الاجتهاد المآلي وأثره في التجديد الفقهي

الباحث الدكتور عبدالواحد الشهبي

      بحث دكتوراه تحت عنوان: “الاجتهاد المآلي وأثره في التجديد الفقهي” إشراف الدكتور الأستاذ محمد بنكيران مختبر “الدراسات الشرعية والبناء الحضاري” جامعة ابن طفيل القنيطرة ذو القعدة 1442يونيو 2021م.

تقرير الأطروحة

1ـ إشكالية البحث

ينطلق هذا البحث من إشكالية كبرى تواجه أمتنا الإسلامية في عصرنا الحاضر، وهي فزع كثير من الفقهاء المعاصرين إلى بعض الفتاوى الفقهية القديمة، وتنزيلها على الواقع المعاصر بطريقة آلية دون النظر إلى العواقب المترتبة على هذا التنزيل، وهذا الأمر يجر حتما كثيرا من المفاسد والويلات سواء على الفرد أو الجماعة أو الأمة.

ومن هنا يمكن أن نثير التساؤل الآتي:

كيف نستثمر الاجتهاد المآلي في صياغة الفتاوى المعاصرة التي تسهم في تجديد الفقه الإسلامي؟

2ـ أسباب اختيار الموضوع وأهميته

      الاجتهاد المآلي يحوم حول بؤرة جلب المصالح ودرء المفاسد في الأفق الأبعد، وهو من بين السبل الناجعة لتجديد الفقه الإسلامي في عصرنا الحاضر.

ويعود اختياري لهذا الموضوع إلى أسباب عدة، منها:

ـ الرغبة في بناء فقه استشرافي يتماشى مع متطلبات العصر ومقتضيات الشرع، والذي نحن في أمس الحاجة إليه في عصرنا الراهن الذي صار فيه العالم كالقرية الصغيرة، ولا شك أن الاجتهاد المآلي واحد من مرتكزاته.

ـ ندرة الكتب في هذا الموضوع، واكتفاءها بالجانب النظري، أو اقتصارها على الجانب التطبيقي على مذهب من المذاهب، أو باب من أبواب الفقه، أو مجال من مجالاته، وهذا يقلل من شأن الموضوع، ويضيق حجمه.

ـ حاجة الأقليات المسلمة في بلاد الغرب خصوصا، والمسلمين عموما، إلى مجموعة من الفتاوى المناسبة للنوازل المستجدة التي تحفظ مصالحهم ولا تضيع مقاصد الشرع.

3ـ أهداف البحث

يهدف هذا البحث إلى تسليط الضوء على حقيقة الاجتهاد المآلي ومشروعيته وقواعده وحاجة العلماء إليه، وبيان أثره في صناعة الفتاوى المعاصرة، وبناء الفقهاء المجددين ، كما يرمي أيضا إلى التقليل من دائرة الاختلاف الفقهي بين العلماء، والترجيح بين الأقوال المتعارضة.

4ـ منهج البحث

مما لا شك فيه أن لكل بحث منهجا خاصا به، تمليه عليه طبيعة الموضوع من جهة، وتصورات الباحث من جهة ثانية، ولهذا اعتمدت في جمع مادته ودراستها على الآليات المنهجية المناسبة لكل مرحلة من مراحله، فتبنيت المنهجَ الوصفيَ وهو الأكثر استعمالا فيه، وذلك عند التطرق إلى حقيقة الاجتهاد المآلي ومشروعيته وقواعده. والمنهجَ التحليليَ عند ذكر آراء الفقهاء والأصوليين في مسائل الفقه وأصوله، ثم النظر في طريقة استخدام كل واحد منهم لهذا النوع من الاجتهاد، مراعيا في ذلك احترام اختياراتهم الفقهية ومذاهبهم الأصولية.

5ـ خطة البحث

      للإجابة عن الإشكالية المطروحة، والتساؤلات المتفرعة عنها، قد استوى معمار هذا العمل على بابين اثنين: الأول نظريٌّ، والثاني تطبيقيٌّ، فضلا عن المقدمة، والخاتمة.

      أما المقدمة: فتضمنت عناصرَها المعهودة، وأما الخاتمة فاشتملت على طائفة من النتائج والتوصيات.

     وأما الباب الأول، فهو الموسوم ب”الاجتهاد المآلي: الحدود والضوابط”، وقد ضم مدخلا تمهيديا وفصلين اثنين، تناولت في الفصل الأول: “الاجتهاد المآلي: حقيقته ومشروعيته” وقد كشف أن الاجتهاد المآلي “هو بذل الوسع في طلب حكم شرعي عملي بناء على نتائجه المتوقعة جلبا للمصلحة ودفعا للمفسدة” وأنه مشروع بالكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين.

     وتناولت في الفصل الثاني: “الاجتهاد المآلي: قواعده وضوابطه والنظريات المتصلة به” للنظر في القواعد المؤسسة للاجتهاد المآلي وضوابطه والنظريات المتصلة به، وقد كشف عن قواعد الاجتهاد المآلي الأصولية كالاستصلاح، والاستحسان، والذرائع، والحيل، ومراعاة الخلاف … وعن قواعده الفقهية كالأمور بمقاصدها، والضرر يزال، واليقين لا يزول بالشك، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكمة، وعن ضوابطه كرجحان الوقوع، وموافقة مقاصد الشريعة، وانضباط المناط والحكم، وعدم الوقوع في مآل أعظم منه، كما تطرقت فيه لبيان بعض النظريات الفقهية المتصلة به ومنها نظرية الباعث، والاحتياط، والتعسف في استعمال الحق.

      وأما الباب الثاني، وهو الموسوم ب”أثر الاجتهاد المآلي في التجديد الفقهي”، وضم ثلاثة فصول، أولها “التجديد الفقهي وقضاياه”، وخصصته للكشف عن مفهوم التجديد الفقهي تطوره والغاية منه، ومشروعيته من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح، كما أبرزت بعض ملامحه ومجالاته وضوابطه.

      وأما الفصل الثاني “أثر الاجتهاد المآلي في صناعة الفتاوى المعاصرة”، وخصصته للبحث في بعض مسائل فقه العبادات، وفقه الأسرة، وفقه المعاملات، فاخترت نماذج تطبيقية معاصرة في كل مجال وأبرزت موطن الاجتهاد المآلي فيها، كما أشرت إلى بعض النوازل الفقهية المعاصرة التي وقع فيها الخلاف، وبينت أثر الاجتهاد المآلي في ترجيح أحد القولين.

     وأما الفصل الثالث: “أثر الاجتهاد المآلي في صناعة المجددين الفقهاء”، وقد تناولت فيه نماذج متنوعة من العلماء الجهابذة القدامى، والمحدثين، والمعاصرين، الذين سطع نجمهم في سماء الأمة الإسلامية، وكان الاجتهاد المآلي عاملا رئيساً من عوامل هذا السطوع.

6ـ النتائج والتوصيات

      وقد خلص هذا البحث إلى طائفة من النتائج والتوصيات، ولست أدعي أنه قد استوفى جميع القضايا التي أثارها، فالنتائج التي انتهى إليها يمكن أن تكون منطلقات لأبحاث أخرى تتناول قضيتي الاجتهاد المآلي والتجديد الفقهي من زوايا مغايرة. ومن هذه النتائج:

أ ـ أن الاجتهاد المآلي يجسد صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، ومرونتها وواقعيتها، وشموليتها واستيعابها لكل النوازل المعاصرة، ومراعاتها لجميع حاجات المكلفين الأصلية والعارضة، وجميع الأوضاع الدائمة والمؤقتة، ومعالجتها للواقع بظروفه المتغايرة، بالتوفيق بين الحكم الشرعي والنازلة المستجدة بما يحقق مقاصد الشرع ومصالح العبد.

ب ـ أن الاجتهاد المآلي يؤثر في تغير الفتوى، وهو امتداد لتأثيره على تغير الأحكام الفقهية التكليفية حسب الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، وقد يصل إلى حد تغيير الحكم إلى مقابله في عين المسألة الواحدة.

ج ـ أن الاجتهاد المآلي واجب على المفتي في سائر استنباطاته، إذ أنه يقرر له قواعد يبني عليها أحكامه، ويبصره بكيفية تنزيلها على أرض الواقع، وما قد تفضي إليه بعد التنزيل.

      وبعد هذه الخلاصات، أصبح لزاما علينا المرورُ إلى الامتدادات الممهدة لمشاريع علمية مستقبلية، ومنها:

ـ تخصيص ندوات وملتقيات للاجتهاد المآلي من أجل التعريف به، وبيان ثماره وآثاره، وتدريب المجتهدين عليه، وبيان ما يمكن أن يفيد به في صناعة فتاوى لقضايا استشرافية مستقبلية.

ـ تسليط الضوء في دراسات أكاديمية عليه، وعلى أثره في الترجيح بين الأقوال في حال التعارض عند الفقهاء قديما وحديثا.

ـ الأخذ على أيدي كل من يظهر قصوره فيه، وإعداد من يستطيع القيام بهذا الدور، والعناية بتكوين من له القدرة على إدراك نتائج أحكامه واجتهاداته.

7ـ الخلاصة

      وخلاصة القول إن أمتنا الإسلامية اليوم في أمس الحاجة إلى الاجتهاد المآلي من أجل صناعة الفتاوى المناسبة للنوازل المعاصرة المستجدة، ومن أجل صناعة المجددين الفقهاء الذين على عاتقهم يُرسم الأفق المشرق البعيد لهذه الأمة، ويتم الإسهام في تحقيق نهضتها وتقدمها وازدهارها.

                                   والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *