التفسير المقاصدي عند الإمام محمد الطاهر ابن عاشور من خلال “التحرير والتنوير”: قضايا نظرية وتطبيقات عملية

للباحث الدكتور مراد المرابط تحت إشراف الأستاذ عمر جدية بتاريخ 19يناير 2019 بكلية الآداب فاس سايس بفاس

ملخص الأطروحة

      الحمد لله الذي أنزل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب، وجعل من لطائفه وعلومه وأسراره العجب العجاب، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد حبيب الأصحاب والأحباب، وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين نالوا شرف الانتساب، وعلى الأصحاب الغر الذين نقلوا إلينا السنة والكتاب، وعلى التابعين الذين اتخذوا في طريق العلم أمتن الأسباب، وعلى من أحبهم واتبعهم واستن بسنتهم إلى لقاء ربنا الغفور الوهاب.

وبعد: تزخر المكتبة الإسلامية بصنوف من التفاسير حسب المدارس والاتجاهات العقدية والمذهبية، غير أن معظمها لم يول عناية فائقة لمقاصد القرآن الكريم والتفسير المقاصدي؛ لأن كثيرا منها إنما كان تكرارا لما دبجه السابقون مع قليل من الإضافات والتنقيحات والحواشي على المتون الأصيلات.

      وإن عصرنا الحالي لهو أحوج ما يكون إلى تجديد منهج تفسير القرآن الكريم بما يفضي إلى تقديم كتاب الختم بفهم متجدد يحافظ على الثوابت ويجتهد في الوسائل والمتغيرات ليوصل صوت الحق إلى كل بقاع الكون.

      وقد تأملت جملة من التفاسير القديمة والحديثة فعثرت على كنز تفسيري كبير لم يعط حقه الكافي من الدراسة والتقميش لنصوصه الغنية؛ وهو تفسير العلامة التونسي محمد الطاهر بن عاشور الذي بذل حياته في سبيل خدمة العلم والدعوة، وأخرج باكورة طيبة مباركة حررت جهود العلماء السابقين في التفسير لكنها نخلت الكثير واصطفت الأجود من النقول وآراء العقول، وأضافت إليها توظيفا كثيفا لروح المقاصد القرآنية والكليات النسقية الجامعة؛ فجاء تفسيره غنيا بالمقاصد والتفسير المقاصدي.

مشكلة البحث: يعالج البحث مشكلة مفادها أن مناهج المفسرين قد كثرت؛ بيْن غواص على درر البلاغة ونكتها مبينا أعاجيب البيان القرآني المعجز المدهش، وبين مقتصر على الأحكام الفقهية من خلال آيات الأحكام جاعلا همه الأكبر من التفسير تفصيل القول في الأحكام الجزئية وأدلتها وأوجه الترجيح بينها وغير ذلك من المباحث الفقهية والأصولية الصرفة، وبين ناقل للآثار المروية في التفسير سواء كانت للنبي صلى الله عليه وسلم أو للصحابة أو للتابعين…

      وأمام قلة المهتمين بالتفسير المقاصدي المجلي لعلل كل سورة ومقاصدها، رأيت أن أضع تفسير الإمام ابن عاشور ” التحرير والتنوير ” على محك النظر والفحص للإجابة عن السؤال الآتي: إلى أي حد يمكن اعتبار تفسير التحرير والتنوير تفسيرا مقاصديا يولي عناية بالغة للمقاصد القرآنية؟

وأفرع هذا المشكل إلى أسئلة فرعية ثلاثة كالآتي:

1ـ إلى أي حد يستجيب التقصيد الكلي للقرآن الكريم عند ابن عاشور في مقدمة التحرير والتنوير إلى مقومات وخصائص التفسير المقاصدي؟

2ـ إلى أي حد استطاع ابن عاشور أن يجمل مقاصد كل سورة في المعنى الكلي الجامع لها؟ وهل كان وفيا للتقصيد الكلي أثناء حديثه عن أغراض ومقاصد كل سورة على حدة؟

3ـ وإلى أي حد يمكن الحديث عن تفسير مقاصدي في التحرير والتنوير يطل علينا بأهم مقاصد الآيات التي اتضحت فيها مقاصد خاصة أو جزئية معربة عن نفسها أو مضمرة تحتاج إلى نظر واستبصار واستنباط من العالم المفسر؟

أهمية البحث: تكمن أهمية بحثي هذا في عدة جوانب:

ـ أنه بحث يهتم بقضية جديدة لم يؤلف فيها إلا النزر اليسير وهي قضية التفسير المقاصدي.

ـ أنه بحث ينصب على علم من أعلام المقاصد والتفسير معا في زمننا هذا، مما يجعل الإفادة منه حاصلة، وجمع ما تفرق عنده من تفسير مقاصدي مثر للمكتبة المقاصدية خصوصا والإسلامية عموما.

ـ أنه بحث لم يوغل في العموميات والتنظيرات المتعلقة بالمقاصد والتفسير المقاصدي، وإنما جعل شقه الأبرز في الجانب التطبيقي، وهو ما يجعله حافلا بالنماذج والنصوص الكثيرة المقتبسة من التحرير والتنوير، ويوفر على طالب العلم جهدا كثيرا ووقتا وفيرا في التنقيب على تفاسير الشيخ المقاصدية عند كل الآيات التي فيها مقاصد كلية أو جزئية…

ـ أنه بحث يحاول الكشف عن جواهر القرآن وأسراره ومقاصده التي جعلت منه خطابا ربانيا عالميا، يعد الوثيقة الأقوى في الدعوة إلى الله وإرشاد الخلق وهدايتهم إلى طريق الله عز وجل. وإن التأسيس لقضية التفسير المقاصدي لهي مقدمة ستتلوها إن شاء الله تعالى محاولات حثيثة لتقديم تفسير مقاصدي متكامل للقرآن الكريم برؤية مستفيدة من التراث القديم والمعاصر، ومستشرفة للسياقات المقبلة التي دخلها ويدخلها القرآن في إطار التدافع الحضاري بين الأمم.

أهداف البحث: إن البحث عن التفسير المقاصدي عند ابن عاشور من خلال التحرير والتنوير يهدف إلى:

ـ معرفة مدى التزام الشيخ بمقتضيات التفسير المقاصدي، وهل استطاع تنزيل ما نظر له في كتابه: ” مقاصد الشريعة الإسلامية” وهو يفسر القرآن الكريم كاملا.

ـ الانفتاح على تجربة فريدة في التفسير، وهي تجربة الشيخ ابن عاشور، والأخذ منها والتتلمذ عليها، وهذا الانفتاح مهم للباحث الراغب في التركيز والتخصص في علمين من العلوم الإسلامية وهما الأصول والمقاصد وعلم التفسير.

ـ جمع المادة العلمية المتعلقة بالتفسير المقاصدي بين دفتي كتاب واحد يكون موئلا للراغبين ومرجعا للباحثين عن المقاصد عموما وعن ابن عاشور ونظراته المقاصدية خصوصا؛ فالباحث اليوم إذا أراد أن يرجع إلى التحرير والتنوير مباشرة ليستجمع منه المادة المتعلقة بالمقاصد فإن ذلك يأخذ وقتا طويلا وجهدا بالغا من أجل الجمع والانتقاء[1].

دواعي اختيار الموضوع: وقد دفعتني أسباب جمة إلى اختيار هذا الموضوع، أجملها في:

1ـ أسباب ذاتية: ويمكن ههنا الإشارة إلى:

ـ أنني منذ نعومة أظافري وأنا أحب القرآن الكريم محبة خاصة؛ أحب تلاوته وتحبيره وفهمه وتدبره وحفظه، ورأيت أن هذا البحث سيزيد من ارتباطي بكتاب ربي لأنني سأقدم له خدمة هي أقل الواجب – واجب المحبة – علي.

ـ أنني أنجزت بحث الإجازة عن تفسير الإمام الطاهر بن عاشور فرأيت من أعاجيب التفسير المقاصدي عنده الشيء الكثير لكنه كما سبق وأن قلت منثور، غير مجموع وموفور؛ وهذا سيكون جزءا من عملي في هذه الأطروحة، ثم اشتغلت في بحث الماستر على موافقات الإمام الشاطبي فرأيت كذلك من كلامه ما يصلح أن يجمع في خيط ناظم واحد فيعد عند مزجه بغيره من تفسير كلام الحق سبحانه بالمقاصد الشرعية. ولعل هذه الأطروحة إن شاء الله تكون جامعة بين بحثي في التفسير وبحثي في المقاصد، ومنه النظر إلى تفسير مقاصدي للقرآن الكريم يكون قبلة للباحثين في القرآن الكريم من أجل استخلاص الدرر من هذا الكتاب ذي المعدن السماوي.

ـ أنني استشرت غير واحد من المتخصصين وأهل الشأن والعلماء والأساتذة الأفاضل فزكوا هذا الطرح وحسبوه جديدا في بابه.

أسباب موضوعية: والتي أجملها في أن التفسير المقاصدي للقرآن الكريم يجلي حقائق القرآن كاملة ويبين جواهر وأسرار القرآن دون تنطع في التقصيد وادعاء وجود المقاصد في كل آي الذكر، ودون إجحاف في حق هذا الكتاب. فهذه الأطروحة ستكون بإذن الله وسطا بين فريقي الإفراط والتفريط في المقاصد فلا يريد صاحبها لي أعناق النصوص القرآنية لاستخراج المعاني، ولا الوقوف معها جميعا عند حدود الظواهر.

حدود البحث: كل بحث علمي إلا وتحده جملة من الحدود، وأما بحثي هذا فهو محدود بما يأتي:

ـ الاقتصار على تفسير التحرير والتنوير في تقديم المادة المتعلقة بالتفسير المقاصدي عند ابن عاشور مع العلم أن هناك كتبا أخرى له قد توجد فيها مادة علمية مكملة كشرحه لموطإ الإمام مالك رحمه الله، وقد تم الانفتاح على تفاسير أخرى لها ارتباط بالموضوع في الشق النظري، كما تمت المقارنة بين ابن عاشور والبقاعي في موضوع مقاصد السور القرآنية، ومقارنة اجتهاداته في المقاصد التفصيلية باجتهادات غيره.

ـ الاقتصار على التفسير المقاصدي للقرآن الكريم، لأن هناك اهتمامات بحثية اليوم بالتفسير المقاصدي في السنة النبوية وشروح علماء الفقه والحديث عليها، ولا شك أن هذا المجال هو مجال بحثي خصب أسأل الله تعالى أن يعينني على المشاركة فيه.

منهج البحث: وظفت في هذه الأطروحة ثلاثة مناهج يكمل بعضها الآخر:

1 – المنهج الاستقرائي: حيث ساعد هذا المنهج على جمع المادة المعرفية المتعلقة بتفسير آيات المقاصد من كتب التفسير التي تعاملت معها، على أنني ركزت عملي على تفسير التحرير والتنوير.

2 – المنهج التحليلي: والمقصود به في سياق بحثي تنزيل هذا المنهج على كلام المفسرين مقارنا بينه ومحللا إياه ومبينا ما فيه من منحى مقاصدي، ورابطا له بواقعنا المعاصر وبعض قضاياه الشائكة مما يمكن أن تكون بيانات علماء المقاصد عنه بلسما شافيا في علاج كثير من الاعوجاجات الحاصلة وهو ما يحقق معنى هداية القرآن للتي هي أقوم الذي أشارت إليه الآية الكريمة في سورة الإسراء: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)﴾ [سورة الإسراء آية 9].

3 – المنهج النقدي: لا يخلو البحث من نظرات نقدية في تفسير التحرير والتنوير؛ نظرات في منهجه وفي المادة المقاصدية التي عرضها في تفسيره.

      إن بحثي الذي أعتبره اليوم لبنة جديدة في مشروع تجديد التفسير علما ومنهجا، حاول محاولات أولية لسبر أغوار تفسير التحرير والتنوير واستخراج درره التي لا تنضب، لكنه لم يذُب أو يتماهَ معه دون إعمال المنهج النقدي في كثير من القضايا التي يزخر بها الكتاب سواء تعلق الأمر بالتقصيد أو بمقاصد السور أو غير ذلك.

      وقد حاولت هذه الأطروحة أن تؤصل لمشروع التفسير المقاصدي ببيان مفهومه وأهميته ومقوماته، كما توقفت عند بعض نماذجه القديمة والحديثة، لتخلص في الجانب النظري إلى بعض القواعد اللصيقة بهذا اللون الجديد من التفسير؛ إذ لابد من أن يتميز كل علم بمفهومه ومصطلحاته ومنهجه وقواعده.

     وقد جعلت الجانب التطبيقي في بابين؛ جاء الأول منهما مجملا بالإسهاب في بيان المقاصد الإجمالية للقرآن الكريم من خلال التحرير والتنوير، مع الوقوف مليا عند معظم سور القرآن الكريم ببيان مقاصدها عند الإمام ابن عاشور وإقامة مقارنة بينه وبين علم من أهم الأعلام الذين ألفوا في مقاصد السور وهو العلامة برهان الدين البقاعي مذيلا كل سورة بتأملات خاصة وفق ضوابط وضعتها ومحددات قدمت بها.

      وجاء الباب الأخير معرجا على بعض النماذج التطبيقية للتفسير المقاصدي عند ابن عاشور من خلال التحرير والتنوير مع بعض المقارنات بينه وبين غيره من المفسرين القدامى والمحدثين، وملخصا كل تلك النماذج في: آيات العقيدة وآيات العبادات وآيات المعاملات وآيات الأخلاق.

      وقد ختمت البحث بخاتمة تكشف أهم خلاصات البحث وتشرئب إلى كثير من الآفاق التي رسمتها هذه الأطروحة لعل الله يختار صاحبها لأن يكون من أهل القرآن علما وعملا؛ وفيما يأتي أهم الخلاصات التي وصل إليها البحث:

ـ أن حياة ابن عاشور حفلت بالكثير من الإنتاج العلمي والأدبي، لكن من أفضل ذلكم الإنتاج تأليفه لتفسير التحرير والتنوير؛ وهو من أنفس التفاسير المعاصرة وأوسعها من حيث البيان والإطناب في كثير من المسائل الخلافية مع ترجيحات مسددة في غالب الأحيان؛ فهو كتاب ذو قيمة علمية عالية.

ـ أنني حاولت تقديم تعريف للتفسير المقاصدي قلت فيه: هو “كل تفسير يوظف مقاصد الشريعة أو يبحث عنها في القرآن والسنة كليا أو جزئيا مع الانضباط بشروطه ومقوماته”.

ـ أنني خلصت إلى ثلاثة أنواع من التفسير المقاصدي وهي: التفسير المقاصدي للقرآن إجمالا والتفسير المقاصدي للسور القرآنية والتفسير المقاصدي التفصيلي.

ـ أنني توصلت إلى أن المفسر لابد له من العلم بأمور أربعة للوصول إلى التفسير المقاصدي للنص القرآني وهي: طرق معرفة المقاصد، والمصلحة، والتعليل، وقواعد التفسير المقاصدي.

ـ أن التفسير المقاصدي للقرآن الكريم بشتى أنواعه ليس جديدا على الساحة العلمية والتربوية بل جاء على لسانه صلى الله عليه وسلم وعلى لسان علماء الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين؛ وقد تبلور في أشكال من البيان والتفصيل مع العلماء المعاصرين سواء في تفاسيرهم أو في رسائلهم العلمية الأخرى.

ـ أن من أهم مسالك الكشف عن مقاصد السور؛ العلم بأسباب نزول أغلب آيات السورة إذا كانت هناك أسباب لنزولها، وتمييز المضامين المركزية للسورة عن المضامين الفرعية التي جاءت في السياق لدواع متعددة، والنظر في اسم السورة وفاتحتها، والتأمل في خواتيم السورة ومقارنتها بمطلعها، وتتبع معاقد التكرار.

ـ أن ابن عاشور جمع الكليات المقاصدية في ثلاثة: كلية صلاح الأحوال الفردية وكلية صلاح الأحوال الجماعية وكلية صلاح الأحوال العمرانية؛ وهذه الكليات الثلاثة هي التي تجمع تحتها المقاصد الثمانية للقرآن الكريم التي لخصها ابن عاشور في: إصلاح الاعتقاد وتعليم العقد الصحيح و تهذيب الأخلاق و التشريع و سياسة الأمة القاصدة إلى صلاحها وحفظ نظامها و القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم و التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين و المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير و الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم.

ـ أن ابن عاشور كان متوازنا في نظريته المقاصدية التي نزلها وطبقها في تفسيره؛ حيث نجده يوائم بين التنظير والتفعيل، ولا يتناقض عموما فيما يقدمه من آراء، حيث يدافع عن اجتهاداته سواء من الناحية النظرية أو حين يريد تنزيلها في التفسير.

ـ أن ابن عاشور لم يكن يقصد بعنوان الأغراض أو مقاصد السورة الكشف عن مقصود السورة بجمع لحمتها ومعرفة بؤرتها وسرها وما ركزت عليه، بقدر ما كان هدفه تعداد المعاني التي وردت في السورة دون اعتبار كبير لما ترمي إليه من مقاصد.

ـ أن ابن عاشور أعطى أهمية لمقاصد العقيدة والتفسير المقاصدي لآيات العقيدة، بحيث بين كثيرا من القضايا العقدية وحسم خلافاتها بتفسيراته المقاصدية.

ـ أن ابن عاشور تحدث عن مقاصد العبادات بشكل عام وخاص وفسر آياتها تفسيرا مقاصديا يبين مدى إعماله الفكر في استنباط مقاصد جديدة كمقاصد التيمم وغيرها مما عجز عن إدراكه فحول العلماء قبله.

ـ أن ابن عاشور توسع في مقاصد المعاملات سواء منها المالية أو الاجتماعية أو السياسية؛ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ثراء التفسير المقاصدي في باب المعاملات.

ـ أن ابن عاشور كشف عن كثير من مقاصد الأخلاق الإسلامية، وهو بحث جديد يضيف إلى التفسير المقاصدي للقرآن الكريم لبنة جديدة في صرح الدراسات العلمية.

      وإذا كان كل بحث جاد يشرئب إلى آفاق رحبة من تعميق النظر والبحث؛ فإني لمست أن التفسير الذي اشتغلت عليه غني بالمعارف والعلوم حتى إنه أضحى عند كثير من الباحثين موسوعة إسلامية متكاملة؛ وهذا التفسير في حاجة إلى مزيد من العناية عبر البحوث والرسائل الجامعية وغير الجامعية، ومن القضايا التي تبدو في حاجة ماسة إلى مزيد من البحث والنظر:

مسائل العقيدة من خلال التحرير والتنوير: إن الإمام ابن عاشور يعلن منهجه العقدي الأشعري في كثير من المواطن من تفسيره بقوله هذا مذهب أهل السنة أو هذا ما قال به الأشعري أو ما قارب ذلك من العبارات، إلا أننا نجد عنده جدة في معالجة كثير من قضايا الكلام مع طول باع في مناقشة المخالفين ورد أقوالهم بمجادلات طويلة تستغرق الصفحات؛ حتى إنك تستشعر أحيانا أن الشيخ خرج من التفسير إلى الغوص في علم العقيدة والكلام، وهذه الردود والإجابات والمنافحات تحتاج إلى دراسة معمقة لمعرفة جوانب قد تكون خفية من اجتهادات أحد أعلام الزيتونة والعقيدة الأشعرية.

مسائل أصول الفقه في تفسير التحرير والتنوير: لقد عنيت كثير من الدراسات بجانب من جوانب أصول الفقه كقضايا الترجيح أو بعض القواعد الأصولية من خلال التحرير والتنوير، إلا أن الكتاب لا يزال في حاجة إلى دراسات أكثر استيعابا لحل مسائل الأصول أو القواعد الأصولية سواء منها المتعلقة بالدلالات أو بالأحكام أو بالأدلة أو بالاجتهاد.

المسائل الفقهية في تفسير التحرير والتنوير: المطالع للتحرير والتنوير يجد مادة غنية في علم الفقه، هذه المادة بحاجة إلى إعادة دراسة وحفر علمي لإدراك قواعد الفقه فيها، وكيف كان الشيخ يناقش قضايا خلافية بتوجه مالكي واضح، لكن ترجيحاته قد تحيد عن مشهور قول المذهب أو عن راجحه، فيحتاج الأمر إلى معرفة بفلسفة الإمام خلال عمله الفقهي.

فقه اللغة من خلال التحرير والتنوير: يعد الشيخ ابن عاشور أحد الرواد اللغويين في عصرنا الحديث، فتفسيره طافح بقضايا فقه اللغة، مما يحتاج إلى جمع واستيعاب ثم دراسة لذلك الفقه المتين الذي جمع أصالة اللغة مع بعض النظرات التجديدية.

ترجيحات ابن عاشور في التحرير والتنوير: أسسها العلمية والمنهجية

      لقد أعمل ابن عاشور منهج الترجيح في كثير من قضايا الفقه والأصول والنحو والصرف والبلاغة والكلام، مما يحتاج معه إلى جمع ودراسة لمعظم القواعد التي كان يوظفها في تلك الترجيحات، وهو بحث وإن كان قد قام بجزء منه بعض الباحثين، إلا أنه في حاجة إلى فريد عناية وتوسع.

التربية والتعليم في فكر ابن عاشور من خلال التحرير والتنوير: لابن عاشور نظرات تربوية فريدة، وإصلاحية في الآن نفسه، تنم عن مشاركته الفاعلة في الشأن التربوي ببلده والعالم الإسلامي في زمانه، وإذا كان كتابه: ” أليس الصبح بقريب” قد بسط فيه نظرات إصلاحية للتعليم، فإن تفسيره كذلك يمكن أن تستخرج منه رؤية متكاملة عن القضية التربوية خصوصا وأن هذا التفسير – على عكس الكتاب المذكور – قد ألف بنفس طويل وعلى مراحل عرفت فيها الزيتونة مدا وجزرا في قضية إصلاح التعليم.

موقف ابن عاشور من الكتب السماوية من خلال التحرير والتنوير: كنت في زيارة للشيخ محمد التاويل رحمه الله – إمام الجماعة وشيخ القرويين وأحد بقايا السلف في مدينة فاس – قبل وفاته بشهور قليلة، وأثناء مناقشات في التحرير والتنوير عبر لي الشيخ عن استغرابه لكثرة إيراد ابن عاشور لنقول من الكتب السماوية المحرفة، تلك النقول التي تأتي أحيانا على سبيل الدعم لكلام المفسرين السابقين أو شرحا لنص حديثي أو غير ذلك، واعترض الشيخ على ذلك بأن في كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنية وما كان على الشيخ ابن عاشور أن يدمج تلك النقول الطويلة في العهدين القديم والحديث.

      وهذه الفكرة من الشيخ التاويل رحمه الله هي بذرة لبحث أكاديمي جاد يتخصص فيه صاحبه ببحث هذه النقول ومدى صدقيتها ومدى مطابقتها لتلك المواضيع التي جاءت مسندة لها، وإلى أي حد وفق ابن عاشور في هذه الطريقة، وذلك بمنهج يجمع بين التحليل والنقد العلمي الموضوعي مع ضرورة لزوم الأدب مع الشيخ دون غلو في اتهام نواياه في تلك النقول.

قواعد التفسير المقاصدي: قضيت أياما عديدة وأنا أبحث عما سميته بقواعد التفسير المقاصدي عند ابن عاشور غير أني وجدت في الأمر صعوبة بالغة؛ وهو ما دفعني لترك هذا الموضوع إلى ما بعد الدكتوراه عن طريق رسالة/ رسائل علمية أخرى يكون همها جمع هذه القواعد سواء من خلال تراث الإمام ابن عاشور أو من خلال تراث الإمام الشاطبي والإمام ابن تيمية وغيرهم وتوليف ذلك في قالب واحد، والمرافعة العلمية عنه بالحجج المبينة؛ وهو المشروع العلمي الذي أنوي مباشرته بعد الأطروحة بحول الله وقد بدأت أجمع مادته وأرتب منهجه.

      هذه قضايا لا تزال بحاجة إلى دراسات من خلال تفسير التحرير والتنوير، ولا شك أن هناك قضايا أخرى عديدة أغفلتها، ولا يغيب عن عقل اللبيب أن العلم الذي يحصله الطالب أثناء قراءته للتحرير والتنوير كثير و ثر، ولهذا فالاحتكاك – عبر بحوث علمية – مع هذا العالم الكبير هو في حد ذاته فائدة معتبرة وتكوين متين؛ ومن صاحب الفحول تفحل.

والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ـ يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أنني قضيت قرابة سنة ونصف وأنا أقرأ التحرير والتنوير حتى أتيت عليه كاملا مع ما صاحب ذلك من ضغط الوقت وتزاحم الأعمال بين القراءة والتأليف والتدريس وتوابعه.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *