الدرس الكلامي الأشعري وأثره في أصول الفقه من خلال نظريات: الكسب، والكلام النفسي، والتعليل

للباحث الدكتور: محمد الأنصاري

المشرف: الأستاذ الدكتور محمد بلحسان

جامعة ابن طفيل القنيطرة

التاريخ: 4 جمادى الأولى 1441 هـ/30 دجنبر 2019.

أولا: الموضوع وإشكاليته وأهدافه

يتكون عنوان البحث من مجموعة من الكلمات التي تستدعي بعض الشرح من أجل بيان مفرداتها ثم بيان النسبة بينها أيضا. وهذه الكلمات هي: الدرس الكلامي الأشعري، أصول الفقه، النظرية، الكسب، الكلام النفسي، التعليل. وفيما يلي بيان موجز لها يتلوه شرح للعلاقة بينها من خلال توضيح العنوان:

ـ الدرس الكلامي الأشعري: أقصد به جملة الإنتاج المعرفي الأشعري في علم الكلام الذي سعى من خلاله المتكلمون الأشعرية إلى نصرة المذهب والرد على المخالفين. وقد عرف علم الكلام بجملة من التعاريف لعل من أوفقها تعريف السعد التفتازاني (793ه) في “شرح المقاصد” حيث قال: «فظهر أنه (علم الكلام) العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسب من أدلتها اليقينية.» ومعنى نسبة ذلك الكلام إلى المذهب الأشعري انتظامه في المذهب الذي أسسه الإمام أبو الحسن الأشعري (324ه) لنصرة عقائد أهل السنة والرد على المنحرفين في الاعتقادات. وقد تبعه في ذلك جملة من النظار الذين اشتغلوا بالأصلين: أصول الدين وأصول الفقه. وقد عرف هذا المذهب تطورات أدت إلى وجود طرق ومدارس فيه أثرت على أصول الفقه سواء من حيث المنهج أو من حيث المضمون.

ـ علم أصول الفقه: عرف بتعاريف كثيرة جدا منها التعريف الاصطلاحي الذي أورده الإمام الزركشي (794ه) ويكثر تداول معناه: «مجموع طرق الفقه من حيث أنها على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال، وحالة المستدل بها.» وقد تضمن هذا التعريف جملة المباحث الأصولية الواردة في كتب أصول الفقه. وهي: الأدلة والأمارات الشرعية التي عبر عنها بطرق الفقه. واهتمام الأصولي بها إنما يكون من حيث الإجمال لا من حيث دلالتها على الأحكام تفصيلا. ثم كيفية الاستفادة منها وذلك هو مبحث الدلالة في أصول الفقه. أما حال المستفيد فالمقصود به المجتهد لأنه هو الذي يستفيد الأحكام من أدلتها.

ـ النظرية: يطلق هذا المصطلح ويراد به مجموعة من القواعد التي ترتبط بقضية معينة وتسعى إلى تفسيرها تفسيرا كليا تقدم من خلاله نظرة شمولية ومتكاملة عنها. وقد صار هذا المصطلح متداولا بكثرة في مجال البحوث والدراسات الشرعية، وكثر إيراده في عناوين الكتب والمؤلفات. ولذلك لا بد من ضبط هذا الاستعمال بتدقيق الاصطلاح لمعرفة صدق الإطلاق. لقد ورد في عنوان الموضوع ذكر لثلاث من النظريات هي: نظرية الكسب، ونظرية الكلام النفسي، ونظرية التعليل. وفيما يلي بيان لوجاهة هذا الإطلاق:

ـ نظرية الكسب: تعد مشكلة الأفعال الإنسانية أو أفعال العباد من أكبر المشكلات التي واجهت الفكر الإنساني عامة والفكر الإسلامي خاصة. وقد سعت مختلف مدارس ذلك الفكر إلى تقديم نظريات تفسر تلك الأفعال من خلال إثبات النسبة بين الفعل وصاحبه ثم ترتيب المسؤولية على ذلك. وقد تباينت تلك النظريات ما بين نزعتين متقابلتين هما: الجبرية والقدرية. وبين تلك النزعتين هناك مواقف وسطية تعد نظرية الكسب الأشعرية من أهمها. فالكسب إذن هو النظرية المركزية للأشاعرة في تفسير الفعل الإنساني وتلك النظرية لها تأثير واضح على مباحث التكليف في أصول الفقه كما سيتضح بشكل جلي في الباب الأول من الدراسة.

ـ نظرية الكلام النفسي: لقد شكل الكلام في “صفة الكلام” باعتبارها من الصفات الإلهية أحد أهم أسباب الخلاف الكلامي في التاريخ الإسلامي. وقد سعى الأشاعرة إلى الإجابة عن الإشكالات المرتبطة بتلك الصفة عبر نظرية عامة هي من أخص خصائص المذهب الأشعري. تلك هي نظرية الكلام النفسي التي تعود جذورها الأولى إلى التفرقة التي أقامها الإمام عبد الله بن سعيد بن كلاب (241 ه) بين الدلالة والمدلول، وتلقاها عنه الإمام أبو الحسن الأشعري (330ه تقريبا). وقد طور الأشاعرة من بعدهما تلك النظرية من خلال ضبط أهم قواعدها: ماهية الكلام، وقدمه، وإشكالية الوحدة والتعدد فيه. وقد أثرت هذه النظرية بشكل كبير على اختيارات الأصوليين الأشاعرة في مباحث الألفاظ والخطاب في أصول الفقه. وقد أدى طرد أصل الكلام النفسي وحفظه في أصول الفقه إلى تفردهم بمجموعة من الآراء الأصولية التي سعت الدراسة إلى كشفها وتخريجها على ذلك الأصل.

ـ نظرية التعليل: تتقاطع في التعليل مجالات ثلاثة هي: المجال الطبيعي من خلال بحث العلاقة بين الأسباب والمسبَّبات، والمجال الكلامي من خلال ما أثير من كلام عن تعليل أفعال الله تعالى، ثم المجال الأصولي المرتبط بتعليل الأحكام الشرعية. وقد سعى الأشاعرة إلى بناء موقف متناسق ومنسجم يجيب عن إشكالات التعليل في المجالات الثلاثة ويرد على مختلف المخالفين فيها. فنتج عن ذلك نظرية العادة والاقتران في المجال الطبيعي، ونفي تعليل أفعال الله تعالى في المجال الكلامي، وإثبات نوع من التعليل الاسمي المعرِّف في المجال الأصولي. وقد أدى حفظ الأصل الأخير في أصول الفقه إلى مجموعة من الاختلافات بين الأصوليين الأشاعرة في مباحث القياس وتفاصيله.

إن الغرض من هذا البحث هو إثبات الأثر الكلامي الأشعري في أصول الفقه من خلال هذه النظريات. فهو بحث ينطلق من علم الكلام عبر ضبط تلك النظريات والتعرف على تطورها وأهم الاتجاهات الأشعرية فيها، ثم الانتقال بعد ذلك إلى المجال الأصولي من أجل البحث عن أثرها وأهم الفروع والمسائل التي بنيت عليها. ومن أجل بلوغ هذا الهدف كان لا بد من ترديد النظر وإجالته في المدونتين الكلامية والأصولية الأشعريتين.

ثانيا: المناهج المعتمدة في الدراسة

نظرا لطبيعة الموضوع الذي يزدوج فيه النظر الكلامي بالنظر الأصولي، وهدفه الذي يسعى للتأصيل لمختلف الفروع الأصولية فإني توسلت بلفيف من المناهج البحثية. وهي: المنهج الوصفي، والمنهج التحليلي، والمنهج المقارن.

ـ المنهج الوصفي: استخدمته في وصف وتتبع مختلف المسائل الكلامية والأصولية في مظآنها. وقد شكل المتن الكلامي والأصولي الأشعري أغلب تلك المظآن. ومن حسن الحظ أن أغلب النظار الأشاعرة قد ألفوا في الأصلين جميعا. وقد تتبعت كلامهم في المسائل الواردة مع الحرص على توثيق النقول عنهم وتدقيق نسبة الأقوال إليهم.

ـ المنهج التحليلي: إن عمل الباحث لا ينبغي أن يقتصر على مجرد الوصف بل يجب أن يترقى إلى تحليل الأقوال والآراء. فكثير من الكلام تخفيه عبارات الأصوليين وكثير من الاحترازات ثاوية خلف التعبير بلفظ دون لفظ. ولذلك كان لزاما أن يخضع القول الأصولي للتحليل في ضوء الأصول الكلامية. وقد مكن ذلك التحليل من تجلية كثير من المواقف والآراء الأصولية مثل بعض توقفات الأصوليين وعدول بعضهم عن بعض الأدلة المشهورة في بعض المسائل إلى غيرها.

ـ المنهج المقارن: لقد كانت المقارنة حاضرة في البحث بمستويين اثنين: مقارنة خارجية، ومقارنة داخلية. أما الخارجية فتمت من خلال مقارنة مواقف وآراء الأشاعرة بآراء غيرهم من المذاهب الكلامية والاتجاهات العقدية. وهكذا سنجد مقارنات بين الأشاعرة والمعتزلة والظاهرية وأهل الحديث والأثر في عدد من المسائل. وقد اتخذت تلك المقارنات أشكالا عدة منها: إيراد الانتقادات الموجهة للأصول الأشعرية من طرف المخالفين. والبحث عن الخلفيات الموجهة للموقف الأشعري. ثم إيراد الردود على بعض تلك الانتقادات ومسالك الأشعرية في تجاوزها.

أما المقارنة الداخلية فالمقصود منها مقارنة القول الكلامي والأصولي الأشعري داخليا. أي مقارنة قول إمام معين مع غيره، بل مقارنة اختلاف قول نفس المؤلف في حالة وجود أكثر من رأي له في نفس المسألة. وقد أفرزت تلك المقارنات وضع خريطة لتطور الدرس الكلامي الأشعري وبيان أثر ذلك التطور في أصول الفقه. وقد جاء الفصل التمهيدي من الدراسة ليضع الصوى في تلك الخريطة التي ستتضح موضوعيا من خلال أبواب الدراسة الثلاثة.

ثالثا: خطة البحث

تتكون هذه الدراسة من مقدمة تتضمن الإطار المنهجي للبحث، ثم من فصل تمهيدي الغرض منه توضيح العلاقة بين علم أصول الفقه وعلم الكلام، ثم من ثلاثة أبواب خصص كل واحد منها للدراسة الكلامية لنظرية من النظريات الثلاث موضوع البحث ثم بيان أثرها في أصول الفقه. وختم بخاتمة جامعة عرضت من خلالها أهم النتائج المتوصل إليها. وهكذا يمكن إيجاز خطة البحث كما يلي:

ـ مقدمة

ـ فصل تمهيدي: الدرس الكلامي الأشعري وعلاقته بأصول الفقه

ـ المبحث الأول: علاقة علم الكلام بأصول الفقه وعوامل التداخل بينهما

ـ المبحث الثاني: تطور الدرس الكلامي الأشعري وأثره في أصول الفقه

ـ الباب الأول: نظرية الكسب الأشعرية من الحل الكلامي لمشكلة الأفعال الإنسانية إلى تأطير مباحث التكليف في أصول الفقه

ـ الفصل الأول: نظرية الكسب أو الحل الأشعري لمشكلة الأفعال الإنسانية

ـ الفصل الثاني: نظرية الكسب إطارا عاما للتكليف عند الأشاعرة

ـ الباب الثاني: نظرية الكلام النفسي الأشعرية من إشكالات صفة الكلام إلى تأطير مباحث الخطاب في أصول الفقه

ـ الفصل الأول: نظرية الكلام النفسي الأشعرية

ـ الفصل الثاني: نظرية الكلام النفسي إطارا عاما لقضايا الخطاب الشرعي عند الأشاعرة

ـ الباب الثالث: نظرية التعليل في الفكر الكلامي الأشعري وأثرها في مباحث القياس الأصولي

ـ الفصل الأول: نظرية السببية والتعليل في الفكر الكلامي الأشعري

ـ الفصل الثاني: نظرية القياس الأصولي عند الأشاعرة بين حفظ الأصول الكلامية والضرورة الأصولية

ـ خاتمة

رابعا: أهم خلاصات ونتائج البحث

لقد حاولت من خلال أبواب هذا البحث الثلاثة وفصله التمهيدي مدارسة إشكالية العلاقة بين علم أصول الفقه وعلم الكلام. وقد تطلبت تلك المدارسة جولات طويلة في المتنين الكلامي والأصولي الأشعريين وغير الأشعريين. ومن خلال ذلك تم التوصل إلى نتائج مهمة تضمنتها تضاعيف الدراسة. وفيما يلي تذكير بأهم تلك النتائج:

ـ إن علاقة أصول الفقه بعلم الكلام هي علاقة إشكالية تتداخل فيها مجموعة من العوامل. ومن أهم تلك العوامل: الخصائص المعرفية والمنهجية التي تميز العلمين الأصلين وتجعل من إمكانيات الالتقاء بينهما في إطار التكامل المعرفي حتمية معرفية وحقيقة تاريخية. ثم هناك العامل المذهبي الاعتقادي الذي جعل من أصول الفقه مجالا للتدافع والجدال الكلامي.

ـ إن أي تقويم للعلاقة بين علم الكلام وأصول الفقه لا يستحضر الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية لتلك العلاقة لا يمكن أن يكون تقويما سديدا ولا حكما رشيدا. ومن هذا المنطلق فقد سعى الباحث إلى استجلاء تلك الجوانب وتعداد الآثار الإيجابية والسلبية لامتزاج الأصلين واختلاط مباحثهما.

ـ لقد مَكّن تتبع تطور الدرس الكلامي الأشعري ورصد أثر ذلك التطور على أصول الفقه من تحديد محطات مفصلية في التاريخ المعرفي لأصول الفقه على طريقة المتكلمين الأشاعرة. وقد كانت المحطة الأولى مع الإمام المؤسس أبي الحسن الأشعري حيث كانت العلاقة بين الكلام والأصول عنده جدلية ومتبادلة. فقد احتاج علم الكلام الأشعري في بداياته إلى التوسل بالمنهج الأصولي لإثبات العقائد ونصرتها والرد على المخالفين. كما أن حفظ الأصول الكلامية وطردها قد أدى إلى تفرد الأشاعرة بمجموعة من المواقف والآراء الأصولية. تلك الآراء التي سيتم نظمها في إطار نظريات عامة في أبواب البحث الثلاثة.

ـ برز بعد الإمام الأشعري متكلمون وأصوليون كبار من الأشاعرة تركوا آثارا واضحة في العلمين. ومن أولئك الإمام الباقلاني الي حرص على طرد الأصول الكلامية الأشعرية في أصول الفقه والرد على المعتزلة بشكل خاص. ثم تبعه إمام الحرمين في أوله لكنه تميز بآخرة بآراء ومواقف مخالفة بناها على اختياراته الجديدة في الكلام التي ضمنها كتاب “العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية”. وجاء بعدهما الإمام الغزالي موافقا لطريقة القاضي الباقلاني في المضمون مع إدخال المنطق وتوظيفه في أصول الفقه. وانتهى الأمر إلى طائفة من الأصوليين المتكلمين مثل الإمامين الرازي والآمدي الذين عرفوا بتحرير محل النزاع وتفريع المسائل وعلى كتابيهما وضعت المختصرات والشروح التي حصلت زبدة طريقة المتكلمين في أصول الفقه.

ـ تعد نظرية الكسب الحل الأشعري لمشكلة الأفعال الإنسانية. وقد سعى الأشاعرة من خلال تلك النظرية إلى التوفيق بين الأصول السنية في القدر وخلق الأفعال وبين تبقية حقائق التكليف. وقد كان لتلك الخاصية التوفيقية دور مهم في غموض النظرية وفي اختلاف وتنوع مسالك النظار الأشاعرة في حل بعض إشكالاتها. وقد انعكست اختيارات كل إمام على آرائه الأصولية في المسائل المرتبطة بتلك النظرية.

ـ يمكن تقسيم الخلاف الأصولي المرتبط بنظرية الكسب الأشعرية إلى نوعين: خلاف عال أو خارجي، وخلاف نازل أو داخلي. فالأول يحكمه الانتظام «للقدر المجمع عليه بين الأصحاب» في هذه النظرية ويوجه خلافهم مع المخالف في ذلك القدر. وهذا القدر المشتمل على عموم الإرادة وإطلاق القدرة الإلهية والخلق المتناول لكل مخلوق يجمع كل مآخذ الخلاف مع المعتزلة على وجه الخصوص.

ـ تشكل بعض فروع نظرية الكسب سببا في الخلاف الداخلي بين الأصوليين الأشاعرة. وجماع تلك الفروع يرتبط بمباحث الاستطاعة من تأثيرها في الفعل المقدور بها، وتقدمها عليه أو مقارنتها له. ولذلك فقد عدت المسائل الأصولية المبنية على مباحث الاستطاعة مجالا خصبا للخلاف الداخلي بين الأصوليين من الأشاعرة.

ـ تعد نظرية الكلام النفسي علامة مميزة للكلام الأشعري.  وقد أقام نظار المذهب بنائها على أربعة أسس يجمع كل واحد منها الأجوبة عن إشكالات مرتبطة إما بماهية الكلام، أو بوجوده وإثباته بعد تحديد ماهيته، ثم الاستدلال على قدمه، وأخيرا إثبات وحدته باعتباره صفة نفسية قديمة رغم تعدد أقسامه من أمر، ونهي، وخبر، واستخبار، ونداء. وقد تميز النظر الكلامي الأشعري في هذه الإشكالات بتنوع وتطور في المناهج وطرق الاستدلال مع المحافظة على جوهر النظرية.

ـ لقد شكلت نظرية الكلام النفسي الأشعرية إطارا عاما لقضايا الخطاب الشرعي ومسائله في أصول الفقه. كما أن حفظ هذه النظرية يعد سببا في تميز الأشاعرة بعدد من المواقف والآراء الأصولية سواء في المباحث اللفظية للخطاب أو في المباحث المعنوية.

ـ فإشكالية وحدة الكلام وتعدد أقسامه مثلا كانت وراء توقف الأشاعرة في مباحث صيغ ومقتضيات الألفاظ من الأمر والنهي والعموم. لكن هذا التوقف أو الإنكار الذي تميز به بالخصوص الإمام الباقلاني قد تعرض لانتقادات كبيرة سواء من طرف المخالفين للأشاعرة أو من طرف بعض الأشاعرة أيضا. وهذا النقد قد أدى إلى تطور الدرس الأصولي الأشعري تطورا كبيرا وبروز تيارات داخل المدرسة الأصولية الأشعرية.

ـ لقد انطلق الأشاعرة في بحثهم في مجال السببية والتعليل من مسلمة كلامية مفادها إفراد الله عز وجل بالخلق والتأثير ونفي التأثير عمن سواه. هذه المسلمة قد أثرت بشكل كبير على كلامهم سواء في السببية الطبيعية التي طور الأشاعرة فيه نظرية العادة أو الاقتران. أما في مجال تعليل أفعال الله تعالى فنجد حضورا للخلاف المعتزلي إضافة إلى المسلمة الكلامية السابقة. فالمعتزلة الذين حكموا الأصل الثاني من أصولهم الخمسة وهو “العدل” أوجبوا بذلك على الله تعالى الصلاح والأصلح والحكمة ورعاية المصالح.

ـ لكن تقليب المتن الكلامي الأشعري يبرز لنا أن الموقف من التعليل ليس واحدا، فهناك أغلبية تثبت التعليل في نفس الأمر والحكمة في فعل الله عز وجل على أي وجه وقع ولا تمانع في إطلاق التعليل والحكمة بهذه الإضافة. وهذا هو موقف الإمام المؤسس أبي الحسن الأشعري وموقف كبار النظار من المتقدمين والمتأخرين. لكن إلى جانب هذا الموقف هناك مذهب لأقلية من المتأخرين ممن يحيل القول بالتعليل سواء في الأفعال أو في الأحكام. وقد تولى الإمام فخر الدين الرازي بسط هذا المذهب والاستدلال عليه وهو مرتبط أشد الارتباط باختياره الجبري في أفعال العباد أيضا.

ـ تقوم نظرية القياس الأصولي عند الاشاعرة على التوفيق بين حفظ مبدأ التعليل الكلامي وضرورة القول بالقياس والانتصار له والرد على منكريه. هذه الخاصية قد أثرت بشكل واضح على الإنتاج الأصولي الأشعري سواء فيما يتعلق بتحديد ماهية القياس وأركانه وشروطه. أو في تحديد مسالك العلة وإثبات المعتبر منها والملغى بل حتى في إثبات القياس حجة ودليلا شرعيا والرد على نفاته وسائر طوائف المبطلين له.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *