الدرس الأصولي وظائف منهجية وآفاق علمية (الأجزاء الثلاثة)

الدكتور عبد العالي عباسي 

حاوره: الدكتور مصطفى فاتيحي والدكتور محمد قاسمي.

      ولمناقشة ذلك يسرنا أن نحاور الدكتور عبد العالي عباسي أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال.

من أعماله:

1ــ الكتب العلمية:

ــ قصد الإفهام في أصول الفقه الشاطبي نموذجا، الطبعة الأولى،  2015، مطبعة قرطبة، أكادير، المغرب.

ــ نحو عقل تكاملي مساهمة في فقه التحضر الإسلامي، الطبعة الأولى، 2015، مطبعة قرطبة، أكادير، المغرب.

2ــ مقالات منشورة في مجلات:

ــ مقال بعنوان: “المنهج الأصولي في إفهام الخطاب”، نشر مجلة الإحياء تحت إشراف الرابطة المحمدية للعلماء العددان 37-38.

ــ مقال بعنوان: “الوظيفة الإفهامية للسياق في أصول الفقه”، مجلة الإحياء تحت إشراف الرابطة المحمدية للعلماء العددان 41-42.

ــ مقال بعنوان: “تطور الفكر الأصولي دراسة في التراث الإسلامي”، مجلة الإحياء تحت إشراف الرابطة المحمدية للعلماء العددان 43- 44.

ــ مقال بعنوان: “تحت سجال العقل الوضعي والعقل التراثي” العدد 17-2017. مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال.

3ــ مقالات منشورة في منابر إلكترونية منها:

ــ مقال بعنوان “الفكر المقاصدي وفقه الأولويات” مركز دراسات المعرفة والحضارة 2020م.

ــ مقال بعنوان “التداول اللغوي بين الأصوليين واللغويين”. مركز دراسات المعرفة والحضارة 2019م.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجزء الأول

س1: هناك من يرى أن أصول الفقه هو فلسفة المسلمين المأصولة، فما المقصود بذلك؟

      الحمد لله واهب النعم ومجزل العطايا والمنن، أحمده حمدا كثيرا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

      أما بعد: أتقدم بوافر الشكر وعظيم الثناء إلى الدكتورين: مصطفى فاتيحي ومحمد قاسمي على استضافتي في هذا الحوار حول أصول الفقه وقضاياه المنهجية والمعرفية، وأقول وبالله التوفيق.

      تجدر الإشارة بداية إلى أن حيرة المسلمين وقلقهم الفكري في بناء المعرفة، كان دافعا إلى تحري المنهج الأسلم في إقامة المستند، الذي على أساسه تشيد نظرية المعرفة في حقولها الدينية والإنسانية والكونية والسننية. ولا شك أن المرجع الأول في ذلك هو الدليل، إذ عليه سيؤسسون صرح معرفتهم، سواء تعلق الأمر باستنباط الحكم الشرعي وتحرير فهمه، أو تعلق بتأصيل المعرفة، أو إقامة المنهج وما يتعلق به من وظائف استدلالية واستنباطية وبرهانية وقياسية وترجيحية.

      ولا ريب أن وظيفة كهذه ليست باليسيرة، ولا يستقيم أن يكون مدخلها الظنون والتخمينات، سيما وهم يتعاملون مع أصل هو أصل الأصول، ومرجع التنظير المعرفي والتشريعي.

      ولذلك لم يكن لعلماء المسلمين سبيل في طرق ذلك كله غير مدخل الاستقراء، الذي يعتبر مسلكاً إلى تحصيل العلم واليقين، وضابطا للقول، وقانوناً للاستدلال الصحيح لصيانة الفكر عن الوقوع في الخطأ عند تعرفه على الحقائق، وتحرير الإنسان من قيود الوهم والهوى المفضيين إلى الضلال. ولذلك استطاعوا تسييج هرم معرفتهم، وعلومهم الإسلامية والإنسانية، بما يتناسب ووحدة تصورهم العقدية، ومنهجيات تفكيرهم، ونظام عقولهم بالصيغة التي تمكن هذه العقول من التعامل مع قضايا الكون والعالم والوجود، درءاً لأي وثنية يمكنها أن تتسرب إلى سلوكهم المعرفي، وإبعاداً لأي نظرة تبسيطية تسطيحية تفقدهم العمق المعرفي، والوحدة المنهجية والموضوعية في التحليل والتفسير والتقعيد، وتجنبا لأي اصطدام أو تعارض بين النصوص.

      ولقد كان من نتيجة ذلك تفتق علم أصول الفقه –الذي كان جزءاً من المنهج العام- تغيوه منهجاً إسلاميا لقراءة النص صيانة لمقتضياته الدلالية، وحفظا لنظامه الداخلي المعرفي من الهدم والانحراف والشطط، الذي كان ديدن القراءات الطائشة قديمها وحديثها، واعتبرت قواعده وقوانينه مساطر يحتكم إليها في كتب الفقه المقارن والخلاف العالي.

      هذا المنهج الأصولي شكل عمارته عنصران أساسيان: الأول: الأصول التشريعية، والمصادر المعرفية التي هي مجال توجه النظر، ومناط اشتغال العقل. والثاني: مجموع الخطط التشريعية، والقواعد الاجتهادية، وآليات البحث والنظر المعدة لاستثمار الخطاب الشرعي.

      ولقد كانت أول الإشارات الملفتة إليه والمنبهة إلى أهميته، ما أشار إليه الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتابه “تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية”، من أن علم أصول الفقه يجسد منهجا لقراءة النص الشرعي، ويشكل النظر العقلي الإسلامي في سذاجته الأولى[1].

      ثم أعقبت هذه المحاولة مساهمة تلميذه الدكتور علي سامي النشار الذي قدم رؤية معرفية متميزة واضحة، تجسدت في محاولته العلمية التأصيل لهذا المنهج، والتعريف به واصفا إياه بأنه النموذج الأعلى للفكر الإسلامي، و”النموذج الوحيد المعبر عن روح الحضارة الإسلامية، والمنبعث في تدفق سيال من روح القرآن وسنة محمد صلى الله عليه وسلم”[2]. بل دفع به يقينه واطمئنانه لهذا المنهج إلى أن أخذه كاملا غير مجزئ، واعتبره هو مصدر “البعث الحقيقي للروح الإسلامية وللأمة الإسلامية”[3]. وبذلك يكون كتابه هذا، الذي وصف فيه علم أصول الفقه بأنه منهج إسلامي أصيل، استمد أصالته من ارتباطه المباشر بأصول بنائه الإسلامية، برهانا ساطعا ودليلا مدحضا لمزاعم المفكرين الغربيين الذين قالوا: “إن الحضارة الإسلامية لم تكن سوى صورة مشوهة لحضارة اليونان، أو لم تكن غير جسر عبرت عليه هذه الحضارة إلى أوربا. كانت حضارة الإسلام إذن، وفكر الإسلام إذن -في رأي هؤلاء- ذيلا لحضارة اليونان، وترديدا لها. وقد تابع أوربا في العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين هذا الجيل المأفون ممن دعوا بالمجددين وقادة الفكر ورجال الرأي”[4]. تابع مستدلا على أصالة هذا المنهج الإسلامي قائلا: “أما صوغ الشافعي للأصول في منهج عام متصل فقد صدر فيه عن فكر خاص. أما معرفة الشافعي لليونانية فليست برهانا واضحا على دخول المنطق الأرسططاليسي في أصول الشافعي، وأسلوب الرسالة وطريقة البحث فيها لا يشعران بوجود أية علاقة بينهما وبين أية دراسة أجنبية عن التفكير العربي واللغة العربية”[5].

      وإلى جانب النشار نجد الدكتور طه جابر العلواني لا يقف عند اعتبار المنهج الأصولي منهجا موضوعا للاستنباط والاستدلال الشرعي فحسب، ولكن يعتبره أيضا منهجا للبحث والمعرفة في العلوم الإسلامية، بما يملك من مصادر معرفية غنية، ويزخر به من أدوات وآليات متعددة في البحث. ولهذا وجد فيه المنهج البديل عن المناهج المعاصرة، لأنها في نظره مأزومة، وفي ذلك يقول في مقدمة كتابه “أصول الفقه الإسلامي منهج بحث ومعرفة”: “وحين أعد هذا البحث كان يمثل في نظري مقدمة لبحث موسع، أو لعدة بحوث ودراسات تعالج أزمة أو إشكالية المنهج الراهنة. أو تقدم منهجا بديلا عن مناهج البحث المأزومة توظف فيها الخبرة الفكرية الإسلامية، والتراث الإسلامي بشكل مناسب”[6].

      هذا الدور المنوط بالمنهج الأصولي نجده عند الدكتور علي جمعة الذي يرى أن هناك علاقة وطيدة بين المنهج الأصولي والمنهج العلمي، فيقول: “ويمكن أيضا تشغيل المنهج الأصولي كمنهج في استفادة العلوم الاجتماعية في ذلك المنهج”[7].

      بل لقد دفع إعجاب علي جمعة بالمنهج الأصولي، إلى أن يؤكد في موضع آخر على الصلة العلمية بين المنهج الأصولي والمنهج العلمي، فكلاهما في نظره أداة لإدراك الوجود. بل دفع به الأمر إلى أكثر من ذلك، حينما اعتبر المنهج الأصولي شبيها بالمنهج العلمي في الفيزياء بقوله: “علم أصول الفقه هو المنهج الذي يوازي المنهج التجريبي في عالم الفيزياء، فأصول الفقه هو منهج المسلمين في الوصول إلى الحقيقة أو الحق في مجال الوحي”[8].

      وبهذا نؤكد توجه الأصوليين إلى تلمس منهج بناء المعرفة في دليل الوحي بداية، بحيث لوحظ أن الدليل كان حاضرا وبقوة في بنائه ورصه، وقد نبهنا القرآن الكريم في أولى آياته إلى خطورته وأهميته في حركة الإنسان الفكرية والحضارية عموماً، سيما وأنه يحتل في جسم الأمة موقع الرأس من الجسد، إذ هو جوهر المشكلة، فإذا استقامَ استقام كل شيء وإذا اعوج انحرف كل شيء. اكتفي بالإشارة إلى قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5]، وهي آية حاوية في طياتها وبين كلماتها ما يغمز إلى صلب المنهج، وهو وجوب دراسة الأشياء دراسة تركيبية، غير منبتة عن نسقها العام، وغير معزولة ومنفكة عن كينونتها ووظيفتها الوجودية ربطا للأسباب بالمسببات، والعلل بالمعلولات، والنتائج بالأمارات درءا وتفنيداً لمنطق الصدفة المعبر عن عجز العقل، وضعف الرؤية والإبصار، وانعدام التأمل والتفكر.

س2: أين تكمن علاقة أصول الفقه بباقي فنون العلوم الشرعية الأخرى؟

      إذا تأكد أن علم أصول الفقه، يجسد ملتقى العلوم الإسلامية النقلية والعقلية، فإن هذا هو ما جعل قواعده تركيبا نسقيا لما اجتمع من الشرع واللغة والكلام والمنطق والعقل في بعدها المعرفي والمنهجي، ولذلك استطاع أن يخلق لذاته نسقا في التفكير استثمارا لقوانينه ومسلكا في الفهم والقراءة، تثويرا للنص الشرعي واستثمارا له على أوسع نطاق. ومنهجا به تحقق التطابق بين الجانب المضموني والجانب المنهجي، الذي ساعد على تقنين قواعد الاجتهاد، وطريقا إلى توسيع دائرة ومجال الأحكام والمعرفة، عبر مقاصد وأسرار الشريعة توسلا بمجموع الأدوات والوسائل، والأساليب البحثية العلمية المتاحة، المحققة لتكامل المسالك النصية منها والاجتهادية.

      ولكم ساعد هذا المنهج على توظيف المناهج البحثية للعلوم الاجتماعية، في جوانب المعرفة في العلوم الإسلامية، بناء ونقدا للمفاهيم والقضايا في بعدها المعرفي والمنهجي، سبرا لنضجها الاصطلاحي ولمقتضياتها الدلالية وآثارها التشريعية، واستشرافا لمآلات أحكامها في النفس والمجتمع، والعمران الروحي والمادي.

      ومما يجسد حقيقة كونه ملتقى للعلوم الشرعية واللغوية على العموم، أنه استمد من علوم مجاورة (الكلام، المنطق، اللغة)، وأعاد صياغة أصول الكثير من العلوم لتنسجم مع غاياته وأهدافه “فالمصطلحات الأصولية الصرفة التي تمثل صلب علم أصول الفقه، ليست دائما أصولية النشأة، بل منها كثير مما هو من المصطلحات (الرحل)، هاجرت إلى علم الأصول من علم آخر حتى كان علم أصول الفقه ملتقاها.

      ويمكن بيان هذه الروابط بينه وبين غيره فيما يلي:

أولا: وجود مصطلحات متعددة المشارب منها:

1ــ مصطلحات ذات مصدر كلامي: إذ كثير من المقدمات الكلامية تتصدر مجموعة من القضايا الأصولية بغية تقريرها ومن ذلك قول الشاطبي: “لو جاز جعل الظني أصلاً في أصول الفقه لجاز جعله أصلا في أصول الدين وليس كذلك باتفاق”.

ومن أبرز المصطلحات ذات الأصل الكلامي مصطلح: المصلحة والمفسدة، والعلة، والحكمة والأسباب والقصد، والإرادة ونحوها…

2ــ مصطلحات ذات مصدر منطقي: كالاستقراء، والكلي، والجزئي، والقطع، والظن، والمقدمات، والنتائج، والبرهان…

3ــ مصطلحات ذات مصدر فقهي: كالأحكام التكليفية الخمسة: الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، والمباح. ثم الأحكام الوضعية كالرخصة، والعزيمة، والسبب، والمانع، والشرط… وغيرها من المصطلحات الأصولية ذات الأصل الفقهي “إذ عبر عنهما أحياناً بـ (أصل الرخصة، وأصل العزيمة) للدلالة على المعنى الكلي، الذي هو المقصود بالدراسة في النسق الأصولي”[9].

4ــ مصطلحات ذات مصدر لغوي: كالأمر والنهي، والعموم، والخصوص، والإطلاق والتقييد والبيان، والإجمال.

      ثم إن هناك مصطلحات يرجح أنها جاءت من فقه اللغة والبلاغة، وذلك نحو مصطلحي، الوضع، واللفظ، أو الألفاظ، وما يُولد عنهما من ضمائم: كاللفظ المشترك، والوضع الاستعمالي، والوضع العربي، والوضع الأصلي، والوضع الإفرادي، والوضع التركيبي، والوضع الخطابي، والوضع الشرعي، والوضع اللغوي،…

5ــ مصطلحات ذات مصدر صوفي: كالكرامات والأحوال، والمكاسب، وقصد الحظ، وقصد التعبد، وقصد الموافقة وقصد المخالفة… وإن جاءت في سياق النقد والتمحيص والتوجيه.

6ــ مصطلحات ذات مصدر قرآني، المكي والمدني، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول…

7ــ مصطلحات أصولية أصيلة: وهي أصولية ابتداء: كالاجتهاد، والإجماع، والقياس والاستصلاح، وسد الذرائع، وتخريج المناط، وتنقيح المناط، وتحقيق المناط، والضروريات والحاجيات…”[10].

ثانيا: تجسيده لما يجمع بين صحة النقل، وصفاء العقل، وهذا هو مصدر شرفه قال الغزالي «وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم أصول الفقه من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد، ولأجل شرف علم الفقه وسببه، وفر الله دواعي الخلق على طلبه، وكان العلماء به أرفع العلماء مكانا وأجلهم شأنا» [المستصفى 1/14]. ولذلك فهو يجمع بين أمرين: مصادر المعرفة والأصول التشريعية التي تشكل وجهته، ومجموع الآليات والقواعد والخطط التي أسسها، والتي بها يستثمر الخطاب الشرعي.

      ومما يبين مركزيته أيضا اضطلاعه بالمهمة الكبرى المتمثلة في كونه منطلقا إلى إتقان باقي العلوم الشرعية الأخرى، لأنه هو الأداة الأساسية لفهم النصوص الشرعية ودلالتها التي منها ينطلق علم التفسير وعلم الحديث والفقه.

      يقول في هذا الصدد أبو الفتح البيانوي: “إن علم أصول الفقه هو أصل العلوم الشرعية لا يستغنى عنه دارس ولا طالب علم، بل لا تكتمل ثقافة الدارس المسلم إلا به. فلا يستغني عنه طالب علم التفسير، ولا طالب علم الحديث، ولا طالب علم الفقه، حيث إن قواعده محكمة في جميع هذه العلوم…ولقد شعُر بقيمة هذا العلم وأثر فقده كثير من طلاب العلم الذين لم يوفقوا لدراسة علم الأصول في أولى أيامهم، وبدأوا بدراسته بعد أن قطعوا مراحِل في غيره من العلوم، شعروا بذلك عندما رأوه يملأ فراغاً في عقولهم، ويصلح كثيرا من تفكيرهم ومنهجهم في البحث»[11].

ثالثا: إنه علم بمثابة البوصلة التي تنظم تفكير الأمة تصورا وممارسة، عقيدة وتشريعا وثقافة واجتماعا، وتدبر شأنها السياسي، والتعليمي، والفكري، والديني، والاقتصادي، والإصلاحي.. ولذلك لم يغب في أذهان الفقهاء عبر التاريخ، إذ به استطاعت أن تصحح انحرافاتها وسلوكها. ويعبر عن هذه الحقيقة الكثير من العناوين التي عبرت عنها العديد من الكتابات في أصول الفقه كالمنخول، والمنقذ من الضلال، والمستصفى، ومعيار العلم، والموافقات، والبرهان في أصول الفقه وغير هذا كثير.  

رابعا: ومما يبين علاقته باللغة العربية، أو بالأحرى اللسان العربي ما تضمنه من قواعد لغوية بها يستقيم فهم الخطاب العربي ويَطَّرد، ومن ثم يستقيم فهم نصوص الكتاب والسنة. ولأجل ذلك نشأ القسم الأكبر من هذا العلم، وهو القسم المسمى “طُرُق الاستنباط”، أو “المباحث اللغوية”، أو “مباحث الألفاظ”، أو “دلالات الألفاظ”…

      والذي أوجب فتح هذا الباب والتوسعَ فيه:

ــ ما طرأ من ضعف وخلل في معرفة اللغة العربية وفهم قواعدها ومعانيها، بعد أن دخلت الإسلامَ أعداد غفيرة من غير العرب، وأصبح منهم علماء وفقهاء ومدرسون، بل أصبح العرب أنفسهم يتعجمون ويتباعدون عن بلاغتهم وسلامة لغتهم.

ــ يضاف إلى ذلك ما تتميز به اللغة العربية من تنوع في أساليب الخطاب وتعدد في دلالات الألفاظ، من مقام لآخر، ومن سياق لآخر. وهو أمر يعسر فهمه على غير المتمرس بقانون اللسان العربي وبلاغته وأساليبه التعبيرية.

      ثم إن الخطاب الشرعي تميز أيضا بخصائص إضافية، في بعض مصطلحاته واستعمالاته البيانية المنضبطة إلى المعهود العربي، مما هو معرب عن قصد الشارع وإرادته الذي تكون فيه الدلالة تابعة للإرادة. وهو ما قد يغيب عن بعض الدارسين له، الباحثين عن دلالاته ومقاصده.

      ولأجل ذلك توجه الأصوليون لضبط هذا الباب وتقعيد قواعده، وإسعاف الأجيال المتلاحقة، ممن قصر باعهم وفسد ذوقهم اللغوي، مما حال دون فهم مقاصد الخطاب العربي الأصيل. وقد وجدنا الإمام الشافعي يُصَدِّر رسالته ومسائلَها الأصوليةَ بعنوان: «باب: كيف البيان؟»[12]. وقد أخذت الأبواب البيانية القسطَ الأكبر من الكتاب.

      وفيها أوضح الإمام أن أحكام الشرع: «إما مُبيَّنةٌ في الكتاب المنزل، وإما مجملة في الكتاب وبينتها السنة، وإما أحكام جاءت في السنة دون القرآن»[13].

     وكل ما تقدم مصدره الوحي نفسه. وبقيت أمور غير منصوصة، فرض الله الاجتهادَ في طلبها والاستدلال عليها “بالعقول التي ركب فيهم، المميزةِ بين الأشياء وأضدادها…”[14].

      وفي هذا السياق توقف الإمام الشافعي عند أهمية المعرفة باللغة العربية، التي هي لغة القرآن والسنة، ذاكرا بعضا من خصائص اللسان العربي وقواعده في الخطاب والبيان والتبين. قال رحمه الله: “فإنما خاطب اللهُ بكتابه العربَ بلسانها، على ما تَعْرِف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها: اتساعُ لسانها، وأنَّ فِطْرَتَه أنْ يخاطِبَ بالشيء منه عامًّا، ظاهرًا، يُراد به العامُّ الظاهر، ويُسْتغنى بأوَّل هذا منه عن آخِرِه. وعامًّا ظاهرًا، يُراد به الخاص. وظاهرًا يُعْرف في سياقه أنّه يُراد به غيرُ ظاهره. فكلُّ هذا موجود عِلْمُه في أول الكلام، أوْ وَسَطِهِ، أو آخِرِه.

      وتبتدِئ الشيءَ من كلامها يُبِينُ أوَّلُ لفظها فيه عن آخره. وتبتدئ الشيء يبين آخرُ لفظِها منه عن أوَّلِهِ.

      وتكلَّمُ بالشيء تُعَرِّفُه بالمعنى، دون الإيضاح باللفظ، كما تعرِّف الإشارةُ، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها، لانفراد أهل علمها به، دون أهل جَهَالتها.

      وتسمِّي الشيءَ الواحد بالأسماء الكثيرة، وتُسمي بالاسم الواحد المعانيَ الكثيرة…”[15]

      وبعد أن أتى على ذكر خصائص اللسان العربي، شرع في التمثيل لما ذكره مجملا. والمهم هنا هو بيان علاقة علم أصول الفقه بباقي الفنون الأخرى. وما يقال عن طبيعة الخطاب العربي في القرآن الكريم ينطبق تماما على السنة النبوية “فرسولُ الله عَرَبِيُّ اللِّسان والدَّار، فقد يقولُ القولَ عامًّا يُريدُ به العامَّ، وعامًّا يريدُ به الخاصَّ…”[16].

خلاصة هذا المقصد، أنه يخدم ــ مباشرةً ــ سلامةَ فهم خطاب الشارع، المتمثل في نصوص القرآن والسنة، وأن ذلك مداره على ثلاثة أمور:

ــ الاحتكام إلى خصائص اللسان العربي ودلالاته.

ــ تفسير النصوص بعضها ببعض، بما في ذلك الاحتكام إلى قواعد الشرع ومقاصده المستمدةِ من النصوص.

ــ اعتماد دلالات العقول والمنطق السليم.

      وقد ظلت مكانة اللغة العربية وما ارتبط بها من مباحث الألفاظ – منذ الإمام الشافعي– تحتل الحيز الأكبر والمكانة الأبرز من معظم المصنفات الأصولية. وعن هذا قال الإمام الغزالي: «اعلم أن هذا القطب هو عمدة علم الأصول؛ لأنه ميدان سعي المجتهدين: في اقتباس الأحكام من أصولها، واجتنائها من أغصانها»[17].

      وعنه تقول الدكتورة أمينة سعدي: “إن تحصيل الفهم المقصود للشارع في وضع شريعته، متوقف على معرفة أساليب البيان في اللغة العربية، وطرق الدلالة فيها على المعاني، وما تدل عليه ألفاظها مفردة ومركبة”[18].

      وعلى الإجمال فإن آثاره وامتداداته محققة في كافة العلوم الإسلامية، وفي كل فكر إسلامي، وهذا ما أشار إليه الدكتور عياض بن نامي السلمي في قوله: “ربما يظن كثير من أن أصول الفقه تقتصر فائدته على الفقه في المسائل العملية، والحق خلافُ ذلك؛ فإن فائدة هذا العلم لا يستغني عنها المفسر والمحدث والمتكلم والباحث في العقائد، وكل من يحتاج إلى فهم نصوص الوحي والاستدلال بها، فإن هذا العلم عبارة عن قواعد للفهم الصحيح والاستدلال الصحيح، والجمعِ بين ما ظاهره التعارض. ولهذا نستطيع القول إن تسميته بأصول الفقه لا يعني اقتصار فائدته على استنباط الأحكام الفقهية…

     والناظر في مسائل هذا العلم يجد كلامهم عن أصول التفسير وأصول الحديث، إلى جانب طرق الاستنباط من الأدلة النقلية، التي يستوي في الحاجة إليها المفسر والمحدث وغيرهما”[19]

      كما أن آثاره ممتدة إلى مهام ووظائف أخرى يمكن توجيه العلوم بها بشكل عام، وذلك تسديد الفكر وتقنين الاستدلال أشار إلى ذلك الإمام أبو الوليد بن رشد، في مقدمة مختصره لمستصفى الغزالي، فقد اعتبر أن علم الأصول هو أحد العلوم التي غايتها إنتاج قوانينَ تسدد الفكر والنظر، وتعصمه من الزلل. وقد بلغ في ذلك إلى حد تشبيهه وظيفةَ هذا الصنف من العلوم بوظيفة البركار والمسطرة، في ضبط المعارف الحسية والهندسية.

قال رحمه الله: “فلنقدم مقدمة نافعة في غرض العلم المطلوب ها هنا ومنفعته، فنقول: إن المعارف والعلوم ثلاثة أصناف:

ــ إما معرفةٌ غايتُها الاعتقاد.

ــ وإما معرفةٌ غايتُها العمل.

ــ وإما معرفة تعطي القوانين والأحوال التي بها يتسدد الذهن نحو الصواب في هاتين المعرفتين؛ كالعلم بالدلائل وأقسامها، وبأي حال تكون دلائلَ وبأيها لا، وفي أيها تستعمل النقلة من الشاهد إلى الغائب وفي أيها لا. وهذه فلنسمها سبارا وقانونا، فإن نسبتها إلى الذهن كنسبة البركار والمسطرة إلى الحس في ما لا يؤمن أن يُغْلَط فيه.

      وبيِّنٌ أنه كلما كانت العلوم أكثر تشعبا، والناظرون فيها مضطرون في الوقوف عليها إلى أمور لم يضطر إليها مَن تقدمهم، كانت الحاجة فيها إلى قوانين تحوطُ أذهانهم عند النظر فيها أكثر.

      وبهذا الذي قدمناه ينفهم غرض هذه الصناعة[20]، ويسقط الاعتراض عليها بأنه لم يكن أهل الصدر المتقدم ناظرين فيها، وإن كنا لا ننكر أنهم كانوا يستعلمون قوتها. وأنت تتبين ذلك من فتاواهم رضي الله عنهم، بل كثير من المعاني الكلية الموضوعة في هذه الصناعة إنما صححت بالاستقراء من فتاواهم مسألةً مسألة”[21].

      ومنهم الفخر الرازي، الذي جعل وظيفة علم أصول الفقه في ضبط علوم الشريعة، بمنزلة علم المنطق في ضبط العلوم العقلية، وبمنزلة علم العروض في ضبط صناعة الشعر وأوزانهِ، واعتبر الريادة التأسيسية للإمام الشافعي فيه مماثلة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مقدمة تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ل الشيخ مصطفى عبد الرازق.

[2] مناهج البحث عند مفكري الإسلام ص 5.

[3] المرجع السابق ص6.

[4] المرجع السابق ص 5.

[5] المرجع السابق ص 62.

[6] أصول الفقه الإسلامي منهج بحث ومعرفة د طه جابر العلواني ص 7.

[7] الطريق إلى التراث الإسلامي د علي جمعة ص 47.

[8] المرجع السابق ص 78.

[9] المصطلح الأصولي ص170.

[10] المصطلح الأصولي 175.

[11] من مقال بعنوان حاجتنا إلى علم أصول الفقه د البيانوي.

[12] الرسالة ص 21.

[13] الرسالة ص 21-22.

[14] الرسالة ص 24.

[15] – الرسالة ص 50.

[16] الرسالة 1/213.

[17] المستصفى من علم الأصول 2/7.

[18] فصل «الأصول الحاكمة لطرق الاستنباط»، ضمن كتاب (التجديد الأصولي) ص 527.

[19] – أصول الفقه الذي لا يسع الفقيهَ جهلُه، ص 20.

[20] أي: مقصود هذا العلم، وهو علم أصول الفقه.

[21] الضروري في أصول الفقه (أو: مختصر المستصفى) لأبي الوليد محمد بن رشد الحفيد، ص 34/32.

الجزء الثاني

      في الحلقة الأولى من حوارنا مع الدكتور عبد العالي عباسي، تناولنا قضية مهمة وهي أن علم أصول الفقه يشكل فلسفة المسلمين المأصولة، وكذا علاقة أصول الفقه بباقي فنون العلوم الشرعية، وفي هذا الجزء نتساءل مع الأستاذ حول علاقة أصول الفقه بحقل علوم التربية، والعوامل الكامنة خلف نشأة علم أصول الفقه.

       ففي العلاقة بين علم أصول الفقه وعلوم التربية بيَّن أنها علاقة تكاملية تتحقق على مستويات ثلاثة: فلسفةً: من خلال توحد الأهداف والغايات، والمثل التي تحكم توجهات الأفراد والمجتمعات، وسيطرة العلاقات المثلى التي تسود بين العباد وربهم، والعباد وبعضهم البعض. ومنهجا: من خلال تلاقح المناهج البحثية والتأصيلية بين العلمين (المناهج الأصولية لدراسة الخطاب، المناهج الحديثية لضبط المادة المتن، الدراسات الاجتماعية والإنسانية المساهمة في تفسير الظواهر الاجتماعية والنفسية). وموضوعا: من خلال استعانة العلوم الشرعية الدارسة للنص، بالدراسات الاجتماعية والإنسانية الدارسة للمحيط والإنسان، توسلا إلى حسن الربط بين الحكم ومحل تطبيقه.

      أما عن نشأة أصول الفقه فقد جلى الأسباب العلمية الثاوية خلف ذلك، منتقدا قصرها في الجانب السياسي، وتضخيم دوره بما يتنافى مع المعطيات التاريخية.

س3: قدمتم أطروحة عالجتم فيها علاقة أصول الفقه بعلوم التربية، أو بالأحرى العلوم الإنسانية، ماهي أبرز النتائج التي توصلتم إليها بهذا الصدد؟

      نظرا للعلاقات والروابط التي تربط علم أصول الفقه بغيره من العلوم الكثيرة، ونظرا لتعدد الحقول المعرفية التي تشتغل عليها علوم التربية، وذلك علم الاجتماع التربوي، وعلم النفس التربوي، وعلم البلاغة في شقه المتعلق بالمعاني والبيان، وديدكتيك بناء المعرفة… فإن هذا ما يجعل المجال واسعا للحديث عن أهم النتائج والخلاصات المتوصل إليها في هذا البحث وهي كالآتي:

ــ أن علم أصول الفقه بما هو ممثل لملتقى العلوم الشرعية، وبما له من مؤهلات وخصوصيات، قد تضمن بحق ما يشيد منظومة تربوية تعليمية شامخة، تبدأ بعلمية المادة، وفائدتها العملية، وتحقق أهلها ورسوخهم في العلم، ثم صحة وسلامة طرق أدائها.

ــ يعتبر المصطلح جوهر العلم وصلبه، ومؤسس قضاياه، ومحرر إشكالاته، والحاكم على محال النزاع فيها بين أهل كل صناعة، وفن من الفنون. فكم من اختلاف أصبح مشاحة اصطلاحية بعد أن آلت نتيجة المفاهيم والمصطلحات إلى شيء واحد. ولأهميته اعتنى به الأصوليون أيما اعتناء على مر تاريخ الفكر الأصولي تهذيبا، وتشذيبا، وتنقيحا، وتحقيقا. لأن ضبط صورته وحده هو المحدد لصحة الحكم الشرعي المستنبط، وسداد ورشاد التصور، والسلوك الإنساني.

ــ إن التكامل بين العلمين يجري ويتحقق على المستويات الثلاث: فلسفة، من خلال توحد الأهداف، والغايات، والمثل التي تحكم توجهات الأفراد، والمجتمعات، وسيطرة العلاقات المثلى التي تسود بين العباد وربهم، والعباد وبعضهم البعض. ومنهجا: من خلال تلاقح المناهج البحثية والتأصيلية بين العلمين (المناهج الأصولية لدراسة الخطاب، المناهج الحديثية لضبط المادة “المتن”، الدراسات الاجتماعية والإنسانية المساهمة في تفسير الظواهر الاجتماعية والنفسية). وموضوعا: من خلال استعانة العلوم الشرعية الدارسة للنص بالدراسات الاجتماعية، والإنسانية الدارسة للمحيط والإنسان توسلا إلى حسن الربط بين الحكم ومحل تطبيقه.

ــ إن مصطلح قصد الإفهام لا يتوقف على مجرد فهم الدلالة اللغوية بقدر ما يتجاوز ذلك إلى تمثل صورها الإجرائية التطبيقية، ومقاصدها الفلسفية التشريعية، وصيغها الامتثالية الرامية إلى تصحيح معاني التعبد، وإصلاح مقاصد المكلفين. وكذا التمكن من آليات تعلم العلوم مراعاة لاختلاف قدرات المكلفين/ المتعلمين وطاقاتهم الاستيعابية.

ــ إن عملية التخاطب ثلاثية الأركان: المخاطب/المرسل. المخاطَبْ/المرسل إليه. الخطاب/الرسالة. وهي محصورة في الخطاب الشرعي في: الله جل جلاله، الرسول صلى الله عليه وسلم، المجتهدون من علماء الأمة/المربي، ثم المكلف/المتعلم. ثم الخطاب الشرعي /نص اجتهادي إنساني.

      إن إقصاء كل من عنصري الغيب (الدين) والقيم، عن مصادر العلوم الإنسانية، ونظرياتها وتفسيراتها مع التمادي في قراءة الأنماط المجتمعية الحضارية المختلفة، من خلال منظور التجربة الأوربية، وعبر نظرة الغرب إلى نفسه وإلى العالم مع غياب المرجعية الدينية هو ما جعل هذه القراءات، والمناهج المعتمدة بعيدة عن العلمية والواقعية، كما جعل المخاطب الملقي في كل ما يلوذ به عاريا من كل ما يربطه بما حد لكل العلوم الإجابة عنه من قضايا، كقضايا الوجود والحياة والقيم.

ــ اهتمام عدة اتجاهات في العلوم الإنسانية بالمتلقي بدءا بالدراسات الأدبية إلى النقاد القدامى، إذ أصبح المتلقي يسكن خيال وذاكرة المنتج للخطاب، إلى حقل الفلسفة التي أصبحت تأخذ في الاعتبار -لدى روادها –أثر الفن في المتلقي.

ــ إن مشروع القراءة المنهجية للنصوص راهن على تحرير المعرفة من إسار المدرس الأستاذ، وتحرير التلميذ مما كان ينعم فيه من سلبية ليجعله محور العملية التعليمية التربوية.

ــ يراعى في الخطاب التربوي التعليمي توفر عدة شروط: أولها مراعاة ما يناسب المتعلم كما وكيفا. وثانيها ما يوافق مؤهلاته الذاتية، والنفسية، والعقلية.

ــ لقد اهتمت العلوم الإنسانية بمختلف فروعها بما ينمي إدراكات العقل وقدراته، حتى جعلت منه فكرا موسوعيا، كما اهتمت هي الأخرى بكل الأبعاد السيكولوجية، والسوسيولوجية التي ساعدت –وبشكل كبير- على فهم ذات الإنسان، وفهم محيطه، لكنها قصرت في تطعيم العقل بجمالية النقل، وبالتالي في بناء الإنسان بناء كليا.

      لقد صار مصطلح “قصد الإفهام “بهذه الدراسة مفهوما شموليا موسوعيا يبدأ بالعلوم الشرعية وينتهي بالعلوم الإنسانية، مستوعبا مرحلة تأسيس العلوم إلى نضج مصطلحاتها، وقواعدها ومناهجها، إلى استثمارها في فهم ما يخدم الإنسان، وكذا فهم الإنسان المتعلم المتلقي.

ــ إن العلوم كل العلوم سواء كانت واصفة للعلم أو موجهة للسير العام، لا يراد منها فهم ذات العلم، أو بالأحرى مصطلحاته، ولكن ما تؤول إليه من صيغ امتثالية، سواء في حقل العلم وتطبيقاته، أو بما يساهم في خدمة الإنسان وفهم وظيفته الوجودية.

ــ تعتبر أسباب النزول، والمعهود العربي أحد القرائن المقامية المهمة في فهم مقتضيات الأحوال، وإزالة اللبس والغموض، ولذلك يعد الإلمام بهذين الأمرين من الشروط الضرورية للمفسر.

      إذا كان الاتجاه الشكلي في دراسة اللغة (المنهج البنيوي والتوليدي) قد تماهى وأغرق في دراسة الألفاظ معزولة عن سياقها الاجتماعي، وأغفل الربط بين البنيات اللسانية والبنيات الاجتماعية، وأصبح عاجزا عن تفعيل عملية الدلالة، والاستظهار خارج دائرة المعنى المعجمي، فإن الاتجاه التواصلي المتمثل في الدراسات التداولية، واللسانيات الاجتماعية، وتحليل الخطاب من خلال ربطه بسياق إنتاجه سعى إلى التخلص من الجمود الذي يعاني منه المعنى، بهدف الوصول إلى المعنى التداولي للجملة، وبذلك تم الانتقال بالكلام من العلاقة اللفظية إلى العلاقة التخاطبية.

ــ تستند الكفاية التواصلية إلى ثلاث مقومات أساسية: الكفاية النحوية، والكفاية الاستراتيجية المعدلة لكبوات وعثرات التواصل، والكفاية السوسيولسانية المساعدة على امتلاك القواعد الاجتماعية للتواصل.

ــ إذا كان علم المعاني يهتم بما يناسب مقام المتلقي فإن وظيفته تبدو ذات بعد بيداغوجي لاهتمامها بما يؤثر فيه، من خلال تفاعله إيجابيا مع المسموع والمقروء، عن طريق التدرج بواسطة استراتيجيات الخطاب.

ــ إن الاهتمام الكبير الذي ناله السياق من الأصوليين في العلوم الشرعية، ومن علماء البلاغة في علم المعاني، ومن أصحاب اللسانيات في الدراسات التداولية، يبين الحجم الكبير لمكانته ودوره باعتباره ركنا في النظرية البيانية.

ــ إن سعي القرآن الكريم –في طريقة بيانه-إلى التعريف بالأمر الظاهر المحسوس، إنما ذلك لكونه أقرب إلى تحصيل الصورة العملية التطبيقية من مجرد الفهم النظري.

ــ إن فلسفة التدرج في القرآن قائمة على تحقيق هدفين: الأول مراعاة مقدار استيعاب المتلقي حسب ما يناسب طاقاته العقلية والنفسية كما وكيفا. والثانية : محاولة التنصل من الثقافة السائدة، من خلال الانطلاق منها ومشاركة المخاطب في بعضها للتخلي عنها كلية تطبيقا لقاعدة الاتصال الانفصال استراتيجية من استراتيجيات الخطاب.

ــ إن تجاوب القرآن الكريم مع المتلقي الأول الرسول صلى الله عليه وسلم، والمتلقي الثاني المكلفين من المسلمين إنما ينم ذلك عن تحقيق قصده المتجه نحو الإفهام أولا، ثم التكليف ثانيا. ولذا كان التدرج خاصية بارزة في خدمة القصد الإفهامي للشارع.

ــ اقتفت السنة النبوية مهيع القرآن الكريم في الإفهام والبيان، ولذلك فهي تضم بين ثناياها العديد من القواعد المساهمة في تبليغ الخطاب وإفهامه كمراعاة التدرج في التعليم، والتيسير، وعدم التشديد ،والاعتدال وعدم الإملال ثم استثمار الوسائل التوضيحية التعليمية.

ــ إن العملية الاجتهادية لا تتوقف عند الشق النظري المنصب على النص الشرعي فهما واستنباطا، ولكنها تتعدى ذلك إلى الوقوف عند مراعاة مدى إصابة الحكم الشرعي محله المناسب الذي يرمي إليه الشارع، ولذلك تحدثوا عن الجانب التنزيلي التطبيقي للأحكام وهو متعلق بعنصرين: الأول الفتوى. والثاني تحقيق المناط.

ــ إن الفتوى بما هي إعلام المفتي المستفتي الحكم الشرعي بخصوص نازلته لهي أيضا عمل تربوي يتوقف فيه النظر في واقع المستفتي، وفي أحواله النفسية والاجتماعية قبل إصدار الفتوى في شأنه.

ــ إن شأن الخطاب التربوي للمتعلمين، مع خطاب الله للمكلفين سيان من حيث القصد إلى الإفهام أولا، ثم إلى الامتثال ثانيا. ومن ثم روعي في كلا الخطابين تحقيق مناطيهما كما وكيفا.

ــ تعتبر المفاهيم وسيلة فعالة لربط المواد الدراسية المختلفة بعضها ببعض، وبذلك يتحقق مفهوم التكامل المعرفي، وهو أحد الاتجاهات الحديثة التي ينادي بها المربون في بناء المناهج المدرسية الفاعلة.

      إن أهم قواعد التعلم عند بياجي هو التركيز على بناء المعرفة وليس نقلها، وفق ما تسمح به بنيات المتعلم الذهنية وقدراته المهارية مع التركيز على تأهيله لاكتشاف المعرفة بنفسه، وتمثلها، وتكييفها مع خبراته.

ــ ينبني الجانب المنهجي في التعلم على مراعاة الفروق الفردية، ومبدأ التدرج، مع تجنب الإكثار الممل، والاختصار المخل. وينبني الجانب العملي التطبيقي على التدريب والممارسة العملية، ومذاكرة العلم وتكراره …

ــ إذا كانت نقطة قوة العلوم الإنسانية اهتمامها بالجانب التبليغي التنزيلي في عناية لا نظير لها بالجانب النفسي والاجتماعي، إلا أنها قصرت في ربط ذلك بالوحي.

      وقصدا منا إلى تحقيق التكامل المنشود- في ظل ما يطغى على أصول الفقه وهو الجانب التأصيلي التنظيري الاستنباطي، وما يغلب على العلوم الإنسانية وهو الجانب التنزيلي، فقد كنا نرمي بشكل أو بآخر إلى استفادة علم أصول الفقه من العلوم الإنسانية على هذا المستوى الذي اختصت به، ليضيف مكسبا آخر إلى ما أبحر فيه، وهو الجانب الاستنباطي، واستفادة الأخرى من علم أصول الفقه لتكمل نقصها فيما فرطت فيه وهو الجانب التنظيري التأصيلي الذي يوطن الإنتاج، ويحاكم إبداعات العقل الإنساني في العلوم الإنسانية.

س4: يرى البعض أن نشأة أصول الفقه كانت بدوافع وخلفيات سياسية، ما هو ردكم على هذه الدعوى؟

      لا شك أن معيار العلمية في دراسة الظواهر والأشياء يستوجب إخضاعها لظروف الزمان والمكان، والبيئة الثقافية والفكرية التي نشأت فيها، والملابسات الاجتماعية التي تلبست بها. وإن النظر الموضوعي في الواقع العلمي الذي نشأ فيه علم أصول الفقه يدرأ فكرة تسييس نشأته، ذلك أن ما عليه جماعةُ الدارسين المختصين – قديما وحديثا – هو أن البروز الأول لعلم الأصول جاء استجابة مباشِرة لاتساع المنازعات الفقهية والحديثية، وتزايد التساؤلات المنهجية التي ظهرت آنذاك، والتي كان أكبر تجلياتها انقسام فقهاء الشريعة وحفَّاظها إلى فريقين متنازعين هما: أهل الحديث، وأهل الرأي، مع وجود بعض الاختلافات حتى داخل كل فريق. فمن هنا تحتم وبدأ تقعيد القواعد، وتأصيل الأصول، ووضع الضوابط، إلى أن تم تشييد هذا البنيان المنسق المتين على يد الإمام الشافعي الذي يجسد المرحلة الإفهامية في تاريخ الفكر الأصولي، ساعده على ذلك تمرسه على كتاب الله، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم من حيث الاستنباط انطلاقا من إلمامه بمساقات الاستعمال ومقاصده، وكذا تمكنه من اللسان العربي الذي ساعده على استقراء طرق العرب في تنزيل الكلام في الواقع. ليس فقط الفهم العام، ولكن الأمر يتعلق بإفهام الكيفيات، لأن الناس كانوا مقبلين على التدين لكن لا يعلمون كيف؟ ورسالة ابن مهدي كانت أحد بواعث كتابة كتابه “الرسالة” التي لم تكن ترفا علميا، ولا غاية في الكتابة، ولكنها قائمة بالأساس على حل مشكل الفهم، وهو ليس مشكلا افتراضيا كما كان عند غيره[1]. ولكنه مشكل قائم، والحاجة إلى حله ماسة، لأنه يتعلق بالمرجعية العقدية والفكرية والفقهية تصورا وممارسة.

      وهذا المشكل عبرت عنه الكثير من النصوص الموثقة لتاريخ تدوين العلم كما هي عند ابن خلدون والشافعي أيضا.

      أما ابن خلدون فقد قدم رؤية تعليلية لتدوين العلم بناء على الحاجة الاجتماعية والعلمية للأمة قال: “واعلم أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصاً فمنهم أخذ معظمها… فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول، وانقلبت العلوم كلها صناعة…احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبوا فنا قائما برأسه سموه أصول الفقه”[2]. والنص واضح في بيان حاجة الأمة العلمية والتدينية إلى هذا الفن.

     وأما الشافعي ــ مدون هذا العلم ــ فإن مجرد التأمل في طبيعة الكتابة في الرسالة أسلوبا وتحليلا، ومجرد تخيل طبيعة المخاطب ينبئ عن وجود مشكل الفهم- فهم كتاب الله وسنة رسوله- ليس لدى عامة الناس فقط، بل عند النخبة، والسياق الثقافي والاجتماعي الباعث على التدوين يجلي ذلك، قال مستقرئا أساليب القرآن في البيان المراعي لمعهود العرب في النظم: “فإنما خاطب الله بكتابه العرب على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها، وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عاماً ظاهرا يراد به العام الظاهر، ويستغني بأول هذا منه عن آخره، وعاما ظاهراً يراد به العام ويدخله الخاص، وظاهرا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، فكل هذا موجود علمه في أول الكلام، أو وسطه أو آخره، وتبتدئ الشيء من كلامها يبين أول لفظها فيه عن آخره، وتبتدئ الشيء يبين آخر لفظها منه عن أوله، وتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ، كما تعرف الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها.

      وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة”[3]. والنص كاشف بلسان حاله وألفاظه وسياقه التاريخي عن الإحساس بوجود مشكل الانحراف في الفهم.

     ثم يردف قائلا: “وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره، لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها”[4]. وهذا تقرير للمرجعية اللغوية في الفهم التي تتأسس على مقاصد اللسان.

      ثم يضيف أيضا حاسما المرجعية التشريعية: “وليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلةٌ، إلا وفي كتاب الله الدَّليل على سبيل الهُدى فيها”[5].

     وظاهر خطابه يشير إلى ضرورة ضبط اللسان، ولكنه في العمق يغمز إلى حتمية إعادة صياغة العقل المسلم بما يضمن امتلاكه لمفتاح القراءة صيانة للأصول، واستيعابا للمفهوم مسيجا بالنسق المعرفي عقديا وفقهيا، بما يؤهله أخيراً للإحسان في الفهم، والإتقان في معالجة قضايا التدين في حياة الإنسان. ولهذا قال الإمام الرازي: “إن الإمام الشافعي وضع للمسلمين قانونا يفكرون به مثلما يستنبطون به أيضا”.[6] وهو يرمي من خلال ذلك إلى تقريب أنظار المجتهدين سعيا لتوحيد نمط التفكير، وتنظيمه منهجيا كي لا يبلغ الخلاف درجة الزاوية المنفرجة التي تعصف بوحدة أفكارهم.

      وهكذا ينقدح القول بأن الزعم أن علم أصول الفقه كان من وراء نشأته أسباب سياسية هو تبخيس لوظيفة هذا العلم، ونزع لحاكميته، سيما وأن قواعده صارت مساطر يحتكم إليها في الإثبات والنفي، والاعتبار والإلغاء، سواء تعلق الأمر بكتب الخلاف العالي والفقه المقارن، أو بمختلف قضايا الفكر الإسلامي قديمها وحديثها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] إشارة إلى الفقه الافتراضي عند أبي حنيفة.

[2]المقدمة، ص 503.

[3] الرسالة 51-52.

[4]نفسه ص 50.

[5]نفسه ص 20.

[6] ينظر المحصول للرازي 1/89.

الجزء الثالث

س5: ينادي البعض بضرورة الفصل بين أصول الفقه ومقاصد الشريعة ما هي المستندات العلمية لهذه الدعوة، وما هي مآلاتها؟

      إن الدارس للفكر الأصولي عبر تاريخه يجد أن كل ما دون في علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة لا يمكن أن ينفك بعضه عن بعض، ويقيم هذه الدعوة مجموعة من الأدلة نذكر منها:

أولا: إن الإمام الشافعي وقد رأينا أنه أول من دون في هذا الفن تحدث في كتابه الرسالة لغويا أصوليا ومقاصديا، حتى إن من الباحثين من اعتبر كتابه الرسالة مصدر تأصيل للفكر المقاصدي، ولذا فهو يجمع بين الدرس الأصولي والدرس المقاصدي، ويشهد لهذا الكثير من الشواهد والأمثلة.

ثانيا: إن ما فرعه الأصوليون عن قسم مقاصد الشارع من الأنواع الأربعة: القصد الابتدائي، والقصد الإفهامي، والقصد التكليفي، والقصد التعبدي الامتثالي، وبالخصوص النوع الثاني منها (القصد الإفهامي) هو نفسه ما يشتغل عليه علم أصول الفقه، وذلك مجموع الآليات والقواعد والضوابط والخطط التشريعية المنضبطة إلى القانون العربي، التي غايتها الكشف عن مراد الشارع وقصده الرامي إليه من نصوصه وخطابه لضبط الخلق إلى مقاصد التشريع العامة جلبا للمصالح ودرءا للمفاسد.

ثالثا: إن مقاربة الكثير من الأصوليين لعلم أصول الفقه وعلى رأسهم الإمام الشاطبي –الذي نظر للمقاصد- هي في العمق مقاربة مقاصدية، ذلك أن مؤلف الموافقات بجميع كتبه، بدءا بكتاب الأحكام فالأدلة فالدلالات فالاجتهاد، كل ذلك يتنفس بصبغة المقاصد، حتى صارت المقاصد روحا لجسد هو علم أصول الفقه، يكفي من ذلك أن نورد ما جاء عنده في كتاب “الأحكام” وقد خص معالجته للحكم الشرعي بشكل عام بميزتين ونظرين:

الأول: نظرته التكاملية لأقسامه: حيث جعل بين هذه الأقسام جسوراً يربط بعضها ببعض، ويكمل بعضها بعضا.

والثاني: نظرته المقاصدية: حيث ربط بين تفاوت درجات الإلزام في الأحكام التكليفية الخمسة، وبين مستوى خدمتها للمقاصد الثلاثة من جهتي الوجود والعدم، ولذلك كان أعلى درجات الإلزام: الوجوب والحرمة من حيث حفظهما للضروريات لعظم مصالحها في الحياة، وأدنى منهما: الندب والكراهة من حيث حفظهما للحاجيات، وإنما يتفاوت الإلزام بتفاوت ما يبنى على ذلك من المصالح.

      وفي قسم المندوب كان نَفَس المقاصد حاضرا بشكل أصرح قال: “المندوب غير لازم بالجزء ولكنه لازم بالكل”[1]. ومعنى ذلك أن المندوب غير لازم في صورته الآحادية لأنه ليس لتركه كبير تأثير، لكنه يصير لازما في صورته الكلية لما ينبني على الإخلال به من إخلال بالمقاصد الكبرى للدين، ولذا قال: “إذا كان الفعل مندوبا بالجزء كان واجبا بالكل، كالآذان في المساجد الجوامع أو غيرها، وصلاة الجماعة، وصلاة العيدين، وصدقة التطوع، والنكاح، والوتر، والفجر، والعمرة، وسائر النوافل الرواتب”[2].

      وهكذا في قسم المباح أيضا حيث جعله أقساما بحسب الجزئية والكلية، وهذه الفلسفة التشريعية التي طبعه بها هي التي جعلت المباح حكما تكليفيا خادما لجهة الطلب أو جهة الترك.

      إن هذه الرؤية الأصولية المقاصدية التي طبعت كتابات الإمام الشاطبي، هي التي دفعت بالشيخ عبد الله دراز في تعبير صريح وواضح منه إلى اعتبار علم أصول الفقه قد ظل فاقدا لشطر كبير منه حتى جاء الإمام الشاطبي، فأكمل بنيانه، وشيد عمرانه، ولم يصدر منه ما يدل على أن مقاصد الشريعة علم مستقل عن علم أصول الفقه وإن كان من أشار إلى ذلك من معاصريه (الشيخ الطاهر بن عاشور ت1973م)، قال الشيخ دراز: “وهكذا بقي علم الأصول فاقدا قسما عظيما، هو شطر العلم الباحث عن أحد ركنيه، حتى هيأ الله سبحانه وتعالى أبا إسحاق الشاطبي في القرن الثامن الهجري، لتدارك هذا النقص، وإنشاء هذه العمارة الكبرى، في هذا الفراغ المترامي الأطراف، في نواحي هذا العلم الجليل”[3].

  س6: كثرت الدعوة إلى تجديد أصول الفقه، كيف تتصورون تفعيل ذلك؟

       لقد تأكد نظريا وعمليا أن التجديد هو طابع العلوم الإسلامية عموما، دليل ذلك نظريا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”[4]، وشاهد ذلك عمليا: تاريخ العلم وواقع الفقه، وقد تحقق بالاستقراء أن العلم رهين الواقع في تغير أنساقه الفكرية والمعرفية والتدينية، وخاضع لتطوراته وتغيراته التاريخية، ولذلك يلزم من أي تحول داخل ماهية المجتمع وهويته أن يقع تغير في قواعد العلم، وطبيعة ما ينتج عنه من بُنى معرفية غايتها صناعة الفعل الحضاري. نتيجة ذلك هو إعادة النظر في وظيفة العلم ومتعلقاته وهما: فقه الفهم، وفقه التنزيل.

      وإذا كانت وظيفة علم أصول الفقه هي بناء أسس الفهم، وقواعد فقه التنزيل فإن مساحة القول بالتجديد فيه ترتبط بدائرتين: الأولى: دائرة مقتضيات الألفاظ الشرعية بحثا عن مقاصد الخطاب، ويشمل الأمر: جدل المرجعية التشريعية في أصولها التبعية، وجدل المنهجية التشريعية. والثانية: دائرة: مقتضيات فقه التنزيل، تنزيلا يراعي مقاصد الشرع، ورفع الحرج عن الخلق.

      ولقد اقتضى ذلك البدء بتحديد المرجعية العليا المؤطرة لأصول تشكيل وتفكير العقل الإسلامي وهو ما يتعلق بمصادر الأحكام، أو المصادر المرجعية المتضمنة لأحكام الشرع المرشدة إليها، وهي إما أصلية منشئة للأحكام متضمنة لها ابتداء واستقلالا، أو تبعية كاشفة مظهرة للأحكام لا منشئة لها، تابعة للكتاب والسنة. على أساس أن النظر يتوجه إلى النصوص باعتبارها ألفاظاً لإدراك معانيها ومقاصدها التي قصدها الشارع، ليتوجه النظر بعد ذلك إلى قصد الشارع الكلي لاستنباط الحكم الشرعي منه.

      على أنه يتعقب هذا الاجتهاد نظر متجدد في طبيعة النصوص والأحكام من حيث تفاوت رتبها التشريعية لتمايز ما وضعت له من عظم المصالح جلباً والمفاسد درءاً، حسب ما يخدم مقاصد الدين الكبرى، سيما وأن هذه المصالح والمفاسد غير متمحضة، وإنما تؤخذ حسب النظر في الجهة الغالبة، نظرا تتفاضل فيه الأوامر في ذاتها، والمفاسد في محيطها، انتقالا إلى الموازنة بين فعل الواجبات وترك المحرمات. واشتغال العقل في كل ذلك عذب المذاق محمود الغب جار على مقاصد الشريعة.

      وإذا تحقق ما يشبه الإجماع حول انحسار الأثر القيادي الإرشادي لعلم أصول الفقه مما هو ظاهر الأثر اليوم، في المنهجيات التي يشتغل بها التفكير الإسلامي مما يستوجب ضرورة الإحياء والبعث، فإن الذي لا يمكن الاختلاف حوله، هو أن تجديد الإنتاج، وتجديد الصياغة، رهين بتجديد الاستيعاب وفق ما يقتضيه المنهج.

وقد اقتضى منهج معالجة فكرة التجديد تدبيج عنصرين:

الأول: يتعلق بتتبع ورصد محاولات التجديد في الفكر الأصولي.

والثاني: مقترحات في طريق التجديد.

      ولقد جسدت أطوار صناعة هذا العلم –في جميع مباحثه وقضاياه تصنيفا وتوظيفا- حقيقة التجديد مع صنيع الإمام الشافعي في كتابه الرسالة الذي بين أن هذه الصناعة تشكل منعطفا حضاريا في تاريخ العلم، ولمسة تجديدية ترمي إلى إعادة صياغة العقل المسلم، صياغة تجد أصولها المعرفية، وضوابطها المنهجية، في المذهبية الإسلامية، وتعيد ترتيب أولوياته العلمية والحضارية سعيا إلى “صيانة الأصول وضبط العقول في سعيها لصياغة تصوراتها لقضايا التدين في حياة الإنسان”[5] وتقنين نظم المعرفة المرتبطة بالوحي.

      ولقد صدق مصطفى عبد الرزاق حينما اعتبر علم أصول الفقه في شخص الشافعي يمثل أمرين:

الأول: المنهج الإسلامي في قراءة النصوص.

والثاني: تجسيده لفلسفة الفكر الإسلامي: تجلى ذلك عنده في “وضع نظام الاستنباط الشرعي في أصول الفقه”[6] التي كانت بمثابة “ملامح لنشأة التفكير الفلسفي في الإسلام من ناحية العناية بضبط الفروع والجزئيات بقواعد كلية”[7]. وقد شكل هذا بداية قوية للتأليف العلمي المنظم في فن جمع الشافعي لأول مرة عناصره الأولى. ولذلك حق للإمام الرازي أن يقول في شأنه: “واعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسططاليس إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض.”[8].

      أو مع إمام الحرمين الجويني ت 478هـ حيث كان لظهور مجموعة من الأحداث أثرا على الصناعة الأصولية، إذ تأثر كتابه البرهان بمناهج المناطقة وطرائقهم في الاستدلال والحجاج. ولذلك أشار إلى أهمية (الحد) في أي فن، ذلك أنه “حق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلوم أن يحيط بالمقصود منه، وبالمواد التي منها يستمد ذلك الفن، وبحقيقته وفنه وحده إن أمكنت عبارة سديدة على صناعة الحد”[9]. وقال: “الغرض من الحد الإشعار بالحقيقة التي به قيام المسؤول عن حده، وبه تميزه الذاتي عما عداه”[10].

      والناظر في كتب تلميذه أبي حامد الغزالي يجد أن طبيعة التأليف فيها إنما هو استمرار لمدرسة شيخه الجويني، وأكبر دليل على تأثره بالنفس المنطقي في الكتابة الأصولية تصديره لكتابه “المستصفى” بالمقدمة المنطقية الشهيرة التي جزم بأنه “مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا (…) وحاجة جميع العلوم النظرية إلى هذه المقدمة لحاجة أصول الفقه”[11].ومن ثم جعل الحد والبرهان آلة اقتناص العلوم. وقد كان للإمام الغزالي أثرا واضحا للتجديد الأصولي على مستوى التصنيف، ذلك أن علم أصول الفقه كان عبارة عن وحدات فكرية متناثرة لا تجمع بينها رابطة، ولا تكاد تجد نسقا موحدا يحدد العلاقة بين مفاهيمه ومكوناته حتى جاء الإمام الغزالي بنظرية الأقطاب الأربعة؛ وهو ما عنونه بقوله: “بيان كيفية دورانه على الأقطاب الأربعة” ثم قال: “اعلم أنك إذا فهمت أن نظر الأصولي في وجوه دلالة الأدلة السمعية على الأحكام الشرعية، لم يخف عليك أن المقصود معرفة كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة، فوجب النظر في الأحكام، ثم في الأدلة وأقسامها، ثم في كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة، ثم في صفات المقتبس الذي له أن يقتبس الأحكام، فإن الأحكام ثمرات، وكل ثمرة فلها صفة وحقيقة في نفسها، ولها مثمر ومستثمر وطريق في الاستثمار”[12]. والنص يتضمن رؤية عميقة جدًّا أسهمت في إعادة بناء الدرس الأصولي تصنيفا.

      ولأن كل نظر في علم أصول الفقه يلزمه الأخذ بعين الاعتبار السياق التاريخي الذي أنتج فيه، فقد دفعت أحداث المجتمع في ميلاد أكبر عملية تجديد في تاريخ علم أصول الفقه، شكلت منعطفا حضاريا في إعادة صياغة العقل المسلم، صياغة جمعت بين ضبط قوانين العقل، وتسييج مقاصد المكلف، في معادلة عُمِل فيها على “دمج العقل بالقلب حتى تنقاد النيات إلى قوانين العلم، فلا تضل في متاهات البدع والخرافات، وينقاد العقل أو العلم إلى صلاح النيات، أي إلى قصد الشارع فلا يزل عن قصد التعبد إلى قصد الحظ”[13]. فكان أكبر مشروع تجديدي للأمة عقيدة وفكراً وتدينا ولكن عبر قناة التجديد في علم أصول الفقه، كان ذلك مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي الغرناطي (ت790). هذا التوفيق بين قوانين العقل وقوانين الشرع، وهذا التقريب الأصولي بين مختلف المذاهب الفكرية والفقهية كان حاضراً عنده، وهو بصدد تسمية كتابه “الموافقات”، وقد كان سماه قبل “التعريف بأسرار التكليف تم عدل عنه إلى ما ذكرت: “الموافقات” قال عنه: “وحاصله أني لقيت يوماً بعض الشيوخ الذين أحللتهم مني محل الإفادة، وجعلت مجالسهم العلمية محطا للرحل ومناخاً للوفادة، وقد شرعت في ترتيب الكتاب وتصنيفه، ونابذت الشواغل دون تهذيبه وتأليفه، فقال لي: رأيتك البارحة في النوم وفي يدك كتاب ألفته، فسألتك عنه فأخبرتني أنه كتاب الموافقات. قال فكنت أسألك عن معنى هذه التسمية الظريفة، فتخبرني أنه كتاب الموافقات، قال فكنت أسألك عن معنى هذه التسمية الظريفة، فتخبرني أنك وفقت بين مذهبي ابن القاسم وأبي حنيفة، فقلت له: لقد أصبتم الغرض بسهم من الرؤيا الصالحة مصيب وأخذتم من المبشرات النبوية بجزء صالح ونصيب”[14].

وقد شملت خطة تجديده ــ بما استدعاه نظره العلمي الثاقب ــ مدخلين:

الأول: المدخل المصطلحي، والثاني: المدخل المقاصدي:

أما الأول: فقد وجه من خلاله نقداً غير صريح لما تقدم، وذلك نقده لنظرية الحد “من جهتين:

الأولى: فلسفية، من حيث إن المناطقة يرمون في الحد معرفة الماهية وهو محال، لأن الماهية في الجوهر غيب، وإنما نعرف الأشياء بأعراضها ولوازمها ذلك “أن ماهيات الأشياء لا يعرفها على الحقيقة إلا باريها، فتسور الإنسان على معرفتها رمي في عماية”[15] وهذا قصد مناقض لقصد الشارع الاعتقادي، أي أنه طلب لما نُهي شرعا عن طلبه، أو بمعنى آخر: طلب لحد أمر توقيفي بالعقل. وهو الماهيات من حيث هي جواهر، إذ محاولة ذلك إنما هو من قبيل: “يسألونك عن الساعة أيان مرساها”[16].

وأما الثانية: فلكون الحد المنطقي خارجاً عن مقتضى النظر الأصولي، أي خارج عما يشتغل عليه النظر الأصولي الذي ينبنى على قصد الامتثال، والبحث في الماهيات بحث فيما ليس تحته عمل. وهو ما نفى الشاطبي دخوله في الفكر الأصولي، لأن صياغة الحد في ذاتها أشبه ما تكون بالمستحيلات من حيث “أن الحدود على ما شرطه أرباب الحدود يتعذر الإتيان بها”[17]. ففي “ذلك من تكليف ما لا يطاق ما فيه. ثم فيه بعد الصياغة ــ إن تمت ــ ما فيه من إغراب مخل بقصد الإفهام، فالامتثال”[18].

      ولذلك وجدنا الشاطبي في مقدماته الثلاث عشرة يُحكم المنهج البياني الذي سيقتفي أثره ويبني عليه قضايا العلم قال: “كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أو لا تكون عونا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية (…) ولا يلزم على هذا أن يكون كل ما انبنى عليه فرع فقهي من جملة أصول الفقه”[19]. وأردف قائلا: “كل مسألة لا ينبنى عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي”[20].

      وأما المدخل الثاني: المدخل المقاصدي : فقد تأكد بصورة واضحة جلية سريان نظرية المقاصد في كل المصطلحات الأصولية، وفي جميع أقطاب الدرس الأصولي بدءاً بكتاب الأحكام إلى الأدلة إلى الاجتهاد، وما تفرع عن ذلك.

      ولذلك يمكن ترجمة أبعاد هذه النظرية في قسم “الضروريات الخمس” وفي “مسائل المباح” حيث تجلت لمسة المقاصد “عنده بشكل واضح لم يسبق إليه، ولم يتناوله غيره بالطريقة التي عالجه بها وهكذا في غيره من الأحكام.

      وقد طبع مقاربته للحكم الشرعي بميزتين ونظرين:

الأول: نظرته التكاملية لأقسامه: حيث جعل بين هذه الأقسام جسوراً يربط بعضها ببعض، ويكمل بعضها بعضا.

والثاني: نظرته المقاصدية: حيث ربط بين تفاوت درجات الإلزام في الأحكام التكليفية الخمسة، وبين مستوى خدمتها للمقاصد الثلاثة من جهتي الوجود والعدم، ولذلك كان أعلى درجات الإلزام: الوجوب والحرمة من حيث حفظهما للضروريات لعظم مصالحها في الحياة، وأدنى منهما: الندب والكراهة من حيث حفظهما للحاجيات، وإنما يتفاوت الإلزام بتفاوت ما يبنى على ذلك من المصالح.

     ولم تفتأ نظرية المقاصد أن امتدت إلى معالجة البعد الحضاري للأحكام التكليفية، عبر عن ذلك الشاطبي في قسم المندوب بقوله: “المندوب غير لازم بالجزء ولكنه لازم بالكل”[21]. ومعنى ذلك أن المندوب غير لازم في صورته الآحادية. لأنه ليس لتركه كبير تأثير، لكنه يصير لازما في صورته الكلية لما ينبني على الإخلال به من إخلال بالمقاصد الكبرى للدين ولذا قال: “إذا كان الفعل مندوبا بالجزء كان واجبا بالكل، كالآذان في المساجد الجوامع أو غيرها، وصلاة الجماعة وصلاة العيدين وصدقة التطوع والنكاح والوتر والفجر والعمرة، وسائر النوافل الرواتب.”[22].

      وأما المدخل الثالث: ويتجلى في ارتقائه بعلم أصول الفقه إلى اعتباره ملتقى العلوم الشرعية واللغوية وإن كان فعل الشاطبي في هذا الأمر هو استمرار لجهود من نظروا لأصول الفقه قبله، لكن لمسة التجديد العلمي عنده واضحة في هذا الجانب، فقد اغتنى مصطلحه الأصولي بتعدد مصادره العلمية، فقد ارتحل إلى علم الأصول عنده الكثير من المصطلحات المنتسبة إلى علم آخر لكن التوظيف والاستثمار لها كان أصوليا، ويظهر هذا التنوع المصدري للمصطلح الأصولي عنده في كتابه الموافقات بشكل واضح. فقد وظف مصطلحات متنوعة منها صاحب المصدر الكلامي والفقهي واللغوي والحديثي والقرآني والأصولي وغير ذلك كثير.

      وبعد هذا أمكن أن نقول إن مشروع الشاطبي في الكتابة داخل نسق أصول الفقه قائم على الإصلاح والتجديد لدين الأمة، ولكن من باب العلم، تجديداً له من مدخل النسيج المصطلحي الذي راكمه، ورؤيته المقاصدية الناضجة في نظره النقدي العلمي.

ثانيا: مقترحات في طريق التجديد:

      إذا أمكننا أن نعتبر محاولات التأليف الأولى في تاريخ الفكر الأصولي تجديداً بلا منازع، وهي تعكس المنعطفات الحضارية الكبرى لتاريخ العلم، وأن ندحض كل مزاعم النقد الموجه إليها، وذلك لاستجابتها لطبيعة السياق التاريخي والموضوعي الذي كتبت فيه سواء ما ناسب تاريخ إبداع هذا العلم وفتقه، أو ما انقدح فيه نَفَسُ المنهج المنطقي في الكتابة أو التأليف الأصولي، أو ما -حاز شرف الإجماع مما جاء بعد ذلك سيما ما -كتب في القرن الثامن الهجري وقد استوعب كل أركان التجديد جملة وتفصيلا. فإن كل المحاولات التي جاءت بعد ذلك –خصوصا المعاصرة منها- لم تسلم من النقد، ولم تضف إلى أصول الفقه شيئا غير التأكيد على ضرورة الاشتغال بقواعده، وأهميته المنهجية الاستدلالية والاستنباطية والبرهانية والمعرفية والتنزيلية.

      وإني مع ما لاحظته من نقائص على محاولات التجديد هذه فإني لا أنكر صعوبة الأمر بما يبرر عدم وضوح الرؤية، وملازمة الحيرة للناظر فيه لأن سياق التجديد هو سياق يفتقر إلى النموذج، والنظر في موضوعه يستلزم النظر في صفات القائم به، والاقتضاءات العلمية والمعرفية والمنهجية التي يستقيم نظره بها، بحيث تسلم طروحاته من كل الاعتراضات التي تمنع الرؤية من أن تكون رؤية علمية حقيقية تجيب عن إشكال التجديد في علم أصول الفقه. ثم هل دعوى التجديد هذه مفتقرة إلى إعادة النظر في قواعده، أم إلى عدم وجود من هو مؤهل للعمل بهذه القواعد؟

      ومع أن هذه التساؤلات الواقعية والموضوعية تستلزم إعادة النظر في سؤال التجديد إلا أن هناك من المقترحات ما يمكن أن نقتنع ونأخذ به، ونعتبره أمرا مسلما به في مقومات القول بالتجديد، أو أن نسجله في أدنى درجات القول به كملاحظات يجب إعادة النظر فيها على رأسها تضييق مساحات الخلاف فيه، وقد سرطته المذهبية الفقهية والمذهبية الكلامية الجدلية نذكر نماذج من ذلك مما ورد في أمهات كتب أصول الفقه مثل الاختلاف بين الأصوليين في مسألة الناسخ قبل تبليغه صلى الله عليه وسلم الأمة هل يثبت في حقهم بمعنى الاستقرار في الذمة أو بمعنى الامتثال، أو لا يثبت فيهما معا”[23]؟ ومثله الاختلاف في جواز نسخ الخبر، قال القاضي أبو بكر في إحدى صوره: يجوز نسخ إيجاب الإخبار بشيء، بإيجاب الإخبار بنقيضه…كالتكليف بالإخبار بقيام زيد ثم التكليف بالإخبار بعدمه، لاحتمال كونه قائما عند الأول، وغير قائم عند الثاني، فإن لم يقبل التغيير كحدوث العالم فمنعه المعتزلة بناء على التقبيح العقلي، وجوزه أهل السنة”[24]. ومثله أيضا الاختلاف في كثير من قواعد المنهجية التشريعية، ولذلك سعى الكثير من الأصوليين مثلا إلى القول بإرجاع الاستحسان إلى أصل رفع الحرج أـو إلى المصلحة، من باب تضييق المختلف فيه إلى الأصول المتفق عليها. ومثله أصل مراعاة الخلاف إذا تأملته وجدته أصلا ترجيحا في الاجتهاد يؤخذ فيه بما غلب درءاً للمفسدة أو أخذاً بأدناها وأخفها، ثم جلبا للمصلحة أو أخذاً بأعظمها وأكبرها لانتفاء التمحض في الأمرين. وسد الذرائع يمكن إرجاعه إلى أصل المنع الذي سميت به تغليبا، أو إلى أصل الإذن حينما يتوجه الخطاب إلى الأمور المنهي عنها باعتبارها وسائل لا باعتبارها مقاصد، فيترتب على التقيد بالمنهي عنه الوسلي تفويت مصالح كبيرة فيلزم عن ذلك التمسك بالفتح لا السد، “فالذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة”[25].

وشرع من قبلنا أيضاً أصله ما كان في الكتاب والسنة من آيات وأحاديث، لا أن نأخذ بما في التوراة والإنجيل فالقرآن مهيمن عليهما معا.

      وإذا كان أصول الفقه وضع أصالة لبناء الفقه فإن الحاجة –العلمية والمنهجية- إليه اليوم صارت أشد، ولذلك يمكن استثماره في الدراسات التطبيقية التفسيرية، إذ أصول الفقه ينبغي أن يكون حاضراً في بناء قواعد علم التفسير فذلك أول وظائفه العملية سيما وأنه يقدم منهجا متكاملا لفهم النصوص الشرعية وبيانها قرآناً وسنة، وتلك هي الغاية الأولى التي أنشيء من أجلها، إذ هو المحدد لدلالات الألفاظ وفق فهم شمولي يربط فيه الكلي بالجزئي، والعام بالخاص، والمطلق بالمقيد، والمنطوق بالمفهوم، والمجمل بالمبين سيما إذا  نظر إلى الأمر نظرة شمولية، واستعين في ذلك بالعلوم التراثية التي تعتبر قواعدها في وضع الموجود بالقوة، لا الموجود بالفعل، بما هي قواعد مشتتة موزعة في رحم التراث. وهي في ذلك متوقفة على استخراجها من كتب علم البلاغة، وقد حظي القرآن الكريم باهتمام كبير من طرف البلاغيين، وكان مرتعهم في الاشتغال، وكذا كتب المعاجم التي يمكنها أن تقدم تفسيراً شاملا للقرآن الكريم يكفي الباحث من ذلك أن يقف عند لسان العرب لابن منظور، ومقدمات كتب التفسير وكتب الإعجاز، وكتب الفقه، والكثير من كتب الأدب القديم التي اهتمت بالشعر والنثر العربيين… فكل هذه العلوم إذا وجدت وقعدت قواعدها، أمكن أن نتجاوز أزمة ضعف التفسير وليونة مصطلحاته، وأن نبدأ مرحلة الإبداع فيه، استعانة بهذه القواعد المستجمعة من علوم التراث، وحينئذ يمكن أن نَشرع في مرحلة تجديد العرض بقواعد تسمى: “قواعد علم التفسير المؤسسة على الاستثمار التركيبي للعلوم، لا الاستثمار الآحادي، لأن التحدي يكون في إيجاد نموذج تركبي علمي معرفي مندمج. كل هذا في إطار المسالك الأساسية للفهم وهي: البيان والتفسير، والتأويل مع تثوير “القواعد المنهجية” التي يمكن استثمارها في مسالك الفهم، وهي: السياق، والتعليل، والتقصيد.

وفي هذا السياق يمكن إدراج ما بسطه الشيخ الطَّاهر بن عاشور من القول بصلاحية هذا الجانب من علم أصول الفقه أن يكون مادة للتفسير وأداة للمفسر، وذلك “من جهتين:

إحداهما: أن علم الأصول قد أودعت فيه مسائل كثيرة هي من طرق استعمال كلام العرب، وفهم موارد اللغة، أهمل التنبيه عليها علماء العربية، مثل مسائل الفحوى ومفهوم المخالفة.

الجهة الثانية: أن علم الأصول يضبط قواعد الاستنباط ويفصح عنها، فهو آلة للمفسر في استنباط المعاني الشرعية من آياتها”[26].

      وبهذا الاشتغال يمتد الأثر الأصولي ليشكل جزءاً من المنهج العلمي لتفسير النصوص بكل أنواعها، وقد نبه ابن جزي الغرناطي قديما إلى أن المفسرين أغفلوا أصول الفقه في صياغة قواعد التفسير، وأشار السكاكي أيضا في كتابه مفتاح العلوم إلى أن أول ما يعين المفسر في تحصيل العلم بكتاب الله هو علم أصول الفقه. هذا فضلا عمّا له من وظائف علمية ومنهجية أخرى، يجب أن يُتجه في تحقيقها إلى “تحديد الضوابط الأصولية، والقواعد المقاصدية، فيما يتعلق بفقه الأولويات والموازنات، وكذا قواعد ترتيب الحجاج، والاستدلال”[27]. وهكذا تتجه الجهود إلى تكميل وتتميم أصول الفقه “بقواعد تضمن بناء مراتب التشريع ليس بمعنى الترتيب التقليدي للأصول: الكتاب فالسنة فالإجماع فالقياس ! كلا فهذا ترتيب مدرسي، لا إشكال فيه ولا خلاف، وإنما القصد منه بيان قوة الحجة الكلية للدليل، وأما قواعد الترتيب التشريعي المطلوب تجديدها، فهي المتعلقة بترتيب التفكير الفقهي، الضابطة لمراحله الذهنية، بدءا بمرحلة الفهم للنص، كيف يتم؟ ثم مرحلة الاستنباط منه كيف تقع؟ ثم مرحلة التحقيق للمناط: كيف تنزل أحوالها ومآلاتها بين العموم والخصوص؟ وما يعتري كل ذلك من تقديم وتأخير، أو استثناء وتخصيص للأدلة بعضها على بعض، وبعضها من بعض إلى غير ذلك من سائر الأحوال والممكنات الاستدلالية في الدرس الأصولي والمقاصدي”[28].

      وبهذا نضمن بناء النظر الكلي للدليل، لا النظر الجزئي الذي يظل التفكير فيه رهين الدليل الجزئي، وهو ما لا يستقيم به الاستدلال، ثم التفريق بين مستويات نصوص الوحي، واجتهادات العقل في حجية وقوة ما يتمسك به، “فليس ما شرع في القرآن – من حيث القوة التشريعية- على وزان ما اشتغلت السنة بتشريعه، ولا ما شرع في السنة على وازن ما اشتغل الاجتهاد بتشريعه، وليس ما أجمل في الكتاب كما فصل فيه، فهذا ترتيب لا تكاد تجد له في أصول الفقه قواعد مفصلة إلا قليلا، رغم أنه جار في الاعتبار الفقهي لدى أغلب علماء الأمصار والمجتهدين الكبار”[29].

      وهكذا إلى تكميل قواعد تحقيق المناط بمعناه العام والخاص، وتفعيل ذلك في مجال النفس إلى مجال المجتمع، سيما وأن لقواعد أصول الفقه مجال خصب وحضور متميز في العلوم الاجتماعية والإنسانية، أو قل من الحضور المتميز في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومن ضمنها علوم التربية، وقد تبين ما لمنهج الدرس الأصولي من أثر تربوي تعليمي[30]، وذلك بناء المادة التعليمية ابتداء من كيفية اختيار المحتوى، إلى كيفية تقديم المادة العلمية للطالب، وبيان طرق عرضها عرضا يسهل معه أخذها، وإدراك مسائلها وأسرار ترتيبها، وبيان هيآتها الاجرائية، وكيفياتها الأدائية التعليمية.

      وقد أفلح الدرس الأصولي –أيما فلاح- في تنمية الإنسان وحفظه في كله: دينا ونفسا وعقلا ونسلا ومالاً، فهو في منهجه التنموي لا يقف عند خدمة كلي العقل، ولكن يتعدى ذلك ليحقق مصلحة المكلف في المعاش والمعاد، في ربط دائم بما يخدم القصد العام للتشريع، جاء عن الغزالي: “مقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ورفعها مصلحة، وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضروريات فهي أقوى المراتب في المصالح”[31].

     وإن الإحاطة الشمولية بتربية الإنسان وحفظه وجدانيا، وإنمائه فكريا من خلال الاشتغال بما يفيد العمل، أعني ما ينبني عليه العمل، ويهذب السلوك… هي ما جعلت من هذا العلم علما شامخًا يجمع بين صحيح النقل وصريح العقل، ليكون المكلف شامخا شموخاً عقليا وفطريا.

     وفي هذا قال الغزالي: “وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم أصول الفقه من هذا القبيل فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول، بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد”[32].

     وبمنهجه هذا كان أرقى العلوم في توصله إلى أجمل صور الاستثمار البشري الإنساني على الإطلاق لأنه لا يضخم جهة على أخرى، ولا يغذي إدراكاً أو صفة في المكلف على حساب أخرى فهو يساهم في تكوين الشخصية السوية المتزنة، ويحقق منهجا وسطا في الفهم، لا يميل إلى الإفراط أو التفريط، ولا إلى الغلو أو التقصير ومن هنا تأتت جمالية هذا العلم لجمال منهجه في التربية والتكوين.

     ويمتد استثمار أصول الفقه أيضا إلى توظيف العديد من المناهج البحثية التي تعج بها المعارف الشرعية-في الدراسات الاجتماعية والإنسانية المعاصرة، بغية الوصول إلى ضبط محكم للآثار المترتبة على الظواهر المادية التي تطرأ على حياة الإنسان وتؤثر فيها، وبغية تسخير نتائج الدراسات المختلفة لمصلحة الإنسان المكلف بعمارة الكون. ومن الأدوات القادرة على تحقيق هذا الأمر الاستحسان الأصولي والاستصحاب، وتحقيق المناط، والمفهوم (الموافقة والمخالفة) والدلالات (عبارة النص، وإشارة النص، ودلالة النص واقتضاء النص).

     فضلا عن المقاييس الفذة لنقد المتون في علم الحديث، فهذه المناهج يمكن استخدامها في الدراسات الإنسانية والاجتماعية المعاصرة، من أجل التوصل إلى حسن تفسير للظواهر النفسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي تطرأ على حياة الفرد والجماعة”[33]. إذا أضفنا إلى ذلك استثمار آليات تحليل الخطاب الأصولي في الدراسات الأدبية واللسانية لاستخراج كافة طاقات النص في الدلالة على معانيه.

     هذا نظر في الموضوع أثار إشكال التجديد في أصول الفقه، وخلص إلى تحقق مقتضى التجديد في التحولات الثلاث الكبرى للفكر الأصولي التي شكلت أطواره، ونبه إلى أن التجديد حاجة طبيعية ملحة ومقوم حضاري يفرضه استئناف السير، ومواكبة مستجدات الزمان والمكان، وحال الإنسان ومتغيرات الواقع، وهو دليل على حيوية الأمة وتوثبها، ويقظة عقلها، ونشاط تفكيرها، ثم حفاظها على سنن التاريخ ومواعيده.

     كما أشار أيضا إلى أن التجديد يستجيب ويتطابق وطبيعة الأحكام التي لا تنزل في الوجود الذهني مطلقة، وإنما معينة مشخصة الشيء الذي يستدعي إدامة النظر في بعض مقتضياتها الدلالية البيانية، وما يرتبط بذلك من آثار للأحكام على المستوى التشريعي تتفاوت درجات الإلزام فيها بين الصورة الآحادية الجزئية، والصورة الكلية في الاقتضاء الطلبي والتركي.

    وفي السياق ذاته نبهت هذه المحاولة إلى أن التجديد في العلوم الإسلامية عموماً، والدرس الأصولي خصوصا تضافر على التأصيل له واقعان: الواقع العلمي النظري والواقع العلمي التاريخي، وقد ألفتنا النظر إلى بعض ذلك في متن هذه الدراسة بما يثبت حقيقة أن كل تطور في العلم إنما هو نتيجة لتحول في المجتمع، وقد بدا هذا واضحاً في تطور الفكر الأصولي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]الموافقات، 1/94.

[2]الموافقات، 1/94.

[3] الموافقات 1/5.

[4] رواه أبو داود في الملاحم رقم 4291، وصححه السخاوي في في “المقاصد الحسنة” 149 والألباني في السلسة الصحيحة رقم 599.

[5]مفهوم القطع والظن وأثره في الخلاف الأصولي: ص 302.

[6] “التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية” ص 235.

[7]نفسه، ص 245.

[8]مناقب الإمام الشافعي فخر الدين الرازي، ص 57 تحقيق أحمد حجازي.

[9]البرهان 1/77.

[10]البرهان 1/99.

[11]المستصفى: 10.

[12]المستصفى 1/17.

[13]المصطلح الأصولي ص 152.

[14]الموافقات، 1/34.

[15] الموافقات 1/58.

[16] الأعراف 187. والنازعات 42.

[17]الموافقات 1/58.

[18]المصطلح الأصولي 157-158.

[19]الموافقات 1/42.

[20]نفسه 1/46.

[21]الموافقات، 1/94.

[22]الموافقات، 1/94.

[23] ينظر كتاب الغيث الهامع شرح جمع الجوامع ص378.

[24] المرجع السابق ص 375.

[25]الفروق 2/33.

[26]التحرير والتنوير ابن عاشور، 1/26.

[27] الفطرية بعثة التجديد المقبلة من الحركة الإسلامية إلى دعوة الإسلام، فريد الأنصاري، ص 225.

[28] المرجع السابق، 225-226.

[29] المرجع السابق، ص 226.

[30]يمكن التوسع أكثر في بحث: “التكامل بين علم أصول الفقه والعلوم الإنسانية قصد الإفهام نموذجاً” وهو أطروحة الدكتوراه، للباحث.

[31]المستصفى 2/482.

[32]نفسه 1/14.

[33]نحو منهجية أصولية للدراسات الاجتماعية د لؤى صافي، ع الأول السنة الأولى 1995.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *