التعليل الفقهي وعلاقته بأصول الفقه المدون

الدكتور عبد السلام أجرير

تقرير بحث مناقشة الدكتوراه بمؤسسة دار الحديث الحسنية

(تاريخ المناقشة شهر ماي 2019)

 عنوان الأطروحة:

التعليل الفقهي وعلاقته بأصول الفقه المدون:

مع دراسة نقدية للاستدلال الفقهي انطلاقاً من مسائل كتاب ”النكاح“ في مذاهب الفقه الإسلامي المقارن

موضوع البحث وسياقه:

      يندرج موضوعُ هذا البحث (التعليل الفقهي وعلاقته بأصول الفقه المدون)، ضمن مشروعِ “تعليل الأحكام الشرعية” الذي تبنته مؤسسة دارِ الحديث الحسنية، وهو بحث يروم التنقيبَ في “الإنتاج الفقهي” وما يتضمنه من صناعة فقهية خادمةٍ للأحكام الشرعية، ومعرفةَ أسسِ التعليل التي قام عليها صرحُ الفقه، ومعرفةَ علاقةِ كل ذلك بعلم أصول الفقه المدوّن الذي أُنشئ لغرض تقنين اجتهاد الفقيه وإمداده بوسائلَ إنتاجِ الفقه الإسلامي.

      في بداية هذا التقرير، أحببت توضيحَ مسألةٍ إشكالية تمسُ عنوان البحث وجوهره، وهي التفريق بين التعليل والاستدلال؛ لكثرة ما رُوجعت في ذلك، وسُئِلت عنه من قِبل الناظرين في عنوان بحثي.

      فأقول: “التعليل” الذي أقصده في هذا البحث لا يقتصر على مبحث “العلة” كما نظّر لها الأصوليون في باب القياس، وإنما “التعليل” في طرحي يشملُ كل دليل وحجة ومسلَك يتمسك به الفقيهُ ويجعلُه مستندَ الحكم الشرعي: كظاهر النص، والمصلحة، والعرف، والقواعدِ العامة، والطبع، واللغة والسياق وغير ذلك. فكل هذا داخل في تعليل الأحكام الشرعية بالمفهوم العام.

      ولم أفرق في بحثي بين التعليل والاستدلال؛ ولكن -للأمانة العلمية- فإن بعض العلماء يفرق بينهما بجعل الاستدلال خاصا بما كان طريقه الاجتهاد: كالقياس والاستحسان والاستصلاح. والتعليل الفقهي أعمُ منه، والتعليل الأصوليُّ القياسيُّ أخص منهما.

      ولا يُشكِل عليه ما ورد من أن التعليل أخصُّ من الدليل، كما في قول الإمام الطوفي –رحمه الله- في “شرح مختصر الروضة”، قال: «والتعليل أخص من الدليل، إذ كل تعليل دليل، وليس كل دليل تعليلا، لجواز أن يكون نصا أو إجماعا”[1]. اهـ . فإن الطوفيَ هنا يتكلم عن الدليل بمعناه العام، أي: كل ما يُحتجّ به للحكم الشرعي. ولا يتكلم عن الاستدلال، بدليل قوله “لجواز أن يكون نصا أو إجماعا”. وأيضا يتكلم عن التعليل هنا بمعناه الأصوليِّ الذي يدخل في باب القياس، بدليل أنه ربطه بـ”تقرير العلل نفيا وإثباتا”.

      هذا ما يتعلق بالشق الأول من عنوان الأطروحة. أما الشق الثاني من عنوانها فمرتبط بعلاقة التعليل الفقهي بقواعد أصول الفقه المدون، والقصد منه الوقوفُ على معالمِ الاتفاق والافتراق بين الجانب العملي (الفقه) والجانبِ “النظري” (الأصول) في تعليل الأحكام الشرعية.

أهم إشكالات هذا البحث:

يمكن صياغةُ أهم إشكالات هذا البحث في الأسئلة الآتية:

ـ ما هي المستندات التي ارتكز عليها التعليل الفقهي؟

ـ وما علاقة هذه التّمسُّكاتِ بعلم أصول الفقه المدون؟

ـ وهل التزم الفقهاء في بناء الأحكام الشرعية بهذه القواعد؟

ـ وهل اطّرد عملهم بها في إنتاجهِمُ الفقهيِّ أم لهم خروج عنها؟

ـ كيف علل الفقهاء الأحكامَ الشرعيةَ على ضوء قواعدِ أصول الفقه المدون؟

منهجي في هذا البحث:

ـ حصرت البحث في موضوع واحد من موضوعات الفقه الكثيرة المتشعبة، ورأيت أن فقه الأسرة، وبخاصة فقه النكاح (الزواج) من أكثر المواضيع التي تحتاج إلى إعادة دراستها والإحاطة بها، نظرا لأنها من المواضيع الفقهية التي تكثر فيها النوازل، ويعظم فيها الاجتهاد.

ـ اتبعت في هذه الدراسة منهجَ الجمع والوصف، ومنهجَ التحليل والنقد معا؛ لأن التصور الذي سيّج هذا البحث تعلق بأمرين:

ـ الأمر الأول: جمعُ مسائلَ محددةٍ من “كتاب النكاح” وما صاحب هذه المسائلَ من صناعةٍ فقهية وعلل، ثم تصنيفُها حَسَبَ المواضيعِ، ورصدُ الملاحظات عليها.

ـ الأمر الثاني: دراسةُ هذا الإنتاج الفقهيِ دراسةً تحليلية نقدية، تروم بيانَ مناهجَ الفقهاء في تعليل الأحكام الشرعية، ودراسةَ أنواع التعليل، وإبرازَ مكامنِ الاختلاف ومكامنِ الاتفاق في ذلك، وإظهارَ ثمرةِ الخلاف في التعليل. ثم البحثُ عن علاقة كل ذلك بقواعد أصول الفقه المدون.

ـ جعلت هذه الدراسة مقارِنةً لستّة كتب منتميةٍ لخمسةِ مذاهبَ مختلفةٍ:

أـ ففي المذهب الحنفي، اعتمدت كتاب “بدائع الصنائع” للكساني.

ب ـ وفي المذهب المالكي، اعتمدت كتاب “الإِشراف” للقاضي عبد الوهاب ، وكذا “المقدمات الممهدات” لابن رشدٍ الجد.

ج ـ  وفي المذهب الشافعي، اعتمدت على “الحاوي الكبير” للماوردي.

د ـ  وفي المذهب الحنبلي، اعتمدت على “المغني” لابن قدامة.

هـ ـ  وفي المذهب الظاهري، اعتمدت على “المحلى” لابن حزم.

رحمهم الله جميعا.

ـ ونظرا لضخامة أبواب الفقه في هذه الكتب التي تعتمد الخلافَ العاليَ والمقارنةَ بين المذاهب، فإني اعتمدتُ بعض المسائلِ من كتاب النكاح دون استيعاب لكل المسائل؛ لأن الاستيعاب متعذر.

وقد ألحقت جرد هذه المسائلَ في آخر البحث تحت مسمى “الملحق”.

أهم خلاصات البحث:

ـ أولا: التعليل الفقهي يتخذ مسلكا متميزا، فهو متصل عبر القرون والأزمان دون انقطاع، إرثٌ منتقِل من عهد النبوية إلى عهد الصحابة والتابعين ثم إلى عهد الأئمة الكبار: أبي حنيفةَ ومالكٍ والثوريِ والليثِ والشافعيِ وغيرهم، مبنيٌ على منهج خاصٍ، يراعي المقاصد والأحوالَ والكليات، ولا يأخذ تراتبيةً صارمةً بين الأدلة في التنزيل، وإن كانت التراتبيةُ معتبرةً في النظر: فتكون الأسبقيةُ في النظر للوحي ثم للإجماع ثم للقياس ثم لباقي مسالك الاجتهاد. لكن في العمل يُنظر إلى أكثر الأدلة في الاعتبار، والتي تُبنى على تحقيق مناط الحكم ومراعاةِ أحوال الأنام.

ـ ثانيا: أن قواعد أصول الفقه المدوّنِ غير مطردةٍ في عمل الفقيه وإنتاجه الفقهي، وهذه المسألة ظاهرةٌ بينة من خلال الاحتكاك والاطلاع على كتب العلماء في الباب. وهذه القواعدُ الأصوليةُ مهمة جدا في بابها، وقد أخذها العلماء عموما بالقبول، خاصة على مستوى النظرِ والفكر، أما عند التنزيل والإعمال فتظهر مسالكُ فقهيةٌ أخرى تكون حاكمةً في تقرير الحكم الشرعي. هذه المسالكُ لا تخرج عموما عن قواعد أصول الفقه المدون، ولكن لا تحترم التراتبيةَ نفسَها بين الأدلة، ولا تلتزم بنفس النهج المسطّر. كأن يعلل الفقيه حكمه بأدلة لا ترقى إلى مرتبة الدليل والحجية في نظر أرباب أصول الفقه المدون، كالتعليل بالحديث الضعيف، والتعليل بالطبع، والتعليل بقياس الشبه، وغير ذلك.

فلذلك كانت قواعدُ الأصول لا تطرد في إنتاج الفقه، وإنما مرتبةٌ بقانون أغلبي.

ـ ثالثا: ترتبط بالنتيجة السابقة نتيجةٌ أخرى، وهي أن قواعد الأصول كما قررها الشافعي –رحمه الله- ومن تبِعه، رغم تلقي الجمهورِ لها بالقبول جملةً، إلا أن الفقهاء من كل المذاهب، حتى الشافعيةُ أنفسُهم، كانت لهم ملاحظاتٌ عليها وخرجاتٌ عنها، وقد وقفتُ عند بعض الأمثلة في البحث.

ـ رابعا: إن اختلاف مدارسَ النظر في القواعد والأصول (كمدرسة الأحناف ومدرسة الجمهور)، لا تأثير له على الإنتاج الفقهيِ في النهاية، فالإنتاج الفقهيُ لم يتأثر باختلاف هذه المدارس المتأخرةِ، خاصة ما كان مقررا سلفا عن الأئمة الأوائل. ولذلك وجدنا العلماءَ الأصوليين يبنون القواعدَ العامةَ النظريةَ بنوع من العموم والصرامة، ولكن عندما ينزِلون للعمل والتطبيق يستثنون منها ولا بُد، فدل هذا على أن القواعدَ ظنيةٌ في التطبيق والعمل، وإن كان بعضها قطعيٌ في النظر، وأنها ليست حاكمةً على الفقه انتهاءً، وإن ظهر أنها مقعِّدةٌ له ابتداء.

ـ خامسا: ومن النتائج: أني وجدت من أعلام الدراسة من يخرج عن قواعده الأصليةِ في مذهبه الأصولي، وبعضهم لا يخرج. فابنُ حزمٍ مثلا، مع القياس والاستحسان قد اطردَ قولُه في النظر مع فروعه في العمل، ولم يخرج عن أصله في ما وقفت عليه. أما الماوردي الشافعيُّ، –مثلا- في مسألة إنكار الذرائع لم يطرد قولُه، فهو في الأصل ينكرها، ولكنه استعملها مثلَ شيخه الشافعيِ، كما بينتُ.

      وقد لا يلتجئُ الفقيهُ لبعض الأدلة رغم أنه يقول بها. وهذا الأمر كان بيّنا مع القاضي عبدِ الوهاب البغداديِ المالكي، حيث لم أعثر في كتابه “الإشراف” على حكم واحد في المذهب المالكيِ قرره بالاستحسان، رغم أني وسعت البحثَ وخرجتُ من باب النكاح إلى باقي أبواب الكتاب، وكل ما ورد في الكتاب عن الاستحسان -مما وقفت عليه- وجدتُه أضافه للمذهب الحنفي.

      وهذا الأمر بالذات يحتاج لوقفة ودراسة، فلعله كان يتهرب من القول بالاستحسان؛ لأنه أكثرُ الأدلة التي شنّع عليها الخصومُ؛ خاصة وأن طابَع الساحة العلميةِ في زمانه كانت تنكرُه وتفر منه مع سيطرةِ الشافعية في زمانه في العراق على زمام الأمور، وقلةِ من ينصر المذهبَ المالكيَ في البلاد آنذاك.

سادسا: لاحظت أن من أَعظم كتبِ الفقهاء في الخلاف العالي والتدليلِ كانت شروحا لمختصراتٍ في مذهبهم ليس فيها ذكرٌ للخلاف ولا عنايةٌ بالدليل. وكتب هذه الدراسة خيرُ مثال على ذلك، فهي شرحٌ لمختصراتٍ أو لكتبٍ في الفروع عاريةٍ عن الاستدلال بالنصوص.

وفي الختام، أتقدم بالشكر الجزيل، والدعاء الصالح بالتوفيق والسداد والتمكين، للسادة الأساتذة الكرام الذين تفضلوا بالعناية والنظر والتوجيه لهذا البحث، وفي مقدمتهم الأستاذُ الدكتور سيدي أحمد السنوني الذي أشرَف على هذا البحث، وأولاني عنايته وتوجيهه الكريم، ولم يبخل علي بأي دعم ورعاية.

      كما أشكر الأستاذ الدكتور العلامة سيدي مصطفى بن حمزة، الذي يرجع إليه الفضل بعد الله تعالى في بلوغي لهذه المرحلة من الدراسة، وقد كانت الانطلاقة من عنده وبين يديْه بمعهد البعث الإسلامي بمدينة وجدة سنة 1998م.

      كما أشكر الأستاذ الفاضل الدكتور سيدي محمد ناصري الذي عرفناه طيلةَ سنوات دار الحديث ناصحا وموجها وغيورا.

    والشكر موصول للأستاذ الفاضل الدكتور سيدي عبد الحميد عشاق الذي عشَق العلمَ وأهلَه، ففاضت رعايتُه علينا بالنصح والتوجيه والتسديد.

     والشكر أيضا متوجه لأستاذنا القدير الدكتور سيدي عبد المجيد محيب الذي أحببنا فيه جهاده واجتهاده في سبيل خدمة العلم وأهله وخدمة الدعوة.

      والشكر موجه أيضا لكافة أساتذةِ ومسؤولي دارِ الحديث الحسنية بدون استثناء ولا تخصيص، ممن استفدتُ منهم وتعلمتُ على أيديهم مدة 14 سنة التي قضيتُها بهذا الصرح العامر، سائلا المولى عز وجل لهم التوفيق والسداد واللطف والعناية.

      كما أشكر السادة والسيدات الحاضرين لهذه المناقشة، راجيا الله تعالى أن يرفع قدر الجميع في الدنيا والآخرة، وأن يوُرّثَنا دارَ البقاء من غير مناقشةِ حساب ولا أليمِ عقاب.

آمين، والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  شرح مختصر الروضة، ج1 ص25.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقان

  1. أحمد بن ناصر بن محمد الحبسي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها الافاضل المحترمون
    جزاكم الله خيرا على الجهود المباركة المثمرة بإذن الله تعالى
    اطلب منكم تكرما اطروحة التعليل الفقهي وعلاقته بأصول الفقه المدون للدكتور عبدالسلام أجرير ولكم جزيل الشكر والتقدير
    محبكم أحمد بن ناصر بن محمد الحبسي
    سلطنة عمان
    البريد الإلكتروني abualmuktar1985@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *