البحث التربوي المعاصر وسؤال التجديد

 عبد السلام محمد الأحمر

 حاوره الدكتور مصطفى فاتيحي و الدكتور محمد قاسمي عن مركز معارف .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 1ــ بداية هل لكم أستاذنا أن تطلعوا الباحثين والقراء على أهم الاختلالات من وجهة نظركم التي شابت نظامنا التربوي في العصر الحديث؟

      أود في مستهل هذا الحوار أن أشكر الدكتورين الفاضلين مصطفى فاتيحي ومحمد قاسمي على توجيهكم هذه الأسئلة القيمة إلي، وعلى حسن ظنكم بي، وأسأل الله التوفيق والسداد في الإجابة عليها بما يناسب ويفيد.

لقد تعددت أسباب الاختلالات، التي أربكت نظامنا التعليمي التربوي منذ القدم، ويمكن إرجاع أهمها إلى الأمور التالية:

       أولا:  إن الفكر التربوي المغربي كالفكر التربوي العربي، ظل محكوما إلى حد كبير  بعاملين رئيسين وحاسمين، هما تداعيات عصر الانحطاط، الذي اندرجت فيه الأمة الإسلامية من قبل، فاختلت عقيدتها وخالطتها الخرافات والانحرافات من كل نوع، وامتد تأثيرها إلى التصورات الفكرية والممارسات السلوكية، على مستويات العبادة والمعاملات والأخلاق، فنجم عن ذلك تراجع العطاء الحضاري والإبداع الفكري في كل المجالات، و نسوق مثالا عما آل إليه تردي فهم الدين خلال هذه المرحلة، ادعاء بعض علمائها بأن تفسير القرآن في البلاد يؤدي إلى موت ولي الأمر، كما نُظر إلى إغلاق باب الاجتهاد على أنه واجب تقتضيه حماية الدين من التحريف والتغيير.

وهذه المواقف الغريبة عن لب الإسلام والمعطلة لحيويته، أدخلت الأمة في طور التخلف الكاسح، وأكسبتها ما سماه مالك بن نبي القابلية للاستعمار، وهو ما يعد العامل الثاني الذي سيلقي بظلال فكره على العقل المغربي، الذي بات مندهشا من البون الحضاري الشاسع الذي يفصل المسلمين عن ركب الحضارة الغربية، مما أسهم بدرجة كبيرة في خلق تطلع لاقتفاء أثرها في شتى الميادين وخصوصا المجال التربوي.

      ثانيا: افتقاد النظام التربوي لمشروع وطني نهضوي شامل، يتجاوب مع الخصوصيات الذاتية، ويلامس التطلعات في صيانة مقومات الشخصية المغربية، وتحقيق التنمية الشاملة، ويكون قادرا على توجيه السياسات العامة في شتى مجالات الحياة، وعلى رأسها قطاع التعليم بجميع أسلاكه وتخصصاته. فرغم اعتماد نظام المخططات والمشاريع الإصلاحية، فإنه كثيرا ما ينصب الاهتمام على الإنجازات الجزئية والمؤقتة، دون ربطها بمشروع حضاري ورؤية تنموية كلية بعيدة المدى.

      ويمكن القطع بأن السبب الرئيسي في تعذر إعداد مشروع وطني قابل للاعتماد والتنفيذ، هو احتدام الصراع الأيديولوجي بين مكونات النخبة النافذة داخل المجتمع، والتي يستقوي منها المتحمسون للاتجاهات الأجنبية بالسند الموفر لهم من خارج البلاد، رغم كونهم قلة لم تكن تحظى بأي دعم شعبي غداة الاستقلال.

         وقد سبق لي أن فصلت القول عن هذا الخلل في افتتاحية مجلة تربيتنا العدد السابع تحت عنوانفي التعليم غياب القضية هو القاضية، ومما أكدته فيها بأن وجود قضية وطنية منبثقة من ثقافتنا وخصوصيتنا، ومراعية للتحديات المعاصرة، ومؤهلة للفكر في اتجاه صناعة مستقبل زاهر، واستئناف التجربة الحضارية المغربية الفريدة، وهادفة إلى بناء شعب متماسك، معتز بهويته الدينية والوطنية.

       هذه القضية عندما تكون حية في الضمائر، وليست مجرد مقدمات تزين بها ديباجة المشاريع الإصلاحية، هي التي من شأنها تعبئة إمكانياتنا المادية والبشرية، للخروج من حالة الإخفاق والارتباك، وتبديد الجهود في صياغة الرؤى والتوجهات التي تحاول ملء الفراغ، بتبني قضايا غريبة عن الذات المغربية، معاكسة لتطلعات أغلبية الشعب، معارضة لقيمه الأصلية.

      إن مصدر فشل منظومتنا، يعود بالأساس إلى غياب قضية وطنية كبرى، تنطلق من توابثنا الراسخة، عندما أصبحت هذه الثوابت موضع تبرم وجحود من فئات مجتمعية، يُرجع إليها عند انطلاق عمليات الإصلاح، فينخرم الإجماع حول تلك الثوابت، أو يحتفظ بها في مستوى الشعار المرفوع إعلاميا، والمخفوض عمليا على مستوى التنفيذ للبرامج الدراسية داخل المدرسة، والمشوش عليه في وسائل الإعلام ومختلف مجالات الحياة العامة، باتجاهات موهنة لروحه وكاسفة لإشعاعه.

      فقوة كل أمة أو شعب من الشعوب تظل كامنة في ذاتيته، التي تزوده بالطاقة المحركة للإبداع والإنتاج والعطاء المستمر، فإذا ضاعت طاقته الذاتية ونضبت، لم تستطع طاقات غيره المستوردة أن تمنحه الديناميكية المطلوبة، أو تصلح ما لحقه جراء ذلك من أعطاب بليغة.

2 ــ ما هو إذن تقييمكم للإنتاجات العلمية في المجال التربوي التعليمي بالمغرب بعد الاستقلال؟

      لقد سلكت الإنتاجات التربوية في العصر الحديث اتجاهين اثنين: أحدهما كان يرى بأن ما آل إليه وضع الأمة من هوان نفسي، وجمود فكري وتأخر حضاري، يرجع إلى بعدها عن فهم وتطبيق تعاليم دينها في حياتها الخاصة والعامة، ومن ثم فلا مخرج لها إلا بالرجوع إلى دينها القويم، وتربية الأجيال الصاعدة على هديه المبين، لما له من دور معلوم في ربط النشء بهويته الإسلامية، المستعصية على الذوبان في بوتقة الثقافة الاستعمارية المادية.

      لكن هذا الاتجاه نفسه، ظل حبيس النظرة التقليدية للتربية خاصة وللإسلام عامة، والتي سادت على امتداد عصور الانحطاط. وقد انحصر همه في الحفاظ على بعض ما عده ضروريا لمواصلة الارتباط بالإسلام وتقاليده الموروثة، فجاءت الاجتهادات التربوية غير قادرة على النفاذ إلى روح الإسلام، وبالتالي عاجزة تماما عن اقتحام دائرة التنظير التربوي، لرفع التحديات المعاصرة المطروحة أمامه.

      وفي المقابل يوجد الفكر المتغرب، الذي ربط تخلف المسلمين باستمرار انتمائهم للدين قرونا طوالا، وانتهز حصول الاستعمار ليعتبره  فرصة سانحة للتحرر من النظام الإسلامي القديم، الذي أضحى في تقديرهم متجاوزا في ضوء الإنجازات الباهرة للحضارة الغربية العقلانية، وسعى سعيا حثيثا  مدعوما بالسلطة الاستعمارية، لكي يمكن لسياستها وتوجهاتها في صياغة جميع مكونات الحياة العامة، وعلى رأسها المناهج التربوية، حيث عمل جاهدا لعرقلة كل محاولات إصلاح النظام التعليمي بالاستناد إلى المرجعية الإسلامية من جهة، والتحيز للمناهج الغربية تحت مسميات التحديث والتجديد من جهة أخرى.

      فلم يكن إذا بد في ظل هذه الظروف الاستثنائية، أن يأتي الإنتاج التربوي قبل الاستقلال وبعده إلى يومنا هذا، شديد التأثر بحالة الانقسام والتنازع بين اتجاهين متضادين: أحدهما يروم الحفاظ على خصوصيات الهوية المغربية بما آلت إليه وانطوت عليه من عناصر القوة والضعف، والآخر يدفع في اتجاه التغريب التربوي وتحديث الحياة العامة برمتها، دون الاعتبار اللازم لثوابت هذه الهوية.

وهذا الوضع جعل التفاهم والتوافق لا يتحقق، إلا على أساس منع أي طرف أن تكون الغلبة لرؤيته، ولو تضافرت مسوغاتها وكانت حججها هي الراجحة.

      ومن الاختلالات الأخرى التي حكمت الإنجاز التربوي إلى اليوم، إعطاء الأسبقية في تدبير الشأن التعليمي للسياسة العامة للدولة وأولوياتها وما تواجهه من ضغوطات داخلية وخارجية وذلك على حساب شروط العمل التربوي الرصين ومقتضياته المنهجية والمضمونية، حيث تنصب عناية وزارات التربية الوطنية خلافا لتسميتها على ما هو تعليمي وتنظيمي إجرائي، وإهمال الأبعاد التربوية في تحقيق التنشئة المنشودة. فيلاحظ في الإصلاحات المتوالية، إيلاء كل الاهتمام للجوانب التنظيمية القانونية والوسائل المادية، وتوفير ما هو ممكن من البنيات التحتية والوسائل اللوجستيكية، وإهمال شديد لتأسيس المنهاج التربوي العام على أصول فلسفة تربوية نهضوية واضحة، قائمة على دراسات ميدانية راصدة للاختلالات الفكرية والسلوكية، التي تقبع وراء الأعطاب البادية في الكيان المغربي، فصار  متعودا للغش والتراخي في العمل، واستثقال أداء الأمانة وعدم تحمل معاناة الإتقان والإصلاح، و ضعف لديه التشبع بقيم المسؤولية وحب العمل والإخلاص فيه، وغيرها من القيم البانية التي عجزت عن التربية عليها المدرسة و الشارع، والإعلام والثقافة السائدة، وبات الفرد لا يجد في محيطه نماذج مثالية للصدق والجدية إلا نادرا، بحيث لا يتبين من خلالها أنه مقصر ومفرط ومعاكس لتوجه مجتمعه.

      ينضاف إلى ما ذكر ضعف الصنعة التربوية، على مستوى التنظير والتأليف المدرسي، والذي غالبا ما يتجه إلى استنساخ المناهج الأجنبية، دون امتلاك القدرة اللازمة على إخضاعها لمقتضيات الخصوصية المغربية.

3ــ كيف تنظرون إلى علاقة البحث التربوي بالممارسة الفعلية في الميدان بالنسبة لمختلف المشتغلين؟ وما هي مقترحاتكم لتجويد وترشيد هذه العلاقة؟

      بداية لابد من تأكيد الصعوبة الكبيرة التي تكتنف العمل التربوي لاسيما على مستوى التنظير له، باعتبار أن موضوعه هو الإنسان البالغ التعقيد من حيث هو مادة وروح، ومعلوم أن معظم النظريات التربوية التي تنقل إلينا من الغرب تدرس الإنسان على أساس أنه جسد ليس إلا، ونحن المسلمين بدورنا تأثرنا بأفكار علم النفس الغربي، وتقبلنا ما يبنى عليها من نظريات تربوية دون أدنى تمحيص، أو تكييف مع تصورنا الإسلامي.

      فالجوانب التنظيمية والتقنية في العمل التربوي، هي وحدها ما يجوز أخذه عن غيرنا المختلفين عنا في العقيدة وغيرها من الخصوصيات الأخرى، وما قد يتفرع عنها من نظرة خاصة للإنسان والحياة.

      فما لم نتمكن من اعتماد بحث تربوي مستقل وأصيل، مؤسس على الاعتبار اللازم لتصوراتنا للإنسان، المستمدة من هدي الكتاب والسنة، وأن تُعطى الحرية الكاملة للخبراء لإعداد مشروع نظام تربوي رائد دون إملاءات إدارية مسبقة، فلن نبرح مكاننا ليس في مجال التربية فحسب، بل في كل المجالات الحياتية.

     وبالتالي سيستحيل علينا بناء مناهجنا التربوية بناء محكما، يخرجنا من حالة الارتباك والتبعية المعطلة لكل إبداع وتجديد يفتحان أمامنا آفاق النهضة الحقيقية، والتي لن تكون قطعا إلا بعقلنا ومن داخل هويتنا.

      إننا في أمس الحاجة إلى إنشاء مؤسسة وطنية للبحث التربوي وبناء المناهج التربوية العامة، و كذا المتعلقة بكل مادة دراسية على حدة، وبناء ديداكتيكها الخاص بها، والقيام بإعداد استبيانات علمية لاستطلاع آراء مختلف الفاعلين التربويين عند كل إصلاح تربوي، وإجراء التجارب الميدانية الضرورية للبرامج الجديدة، وتحديد مستوى نجاعتها وملاءمتها قبل الاعتماد النهائي لها، والاشتغال على التقويم الدوري للبرامج وإجراء التعديلات المتعينة عليها تباعا، والعمل على إصلاح وتطوير تدريس التربية العامة والخاصة بكل مادة داخل مؤسسات التكوين التربوي القائمة، وإحداث مجلات ودوريات محكمة لتشجيع وإنماء البحث التربوي، واتخاذها عاملا أساسيا لترشيد وإصلاح المناهج، وتأطير الممارسة التربوية والرفع من مستواها وزيادة فاعليتها داخل الفصل.

    خلاصة القول إننا نحتاج لتمتين العلاقة بين البحث التربوي والممارسة التربوية، على جميع مستوياتها تنظيرا وإشرافا وتأطيرا وممارسة فصلية، لتجويد الفعل التربوي وتأسيسه على نتائج علمية وعملية، تكون أمينة ومأمونة من التيه والارتجال.

 ــ يظل البحث في التراث عن النماذج التربوية أمرا مطلوبا على أساس ما يفترض فيه من اتصال واسع بروح الوحي الخاتم؛ هل لكم أن تطلعونا على تقييم مختصر لهذا التراث وما هي الإمكانيات التي يوفرها للقيام بالتجديد التربوي في هذا العصر؟

     لا أظن أحدا يجادل في الارتباط الوثيق بين الإسلام وتربية الإنسان، بل إن التربية مقصده الأساس، لإعداد النشء للاضطلاع بمهام الاستخلاف في إطار الوحي الخاتم. قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164] وفي الحديث الصحيح: ”إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق” (الأدب المفرد للبخاري) وهو ما يفسر توفرنا اليوم على تراث ضخم، اشتمل على إنتاج غزير في جانب الآداب والأخلاق والتزكية بصفة عامة.

      وبحكم أن مجال التربية ينفتح أكثر من غيره للاجتهاد الفكري، فإن إنتاجاتها عبر الأزمنة تظل عرضة للصواب والخطإ والتجاوزات من كل نوع.

      ويمكن تسجيل ملاحظة أساسية في هذا الاتجاه، وهي أن غلبة الطابع التربوي على تعاليم الإسلام وتوجيهاته وأحكامه، قد يكون صرف المسلمين إلى البحث والتنظير في حقول معرفية، بدت الحاجة إلى الاهتمام بها أولى وأكثر إلحاحا، مثل مجالات العقيدة والقرآن والسنة والفقه وأصوله وغيرها، أما التربية فقد ظلت حاضرة بقوة على مستوى الفعل، من خلال العبادات الفردية والجماعية والمعاملات والأخلاق والآداب، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصح، و في الخطب والمواعظ والذكر، ومطالعة نصوص الوحي كتابا وسنة، كما أن تضخم العناية بمجال التزكية خاصة من خلال التصوف بمختلف مدارسه واتجاهاته، كرس الانصراف عن الاهتمام بالتربية الموجهة للأطفال والشباب داخل الأسرة والمدرسة والمعاملات المجتمعية، على امتداد المراحل العمرية.

      وهذا ما قد يفسر عدم إدراج التربية ضمن العلوم الإسلامية، إلى حين الاحتكاك بالحضارة الغربية التي تطورت لديها علوم التربية.

      فتراثنا التربوي يكاد يكون خاليا من الكلام عن المناهج التربوية الشاملة، والكتابات التنظيرية في مجالها، والتي تؤطر العمل التربوي والتعليمي، وتجلي فلسفته وما تقوم عليه من أسس نظرية مستمدة من الوحيين الكتاب والسنة، وما ينتظر أن تفضي إليه من نتائج على مستوى الواقع تصورا وسلوكا. ولعل تعثر بروز علم التربية الإسلامي، هو ما فتح الباب على مصراعيه للارتماء في أحضان الفكر التربوي المادي، وربط أنظمتنا التعليمية والتربوية بما هو نجاح وإخفاق فيه دون وعي بذلك.

      لقد استطاع الفكر الصوفي أن يبدع مصطلحات تربوية عديدة، ذات دلالات سلوكية، ولها طابع تربوي اختزالي، موجه لممارسة تزكية النفس، مثل: المجاهدة، رياضة النفس الفتوة – الإرادة – السلوك – الافتقار –– وغيرها كثير، لكنها لم تنتظم ضمن بناء منهجي عام يربطها بمبدإ كلي مستمد من القرآن والسنة، وإنما تربط بمقاصد وقيم أخلاقية أقل كلية، إن لم نقل جزئية مثل الزهد، التزكية، العبادة.

      وأستطيع أن أزعم بأنه رغم ما كتب وأنجز في ميدان التربية الإسلامية، فما زال أمام الأمة الكثير مما عليها استخراجه مباشرة من الكتاب والسنة، سواء على مستوى المنهاج العام للتربية أو الطرائق التعليمية، فضلا عما خلفه علماؤنا من تراث تربوي ضخم، مما يغنينا عن الأخذ والاقتباس من غيرنا للكثير مما أساسه ثابت أصيل في تراثنا.

      وفي هذا الاتجاه يجدر التنويه، أنه جرت محاولات جادة في العقود الأخيرة، لتحديد الأساس النظري للتربية الإسلامية، اختلفت صياغاته وتعددت ومنها ما التفت إلى مبدإ قرآني كلي هو الاستخلاف، بمعنى تحميل الإنسان المختار مسؤولية تزكية نفسه، وإدارة شؤون حياته الدنيوية، على أساس من وحي الله المنزل، واليقين بحساب الله عن ذلك في الآخرة.

      ففي هذا الاتجاه، وردت الإشارة إلى إمكانية اعتماد منظور الاستخلاف في بناء نظرية تربوية إسلامية، فقد بين ماجد عرسان الكيلاني في كتابه “تطور مفهوم النظرية التربوية الإسلامية” (بأن فلسفة التربية الإسلامية جزء من فلسفة الإسلام الكلية عن الإنسان والكون والحياة. فقد خلق الله الإنسان ليكون خليفته في الأرض، يستغلها ويكشف أسرارها وأسرار العوالم المحيطة، ليرى آيات الله في ذلك كله، ويتصرف بشؤون الحياة حسب التوجيه الإلهي.. وزوده بالقابليات والاستعدادات والقدرات العقلية والنفسية والجسدية، التي تمكنه من التلقي عن الله سبحانه والتعرف على قوانين الخلق، ثم تحويل ما يتلقاه من معارف وتوجيهات إلى ممارسات وتطبيقات عملية في الأرض).

       ويرى علي أحمد مذكور في كتابه “نظريات المناهج التربوية” بأن التصور الإسلامي للتربية يهدف إلى تربية الإنسان، وإيصاله إلى درجة كماله، التي تمكنه من القيام بواجبات الخلافة في الأرض، عن طريق إعمارها، وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله، وسار في ذات الاتجاه، علي جريشة في كتابه “نحو نظرية للتربية الإسلامية” فأكد الأسس الفكرية للتربية الإسلامية على أنها هي التوازن، التكريم، تفجير الطاقات الاستعداد لتلقي الأمانة”.

      لكن هذه المحاولات ومثيلاتها، لم تتكلف عناء بيان الطريقة التي يصير بها الاستخلاف عمليا ومؤطرا وموجها للتنظير التربوي، في مختلف مفاصله التصورية وتفصيلاته الإجرائية والسلوكية.

      ولا شك أننا عندما نتعامل مع العملية التربوية/التعليمية على أنها أمانة متفرعة عن أمانة استخلاف الإنسان في الأرض، نضمن لها أساسا قرآنيا متينا قائما على المراقبة الإلهية الدائمة، يكون كفيلا بتعبئة النفس، للاضطلاع بمهام ممارسة جميع تكاليف ومسؤوليات الاستخلاف، بكفاءة واقتدار في إطار الوحي المحفوظ، سعيا للظفر برضى الله والفوز بالسعادة الدنيوية والأخروية.

5ــ ما هي نظرتكم لمناهج البحث التربوي في العلوم الشرعية وسبل تنزيلها في مدارسنا وجامعاتنا بمختلف المواد والوحدات؟

      أؤكد ابتداء بأن خطاب الوحي قرآنا وسنة، ربط الأحكام العملية بالأفعال القلبية، فساق جميع التكاليف الشرعية، مقرونة بالتنبيه إلى ما تتأسس عليه من خشية الله ومراقبته في السر والعلن، طلبا لنعيم الجنة وحذرا من عذاب الجحيم، {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151].

      وقد كان الفقه في أول الأمر هو فهم كل ما شرعه الله من الأحكام، في مجالات الاعتقاد إلى جانب السلوك، لذلك عرفه أبو حنيفة بالفقه الأكبر، وبأنه معرفة النفس ما لها وما عليها، ثم صار الفقه بعد ذلك مقصورًا على معرفة ما للنفس وما عليها من الأحكام العملية، وتم تعريفه بكونه معرفة الأحكام الشرعيّة المُتعلّقة بأعمال المُكلّفين وأقوالهم، والمُكتسبة من أدلّتها التفصيليّة، التي هيَ القُرآن الكريم والسُنّة النبويّة والإجماع والاجتهاد.

      ومع اتساع مجال العلوم الشرعية، مثل علوم القرآن والسنة والفقه وأصوله، انفصلت معارفها نهائيا عن التذكير ترغيبا وترهيبا، مما أفقدها حافز الامتثال فعلا وتركا، بل وجردها في معظم الحالات من الطابع التكليفي، ليجعلها تعاريف ومصطلحات وخلافات وترجيحات وقواعد وبيانات منفصلة عن السلوك، وقد تُوَرث القسوة في القلب كما أكد غير واحد من علمائنا الأفذاذ، يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: (تأملت العلم والميل إليه، والتشاغل به؛ فإذا هو يقوي القلب قوة تميل به إلى نوع قساوة… فإذا تأملت باب المعاملات “يعني الرقائق والمعاملة مع الله”، قل الأمل، ورق القلب، وجاءت الدموع، وطابت المناجاة، وغشيت السكينة، وصرت كأني في مقام المراقبة. إلا أن العلم أفضل، وأقوى حجة، وأعلى رتبة، وإن حدث منه ما شكوت منه)، ومن قبل ضاق الإمام الغزالي باختلال دراسة وتدريس العلوم الشرعية، لما تأكد أنها لا يزكو بها القلب ولا يستقيم السلوك، فانخرط في سلك التصوف بحثا عما يهذب النفس ويكبح جماحها، فألف في ذلك كتابه “إحياء علوم الدين” سعيا منه إلى إعادة ربط تعلم العلوم بتزكية النفس وتطهيرها من أدرانها واعوجاجاتها.

      وفي العصر الحديث، وبعد تلقي معظم الفاعلين التربويين لعلوم التربية، ما زال بهم حنين غريب لتجريد المواد الدراسية من طابعها التربوي، حتى ولو كانت مادة تربوية صرفة مثل التربية الإسلامية، التي تم إغراقها في مواضيع العلوم الشرعية وقضاياها، دون أي جهد يذكر لتسخيرها في خدمة البعد التربوي للإسلام وتكييفها مع مقتضياته، وأذكر أنه في سنة 1994 قرر المفتشون المنسقون الجهويون إثر لقاء جمعهم بالرباط رفع ملتمس إلى وزارة التربية الوطنية، يطالبونها فيه بتغيير اسم مادة التربية الإسلامية إلى مادة الدراسات الإسلامية، وذلك انسجاما مع محتوياتها آنذاك، والتي تتوزعها مكونات علوم القرآن وعلوم الحديث والفقه وأصوله.. وكان ردي حينها هو رفض ذلك التوجه، فنشرت مقالا بجريدة العلم تحت عنوان: “دفاعا عن التربية الإسلامية” ذكرت في مقدمته بأنه في تلك الفترة “عرفت برامج التربية الإسلامية بالمرحلة الثانوية تغييرا بارزا كرس فيها الطابع المعرفي الذي لا يكترث بتحقيق الأهداف الأساسية للتربية الإسلامية الأمر الذي أثار بعض التعليقات الاحتجاجية في صفوف الأساتذة ورجال الإشراف التربوي منها أن المادة لم تعد تربية إسلامية وإنما دراسات إسلامية”.

      ومن لطف الله أن الوزارة لم تستجب. وكان عليهم بدل ذلك مطالبتها باعتماد مضامين مكرسة للصفة التربوية، وحشد كل ما من شأنه ترسيخ العقيدة وتعميق الاقتناع بها عن طريق إبراز انسجامها مع العقل والفطرة وحقائق العلم التجريبي، وتربية القدرة العلمية لدى النشء لإدراك نهج الدين والدفاع عنه بالحجة والدليل العقلي والشرعي، والعمل على تحصين الفكر ضد موجات التشكيك في الإسلام وصلاحيته على مدى الزمان والمكان، والتعريف بأسرار وحكم العبادات والأخلاق والمعاملات الإسلامية، واكتساب الكفايات البيانية والبرهانية، وتنمية العقلية النقدية.

      فهذه ضرورات معرفية ومنهجية، إذا لم يتم إشباعها ومراعاتها وتعهدها بوضع المناهج الدراسية الملائمة، فإن النشء سيفقد الرغبة والمغزى معا في البحث والتحصيل والتعلم، وسيتعلم إن تعلم من أجل أن يعيش لا من أجل أن يحيى، وقد تفاقمت في واقعنا مؤشرات كثيرة لذلك لعلنا ننتبه إليها ونعي جيدا دلالاتها حتى لا نكرر فشلنا مرة بعد مرة.

      ولذلك نحتاج إلى التأسيس النظري للمعرفة الإسلامية يرتكز على إعادة البعد التربوي المغيب عن العلوم الإسلامية، انسجاما مع النهج المؤصل في القرآن والسنة، وأقترح اعتماد المدخل التربوي في دراستها وتدريسها وهذه أهم أسسه:

ــ تصدير تدريس مواد العلوم الشرعية في التعليم الثانوي والجامعي، بتقديم رؤية علمية تربوية، تربط مضامين كل علم باستهداف تعزيز حرية الإنسان ومسؤوليته، وترسيخ مراقبة الله له في كل حال، من خلال تعلم هذا العلم وحسن توظيفه في فهم خطاب الشرع والعمل به للاقتدار على إنجاز مهام الاستخلاف في الأرض.

ــ تأكيد الانطلاق من كون الإنسان مسؤول عن تحصيل المعارف والعلوم، قبل أن يصير مسؤولا عن العمل بها، فإنه يلزم إبراز الطبيعة الابتلائية لتعلم العلم وفهم منهجه وحقائقه على وجهها الأرجح والأقرب للصواب، كما هو الشأن بالنسبة للعمل به قدر المستطاع. ففهم العلم وفك إشكالاته يرتكز على واقع النفس وإرادتها، قبل بنية الخطاب ومحتوياته. ومن هذا المنظور تعطى الأسبقية للذات المسؤولة على الموضوع في التعلم والفهم، وترتفع درجة تعبئة النفس لاستشعار مسؤوليتها التعلمية/التربوية، وما ينتج عنها من مواقف تصورية وسلوكات عملية، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [آل عمران: 7].

ــ تأصيل ظاهرة الاختلاف بين العلماء في الإدراك والتأويل والترجيح، على اعتبار أنها عامل إثراء وترشيد وتنوير للفكر، وتحريره من أي سلطة للمعرفة كيفما كانت إلا بإرادة النفس واختيارها الحر، والتمكين من اتخاذ الموقف الصائب والمناسب.

 ــ من العلوم الإسلامية التي لها ارتباط بالمسألة المنهجية علم مقاصد الشريعة وعلم أصول الفقه، ما هي بنظركم أدوارهما في إنماء البحث التربوي؟

     إن المعارف الشرعية تمتاز بتداخلها وتكاملها الشديدين، نتيجة تفرعها عن أصل الوحي، الذي تسعى لبسط حقائقه وجعلها قابلة للتمثل الفكري والسلوكي، فمقاصد الشريعة تتكامل مع مقاصد التربية الإسلامية، الرامية إلى بناء الإنسان المؤمن بالله تعالى، القادر على التزام شرعه في مناحي الحياة كلها، في إطار ممارسة إسلامية لجميع أعباء التكليف الاستخلافي وبكامل الحرية وتمام المسؤولية.

      فإذا رمنا تحديد مقاصد العلوم الإسلامية والأحكام الشرعية وحكمها وأسرارها، دون حسم المقاصد العليا للشريعة، صعب علينا الاهتداء لحسن صياغتها، وأضحت نظرتنا إليها غامضة وتجزيئية، وربما مشتتة للفكر وهادمة لنسقيته.

      وأرى أن هذا من الاختلالات المنهجية، الملازمة لمعرفتنا الشرعية، ولتربيتنا الإسلامية قديما وحديثا.

      فلا يمكننا مثلا تبين مقاصد الصلاة التربوية، دون استحضار كونها عبادة، والتي هي قبل كل شيء مطلب شرعي استخلافي، بمعنى أن الانخراط في ممارستها على النهج الصحيح، رهين باختيار المكلف واستشعاره لمسؤوليته في اختيار الدين، وإخضاع النفس لتربيته ومناهجه في تزكيتها، واستفراغ الوسع في امتثال الأوامر واجتناب المنهيات.

      ويكون الركوع والسجود واستقبال القبلة، أبرز التأكيدات العملية المتكررة خمس مرات في اليوم، على اختيار الخضوع الكامل لله ومشيئته، وحكمته وشرعه في كل شؤون الحياة، فما من حكم أو فعل من أفعال الصلاة، إلا ويمكننا أن نربطه بتربية النفس على ترسيخ إرادة الانقياد والعبودية لله تعالى، والامتثال لما أنزله في وحيه، مما هو جماع الفلاح والصلاح في الدنيا والآخرة.

      وعندما نتحدث عن أهداف التربية الإسلامية، فإنه يمكننا دائما اعتبار أي من أهدافها تحقيقا لمقصد الله الأسمى الذي هو استخلاف الإنسان وتحميله مسؤولية بناء ذاته على أساس الإيمان والتوحيد، قبل بناء ما عداها من المنشآت العمرانية، والتي تعد بدورها مجالا آخر لممارسة الحرية والمسؤولية، باعتبارهما أول وآخر مقاصد الله من استخلاف بني آدم على الأرض.

      أما فيما يتعلق بدور علم أصول الفقه في إنماء البحث التربوي، فيمكن القول بداية بأن هناك مجال أصول التربية، والذي يهدف إلى تقعيد وتوجيه العمل التربوي على مستوى التنظير كما على مستوى الممارسة، داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع.

      فكما يهدف علم أصول الفقه إلى وضع مجموعة من القواعد والأساسيات، التي تنير فكر الفقيه وتصونه عن الزلل، في تحديد أحكام الشرع لما يستجد من القضايا والنوازل، فإن أصول التربية هي علم دراسة الأسس والقواعد، والنظريات، والمبادئ، والحقائق التي يقوم عليها النظام التربوي، وتمكن الفاعلين التربويين من تجنب الوقوع في أخطاء وتجاوزات، تكون لها عواقب وخيمة في التربية تصورا وممارسة.

      ومن الأبحاث الجامعية التي أنجزت قبل عقد من الزمان في هذا الموضوع لنيل شهادة الدكتوراه، بحث قيم للصديق الباحث الجاد لخلافة المتوكل تحت عنوان: (الإفادة من علم أصول الفقه في صياغة نظرية تربوية إسلامية)، وقد خلص في خاتمته إلى تأكيد العلاقة المتينة بين أصول الفقه وأصول التربية والتكامل المنهجي الحاصل بينهما. فقال:” لقد تبين بحمد الله تعالى أن علم أصول الفقه خادم للنظرية التربوية الإسلامية في مختلف جوانبها وأركانها، حتى إنه يمكن أن تسمى “أصول الفقه والتربية”، فهو بحق علم الأصول وأصول التربية والتعليم. وإن منهجه العتيد إذا أحسن تنزيله على حقل التربية والتعليم، لكفيل بإصلاح هذا الحقل، وتقويم اعوجاجه، وتسديد وجهته وقبلته.

7 ــ كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الحاجة الملحة للتكامل المعرفي، سواء بين حقول المعرفة الشرعية، أو العلوم الشرعية والإنسانية والاجتماعية، ما هي برأيكم المستندات العلمية لهذا الطرح وما هي سبل وآليات الإنجاز والتنزيل؟

      نعم إن الحاجة لاعتبار التكامل المعرفي داخل العلوم الإسلامية، أو علاقة بغيرها من الحقول المعرفية الأخرى، أضحت ملحة في ظل تكاثر المجالات المعرفية وتنوعها، وما قد يبدو بينها من تناغم أحيانا وتنافر أحيانا أخرى، ومعلوم أن من أهداف التربية الأساسية إعداد النشء لمواجهة تحديات التعقيدات المعرفية، الناجمة عن التطور الحضاري في مجالاته المتعددة، بحيث إنه يعاني من التضارب والتناقض بين مضامين العلوم التي يدرسها، وتكون عامل تشظ وتبعثر في فكره، وهو لم يتعلم  داخل الفصل ولا خارجه كيف يؤلف بين الأفكار والاتجاهات المتنافرة، وكيف يفسر ما يوجد بينها من تقارب أحيانا ومن تباعد وتنازع وتضارب أحيانا أخرى.

      ولابد من تقرير حقيقة استعصاء التنسيق، بين بعض الأفكار والمفاهيم والتفسيرات، التي يستحكم فيها الخلاف بين العلماء والباحثين والخبراء، والذي قد لا يتيسر تذليل صعوباته، وما يطرحه من إشكالات وتعقيدات، سيما عندما يتم التعامل معه في إطار تخصصي ضيق، في حين أنه يحتاج إلى نظر كلي شامل لحقول معرفية كثيرة إن لم يكن جميعها.

      ومما يكرس التصادم والتضاد بين المعارف المقدمة للتلميذ، عدم إخضاعها لرؤية منهاجية واضحة، وفسح المجال لكل مادة أن تسوق مضامينها دون استيفاء شرط التكامل المعرفي، الذي يضمن الحفاظ على البناء النسقي للفكر، ويحميه من التناقض والفصام.

      فالمفروض تربويا أن تستهدف كل مادة دراسية بناء جانب من كيان المتعلم، في إطار الانسجام والتكامل التامين، لكن الذي يحصل في حمأة الصراع الأيديولوجي المحتدم، أن تسخر موضوعات المواد الحاملة للقيم والمبادئ، لاستمالة نفوس المتعلمين إلى اتجاهات معينة، ضد مواد أخرى حاملة لرؤى وتوجهات مغايرة، فينعكس ذلك على شخصية التلميذ سلبا، ويحرمه من الاستفادة مما يدرسه في بناء ذاته بناء متكاملا باختياره واقتناعه.

      وأما التناقض الطبيعي الموجود داخل محتويات كل مادة، فقد يستعصي رفعه مع توفر العزم على ذلك، وتقديم الممكن من المقاربات المتاحة، والتي لابد أن تساق للنشء على أنها أقصى ما بلغه الفهم البشري، وأنه من مسؤولية الإنسان أن يستخدم طاقته العقلية لحل كل الإشكالات المعرفية، التي تعترض سبيله في طلب العلم واستجلاء الحق. والتي يمكن تبين إيجابياتها التربوية الكبيرة، ومنها استفزاز العقل للبحث والتفكير، واستشعار الطبيعة الابتلائية للمعرفة العلمية أيا كانت، وإدراك أيضا قدرة العقل وحدوده.

      وإذا استحضرنا الحقيقة الاستخلافية للإنسان، أمكننا تصنيف المعارف إلى قسمين إثنين: قسم العلوم التفسيرية وقسم العلوم التسخيرية، وأن كليهما ضروريان لوجوده وقيامه بمهامه التي أناطها به الخالق على هذه الأرض، فيدخل في القسم الأول علوم الوحي والفلسفة والآداب، وكل المواد التي تيسر فهم الغاية من الوجود البشري، ودلالات طبيعة الحياة الدنيوية، ويشمل القسم الثاني العلوم التجريبية من رياضيات وفيزياء وعلوم الأحياء، والجيولوجيا والفلك والفلاحة والصناعة بكل أنواعها وكل العلوم المادية، والتي تمكن الإنسان من تسخير الطبيعة، واستثمار خيرات الأرض وإمكانياتها، لاستعمار الأرض وتدبير حياته فوق ظهرها.

      فكل هذه المعارف خادمة للإنسان الخليفة عن الله في الأرض، ومن مسؤوليته أن يسعى لجعلها تتكامل فيما بينها، ليتمكن عن طريق مواصلة تطويرها وتعليمها لنسله جيلا بعد جيل، ليواصل تحمل أمانة الاستخلاف بما ينمي حريته ومسؤوليته عن صنع مصيره في الدنيا والآخرة.

 8ــ ويرتبط بالسؤال السابق الزعم بأن العلوم الشرعية لا تستطيع أن تستقل في تحقيق الإقلاع الحضاري، آية ذلك أن العلماء في تاريخ الأمة الذين لهم إنتاجات في العلوم البحتة والتطبيقية قد جمعوا معها الإلمام بالعلوم الشرعية والاطلاع الواسع على الفلسفة والمنطق، ما هو ردكم على هذا الزعم؟

      إن الجواب على هذا السؤال، يحتاج إلى الفصل بين أن تكون العلوم الشرعية أساسا وحيدا لبناء نهضة الأمة، وتحقيق استئناف الإنجاز الحضاري، دون الحاجة لإدخال نظريات ومذهبيات أجنبية عن دين الأمة، في هذا المستوى الأصلي لإطلاق طاقات الأمة الذاتية، وضمان تعبئتها وتأسيس فاعليتها الحضارية، ذلك لأن وحي الله الخاتم ضمن الله له التمام والكمال، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [الأنعام: 115]، {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وذلك لتتوفر له القدرة اللازمة للاستيعاب الكامل لمساحة المبادئ والأسس ومقومات الحركية الإبداعية، وإطلاق شرارة تجديدها كلما تهيأت الظروف المواتية، وإلا فقدت النفس الثقة في دين الله، وجاز وصمه بالنقص والافتقار إلى غيره من الاجتهادات البشرية، المعَرضة دوما للقصور والتغير المستمر، كما يتبدى ذلك واضحا في بعض الاتجاهات المعاصرة المفتونة بإنجازات الحضارة المادية، حيث ساوت أو كادت تساوي بين توجيهات الوحي الخالدة واجتهادات البشر المتغيرة.

      أما على مستوى الوسائل الإجرائية والتنظيمات التقنية، فإن استجلابها واقتباسها من غيرنا لا حرج فيه أبدا، ولا يشكل خطرا مباشرا على سلامة أصول المنهج من شوائب الفكر الدخيل، وكل ما قد يعكر صفو ربانيته.

      إن تاريخ الحضارة الإسلامية يظل شاهد إثبات، على أن الإسلام صنع حضارة رائدة في كل الميادين، منطلقا في ذلك من عطاءات الاستخلاف الإسلامي، المرتكز على علوم الشرع في التأطير والتحفيز، وعلى العلوم الإسلامية من رياضيات ومنطق وكيمياء وفلك وطب وغيرها، مع الانفتاح على كل علم نافع وتقنيات محدثة في الحضارات المجاورة.

    ولا ندعي أننا لم ندخل عناصر أجنبية في المنظومة الفكرية الموجهة للحركية الحضارية للأمة، والتي يلزم أن تكون خالصة للوحي، فكان طبيعيا أن يظهر في إنتاجاتها المختلفة من الدخن -رغم ما حققت من إنجازات هائلة- ما يمكن إرجاعه إلى تأثير الفكر الوافد والانحراف الذاتي.

     فقد ورد في الصحيح عن حذيفة بن اليمان قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم» قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخَن» قلت: وما دخَنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر» قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» قلت: يا رسول الله، صفهم لنا؟ فقال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا».. الحديث

      فأولى للأمة أن يسلم لها دينها من الانحراف عن النهج القويم، على أن يتطور لديها العمران وهي تائهة عن هدي القرآن، ومن ثم نعلم أهمية التربية على التوازن الفكري، الذي يعصمها من أن تتجاوز حد الالتزام بنهج الوسطية، ومراعاة الاعتدال بين مطالب الدين والدنيا، وتراعي حد التكامل بين حقائق الوحي التفسيرية وحقائق العلوم التسخيرية، فلا يزيغ فهمها ويميل مع الهوى، الذي عادة ما يزين التأويل المنحرف للمعارف وتطويعها ضدا على إحقاق الحق وإبطال الباطل.

    فالسعي لاعتماد مسلك التكامل بين المعارف الشرعية والإنسانية مهمة حضارية ملحة، لكنها في ذات الوقت أمانة علمية جسيمة، لابد أن تصبح مسؤولية مشتركة بين مؤسسات المجتمع الجادة والمقتدرة.

الوسوم : البحث التربوي البحث التربوي المعاصر وسؤال التجديد التربية الإسلامية تجديد البحث التربوي

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *