التجربة الإنسانية في روميات أبي فراس الحمداني

الأستاذ الدكتور عبدالمالك المومني

      ناقش الباحث الدكتور عبد المالك المومني أطروحته لنيل دكتوراه الدولة في الأدب العربي وعنوانها: التجربة الإنسانية في روميات أبي فراس الحمداني وذلك بجامعة محمد الأول بوجدة في ربيع الأول 1425ھ/ أبريل 2004م وهذا ملخص عنها من مقدمة الطبعة الأولى، الصادرة عن دار الكتب العلمية ببيروت لبنان في 1431ھ/2010م.

  مقدمة

      لو أردت إجمال الفكر والوجدان اللذين كانا وراء هذا البحث لقلت:

      إنه لن يكتب البقاء لأثر فكري أو فني، لفرد أو لشعب أو لأمة، ما لم يكن يعبر بصدق، لا عن ذات الإنسان الفردية فحسب، بل يعبر عن ذات الإنسان الجماعية وقضاياه المصيرية، ومطالبه الضرورية، أنى وجد في الزمان والمكان.

      والصدق في العبارة الفكرية والفنية كان دوما المطلب الأساس والقيمة الأولى لكل مفكر أو مبدع، وإن اختلف أبدا في معنى الصدق وجوهره باختلاف الناس وتباين أفكارهم ومشاربهم وغاياتهم في الحياة والوجود.

      وإن أعظم قضية شغلت فكر الإنسان منذ خلق، هي قضية الحرية. وإن أهم مطلب يسعى إليه الإنسان، ويكافح لتحقيقه وممارسته لحد بذل النفس في سبيله، هو حريته في نفسه وعقيدته، يحياها في بيئته الطبيعة والإنسانية.

      إن قضية الحرية الإنسانية مطلبا حيويا للإنسان، وتجربة الإنسان للحرية، وتمثُّلَ أدب العربية لها، ظل دوما الشاغل الهاجس منذ باكر زمن الطلاب. وعلى أساسه اخترت موضوع رسالتي الأولى التي حملت عنوان: “شعر السجون في المشرق العربي من البعثة إلى القرن الثاث الهجري”. وفيها حاولت أن أجمع نصوص شعر السجن في الأدب العربي خلال الحقبة المذكورة من مظانه المختلفة، وأتعرف قائليه، وهم، وإن كانوا كثرا، فإن أغلبهم كان مقلا ومغمورا، وغايتي الأولى كانت دراسة قضايا هذا الشعر في مستوياتها التاريخية والموضوعية والفنية على جهة الإجمال، وليس على جهة العمق والدقة.

      ظل الفكر مهتما بالموضوع، والنفس تهجس به حتى كاد أن يصبح بلبالا. وحين انعقد عزمي على تسجيل رسالتي للدكتوراه، كان هو الموضوعَ الأول والأوحد في الاختيار، لسبق الوعد بمواصلة البحث فيه في رسالة الدبلوم الأولى. فأخذت أبحث عن شخصية أدبية عربية مبدعة تمثل نموذج الإنسان الحر المناضل من أجل حريته وحرية أمته؛ وفي نفس الآن يكون غزير الشعر معبرا عن المطلوب بأحسن عبارة وأجلى بيان وأجله، ليكون شخصه وشعره موضوع البحث المراد إنجازه. فتصفحت مجددا دواوين بعض شعرائنا القدامى ممن عرفتهم سابقا، وعرفت لهم شعرا كثيرا في سجنهم، منهم يزيد بن مفرغ، وعلي بن الجهم، والمعتمد بن عباد. إلا أنني رأيت أن هؤلاء – على جودة شعرهم وأسره – كانوا أسرى القوم وذوي القربى؛ بالإضافة إلى أن بعضهم قد كان موضوع درس جاد في رسائل علمية رصينة في المشرق والمغرب.

      وبعد البحث والتقصي، بدا لي أن أبا فراس بأشعاره الأسريات التي نظمها وهو أسير الجهاد لدى الروم، هو ضالتي ومنشودي. ف “الروميات” مشهورات، وسائرات في الزمن والناس سير القول المأثور والمثل السائر، والحكمة البالغة، لأصالتها وصدق صاحبها عن ذاته وعن ذات الإنسان أينما كان وأنى كان؛ كما شهد بذلك نقاد الغرب قبل الشرق، وبعض قصائدها على كل لسان، وصاحبها يكاد لا يعرف ولا يدعى إلا بها، وبفضلها أطبقت شهرته الآفاق. فمن منا لم يسمع برائعة أبي فراس: “أراك عصي الدمع”. ومن منا لم يسمع بمقطوعة الحمامة: “أقول وقد ناحت بقربي حمامة”. ومن منا لم يحفظ أبياته الوجدانية الشهيرة: “

فليتك تحلو والحياة مريرة      وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر    وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين    وكل الذي فوق التراب تراب

      إن هذه الأشعار وأمثالها لهي العبارة العميقة المبينة عن توق الإنسان، أي إنسان إلى الحرية والانعتاق، وكسر كل القيود، وتخطي كل الحواجز والحدود الحائلة دون التواصل الإنساني بهدف تحقيق مدنية الإنسان في واقعه، أو التشوف إلى المطلق المتعالي لغاية إشباع رغباته وأشواقه الروحية السامية، والتحرر من أسر مادته الطينية التي تخلده إلى الأرض. وأبو فراس خير من عبر شعريا عن مطلب الحرية في بعدها الحسي والروحي في زمانه، ومن خير من عبر عنها في كل الأزمان. وما ذاك إلا لأنه عاش تجربة الأسر التي هي من أقسى التجارب التي يمكن أن يعيشها إنسان، وكابدها جسميا وروحيا بعد ملاوة من زمان قضاها في نعمة عيش لذيذ، وحظ موفور.

      وبفضل الله، وبمشورة أستاذي الكريم حسن الأمراني، ومباركته، استقر الرأي على أن يكون موضوع أطروحتي هذه وعنوانها:” التجربة الإنسانية في روميات أبي فراس”.

      ومما دعاني إلى المضي قدما في البحث في هذا الموضوع، أن أبا فراس، لم يحظ – حسب علمي إلى غاية النصف الأول من سنة2004م، وهي سنة الانتهاء من إنجاز هذه الأطروحة- بأي دراسة أدبية علمية شاملة تستقصي تجربته الحياتية والشعرية، سوى ما قد نقرأ عنه في كتب تاريخ الأدب الحديثة من ترجمة مختصرة لحياته ومقاطع يسيرة من شعره، مما يتطلبه تصنيف مثل هذه الكتب مراعاة الجانب التاريخي، ومن إيجاز في عرض الظواهر والقضايا والتراجم من منظور تعاقبي، وسوى ما نقرأ من بعض المقالات التي كتبت في مجلات عربية، وبعض الكتب الصغيرة التي خصها أصحابها لأبي فراس وشعره، يغلب على كثير منها العجلة في العرض وفي التحليل، لأنها تتوجه إلى الجمهور عامة، وتفتقر إلى التوثيق اللازم الذي يتطلبه البحث العلمي الرصين. وما لمسنا فيه من هذه المقالات والكتب الأناة والجد، وشروط البحث العلمي قد ذكرته، وناقشت ما ورد فيه من آراء وقضايا لها صلة بهذا البحث.

      ولم أقرأ مما كتب عن الروميات – على جمال عبارتها وأصالتها وسمو مضامينها – غير كتابات انطباعية، قد صنفت موضوعاتها ومميزاتها الفنية وفق الأغراض والخصائص التقليدية. واهتم المستشرقون بأبي فراس وبشعره، فكان شخصه وشعره موضوع اهتمام كبير في مؤلفاتهم ومؤتمراتهم. ولكن أعمالهم تلك، انصب أكثرها على سيرته وشعره الذي تضمن معلومات وإشارات تاريخية تهم الصراع بين المسلمين والروم خلال القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي. ومع ذلك، عرفوا أصالة إبداعه وصدقه وعفويته، وعرَّفوا به مواطنيهم ونخبهم المفكرة. وربما كانوا أول من وصفه وشعره بالإنسانية.

      وقد عقدت منذ سنوات مؤسسة البابطين ندوة عن الأميرين عبد القادر الجرائري وأبي فراس في الجزائر.. وقد علمت أن أهم عمل قدم فيها هو تحقيق جديد لديوان أبي فراس من قبل الأستاذ المغربي القدير الدكتور محمد بن شريفة، حفظه الله للعلم ولطلابه*. وذلك في مجلدين، الأول بالرواية التونسية، والثاني بالرواية المغربية. وقد تفضل أستاذي الكريم الدكتور حسن الأمراني، المشرف على هذه الأطروحة بإمدادي بنسخة من كلا الروايتين، بعد أن تعذر علي اقتناؤهما، أثابه الله عني وعن طلابه أجزل الثواب. وقد اطلعت على النسختين، وقمت بوصفهما في المبحث الثاني من الفصل الأول من الأطروحة، وسيجد القارئ بعض ما أفدت منهما خلال فصولها، وحواشيها.

      وكان علي أن أضع منهجا أمشي على ضوئه وأهتدي بصُوَاه في تحليل الموضوع المختار لهذه الأطروحة وفق عنصريها البارزين وهما: الروميات، وهي أشعار أسر وحبس، وتجربة أبي فراس الإنسانية باعتباره شاعرا مفلقا وأميرا ماجدا ذا حظوة قلب له الدهر ظهره. فتجربة الأسر التي مر بها وعبر عنها من خلال الروميات، لا تنفصل عن تجربته الحياتية عامة ذات الأبعاد الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، على اعتبار الأسر كان خلال مواجهته للروم، وإقدامه في سبيل مبدأ كلي هو الدفاع عن دينه وإشعاعه في العالم؛ ثم إن هذه التجربة التي دهمته في عز عمره وفروسيته، لابد أن يكون لها آثارها على ما سيلي من السنين بعد سراحه.

      وهكذا اهتديت إلى أن أصوب مقاربة في نظري لموضوع تجربة أبي فراس في أسره، هي في أخذها كمرحلة مركزية في حياته، لكنها قوية الصلة بماضيه ومستقبله. وقد قرأت في يتيمة الثعالبي نصا كان الومضة التي قدحت زناد الفكر، وأنار لي النهج اللاحب الذي مشيت فيه في تحليل الموضوع وعناصره الأساس. وقد رأيت من اللازم، للأمانة العلمية، أن أورده هنا في هذه المقدمة. يقول الثعالبي: “لما أدركت أبا فراس حرفة الأدب، وأصابته عين الكمال، أسرته الروم في بعض وقائعها وهو جريح. وقد أصابه سهم بقي نصله في فخذه. وحصل مثخنا بخرشنة ثم بقسطنطينية. وتطاولت مدته بها لتعذر المفاداة. وقد قيل: على كل نجح رقيب من الآفات. وقد كانت تصدر أشعاره في الأسر والمرض، واستزادة سيف الدولة، وفرط الحنين إلى أهله، وإخوانه، وأحبابه، والتبرم بحاله عن صدر حرج وقلب شج، تزداد رقة ولطافة، وتبكي سامعها، وتعلق بالحفظ لسلاستها”.

      إن كلام الثعالبي ـ برأيي ـ يشتمل على ثلاث محاور عليها مدار تجربة أبي فراس الحياتية والشعرية.

الأول: يعرض لمكانة أبي فراس الاجتماعية والأدبية قبل الأسر. وهو مناط حال الحظوة والسعادة. أو ما أسميه بحال الوجدان. وقد عبر عنه الثعالبي بلفظ فصيح مبين، وهو النجح الذي أصابت فيه الشاعر عين الكمال.

الثاني: وتدور عليه مضامين الروميات. وتشتمل على شكوى الأسر، والبرم بالحال والمكان، وعتاب الأمير والعشير على تقصيرهما في السعي لتخليصه. وهو حال الفقدان، فقدان الحرية، مطلب الإنسان الأساس الذي كان سببا في فقد أميره وولي نعمته، وفقد عشيره نصيره، وخليله وأنيسه وجليسه في نجواه، وفقد أمه ووطنه، وفقد بفقدهم قراره وسكنه. وقد عبر الثعالبي عن هذه الحال المأساوية بالآفة التي راقبته، وترصدت حركته الحرة صعدا إلى أعلى، إلى أن استزلته من السماء العلا، فكانت عثرته ضربة الدهر العاثر، ونكبته كبوة الجواد الكريم، ونبوة السيف الصارم. وقد قالوا: لكل جواد عثرة، ولكل صارم نبوة.

الثالث: وهو محور البيان الشعري الشافِّ عن الفقدان بعد الوجدان، الذي لم يغص في أعماق الشاعر ونفسه فحسب، ولكنه هتك الحجب عن النفس الإنسانية، وعن حقيقة حياة الإنسان وعلاقته بذاته وبالآخر القريب الحميم، والبعيد الغريب. وكذا علاقته بالأرض والسماء، ورؤيته أو رؤياه للكون والحياة.

      إن التجربة الإنسانية لدى الشاعر الحساس، مثل كيانه العضوي والروحي، كل لا يتجزأ. فهي ذات تعاني، وملكة نفسية سمحة، وبيان شعري بليغ بواسطته يفصح عن نفسه، ويؤثر في غيره. وقد استطاع أبو فراس أن يبلِّغ عن مواجده في حالي الوجدان والفقدان، مما جعله يكسب إعجاب القارئ العادي، والناقد العربي والأجنبي، فأطلقوا على شعره عامة، وعلى رومياته نعت الإنسانية.

      ففي ضوء حالي الوجدان والفقدان، كان اختياري لعناصر الموضوع التي رأيت أنها الأكثر حضورا في شعر الشاعر فنيا وفكريا، فوزعتها على فصول الأطروحة.

      وانسجاما مع الرؤية الكلية لتجربة أبي فراس، فقد نهجت في تحليل النصوص الشعرية منهجا تكامليا يراعي الأبعاد المتعددة لشخصية الشاعر من حيث كونه من مثقفي عصره، وأدبيا أريبا، وشاعرا مبدعا، وأميرا ماجدا محظيا، وفارسا باسلا، وقائدا حربيا ورجل سياسة وولاية. وقد كان لهذه الأبعاد كلها أثرها البليغ في إبداعه الشعري عامة، وفي رومياته خاصة.

      ولذلك تجاور في هذا البحث التحليل اللغوي والأدبي الفني والمضموني، والرأي النقدي، والخبر التاريخي، والنظر الاجتماعي والفكري. كما أنني لم أغفل عن نهج طريق الموازنة والمقابلة بين النصوص الشعرية في الروميات، أو بين الروميات وغيرها من شعر الشاعر أو شعر غيره.. وربما يلاحظ علي بعض التكرير في إيراد الشاهد الواحد خلال الفصل الواحد، أو في فصول متتابعة أو متباعدة. ولكن ذلك كان رغما عني أو برغبة مني لتجاوب النصوص الشعرية، وتصاديها انسجاما مع وحدة التجربة الإنسانية، والعبارة عنها في وجدان الشاعر وفكره. ولم أنهج في إفادتي من التاريخ النهج الأفقي التعاقبي، كما أنني لم أفرد فصلا واحدا ولا مبحثا واحدا بالتاريخ الخالص، وإنما كنت أسترفد بالتاريخ في جميع الفصول والمباحث، كلما رأيت ذلك ضروريا لتوضيح فكرة أو إشارة لها صلة متينة بالشاعر، باعتباره شخصا فارضا حضوره في التاريخ وفاعلا فيه ومنفعلا به.

      وأما الرأي الاجتماعي والفكري، فقد اتخذ مكانه في الأغلب، بداية الفصول والمباحث على اعتباره توطئة نظرية للقضية أو العلاقة، أو الموضوع الأساس للفصل. وأحيانا يسيرة، كان هذا الرأي يتخلل التحليل، أو يسير في أثره باعتباره من الأدب في مفهومه الشامل.

      وكنت أنظر إلى النص الشعري في كليته معنى ومبنى، في المبدأ والنهاية. ولم أر من المناسب ولا المفيد الفصل بين المضمون والشكل في هيكلة البحث، قناعة مني بعدم جدوى هذا الفصل، بل أراه طريقة مخلة بوحدة العمل العلمي الأدبي، ووحدة الأثر الشعري، كما أراه تجنيا على الشاعر المبدع من مثل أبي فراس، وقصورا في الرؤية أو الرؤيا إلى تجربته الكلية والإنسانية.

      ومع ذلك، فإنه لما كان موضوع البحث هو التجربة الإنسانية متمثلة في محنة الأسر التي عاشها الشاعر، ويطرح قضية الحرية كما عاشها في حالي الوجدان والفقدان، فإن اهتمامي كان مصروفا للفكر والمضمون في الشعر، وتغليبه على جانب الشكل والبناء؛ وكنت أحيانا أعمل على إبراز ملمح لغوي أو صوري أو إيقاعي، إذا كان هذا الملمح دالا، وذا دور وظيفي في تجليه بعد من أبعاد التجربة، أو القضية، أو العلاقة قيد الدرس. كما لم أثقل بحثي هذا بالتعريفات النظرية للظواهر الفنية والبلاغية والنقدية، إلا ما كان خادما طيعا للدلالة والمعنى أيضا.

      وبناء على ما بينته، كانت هيكلة البحث كالتالي:

      هذه المقدمة التي تضمنت الحديث عن الدوافع الفكرية والوجدانية لهذا البحث وموضوعه ومنهجه.

      مدخل عرفت فيه بالمفاهيم الأساس التي يقوم البحث عليها كمفهوم التجربة، ومفهوم الإنسانية، ومفهوم الشعر والتجربة الشعرية لدى الغرب والعرب، وعلاقة الشعر بالمشاعر والقيم الإنسانية عامة، وعلاقة الشعر العربي بهذه المشاعر والقيم خاصة.

      الفصل الأول، خصصت مباحثه الأربعة على التوالي، لترجمة موجزة للشاعر، فمذهبه الشعري الفني والأخلاقي، ولمحة موجزة عن ديوانه المحقق، كما تطرقت إلى تجربته الإنسانية المتمثلة في أسره، معرفا بالأسر لغة وحالة قهر كلية سُنت فيها التشريعات والقوانين قصد التخفيف من وطأتها على المبتلى بها. وانتهيت في هذا الفصل بالحديث عن محنة أبي فراس التي جعلت منه بطلا ملحميا في عصر بطولي ملحمي.

      الفصل الثاني، ويحمل عنوان “الشاعر بين الحرية والضرورة، واشتمل على مبحث أول تطرقت فيه إلى المفهوم الفكري للحرية، ومبحث ثان عرضت فيه لشعر أبي فراس في حال الوجدان قبل أسره، ومبحث ثالث عرضت فيه لما قاله أبو فراس من شعر في حال الأسر أو ما أسميته بحال الفقدان. ثم مبحث رابع وأخير، عرضت فيه لما قاله الشاعر في تجاوزه لمحنته بالحماسة المسترجعة، وبما أودع الله قلبه من طاقات روحية إيمانية كالرجاء والصبر والاعتبار بضرب الأمثال، واقتصاص أثر بعض من مروا بمحن مختلفة.

      الفصل الثالث، وتكلمت فيه على العلاقة التاريخية بين سيف الدولة والشاعر. واشتمل الفصل على مبحثين. الأول حاولت فيه استجلاء أنواع العلاقة التي كانت تربط الشاعر بسيف الدولة حال الوجدان، وليا للنعمة وأبا ومولى، وصاحبا ونديما.

      والثاني ضمنته علاقة الشاعر بالأمير حال الفقدان. وقد اكتفيت في هذا المبحث بعرض أقوال وآراء قيلت في أسباب تباطؤ الأمير في افتداء الشاعر، بالرغم من حميمية القربى التي كانت بينهما، مما أحدث بينهما جفوة اشتكى منها الشاعر كثيرا في شعره، وعاتب عليها الأمير، كما تحدث عنها القدامى والمحدثون كثيرا.

      الفصل الرابع، وحمل العنوان التالي: “العلاقة الوجدانية بين سيف الدولة والشاعر”، وقصرت هذا الفصل على تحليل قصائد روميات كاملة، انفردت كل قصيدة منها بمبحث، ولكل مبحث عنوان يلخص المحور الفكري والوجداني الغالب على القصيدة المحللة.

      وقد دفعني إلى تخصيص فصلين كاملين لعلاقة الشاعر بسيف الدولة، أن هذه العلاقة كانت من الأهمية على المستويين التاريخي والوجداني من جهة، وعلى المستوى الشعري من جهة أخرى، ما لا يستطيع باحث أن يغفله. ثم كان لابد من تلك القسمة الثنائية لإحداث التوازن المطلوب بين فصول هذا البحث.

      الفصل الخامس، وتحدثت فيه عن علاقة الشاعر بعشيرته. قدمت له بكلام موجز عن الأسرة والعشيرة في اللغة وفي علم الاجتماع، ثم عرفت بعشيرة بني حمدان ودورها التاريخي في الإسلام بإيجاز. واشتمل هذا الفصل على مبحثين، عرضت في أولهما لشعر الشاعر في عشيرته حال الوجدان. الثاني لشعره فيها حال الفقدان.

      الفصل السادس، اشتمل على الحديث عن علاقة الشاعر بالأخ والصديق. ولأهمية هذا المحور فكريا وشعريا في أدبنا وفكرنا العربيين، وفي الفكر الإنساني عامة، فقد خصصت المبحث الأول من هذا الفصل للحديث عن الأخوة والصداقة في الفكر والأدب الإنساني والعربي، والمبحث الثاني للحديث عن الأخ والصديق في حياة أبي فراس وشعره حال الوجدان. أما المبحث الثالث والأخير فعرضت فيه لشعر الشاعر في الأخ والصديق في حال الفقدان.

      الفصل السابع، وخصصته لعلاقة الشاعر الحميمية بأمه في الروميات. وقد تطرقت في المبحث الأول منه إلى الأم في اللغة والأدب في الفكر العربي الإسلامي والإنساني، وتحدثت في المبحث الثاني عن أم الشاعر ونسبها كما جاءت في شعر الشاعر وعند بعض الباحثين المعاصرين. أما المبحث الثالث فتطرقت فيه إلى الأم في الروميات وهي حية فمتوفاة. ولم يفتني في هذا المبحث أن أعرض لما قيل في قصيدة: “أيا أم الأسير” من آراء حول صحتها أو ضعها على الشاعر، مناقشا هذه الآراء، ومنتهيا إلى صحة نسبتها إليه بناء على ورودها في بعض النسخ المعتمدة في روايات الديوان المحققة، وبناء على نقد داخلي للقصيدة ومقارنتها بقصائد الشاعر في أمه وهي حية، وبشعره عامة ذي السمة الروحية البارزة التي لا تخطئها البصيرة. وأفردت المبحث الرابع والأخير لتحليل هذه القصيدة الشجية.

      الفصل الثامن، واشتمل على ما قاله الشاعر في الحنين إلى الوطن. وقسمته بدوره إلى ثلاثة مباحث. الأول، واشتمل على ما قيل في الوطن في الفكر والأدب عامة. والمبحث الثاني واشتمل على ما قاله الشاعر في الحنين إلى الوطن حال الوجدان. أما المبحث الثالث فاشتمل على الحديث عن ما قاله الشاعر أيضا في الحنين إلى الوطن حال الفقدان.

      وختمت البحث بخلاصة لملمت فيها ما جاء مفصلا فيه، وأجملت نتائجه، بخلاصة أوجزت فيها أهم ما توصلت إليه من نتائج وأهمها محاولة البرهنة على إنسانية شعر الروميات، وإنسانية التجربة التي خاض غمارها مبدع الروميات، الشاعر أبو فراس. وقدمت عذري على ما يكون قد أصابني في البحث من سهو أو خطأ أو نسيان، أو حياد عن القصد أو مجانبة للصواب، في إبداء رأي، أو إصدار حكم، أو إطاعة هوى نفس؛ وكل غير مستبعد من الإنسان، وهو بي حريّ…

      وقد كانت آخر صفحات البحث مخصصة لفهرس المصادر والمراجع المعتمدة التي توزعها فروع معرفية مختلفة كالمصادر الدينية، وأهمها القرآن الكريم، وكتب الحديث، فالمصادر الأدبية كدواوين الشعر، والنقد والبلاغة، ثم كتب التاريخ وعلم الاجتماع، والفكر والفلسفة، والمجلات الدورية.

      وقد سعيت جهدي إلى أن أوفر لهذه الأطروحة الشروط العلمية المطلوبة، وأولاها التوثيق الدقيق، وعدم التسرع في الأحكام، والموضوعية في العرض والتحليل ومناقشة القضايا والأفكار. لكنني أقر بعدولي عن هذا النهج اللاحب أحيانا كثيرة، وانغماري في لجج من الذاتية عاتية، دفعني إليها إعجابي، بل محبتي لأبي فراس وكلفي بشعره عامة، وبرومياته خاصة.

      ولا تفوتني هذه الفرصة، لأقر بالعرفان لأستاذي الفاضل والشاعر المبدع الدكتور حسن الأمراني الذي لقيني، فأخذ بيدي، ووطأ لي من كنفه، وفسح لي من صدره ما وسعني، فكان مستفزي وحافزي على استئناف العمل في هذا البحث، بعدما كنت هجرته زمنا، لعواد عدت، وصوارف قاهرة عرضت. فله مني جزيل الشكر وخالص الدعاء له بحسن الثواب من الله الشكور الحليم العظيم.

      كما أشكر لأعضاء اللجنة العلمية الأجلاء بعلمهم وأدبهم، على جميل نصحهم، وسديد رأيهم في تقويم هذا البحث، كما أنني لن أنسى كافة أساتذتي وزملائي الذين أمدوني بمساعدتهم المادية والمعنوية طيلة مدة إنجازه؛ منهم خاصة الأستاذ الدكتور الشاعر محمد علي الرباوي، والأستاذ الخليل الدكتور بلقاسم بنجعوط، وإخوانا كثرا لم يبخلوا علي بالمعلومة المفيدة، والكلمة الطيبة النصوح.

      وعلى الله التوكل، وبه النجح والتوفيق.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *