واللغة الخاصة، أو بين لغات المجالات المعرفية والمهنية.

      أما الفصل الثاني فقد عنوناه ب: “الصيغة الصرفية منطلق التوليد”. وبينا فيه أهمية الصيغة الصرفية في البحث المصطلحي من خلال علاقتها بالتوليد والاشتقاق. وقد قسمناه بدوره إلى خمسة مباحث.

      خصصنا المبحث الأول للحديث عن التوليد والمولد سواء في التراث العربي أو في اللسانيات الحديثة، وتوقفنا عند أقسام التوليد؛ وقسمناها باعتبار دوران المولد بين التعميم والتخصيص إلى توليد معجمي وتوليد مصطلحي، وباعتبار آليات التوليد إلى توليد صوري وتوليد دلالي، وعرجنا على ذكر مختلف آليات التوليد بحسب كل قسم.

      وخصصنا المبحث الثاني للحديث عن الاشتقاق باعتباره أهم آلية توليدية في العربية، فتوقفنا عند تعريفه، وأبرزنا أهميته في الوضع المصطلحي العربي.

      وخصصنا المباحث المتبقية للحديث عن الصيغة الصرفية والقضايا المرتبطة بها؛ وقد عالجنا في المبحث الثالث الصيغة بين المقاربات اللغوية القديمة والمقاربات اللسانية الحديثة، وتوقفنا عند تعريف الصيغة، وحاولنا تحرير مفهومها وتمييزها عن المصطلحات المتداخلة معها خصوصا مصطلحي البناء والوزن. ثم انتقلنا في المبحث الرابع للحديث عن الصيغة بين العموم والخصوص، وميزنا بين المفهوم العام للصيغة الذي يطلق على كل الصيغ المندرجة داخل المقولة المعجمية الواحدة، وبين المفهوم الخاص الذي يطلق على وحدة صيغية محددة في إطار مقولة ما، وهو ما اصطلح عليه بالنمط الصيغي. وختمنا الفصل الثاني بالحديث عن علاقة الصيغة بالدلالة وأثر ذلك في البحث المصطلحي، وعرجنا على أبحاث القدماء في حديثهم عن البنية والدلالة في اللغة العربية، كما استعرضنا الأبحاث المعاصرة التي تناولت علاقة البنية بالدلالة، وختمنا المبحث الخامس بالحديث عن النموذج الوصلي في اللسانيات الحديثة، وإمكانية استثماره في دراسة الأنماط الصيغية العربية.

      أما الباب الثاني من الأطروحة، فقد قسمناه بدوره إلى فصلين: تناولنا في الفصل الأول الأنماط الصيغية للاسم والصفة. وقد حاولنا خلاله استقراء الدلالات النمطية المضمرة في أهم الأنماط الصيغية لمقولتي الاسم والصفة، وأبرزنا إسهامها في تنميط اللغة صرفيا ودلاليا، وإمكانية استثمار تلك الدلالات في توجيه الدلالة الاصطلاحية عند بناء مقابلات عربية للمصطلحات الأجنبية الوافدة.

     وخصصنا الفصل الثاني من الباب الثاني لدراسة وتحليل الأنماط الصيغية في المعجمين اللسانيين متن الدراسة معتمدين على جداول إحصائية. وقد قمنا بداية بتحديد متن الدراسة، ثم عالجنا بناء المصطلحات في المعجمين بالنظر لاعتبارات ثلاثة: – باعتبار درجة البساطة والتركيب، – وباعتبار  آلية الاشتقاق، – ثم باعتبار الانتماء المقولي. وسجلنا ملاحظاتنا واستنتاجاتنا بخصوص كل نقطة.

      وخصصنا المبحث الثالث لاستقراء الأنماط الصيغية لمقولتي الاسم والصفة في المعجمين، وسجلنا جملة من الملاحظات والاستنتاجات بخصوص حجم ورود كل نمط، وتوقفنا عند الخصوبة الاشتقاقية للمصدر الصناعي خصوصا، وحاولنا تقديم تفسير لهذه الظاهرة التي أثارت المهتمين بالوضع المصطلحي الحديث.

     وخصصنا المبحث الرابع المعنون ب: الصيغة بين الدلالة المنوال ودلالة الاستعمال: مقاربة وصلية، لتنزيل المقاربة الوصلية في دراسة الأنماط الصيغية. ونقصد بالدلالة المنوال الدلالة العامة النمطية التي تضمرها الصيغة الصرفية، وبدلالة الاستعمال الدلالة التي أثبتها المعجم اللساني واكتسبتها الصيغة بالتداول. وقد أبرز هذا الجزء من البحث دور الأنماط الصيغية في إقامة صلة دلالية بين شكل المصطلح ومحتواه، وأبان أن للصيغة مقدرة على تحديد دلالة عامة تشترك فيها كل المصطلحات المشتقة على منوالها. كما أبرز هذا الجزء من العمل قدرة النظرية الوصلية على تفسير مظاهر الشذوذ التي تظهر على بعض المصطلحات والتي تبدو دلالتها بعيدة وشاذة عن الدلالة المنوال للنمط الصيغي.

     أما المبحث الخامس فقد خصصناه لإبراز قدرة الصيغة الصرفية على إضفاء سمة النسقية على المصطلح وعلى المعجم اللساني معا، من خلال قدرتها على تجميع المصطلحات في حقول مفهومية وأسر متعالقة، كما أبرز المبحث إسهام الصيغة الصرفية في الحصول على ترجمة نسقية تخلق تناسبا بين المقابلات العربية للمصطلحات اللسانية الوافدة.

      وختمنا الفصل بمبحث أخير استعرضنا فيه أهم إشكالات تنميط الصيغ في العربية، وتناولنا تحديدا ظاهرتي الاشتراك والترادف الصيغيين، وحاولنا تفسيرهما.

      لقد مكننا الاشتغال بمباحث هذه الأطروحة من تسجيل جملة من الخلاصات والنتائج نوردها كالآتي:

ــ كشف البحث عن وجود أواصر قرابة متينة بين علم المصطلح واللسانيات، وحصول علم المصطلح على استقلاليته وكينونته الخاصة لا يعني القطيعة بين العلمين، بل ضرورة عليمة أملتها المهام العلمية المنوطة بكل منهما. وإذا كانت الدراسات الغربية قد شهدت ارتباطا بين علم المصطلح والنظريات اللسانية، مكنها من ظهور مدارس مصطلحية اعتمدت في معالجتها للمصطلح على مقاربات لسانية واجتماعية ونصية وتواصلية ساهمت في تطور علم المصطلح، واستطاعت أن تبني مسارات في تشكيل المصطلحات العلمية التي تساهم بدورها في تطور مجاله العلمي الدقيق، فإن هذه الدقة العلمية تفتقر إليها الدراسات المصطلحية العربية، إذ أدى الاتصال غير السليم بالمدارس اللسانية الغربية إلى خلق اضطراب مصطلحي عند الباحثين، مما جعل نشأة المصطلحية العربية الحديثة تكون معتلة لا ترتقي في كثير من الأحيان إلى مستوى الضبط العلمي الدقيق. وهذا يتطلب من المصطلحيين العرب بذل مزيد من الجهد من أجل تأسيس علم مصطلح عربي يستفيد من النظريات اللسانية الحديثة.

ــ خلص البحث في مقاربته لعلاقة المصطلح بالكلمة إلى أن الوحدتين ليستا متمايزتين متضادتين، بل هما وحدة معجمية واحدة تتشكل في الخطاب تارة كلمة وتارة مصطلحا. فالسياق الذي ترد فيه الوحدة المعجمية هو الذي يحدد طبيعتها. وقد أكدت هجرة الوحدات المعجمية بين اللغة العامة واللغة الخاصة هذا التصور، وأبرزت المقاربات المصطلحية الحديثة أن المصطلح لا يختلف اختلافا جذريا عن الكلمة، حتى ولو كانت هناك بعض الاختلافات التي لا تكون أساسية بالضرورة، وعليه فإن الكلمة والمصطلح هما في العمق وحدة تجريدية واحدة قابلة لأن تتجلى في الخطاب عبر وحدات سطحية ذات طابع مغاير.

ــ انتهى البحث في معالجته لمبحث التوليد إلى التأكيد على قياسية الاشتقاق باعتباره أهم آليات التوليد المصطلحي المنسجمة مع طبيعة اللغة العربية التصريفية، مع التأكيد على ضرورة الاستفادة من مختلف آليات التوليد التي لا تزال في حاجة إلى بحوث علمية رصينة تؤهلها لتكون أداة فعالة في إثراء المعجم العربي بشقيه العام والخاص. وقد توقفنا مليا عند إمكانية استثمار المصطلح التراثي في البحث المصطلحي الحديث، وأكدنا أن الاستفادة من تراث الأمة لن يتحقق إلا إذا انصرف المشتغلون بالبحث المصطلحي المعاصر إلى تبيئة المصطلح التراثي، وجعله مؤهلا ليستأنف حياة جديدة، ويكون قابلا للإعمال والتعبير عن المفاهيم الحديثة.

ــ قاد البحث في موضوع الصيغة قديما وحديثا إلى تحرير مفهومه، وتمييزه عن باقي المصطلحات التي تزاحمه في الاستعمال خصوصا الوزن والبناء. وخلص البحث إلى أن الصيغة الصرفية هي قالب يضمر دلالة معينة، وهذا القالب يفرغ فيه الإنسان العربي مادة لغوية يعبر بها عن فكرة أو مفهوم يراوده، وبتعبيره عن تلك الفكرة أو المفهوم يُلْبِس الصيغة رداء صوتيا ويكسبها جرسا معينا، أي وزنا تعرف به, وبإفراغ المادة اللغوية في القالب الصوتي يكتمل بنيان اللفظ ويتولد في هيئته النهائية، فنكون بذلك أمام بناء تُشَكل الصيغة صورته المجردة، ويُشَكل الوزن تحققه الصوتي.

ــ توقف البحث عند علاقة الصيغة الصرفية بالدلالة وأثر ذلك في البحث المصطلحي، وقد أكدت المقاربات القديمة والحديثة للموضوع تفاعل البنية والدلالة في العربية. وقد انتبه اللغويون القدامى إلى هذا الضرب من العلاقات الصرفية الدلالية، التي تقوم على ما يتأسس بين شكل المفردة (دالها) ومحتواها (مدلولها) من علاقات تكاملية تفرض وجود صلة بين البنية أو الصيغة والدلالة العامة المشتركة التي تفيدها المفردات المصوغة عليها. كما اهتم بها المحدثون أيضا فعالجها مثلا مجمع اللغة العربية بالقاهرة في قواعد التوليد، فعد بعض الصيغ قياسية ودعا إلى اعتمادها في التوليد. وقد لاحظ علماء اللغة في القديم والحديث أن المعاني المعينة غالبا ما تسند إلى أشكال خاصة هي في الحقيقة أشكال  تواضعت عليها الجماعة للتعبير عنها دون غيرها, وقد أخذت فكرة معالجة دلالة المفردة بالنظر إلى مكونيها الدالي الشكلي والمدلولي معا، تظهر في اللسانيات الحديثة، حتى أصبحت في الدرس اللساني الفرنسي  تيارا قويا يعرف بالنموذج الوصلي (le modèle associatif) لرائدته دانيال كوربان  D . corbin  وفريقها في جامعة ليل.

ــ أبرز البحث إسهام الدلالات النمطية المضمرة في الأنماط الصيغية لمقولتي الاسم والصفة في تنميط اللغة صرفيا ودلاليا، وإمكانية استثمار تلك الدلالات في توجيه الدلالة الاصطلاحية عند بناء مقابلات عربية للمصطلحات الأجنبية الوافدة. وقد تتبعنا في الشق التطبيقي للبحث تردد الأنماط الصيغية الاسمية والوصفية، وحجم ورودها في المعجم اللساني. كما نظرنا في أثر الصيغة في بناء المصطلحات اللسانية إن على مستوى الشكل أو المحتوى. وقد قادنا البحث في شقه التطبيقي إلى تسجيل خلاصات أساسية نوردها كالآتي:

ــ أثبت البحث أن الصيغة الصرفية هي أساس التوليد في العربية ومنطلقه؛ فقد تقاسمت المصطلحات اللسانية مقولات الاسم والصفة والفعل ولو بنسبة قليلة، وهي مقولات تتميز بكون الوحدات المنتمية إليها تندرج ضمن نمط صيغي من الأنماط الصيغية المعلومة في العربية. فالصيغة بهذا قالب تصاغ به مختلف الوحدات، ويتوقف عليه معناها، ويسمح لهذه الوحدات أن تندرج في شكل مجموعات تحت نمط معين واحد رغم اختلاف تأليفها الصوتي. وعليه تكون للصيغة وظيفة مزدوجة تتمثل: أولا، في تحديد المعنى العام للوحدة المولدة. وثانيا، في تنميط اللغة. وبهذه الخصوصية تعد الصيغة عاملا مهما من عوامل انتظام الوحدات في جداول معينة تمثلها الأنماط الصيغية.

ــ كشف البحث عن القدرة التوليدية الهائلة للصيغة الصرفية؛ فقد ساهمت في إثراء المعجم اللساني بكم كبير من المقابلات العربية الفصيحة للمصطلحات اللسانية الوافدة، فكان لها بذلك الأثر البليغ في التقليص من الخصاص المصطلحي الذي تعانيه العربية. وبهذا تكون الصيغة حقا مشتلا خصبا لتوليد ما تحتاجه العربية من مصطلحات سواء في الحقل اللساني أو في غيره من الحقول المعرفية الأخرى.

ــ أبرز البحث تفاوتا في الخصوبة الاشتقاقية بين الأنماط الصيغية. وقد سجلنا حضورا أكبر لفروع مقولة الاسم لما لها من أولوية في الوضع المصطلحي. لكن التفاوت يظهر أيضا بين أنماط فروع كل مقولة على حدة. فقد تبين من خلال تتبع ورود مختلف الأنماط في المعجم اللساني أن منها المنجب والعقيم، والمكثر والمقل. لكننا نؤكد أن ارتفاع أو انخفاض معدل الخصوبة لا يرتبط بالضرورة بالصيغة في ذاتها، بل رهين بالحاجة إليها بحسب الحقول المعرفية أو المرحلة التاريخية. فقد رأينا مثلا انخفاض معدل الخصوبة للنمط الصيغي “فُعال” الدال على المرض في الحقل اللساني، إذ من الطبيعي أن يحضر فيه على استحياء، عكس الحقل الطبي الذي يشهد استعمالا مثمرا لهذا النمط الصيغي. كما سجلنا أن صيغة المصدر الصناعي التي كانت عقيمة في بداية تشكل العلوم الإسلامية، أصبحت الآن ولودة بفعل حاجة المصطلحيين إليها.

ــ لم يقتصر دور الصيغة الصرفية على إثراء المعجم اللساني فقط، بل ساهمت بشكل فعال في البناء السليم للوحدات المصطلحية. فبناء المصطلحات على نمط صيغي معين، يعني بالضرورة خضوعها لضوابط بناء الكلمة في النسق اللساني العربي. وهذا ما مكن من بناء مصطلحات لسانية عربية فصيحة وقابلة للاشتقاق منها بيسر، وقلص من هامش اعتماد المعجم اللساني على المصطلحات الدخيلة التي يكتفي ناقلوها بتعريبها تعريبا صوتيا لا أكثر.

ــ تجاوز أثر الصيغة الجانب الشكلي للمصطلحات إلى التأثير إيجابا في جانبها المفهومي؛ فقد أبرز البحث قدرة الصيغة –في حال استثمارها استثمارا أمثل- على نقل المفهوم اللساني الذي يحمله معه المصطلح في البيئة التي ولد فيها دون تشويه أو تشويش على المتلقي العربي. وهكذا يمكن أن يؤول الاستغلال الأمثل للصيغ الصرفية إلى بناء مقابلات عربية مكافئة للمصطلحات الأجنبية دون أن نحتاج في كل مرة أن نردف المقابل بالمصطلح الأصل. ولا شك أن بناء المصطلحات بهذه المميزات البنيوية والمفهومية يمنحها القبول والشيوع، ويجعلها قادرة على العيش في المجال التداولي للعربية.

ــ أثبت البحث أن اعتماد الصيغة منطلقا للتوليد يحقق للمعجم اللساني خاصية النسقية، بفضل ما تخلقه الصيغة من أواصر القرابة والنسب بين المشتقات. وهذا أمر مطلوب ومحمود، ومن شأنه أن يساهم:

ــ أولا: في انتظام المعجم لأن النمط الصيغي ليس مجرد شكل، بل هو شكل دال. ولذلك يمكن أن نعتمد هذه الأنماط الصيغية لتوزيع المولدات توزيعا جدوليا، يمثل كل جدول توزيعي منها حقلا شكليا تدل أشكال الدوال المدرجة فيه على معاني المداليل المرتبطة بها.

ــ وثانيا: في بناء المعاجم اللسانية وترتيبها ترتيبا مفهوميا تترابط فيه المصطلحات في شكل أسر متعالقة، ويربط المصطلح بشبكة المصطلحات التي تنتمي معه إلى نفس المجال المفهومي، ويمنع من تشتت المنظومات الاصطلاحية إلى أشلاء متفرقة. وهذا من شأنه أن يضمن  تواصلا أفضل بين النسقين الاشتقاقي والدلالي للمفهوم، وتفادي الوقوع في “الفوضى المنظمة” التي يسببها الترتيب الألفبائي، والتي تشتت المنظومات الاصطلاحية إلى أشلاء متفرقة يصعب معها الاهتداء بسهولة إلى المدخل المبتغى.

ــ مكن اعتماد المنهج الوصلي في التحليل من إبراز قدرة الصيغة الصرفية على تنميط دلالات المصطلحات المشتقة على منوالها. فقد أبان التحليل أن الصيغة الصرفية هي بمثابة مركز جذب دلالي تستقطب كل المصطلحات المولدة على شاكلتها. كما أبان التحليل على قدرة المنهج الوصلي على تفسير النماذج التي تبدو دلالتها شاذة بإرجاعها إلى الدلالة العامة المشتركة للصيغة. ومعالجة ظواهر التعدد الدلالي الناجمة عن الاشتراك والترادف الصيغيين؛ إذ لم يعد الحديث وفقا لهذا التصور الوصلي عن تعدد دلالي، بل عن توسع وتمدد لدلالة الصيغة المركزية إلى دلالات فرعية يقتضيها سياق التخاطب، وتربطها بالدلالة المركزية أواصر قرابة. وخلص البحث إلى أن من شأن هذا التحليل أن يضفي على الصيغ طابع القياسية ويقلص من هامش السماع، وأن يساهم في تنميط اللغة العربية. فكلما كانت الصيغ مقيسة كلما أمكن استثمارها آليا لخدمة العربية، وجعلها طيعة للاستعمال الحاسوبي مما يؤهلها لمنافسة اللغات الحية وأداء رسالتها التواصلية بكفاءة.

ــ ولئن كشف البحث عن خصوبة الصيغ الصرفية في العربية ومرونتها الاشتقاقية، فقد كشف من جهة أخرى عن أهمية اللواحق في صيغتي المصدر الصناعي والنسبة في إثراء المعجم اللساني بالعديد من المصطلحات. وقد دعتنا هذه الملاحظة إلى التساؤل: إذا كانت كل لاحقة تخفي مقدرة توليدية، فلماذا لا تستثمر العربية رصيدها من اللواحق، وتستفيد من قدرتها الكامنة فيها لإنتاج ما تحتاج إليه من مشتقات اسمية ووصفية؟

      إن الخلاصات والنتائج التي سجلنا في نهاية الأطروحة تفتح الموضوع على آفاق جديدة، وتبين أنه لا يزال في حاجة إلى جهود علمية فردية وجماعية تكشف أسراره، آملين أن نوفق في مواصلة التنقيب عن كنوزه في ما يستقبل من الأبحاث.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *