الأطروحة الائتمانية لطه عبد الرحمن وموقعها من الفكر الإسلامي

الأستاذ الدكتور عبدالسلام أقلمون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

نبذة تعريفية

الدكتور عبد السلام أقلمون

ـ ناقد وكاتب مغربي

ـ أستاذ التعليم العالي

ـ أستاذ باحث بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، جامعة ابن زهر، أكادير منذ 1997.

ـ حاصل على دكتوراه الدولة في الآداب من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس، بالرباط.

ـ رئيس شعبة اللغات والتواصل بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، جامعة ابن زهر أكادير

ـ مسؤول ماستر: هندسة وتدبير التنمية الاجتماعية، المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، جامعة ابن زهر، أكادير.

ـ أستاذ الفكر السياسي العربي والإسلامي المعاصر، ماستر القانون الدستوري وعلم السياسة بكلية العلوم الاجتماعية والاقتصادية والقانونية جامعة ابن زهر أكادير.

صدر له:

ـ النص الروائي والتراث السردي، دار الأحمدية، الدار البيضاء، 2000.

ـ في رحاب السرد قراءة في البنيات والدلالات الروائية، ربانيت، الرباط، 2008.

ـ الرواية والتاريخ حكاية السلطان وسلطان الحكاية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، 2010.

ـ الفكر والعمران جدل الاحتواء والتجاوز، قرطبة، أكادير، المغرب، 2014

ـ شذرات من تاريخ سوس الأدبي والسياسي خلال القرن التاسع عشر، دار أبي رقراق، الرباط، المغرب، 2016.

ـ الرواية والمعرفة، مقدمة في السرد الوظيفي، مطبعة قرطبة، أكادير، 2019.

ـ له مقالات منشورة في مجلات وطنية ودولية.

ـ شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية.

أعمال قيد الطبع:

– الدين والسياسة من السائلية إلى المسؤولية، نقد الأطروحة الائتمانية.

–  الدين والسياسة من السائلية إلى المسؤولية، الحاكمية والمحكومية.

– الدين والسياسة من السائلية إلى المسؤولية السنية والشيعية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السؤال الأول:

      بداية نشكركم الأستاذ عبد السلام أقلمون على قبولكم الإسهام في الحوارات العلمية التي ينظمها موقع الأمانة متمنين لكم تمام التوفيق والسداد.

      يبدو أن الأستاذ طه عبد الرحمن وهو يواصل مسيرته الفكرية الإبداعية قد استقر على مفهوم يريد أن يحوله إلى نظرية شاملة، هل لكم أن تعرّفونا على هذا الطموح الفكري وتبينوا لنا المقصود بالائتمانية وأبعادها الفلسفية والدينية؟

      معلوم لدى المتتبع لكتابات الفيلسوف طه عبد الرحمن أنه دأب على نحت الكثير من المفردات والمصطلحات، وجعل ذلك استراتيجية لا يحيد عنها في جميع مؤلفاته، مما جعلها تعج بكم غزير من الوحدات المعجمية والمفاهيم والمصطلحات، بعضها مستحدث، وبعضها إعادة صوغ ينشد الملاءمة مع ما يراه الكاتب الطبيعة الواجبة للمفهوم إما تداوليا وإما صناعيا. وفي الحقيقة هذا خيار سلكه الكاتب عن قصد لأنه يؤمن بأن القوة المفهومية والاستدلالية عنوان لتنشيط الفعل الإبداعي الحضاري على أساس تفلسف ذاتي قادر على أن يستقلّ عن التفلسف الغيري، لينتج مفاهيمه وقيمه، ويسمِّي أحيانا هذا الاقتدار التوليدي “الإنشائية”. وفي سجالاته الفكرية يؤاخذ خصومه، خصوصا الجابري، بضعف الإنشائية. وقد وقفت عند هذا المعطى في دراستي النقدية للأطروحة الائتمانية، حيث بدا لي أن الإغراق في التوليد الاصطلاحي والمفهومي سيفضي في النهاية إلى التشويش على المعجم العام، وإلى خلخلة التواصل كأساس معرفي لترسيخ المفاهيم والبناء عليها، فلا يمكن لكل باحث أن يندفع بإيعاز من الإنشائية إلى الاستفراد بمعجمه الخاص، لأن اللغة ملك جماعي، والتواصل محكوم بتعاقد العشيرة اللغوية. والمبالغة في الإنشائية نوع من الاستظهار والاستعلاء بالآليات يحرص الكاتب من خلالهما، على ما يبدو، أن يثبت تمهّره وتميّزه. والحقيقة أن طه عبد الرحمن متمكّن جدا من أساليب الكتابة العربية وفق منهجية استدلالية لا غبار عليها. ولكن الإفراط في استعراض الآليات يوقع في تعويص الاستخلاصات، ويجعل القارئ في عنت كبير وهو يعاني قراءة أسلوب يجنح للتعقيد أكثر مما يميل إلى البيان. وقد وقفت عند هذه المفارقة وبيّنت عائدها السلبي على المتلقي وقدرته الاستيعابية. وفي هذا السياق أُنْتج مفهوم الائتمانية، من خلال عملية نحت اشتقاقية تعيد إنتاج مفهوم الأمانة بصوغ فكري ذي أبعاد صوفية أو عرفانية، يطمح الكاتب أن يجعله مفهوما شاملا ومستوعبا لكل الحقول الدلالية للقيم الإسلامية، شريطة أن تنضوي كلّها تحت جناح التأويل الطاهوي للفاعلية الروحية القادرة على الإمداد بزخم إدراكي يصل العقل بالغيب ويعرج به إلى مقام الشهود، أي كشف الحقيقة بعقل الرّوح إذا جاز هذا التعبير. وهنا لا بد من تأكيد مركزية هذا المفهوم في الإنتاج الفكري لطه، وأستطيع أن أزعم أن كل كتاباته قبل “روح الدين من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية” تعتبر تمهيدا، وكلّ كتاباته اللاحقة لهذا الكتاب تعتبر تمديدا. فهو يقيم دراساته الآن على هذا المفهوم-النظرية، والذي أفضل تسميته: أطروحة.

      وأما مقصدها الرئيس فهو هو دائما وفي كل كتابات طه: تتويج العرفان ونقض البرهان. لذلك ينبغي على قارئ طه أن يكون واعيا بجذور هذه الأطروحة المبسوطة في كتابه “روح الدين من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية” والتي تكمن في كتابه :”تجديد المنهج في تقويم التراث”، فهو لم يكن راضيا عن الدراسات السابقة عليه خصوصا المنجز المعرفي للجابري، فجاء يحاول إعادة ترتيب الوضع المنهجي التراثي، على أساس تقويض نتاج الجابري في صنافته المعرفية حيث أعلى من قدر البرهان، وجعله شرط اشتغال جميع الملكات الفكرية عبر التاريخ وأساسا لبناء الحضارة واستدامة النهوض؛ في حين أدنى  من قدر العرفان وجعله شرط إخماد جميع الملكات الفكرية عبر التاريخ وأساسا لتقويض الحضارة واستدامة الانحطاط. وباختصار شديد وتسهيلا على القارئ يمكنني أن أقدم الائتمانية باعتبارها هي: العرفان أو التصوف مُدَثَّرا في لبوس المنهجية الطاهوية. وقد بينت ذلك بشكل مفصل في دراستي النقدية التي سترى النور قريبا إن شاء الله: “الدين والسياسة من السائلية إلى المسؤولية، نقد الأطروحة الائتمانية لطه عبد الرحمن”. فالائتمانية هي فكر صوفي صيغ بآليات تفلسفية جديدة، ونسيج أسلوبي حداثي يوفّر للأطروحة حظوظا تسويقية أفضل، ويضمن تمرير دلالات التصوف القديمة في حلّة جديدة.

 السؤال الثاني:

      ما ذكرتموه حول الائتمانية يحتاج مزيدا من التوضيح إجابة عن تساؤلات مثل ما علاقة الائتمانية بمفهوم الأمانة التي وردت في القرآن في قوله تعالى: ﴿اِنَّا عَرَضْنَا اَلَامَانَةَ عَلَي اَلسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَّحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا اَلِانسَٰنُ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُوما جَهُولا ﴾ [الأحزاب: 72]، وهل تقترب أو تبتعد عن حقيقة الأمانة وأبعادها في الفكر الإسلامي؟    

      فعلا هذا المفهوم المركزي يشكّل أساسا متينا لتشييد أركان الأطروحة، ولعلّ الكاتب انتقاه بعناية فائقة ليحقّق به هدفين رئيسين. أولا، ملامسة العمق الجوهري للتكليف الإنساني وهو النهوض بواجبات الأمانة؛ ثانيا، مراوغة الحمولة السلبية لمفهوم التصوّف من المنظور الشرعي عند بعض الفقهاء، أو على الأقل عدم اعتماد مصطلح لا يكون موضوع إجماع على إيجابياته. ولا يخفى أن حاصل المقدمتين السالفتين هو: أن جوهر الاستخلاف متمثلا في النّجاح في الاضطلاع بالأمانة وأدائها على وجهها لا يمكن أن يتحقّق بدون الاستناد إلى دعامة التصوّف. لكن علينا أن ننتبه إلى كون طه لا يخلص إلى مقاصده بمثل هذا اليسر والسهولة؛ بل يسلك طرقا استدلالية يشحذ لها وبها ما هو مقدور له من أساليب الحجاج. لهذا اشتقّ مصطلح الائتمان من الأمانة كما هي معروفة في القرآن الكريم مُؤَكِّدا طابعها الإرادي لمّا تحمّلها الإنسان طوعا وبمحض إرادته. وإلى هذا الحدّ يكون الأمر واقعا في حدود المشترك المعرفي، وما يدركه عامّة المسلمين من الآية الآنفة. ثم يبدأ طه في التمهيد لاقتياد الدلالة ناحية العرفان حين يجعل لهذه الأمانة ركنين لا تقوم عنده إلا بهما: “الإيداع الرعائي” و “الاتصال الرّوحي”. وهنا لا بد أن نقوم بنوع من الشّرح ليتضح المعنى المراد قبل مناقشته. الركن الأول يحيل على علاقة بين مودع (بكسر الدّال) وهو الله، ومودع لديه (بفتح الدال) وهو الإنسان؛ وبطبيعة الحال وجود وديعة هي سرّ هذه العلاقة، وأمّا “الرعائي” فنسبة للرعاية الواجبة لزوما بسبب الاسترعاء أو الاستئمان أو الائتمان. فيكون المتحصَّل من الإيداع الرّعائي باختصار: الله أودع وديعة عند الإنسان وطلب منه أن يرعاها كما ينبغي؛ وبصيغة ائتمانية: الله حمّل الإنسان أمانة، وبعد أن رضي بحملها طلب منه أن يكون أمينا في الوفاء بواجباتها. اتضحت الآن أبعاد العلاقة الائتمانية ضمن الركن الأول، وبقي شيء واحد لم يتضح بعد وهو: ما هي هذه الأمانة أو الوديعة؟ يقدّمها الكاتب بقوله: “حفظ حقوق المودَع (بفتح الدال) الإلهي” وهو تعريف أولي للإيداع الرّعائي غير أنه مكتنف بغموض يمكن تجاوزه بتجميع الدلالات الجزئية المنتشرة عبر الكتاب للوقوف على مُضْمَرات هذه الجملة المكتنزة، وسنشرح ذلك بعد قليل. أما الشق الآخر للأمانة فهو معلّق بالرّكن الثاني، وهو الركن المقصود أن يرسو عنده المعنى، وهو الذي سيتّسع دلاليا ليبدأ في تجاوز السقف الدلالي المعهود، لينزاح إلى البحر الدلالي المنشود. وهذا ما يجعل القارئ لطه ينتقل من شيء معهود في الفكر الإسلامي، إلى شيء يستدرجه للفكر الائتماني. هذا الرّكن الثاني هو: “الاتصال الرّوحي”، معروف أن الثقافة الإسلامية عبر مدوّناتها الفقهية والفكرية الغالبة، جعلت هذا الاتصال منظّما في: العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق؛ فكلها تصل الإنسان بربّه وتُفيئ عليه من آثار العالم الآخر، لكن ذلك يضلّ مطويا في عالم غيب لا يمكن الاطلاع عليه. فقد قرّ في الشريعة أن الشهادة عيان: أعمال حاضرة مشهودة مدركة بالحواسّ أو مستنبطة بالعقل؛ والغيب إيمان: إقرار بوجود عوالم أخرى تصديقا بخبر الوحي دون مشاهدتها. وهذا هو السقف الآخر الذي تعمد أطروحة طه إلى تجاوزه لتجعل الغيب عيانا كالشهادة. لهذا كان الرّكن الثاني للأمانة هو الاتصال الرّوحي القادر على التغلغل في الغيب، وهو شرط عرفاني لتكتمل أركان الأمانة ويتحقّق “حفظ الصّلة بالمودع (بكسر الدال) الإلهي”، كما تحقّق “حفظ حقوق المودَع الإلهي” في الركن الأول. فالنتيجة هي أن الاتصال الرّوحي يحفظ حقوق الله، غير أن إكراهات التفلسف جعلت الصياغة اللفظية تقوم على النسبة لجعل الرّكنين يتقاطعان عند الوحدة المعجمية (م ود ع) في صيغتها المفعولية (المودَع الإلهي)، وصيغتها الفاعلية (المودِع الإلهي)، وفي الحقيقة الصيغة الثانية ينبغي أن تكون موضوع نظر لأنها لا تضيف شيئا لاسم الجلالة، ولو قيل: الله المودِع، لكان أليق. لكن لا ننسى أن الكاتب رفع شرطا لأسلوبه أن يتجنّب الوعظ والمباشرة، وأن يقدّم المفاهيم الإسلامية تقديما فلسفيا، لكنّ هذا لا يمنع إبداء ملاحظات حول مراعاة الصوغ الشرعي للمصطلحات حتى مع التفلسف.

      والآن ما هي الأمانة التي عليها مدار الرّكنين السابقين ولا تقوم إلا بقيامهما، إنها باختصار ربط التعبّد بالتدبير، وفي الحقيقة كنت فرحت كثيرا بهذه النتيجة لأنها تطابق ما توصّلت إليه في بحثي من أن الأمانة العظمى هي: تدبير الموارد المنزلة من عند الله جملة من كلّ شيء (الأرزاق)، قسطا من كلّ شيء يعمّم على النّاس أو الأنام الذين وضعت الأرض من أجلهم. وهي الأمانة العظمى التي أشفقت من عِظمها السماوات والأرض والجبال (الآية). لكن طه ينحو بالتأويل منحى مختلفا، ليبيّن أن أمانة التدبير إنما متعلَّقُها بالرّوح وليس بالسياسة، والمنوط به حفظ الأمانة وحفظ حقوق صاحبها الأصلي، هو المدبّر الائتماني، الذي أدرك الطريق واقتدر ـ دون سواه ـ على سلوكه.

      وباختصار شديد، أرجو أن لا أبتسر مفاهيم الكاتب ومغازيه والتي أحرص ما استطعت على نقلها بأمانة قبل مناقشتها، فالأمانة العظمى هي التدبير الحق الموافق لمراد صاحب الأمر الأصلي. وهذا التدبير جعل الكاتب ينتقد كلّ أشكال التدبير المعروفة، علمانيا وإسلاميا وشيعيا. فالعلمانيون قاموا بفصل التدبير عن التعبد فلم يحملوا الأمانة، والمسلمون بمختلف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية، وهم الديانيون بتعبير الكاتب، حملوا الأمانة حملا خاطئا، جعلت دعاواهم ديانية وليست دينية: فالسلطة الحاكمة لجأت لنوع من التدبير السياسي يستغلّ الدين لفائدة التسيّد لا التعبّد، بمعنى استقواء السلطة بالدّين؛ وفئة من الإسلاميين حاولت دمج السياسة في الدّين لكنها بقيت عند حدود الشعارات، في حين كلّ ممارساتها علمانية بسبب حاجتها لتدرأ عن نفسها تهمة التطرّف وتنجو من تكاليف ذلك، وبسبب وقوعها في شهوة الحكم، وأيضا لعجزها معرفيّا عن استبانة مكامن الخلل في مفاهيم العلمانية؛ وفئة أخرى من الإسلاميين ممّن يرفعون شعار الحاكمية لله أخطأوا، بدورهم، حين لم يدركوا أن المقصود بهذا المبدأ هو “التدبير الرّوحي” وليس “التدبير السياسي”؛ أما الشيعة أصحاب “ولاية الفقيه” فرغم أن الكاتب يدافع عن “فقه الولاية” التي تتقاطع في كثير من النواحي مع الأسس الولائية الشيعية متمثلة في “ولاية الفقيه”، إلا أنه حاول إبطال استحقاق الفقيه الشيعي لمقام الولاية ومنزلة التدبير، لأسباب منها: أنه فقيه منتظر أو غائب فصار فقيها غير موجود، وأنّ محلّه الشاغر حلّ فيه فقيه يزعم أنه ينوب منابه ويدبّر المرحلة الانتقالية  في انتظار عودة هذا الإمام المخوّل إلهيا، ثمّ إن هذا الفقيه انتهى به المطاف إلى إنشاء منظومة فقهية عقلانية صارت تجسيدا للفقهوت (الكهنوت الإسلامي) شأن كلّ فقه يعتمد على العقل مصدرا للتشريع؛ فبطلت فعالية الفقه المبني على الاتصال الروحي بما في ذلك فقه التدبير الرّاشد، فضاعت الأمانة.

      وبعد إسقاط جميع الخصوم والمنافسين، لم يبق لاستعادة المنهج السليم للنهوض بالأمانة إلا من قام بشروطها، ولا يقوم بشروطها  إلا المدبر الائتماني الذي سيُنزّل التشريع الإلهي تنزيلا إلهيا، لما بذله من جهود تزكوية في طريق الاتصال بالغيب حتى انكشف عنه الغطاء فعلم التدبير الإلهي من الله بالله (بالعبدية)، وهو يستند في  تشريعه لفقه حي وطبيعي ينجزه فقيه آمري زكيّ يدرك بروحه شريعة ربّه ظاهرا وباطنا شريعة وحقيقية، وليس الفقيه الأمري التقليدي الصناعي الشرعي: المحصور في دائرة العبارة، والمقصور في عجز العقل، لا يرى غير الظاهر ولا يقرأ غير المعارف السطحية. ولهذا يستعمل الكاتب أسلوبا يستعظم به المسافة بين الفقه والتصوّف:” وشتان بين فقه الأمرية وفقه الآمرية”.

      ولمن أراد الاطّلاع على تفاصيل العرض الائتماني لمفهوم الأمانة والرّكنين السالفين المشترطين للقيام بواجباتها، أن يراجع على الخصوص النصف الأخير من الفصل التاسع من الصفحة 447 إلى نهاية الفصل أي الصفحة 491. من كتاب: “روح الدين من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية”.

 السؤال الثالث:

      إلى أي حد استطاع هذا الفكر الائتماني الجديد أن يستوعب تراثنا الإسلامي ويقدم لنا تحليلا مقنعا لما عرفه من حالات النجاح والإخفاق، وهل بإمكانه أن يسهم في بناء النهضة الحضارية المنشودة؟

      في الحقيقة هذا السؤال سيضعنا في مواجهة مباشرة مع غايات هذه الأطروحة ومقاصدها من جهة، ومع حصيلتها المعرفية من جهة أخرى. وعندما نتحدث عن المقاصد والغايات لا نريد تجاوز النوايا؛ بل نريد تأكيد النوايا الإيجابية لهذه الأطروحة، لأن ما ورد في السؤال هو التحدّيات المعلنة لهذا المجهود المعرفي المسكون بهاجسين نبيلين: الأول: البحث عن سبل تجاوز الانحطاط العقلي الذي أحلّ الأمة العربية الإسلامية في مرتبة من عدم النهوض لا تليق بها؛ الثاني: تجاوز هذا البعد النظري الذي شغل منجزات الباحث السابقة جميعها، إلى وضع معالم عملية لهذا النهوض ورسم الطرق المفضية إليه، والمتمثلة اختصارا في جعل التزكية مطلبا فرديا وجماعيا ومؤسساتيا لإنتاج دولة زكية تسلم من معاطب الدولة كما يمارسها المجتمع العربي داخليا، ومن معايب الدولة كما تمارسها المجتمعات الغربية خارجيا. والتشخيص الموضوعي لممارسة السياسية عربيا وغربيا تكشف عن مساوئ جمة وسلبيات لا يمكن إنكارها، مما يجعل تشخيص الكاتب دقيقا واستقصائيا في كثير من نواحيه. فنموذج الدولة الغربية القائم على أسس الليبيرالية غدا موضوع نظر وانتقاد من داخل الفكر والمجتمع الغربيين، يترجم ذلك الرّفضُ الجماهيري الذي ينوء بين الفينة والأخرى بتبعات ممارسات مجحفة تكدس الثروة لدى فئة قليلة باتت متسلطة بطرق شتى من المكر الاجتماعي والثقافي والسياسي على مجريات الحياة الغربية. مع أن الكاتب لا يذكر من حسنات الحضارة الغربية شيئا، وهذا شنآن غير شرعيّ لأن المسلم مأمور بالعدل حتى مع الاختلاف الحادّ تحت طائلة الوقوع في الإجرام الأخلاقي والقيمي: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَيٰٓ أَلَّا تَعْدِلُواْۖ اُ۪عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْو۪يٰۖ وَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعْمَلُونَۖ﴾ [المائدة: 9].

      أما البدائل التي تقترحها الائتمانية فتستدعي مفاعيل السؤال الآنف: هل فعلا خارطة الطريق الائتمانية ستقود لهذه النهضة المرجوة؟ في اعتقادي الخاص ومن خلال دراستي لهذه الأطروحة واستنطاق أبعادها المعرفية واستشراف واقعها التطبيقي، لا يمكنني إلا أن أكون متوجسا من قبول نتائجها.  أولا، أعترض على وصفها ب”الفكر الائتماني الجديد” لأنها فعلا ليست فكرا جديدا في مخرجاتها العملية، ولا في حمولتها المعرفية، ولا في دلالاتها الفكرية، لأن الجديد فيها هو منحوتاتها الاصطلاحية، وقوتها الاستدلالية الصورية، ووقوعها في دائرة التحيين المفاهيمي بحكم زمن كتابتها، وزمن قراءتها، وليس بسبب زمن المحتوى المعرفي الذي تنطوي عليه. وهنا لا بد أن أقدم بعض البيّنات لتوضيح الدعاوى التي ادعيتها على الأطروحة الائتمانية. أهم شيء بهذا الخصوص هو عدم استناد الائتمانية لتجربة تاريخية أو واقعة سابقة في سيرة الأنبياء أو الأمم السالفة يصلح مقياسا للاستدلال على صحة بعض دفوعاتها حول ما ينبغي أن يكون عليه الواقع. والتاريخ في هذا المقام مهم جدّا باعتباره مختبرا للوقائع، ولهذا السبب شغلت القصص حيزا كبيرا من المتن القرآني بمسمّى شديد الإيحاء وهو “الذِّكْر”. والكاتب كان واعيا بأن الأطروحة عارية من شواهد التاريخ، وغير مسنودة بسِيَرِ الدّول والأُمم، فحاول أن يتلافى نقدا من هذا النوع بكونه لا يخاطب ما هو كائن وإنما هو مشغول بما ينبغي أن يكون. ولا يخفى أن ما ينبغي أن يكون لا يكون إلا بدراسة وتحليل ما كان لاستخلاص الدرس وإعمال الاعتبار، فما سبق وكان إيجابيا اعتمد وبورك، وما سبق وكان سلبيا اطّرح وترك، لأن الأحداث والوقائع والممارسات السياسية هي في نهاية المطاف أشباه ونظائر، وليس أمام الإنسان حلّ آخر للإمساك بالزمن وتحليله والاستفادة منه سوى وقائع التاريخ، وقد بيّنت هذه الأبعاد بشكل مستفيض في كتابي: “الرواية والتاريخ، سلطان الحكاية وحكاية السلطان”. وقد حاول الكاتب في كتاباته الأخيرة تدارك ذلك القصور من خلال اعتماد نوع من الاستغلال (بالمعنى الصناعي) المعرفي لبعض الأحداث المعاصرة، خصوصا ما يجري في فلسطين، ليجعل المقاومة حاملا ظرفيا لنتائج الخطاب الائتماني، ويعمل على توظيف ما يحصل في غزة من استبسال نادر لتمتين النصر الائتماني، فتكون شواهد التأييد متاحة لجعل الائتمانية “حقيقة وليست وهما”. وهذا يحتاج تحليلا آخر حتى لا نحيد عن المطلوب، لنبيّن الأسباب الحقيقية لانتصار المقاومة على هدي من العقل والشّرع، كما انتصر النبي وأصحابه في غزوة بدر وهم أقل عدّة وعددا عندما أحكموا الأسباب، وسقطوا بعد مدة قصيرة في أُحُد عندما تركوا الأسباب. وقد انهزم المصريون في وجه حملة نابليون، عندما تصايحوا بالأولياء وتوسّلوا بالسّادات الأموات، وطلبوا من اسم فاطمة الزهراء الحماية والنّصر…  فهُزموا شرّ هزيمة ومٌزّقوا شرّ ممزّق…وكلّها تصرفات ووقائع حكاها الجبرتي في كتابه: “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” شاهدها وعايشها، ونسب إلى العقلاء استنكارها واستبشاعها، لمّا كانوا يردّون الجماهير الهائجة وينهونهم عن الاستقواء بالأوهام، ويدعونهم لخطاب عقلاني يوافق الشريعة واعتماداتها: إن الرسول صلى الله عليه وسلّم كان يحارب بالخطة والسلاح، ولم يكن يحارب بالهرجلة والصّياح.

      لا يقف الأمر عند الاختبار الواقعي لمآل الائتمانية ومصادرها، بناء على قواعد الاستبصار المنهجي التي يدعو القرآن لاعتمادها لاستخراج قواعد كلية من أحداث ووقائع جزئية، على النحو الذي تقرّره خاتمة سورة يوسف: ﴿۞لَقَدْ كَانَ فِے قَصَصِهِمْ عِبْرَةٞ لِّأُوْلِے اِ۬لَالْبَٰبِۖ مَا كَانَ حَدِيثاٗ يُفْتَر۪يٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ اَ۬لذِے بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَےْءٖ وَهُديٗ وَرَحْمَةٗ لِّقَوْمٖ يُومِنُونَۖ ﴾ [يوسف: 111]؛ بل إن الاختبار المنهجي يبيّن أنها باعتبارها تدابير سياسية بمنطق الرّوح، لا تنتج قيمة إيجابية، والسبب في ذلك هو مصادمتها لقوانين قرآنية ترقى إلى مستوى كليات شرعية، وسأقتصر على ثلاثة منها أظنّ الأطروحة الائتمانية قدّمت فيها إجابات ائتمانية مخالفة للإجابات القرآنية وبشكل واضح – وهذه دعوة بالمناسبة للكاتب ليراجع ملاحظاتنا هذه بكلّ أخوة، أو يظهر لنا ما نرجع به عن آرائنا بكل محبة، فالعلم تواصل وتفاعل لأجل تحقيق الصواب- ومنها:

ـ سؤال الرّوح: في بداية الكتاب يجزم الباحث أن الأقوام والأمم جميعا حاروا في شأن الرّوح “واستعجزوا أنفسهم عن حلّ إشكاله، ناهيك عن كشف سرّه” ص:35. وفي الحقيقة في هذه الفقرات افتقد الكاتب صرامته المنهجية، وجاء كلامه خفيفا بميزان التركيب والمنطق والأخلاق، بل صادما جدا لمن عهد تؤدة الكاتب وانتقاءه البديع لكلماته. والصدمة لا تزول إلا بالجواب البيّن على هذين السؤالين. أولا: كيف صار مقدورا للكاتب ما عجزت عنه الأمم والأقوام جميعا؟ ثم ما هذا الاستغراق الشمولي المغلق بلفظة جميعا، حتى إنه ما عاد أحد يخرج عن الاستعجاز وهو أسوأ من العجز. ثانيا: هل الرسول محمد عليه الصلاة والسلام مشمول بهذا الاستعجاز والحيرة أم غير مشمول بهما؟ فإن قال: لا، هو مستثنى، لم يصب، لأن التركيب أحكم الاستغراق والكاتب لم يستدرك بمن يعني ومن يستثني. وإن قال نعم هو أيضا مشمول بالاستعجاز غير مستثنى، لم يصب، لأن الرسول عاجز وليس مستعجزا. فالعجز لم يحدث منه سهوا أو كسلا أو تبطّلا كما يستفاد من صيغة استعجز؛ بل لأنه عاجز فعلا، والقرآن أثبت ذلك بيانا مبينا، فقد سُئل صلّى الله عليه وسلم عن الرّوح فلم يعرف وعجز عن الجواب، وكان أحوج ما يكون إلى الجواب، ولكن الله لم يأذن له بذلك، وأخرجه من دائرة المقدور له أو لغيره، إلى دائرة المقدور لله وحده: ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ اِلرُّوحِ قُلِ اِلرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّے ﴾ [الإسراء: 85]

ـ سؤال العلم: عندما ناقش الباحث العقل الفقهي ومدى اقتدراه، بيّن أنه عاجز عن إدراك الحقيقة، وأنه واقف عند حدود الشريعة لا يتجاوزها، وبيّن أن الوحيد القادر على ولوج منطقة البياض التشريعي، وهو ما سكتت الشريعة عن بيانه، هو من يستطيع أن يملك الحقيقة، عندما يتغلغل في الغيب حتى يرى ما غيّبه الله شهودا بعين الرّوح فيعلمه يقينا كما يعلم العقل ما بينه الله ظاهرا من الشرع. فالفقيه الآمري بهذا المعنى أو القطب الصوفي مستثنى بعلم الغيب والشهادة من العالمين، والقرآن يبين بلا استثناء: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ اَلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا﴾ [الإسراء: 85] فهل المدبّر الائتماني من الناس فيكون مشمولا بعلم القليل، أم هو إله يحيط بكل شيء علما، أم هو في منزلة بين الناس والله؟ والظاهر من استقراء الخطاب الائتماني أن هذا المدبر يقع في دائرة الخيار الثالث. لكننا نرى أن الوسيلة الوحيدة لتمكين الإنسان من تحصيل أعلى درجات اليقين العلمي في دائرة النسبية، هو الشورى، فهي وسيلة مثلى لرفع الثقل المعنوي بتآزر العقول، كما أن التعاون وسيلة مثلى لرفع الثقل المادي بتآزر السواعد. 

ـ سؤال الشورى: هل المدبّر الائتماني ينبغي أن يشاور غيره بخصوص مقرّرات التدبير، إذا تصدّر للحكم؟ إذا علمنا أنه ائتمانيا: بلغ مرتبة لا يدركها غيره؛ وعلم ما لا يعلمه غيره؛ ويتاح له من الاتصال بالغيب ما لا يتاح لغيره، فقد صار من العبث أن يٌطالَب بالشورى. وهنا سنصطدم مرة أخرى بكلية شرعية منصوص عليها في القرآن الكريم: ﴿َأَمْرُهُمْ شُوريٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 35] السؤال الآن هل المدبّر الائتماني ينتمي إلى ضمير “هم” فيكون واقعا تحت شريعة الشورى الواجبة فلا يدبّر أمرا حتى تتحصّل الشورى، أم ينتمي إلى ضمير “هو” المنزه عن الشورى، فيكون الأمر له والخلق له؟ سوف تجيب الأطروحة الائتمانية بطريقة التفافية عندما تعمد إلى إتلاف مفعول الشورى عبر تأويل جديد للآية يجعل المقصود بالأمر قرآنيا هو القضاء وليس الحكم، فتكون الشورى مطلوبة في القضاء دون الحكم؛ وعليه فقد حرّرت الائتمانية المدبّر الائتماني من إرغامات الشورى وأطلقت يده لينجز مهمة الإيداع الرّعائي، فيرعى رعيته مطلق اليد مؤيدا بشهود الغيب الحاصل بأقصى اشتغال روحي للاتصال بالله. وقد بيّنت في الكتاب عدم استقامة هذه الدعوى، وإهدارها للشورى، كما أهدرت العدالة في مكان آخر عندما جعلت الإحسان شرطا لقيام العدل، بتأويلات رأينا أنها تقتلع المفاهيم القرآنية وتستنبت محلّها مفاهيم عرفانية.

      أعتقد أنني أجبت على السؤال بشكل مباشر من وجوه، وأترك للقارئ أن يتأمل من وجوه أخرى أي نهوض حضاري يمكن توقّعه من منظومة لاشورية، إذا كانت دعاوى تمييزية تجرّد النّاس من كفاءاتهم العقلية التي امتن الله بها عليهم، وتحملهم باستدلالات صورية على الاستسلام طوعا للحكم الفردي، والانقياد للديكتاتورية تعبّدا. إن نسبة الكهنوتية في نموذج كهذا –في تقديري الخاص- أوفى من النظام الفقهوتي الذي ينتقده الكاتب، مما يجعل هذا المشروع في بعض نواحيه مناكفة للمطالب الشرعية في الاجتهاد العقلي رغم إكراهات النسبية، والاعتصام بالشورى والتعاون بين النّاس دون تمييز، لإقامة حضارة إنسانية متوازنة، ليقوم النّاس بالقسط ويعمروا هذا الفندق الإلهي البديع المسمّى أرضا.

السؤال الرابع:

      هل نفهم من هذا أن الائتمانية لم تأت بأي جديد؟ فكيف تفسرون إذا الحظوة الكبيرة التي لقيتها هذه الأطروحة والتجاوب الكبير في بعض المؤسسات الأكاديمية، والمنابر الثقافية؟

      كما تعرفون فالكاتب رجل مثابر، استطاع في العقدين الأخيرين أن يحقق تراكما كبيرا في منجزه الفكري، ولكن تعرفون أيضا أن ثقافتنا العربية لم تبلور فكرا نقديا قادرا على مساءلة الأفكار وافتحاصها، مما يجعل التواصل المعرفي، في الغالب، يكون مرتهنا للتقديس عوض المناقشة والمراجعة وتبادل وجهات النظر. أما بخصوص الجديد في فكر طه عبد الرحمن فانا أستطيع أن أؤكد مرّة أخرى أن الحصيلة التجديدية عنده تنحصر كلّها في أسلوبه الحجاجي الذي يرسّخ به أفكاره بطريقة خاصة، تجعلنا نتعرّف على خصائص هذا الأسلوب وسماته الطاهوية المميزة، وهو نفسه موضوع نظر نقدي، إذ فيه جوانب من القوة المفهومية والبنائية والاستدلالية لا يمكن جحودها، وفيه أيضا جوانب من التعقيد والإفراط في الإنشائية وتشقيق المفاهيم لا يمكن إنكارها. وقد قمت بتحليل ذلك في كتابي وبيّنت أنه إذا كان الكاتب يرى أن الجابري لا يعتمد الإنشائية في كتاباته ولا يملك القدرة التوليدية للمفاهيم، فقد وجب التنويه إلى أن المبالغة في الإنشائية تعويص بلا جدوى وتعقيد غير مستحب. خصوصا إذا كان الهدف هو تعميم الخطاب المعرفي على القطاع العريض من المفكرين والباحثين والقرّاء، ولم يكن القصد استعراضا أسلوبيا وتشكيلا خطابيا يصير بهما الخطاب الحامل أكبر من المعنى المحمول. ولهذا عندما تتبعت التجديد الذي حملته الائتمانية، وحاولت جرد القضايا والدلالات التي تولّدت من هذه الأطروحة فوجئت بانعدام أي معطى جديد أو معنى لم يتم تداوله سابقا أو استهلاكه في مدونات الفكر الصوفي، فالكتاب استعراض: للولاية والبركة والشهود والتزكية والقطبية والكشف والذوق والحقيقة والغيب والروح… وكل ما تحدث عنه الصوفية، وفق تصوّراتهم وتحديداتهم، ومطالبهم…لم يحد عن شيء منها. ولكن العرض جديد والأسلوب حديث. وكل ما ذكره طه وبرهن عليه وحاجّ عنه معروض بصيغ أخرى عند الغزّالي وابن عربي والشاذلي… وغيرهم.

      والذي سيقرأ كتابي سوف يتتبع العرض التحليلي للسجال العلمي الذي خاضه طه ضد الجابري، باعتباره الوجه الحديث الذي يقف حجر عثرة أمام الجهد الائتماني؛ لقد رسخ الجابري في كتاباته السيّارة أن العرفان شطح فلسفي نشأ من الاستغراقات التأملية الإشراقية التي سادت قبل الإسلام سواء عند الفرس أو الهند أو اليونان… واستدلّ كثيرا على كون هرمس هو أول من حرّر المقولات العرفانية بطريقة ضافية جعلتها مفاهيم مبنية بقوة قادرة على أن تمنح رؤية للعالم، مدارها على قدرة الإنسان على الكشف والحلول والاتحاد. فالنتيجة غير السارة ائتمانيا هي أن جذور التصوف ليست إسلامية؛ بل تذهب بعض الدراسات إلى كونه تلفيق فلسفي بين أبعاد الزهد التي بشّرت بها تعاليم الإسلام، والغنوص الفلسفي المنتشر في الإشراق العرفاني القديم، وحسب الجابري فقد ساهمت أحداث درامية جسيمة عرفها التاريخ الإسلامي في التمكين لهذا الانقلاب من الزهد المتوازن إلى الإغراق الغنوصي الجارف. وإلى انحرافات مناقضة تماما لتعاليم الدين وهدي الكتاب المبين. أما من حيث المنظومة المعرفية للتصوف فإذا كان طه يعتبرها ضرورة لا محيد عنها، فإن الجابري يعتبرها ضررا لحق بالثقافة والفكر الإسلاميين، وفاعلية سلبية جردت العقل العربي من حيويته التي تجسّدت في تثمين العقل والإعلاء من شأنه، بصفته أداة اجتهادية عليا قادرة على التفاعل البنّاء مع الوحي لبناء صرح معرفي إنساني متين. لكن التصوف، المنحرف طبعا، أجهز على ذلك كلِّه فانقلب العقل مستقيلا من أدواره، وتم إخماد فاعليته بحجة أنه وسيلة إدراك زائفة.

      لقد أكدت الائتمانية هذا المنحى بشكل واضح، فأسست خطابها على أساس مرافعة كبيرة ضد العقل والعقلانية، وكان هذا ديدن الكتابات الفكرية لطه عبد الرحمن، حين ميّز بين العقل المجرّد وهو عنده العقل الوضعي المنفلت الضال بطبيعته الموكول لذاته، غير مسنود بمدد ولا سند؛ والعقل المسدّد وهو العقل الفقهي المستند إلى الكتاب والسنة في تفاعلاته وتشريعاته، ولكنّه أيضا عقل زائف وقاصر لأنه في النهاية ينتهي مُسْتَصْنِما لذاته حين جعله الفقهاء مناطا للتكليف، مما يجعل الشّرع تبعا للعقل ولأهوائه ونزواته. وقد خُضْت اشتباكا نقديا وسجالا مكثفا مع هذا التقييم الائتماني للعقل المسدّد، حيث بيّنت أنه لا يقوم على أساس متين وأنه مناكفة لا تستوعب الطبيعة النسبية القاهرة والحاكمة لكل جهد بشري كيفما كان نوعه؛ نعم العقل يعتريه القصور، وتحقيق الإدراك الشامل الكامل الأمثل مستحيل، ولكن هذا هو قَدَرُ الإنسان أن يدرك القليل المتاح في دائرة العلم الكثير المستحيل. لكن طه يرى العقل المؤيد، أي العقل الصوفي، سبيلا أوحدا لتجاوز النسبية والظنية وكشف الحقيقة كما هي من معينها الإلهي. إنه إدراك عرفاني راجح على غيره، يتغلغل في الغيب حتى يدرك (الحقيقة) إدراك عيان وليس إدراك برهان، وينكشف له الغطاء ليرى الله بعين الرّوح كيف يجري أمره، فإذا شاء هذا العقل (الذي سيلبسه طه للفقيه والمدبّر) أن يُنَزِّلَ الأحكام تنزيلا إلهيا، فله ذلك عطاء غير مجذوذ. وقد ناقشت هذا الطرح وبيّنت أنه أقرب شيء إلى الشطح والتهافت، لأنه يناقض الظنية والنسبية التي هي قَدَر (بفتح الدال) الإنسان وطبيعته، إلى اليقينية التي هي قَدْر (بجزم الدال) الله وعزّته. فلا شيء يوجب إخراج الصوفي من دائرة المسؤولية البشرية، وإلحاقه بدائرة السائلية الإلهية.

السؤال الخامس:

      عنونتم كتابكم الجديد بهذه العبارة ” “الدين والسياسة من السائلية إلى المسؤولية، نقد الأطروحة الائتمانية لطه عبد الرحمن”، مما يوحي بأن الائتمانية تطرح نفسها نظرية شاملة للدين والسياسة مع أن النزعة الصوفية التي يرتبط بها فكر طه كما أوضحتم لاتخوض في السياسة إلا نادرا! نريد منكم بيانا لذلك ولما تقصدونه بالمسؤولية والسائلية في هذا السياق؟

      عندما اعتبر طه ربط التدبير بالتعبّد هو جوهر الأمانة، فقد أقرّ بأن الأمانة العظمى هي السياسة، غير أنه لا ينظر إلى السياسة منفصلة عن الرّوح، وهي ترد عنده أداة للتدبير عندما تتصل بالغيب وتكشف أسراراه، وموضوعا للتدبير لأنها تحتاج الرياضة والتزكّي والارتقاء لتنجلي عنها الغشاوة وتتوهج البصيرة. وإدماج السياسة في الروح ديدن فلاسفة الصوفية منذ القديم، وقد كتب ابن عربي عن “التدابير الإلهية” ليبرهن بلغته الملغزة أن الكون يتحرّك بأسراره الخفية وليس بقشوره الجلية، والوقوف بعين الرّوح على تلك الأسرار لتوحيد المسارين الدنيوي والأخروي؛ وقد برهن طه، بدوره، ما وسعه البرهان على تداخل الغيب والشهادة، وحمل على الذين يرفضون هذا التداخل وجعل ذلك عدوانا على حقوق المودِع الإلهي (الله) والمودَع عنده (الإنسان).

      وضع الكاتب مفهومي التعبُّد والتسيُّد في حالة تقاطب شامل، فجعل الأنظمة السياسية كلّها تجلّيات للتسيّد أي التسلّط، وإن كان ذلك بنسب غير متكافئة ما بين تسلّط صريح وعنيف، وتسلّط ماكر ولطيف؛ وأما النظام التدبيري الذي يقترحه فسوف يكون تعبّديا ينتفي فيه التسلّط، لأن المدبّر الائتماني حتى وهو في سدّة الحكم مقبل بكلِّيته على الاتصال بالغيب، منشغل عن طموحات الدّنيا التي تنشأ منها حوافز التسلّط بالفناء في الله. وعليه، يقرّر استحالة أن يؤول التدبير التعبّدي إلى ما يؤول إليه التدبير التسيّدي؛ بل إن هذا المدبّر في موجات فنائه الكلّي سيبقى منه شيء، بحكم الواجب ليس إلا، يُسخِّر به ذاته لخدمة الحقّ والخلق. والردّ على هذه الدّعوى من القرآن: أولا، لا أحد يخدم أحدا بمجاهداته؛ ثانيا، أما الله فغنيّ عن العالمين: ﴿وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ اِ۬لْعَٰلَمِينَۖ﴾ [العنكبوت: 5] وهنا لا بد من الوعي بأن ما يعرضه الكاتب طموحات ومشتهيات، لن تجري بالضرورة في الواقع كما تجري في الذهن، ولن تحدث في العالم كما أحدثها هذا المنطق الصوري. لذلك قدّمت مجموعة من الاعتراضات على هذا التصوّر الرّوحي للسياسة، وأوضحت أنه إخراج للعمل السياسي من التدابير التي ينبغي أن تقع على أعين النّاس، وبمشاورتهم، ومشاركتهم، واعتراضهم، وموافقتهم، ومراجعتهم، وقبولهم، ورفضهم… وبكل ما يمكن أن يخرج من الشورى الواجبة لصناعة العقل الأمثل، العقل الكبير الذي يبلغ الحدّ الأوفى المستطاع لتحقيق الصّواب في دائرة النسبية. أما ما يزعم الكاتب أنه حلّ أمام الإنسانية لتجاوز النسبية، والوقوف على الحقائق المطلقة من طرف فرد واحد يدعي أنه زكيّ وكاشف وعارف ومدبّر تدبيرا يتطابق فيه مراد الحقّ مع تقدير هذا الإنسان وحُكْمه وأَمْره، لأنه يتصرّف في عالم الله بإرادة الله، فهذه أشياء ليس عليها دليل محكم من كتاب الله، ولا دليل صحيح من سنّة رسول الله، ولا كان في تجربة أحد الأنبياء شيئا قلّ أو كثر من هذه الدعاوى والظنون، وهم الذين جعلهم الله عبرة للنبي الخاتم ومن والاه، ليقتصّ أثرهم في سيرهم وأحوالهم التي أنشأها القرآن هدى للنّاس.

      إن الأمر مصطلح قرآني شديد الأهمية، وهو يوضّح كيف ينبغي إنشاء التدابير السياسية وكل متعلقات الحياة الجماعية: أمر الله كلّه لله يكون بتدبير إلهي مطلق المشيئة، لا يحتاج عونا ولا مشورة إذ ليس كمثله شيء، وأحاط بكل شيء علما، وكلّ شيء عليه هيّن إذا أراده أن يكون كان بكلمة منه فيكون. وأما أمر النّاس فلا يكون إلا بالتعاون والتعارف والشورى، ولا يملك أحد أن يقول لشيء كن فيكون بكلمة بأمر واحد منه، زكيّا كان أو دسيّا نقيّا كان أو فاجرا؛ بل لا يصير الأمر أمرا حتى تزنه العقول وترضاه الجماعة، فمتى صار إلى ذلك صار أمرا منهم لأنهم رضوه ووافقوا عليه. فكأنهم يأتمرون بأمرهم لا بأمر غيرهم، فتنتفي صفة استعبادهم، فما زالوا أحرارا بالانقياد لما قرّروه أو لما قبلوه. وهنا أدعو للاهتمام بمصطلح الأمر وتجلّياته القرآنية لأنه من مفاتيح التشريع الأساسية، وهو يرد ضميرا مفردا إذا تعلّق بالله وحده: ﴿ أَلَا لَهُ اُلْخَلْقُ وَالَامْرُ﴾ [الأعراف: 53]  ولا يرد إلا متصلا بجمع إذا تعلّق بالنّاس. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَأُوْلِے اِلَامْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 58]. ولم يقل: (وَلِيِّ الأمر منكم). وسابقا اهتم البلاغيّون والمفسّرون بنكت القرآن وسماته المميزة، حتى إنهم تحدثوا أن لا شيء يرد في القرآن عبثا: تكرارا كان أو ترادفا أو نقطة أو فاصلة أو حرفا أو كلمة… فالضمائر بدورها ينبغي أن تحظى بما ينبغي من الاهتمام لأنها ستكشف أبعادا كبيرة متعلقة بالعقيدة، وستظهر فرقانا لإدراك خصائص الله وخصائص عباده. لنلاحظ مثلا أنّ النبيّ نفسه صلى الله عليه وسلّم ليس له من أمر الله شيء بنصّ القرآن: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلَامْرِ شَےءٌ اَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُۥ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: 128].

      فكيف جاز للكاتب أن يدّعي أن المدبّر الائتماني ينتهي في تصريف الأمر نهاية إلهية ولسان حاله: “وما أمرت إذ أمرت ولكن الله أمر” وقوله أيضا: “وما دبّرت إذ دبّرت ولكن الله دبّر”. فالتدبير السياسي ليس تدبيرا روحيا كما تزعم الائتمانية لتحرم النّاس من المشاركة في تدبير شؤونهم، بل هو تدبير واقعي مؤطّر بمنظور شرعي يجعل النّاس يبنون دنياهم ولا ينسون آخرتهم. إن جلال الله ليس ستارا يخبّئ فيه من يتصدّر للتدبير مسؤوليته، فإذا دبّر فإنما هو الذي دبّر وليس الله، وإذا أمر فإنما هو الذي أمر وليس الله، وإذا أحسن فهو الذي أحسن وإذا أساء فهو الذي أساء. وكلّ ما ينبغي أن يحتمي به لينجو من وزر الاستفراد والاستبداد أن يلوذ بالشورى ويشرك معه الجماعة، فيتحمّلوا أنصبة السؤال كلّ بحسب سهمه. ثم يسأل الله بعد ذلك السداد والتوفيق، وهذا ما تنبهت له بلقيس وتبنّاه الخطاب القرآني في عرض جميل بين الملكة ورجال الدولة، حين تعلّق الأمر بشأن خطير من شؤون الدّولة ومصيرها: ﴿قَالَتْ يَٰأَيُّهَا اَلْمَلَؤُاْ افْتُونِے فِےٓ أَمْرِے مَا كُنتُ قَاطِعَةً اَمْراً حَتَّيٰ تَشْهَدُونِ  قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّة وَأُوْلُواْ بَأْس شَدِيد وَالَامْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِے مَاذَا تَامُرِينَ ﴾ [النمل: 34] نلاحظ أن الأمر يتعلّق بالسياسة وشؤون الدولة وتدبيرها بشكل واضح، ثم نتبيّن مفاعيل الشورى حين طلبت الملكة الموقف السديد الذي ينبغي أن تتخذه الدولة حيال دعوة سليمان، فأشاروا عليها بما يستفاد منه أنهم يدعونها للسّلم وترجيحهم للنظر في دعوى سليمان، وهو أسلم للدولة، مع تأكيدهم أن موقفهم لم يصدر عن جبن ولكن عن رويّة وحسن تقدير، وإلا فهم أولوا بأس شديد وعلى استعداد لتقديم أجلّ التضحيات. الذي يهمّنا هو أن الأمر لا يمكن أن ينصرف لغير السياسة بإعمال الاستقراء الضروري، وباعتبار التعالق النسقي المحكم للمصطلح القرآني في مختلف المواضع التي يرد فيها.

      لهذا حرصت في كتابي على رسم الحدود بيّنة بين الأمر الإلهي المشمول بالسائلية، والأمر البشري المحكوم بالمسؤولية، وبينت أن المسؤولية صيغة مفعولية من السؤال توجب ربط وضع السؤال على من يتصدّر للحكم، في حين أن الله وحده لا يشمله السؤال لأنه صاحب الخلق والأمر، فهو بالنسبة للمؤمن به قد أوجد كل شيء بأحسن ما ينبغي أن يوجد به كل شيء، وآتى الإنسان من النعم ابتداء بغير سؤال من الإنسان أحسن بكثير مما يمكن أن يؤتيه الإنسان نفسه لو سأل. أمّا من تصدّر للتدبير إنسانيا صار مسؤولا، والمسؤولية صيغة مشتقة من اسم المفعول، فتكون النتيجة كلّ مسؤول إنسان يسأل، ومن رفض أن يكون مسؤولا بسؤال من الجماعة، فقد تطلّع أن يكون سائلا مستفردا بالخلق. والسؤال هو نوع من المحاسبة تظهر اقتدار من تصدّى للعمل السياسي ومدى براءة ذمته الإدارية والمالية، لأن المال هو مائدة رحمانية مجسّدة في أرزاق متنوّعة النّاس كلّهم مأمورون بابتغائها، وإيجاد التدبير الأمثل لتوزيعها عليهم بالقسط، وتوزيع جهودهم أيضا بالقسط لإنتاجها. لهذا اعتبرت الآية القرآنية: (وأمرهم شورى بينهم) بيّنة في كون الأمر هو: الحكم؛ والشورى هي منهج الحكم. وثمة تفاصيل تنطوي عليها آيات الشورى والعدالة، تدعو لصناعة مجتمع راشد لا يستعبد لغير الله. فالتدبير السياسي حسب استقرائي للبينات القرآنية تدبير مدني يضطلع النّاس بمهامه وفق توجيهات شرعية للارتقاء بالناس تعليما وعلما، ليستحقوا صفة أمة “اقرأ” ولا يكونوا غرضا لمن يستثمر في جهلهم، ومتى أمكن أن لا يوجد في الأمة أمّيٌ أو جاهل واحد كان ذلك أليق بالأمة الإسلامية. وتبقى التشريعات صنفين تشريعات إلهية ونبوية واضحة لا غبار عليها، وتشريعات هي أمانة سياسية على الإنسان أن يجتهد في إخراجها على هدي من كليات الشريعة وتوجيهاتها إلى العدل والخير والجمال، فما كان من تشريعات فيها ظلم أو شرّ أو قبح فليست من الإسلام. وهذه مطالب يكدح العقل في تحقيقها وله الأجر مصيبا أو مُصوِّبا، وما من فئة أثنى عليها القرآن وأعلى من قدرها ك: (الذين يعقلون)، وما من فئة أزرى بها القرآن وحطّ من قدرها ك: (الذين لا يعقلون).         

السؤال السادس:

      هل لكم أن تفسروا لنا علاقة العقل بتحقق الائتمانية وهل يمكن أن يتحلى بها كل من سعى في طلبها أم هي منحة إلهية توهب لأشخاص بعينهم؟

      لقد كان طه يخوض حربا ضارية ضد العقل والعقلانية، لأن المفاهيم التي يريد تمريرها والأبنية المعرفية التي يريد ترسيخها، لا يمكن أن تمرّ ولا يمكن أن ترسخ ما دام العقل يقظا حارسا. فكان لا بد من إسقاط كفاءة العقل والإزراء به، واعتباره أحيانا شيئا غير موجود بصفته الذاتية، ولكن فقط بفعاليته الوظيفية؛ وأحيانا أخرى بقلب نتائج الاستدلال ضدّا على خصوم العرفان، وجعل العقل والعقلانية تراثا يونانيا، وتقليدا منهجيا عطّل حاسة الإبداع الأصيلة، التي تجعل الحق العربي في الاختلاف الفلسفي مضمونا بجعل الحضارة العربية حضارة لا عقلانية، وأنها تحمل للعالم بشرى الوجدنة المتجاوزة لحدود البرهنة. لهذا جعل الخطاب الفلسفي الطاهوي أحد طموحاته الكبرى فصل التفكير العربي عن آليات وقواعد التفكير الغربي؛ والعمل على الاستقلال بآليات استدلالية لا بأس أن تقوم على التناقض والمفارقات الظاهرية، لأنها بالمعنى الباطني حقائق فوق عقلية لا يمكن رؤيتها إلا بمجهر الرّوح. إذن، صار من الضروري الفصل المنهجي بين اللاعقل العربي والعقل الغربي، وبين المعرفة التي تصل العقل بالغيب والمعرفة التي تفصل العقل عن الغيب. ولبلوغ هذه الأهداف يجتهد الباحث لمنع الاتصال بالفكر الأرسطي، ولكنه من حيث لا يشعر يجتهد لتحقيق الاتصال بالفكر الهرمسي؛ ثم يعمل، في الآن نفسه، للوصل بالتراث العربي متمثلا في الغزّالي، والفصل عن التراث العربي متمثلا في ابن رشد؛ ثم يواجه، في الوقت ذاته، امتداد الأرسطية في مظاهر الحضارة الغربية المعاصرة معلنا خلوّها من كل فضيلة؛ ويواجه امتداد التراث الرّشدي في برهانية الجابري معتبرا أنه عاجز عن فهم التراث وغير مؤهل إنشائيا لبلوغ مراتبه.

      وفي الحقيقة، بقدر ما يجد القارئ في كتابات طه من تماسك منهجي شديد الحبك دقيق النّسج صوريا في التنظيم الجزئي للفقرات (مستوى الميكرو)، بقدر ما يقف على مفارقات وتناقضات جمة في الناتج الكلّي (مستوى الماكرو). وسبب ذلك شيئين رئيسيين: أولا، الباحث وطّن عزمه على الدفاع عن الفكر الصوفي والإعلاء من شأنه والذوذ عن حياضه ضد خصومه، فقلب بنية الاستدلال ليجعل النتائج مقدّمات والمقدّمات نتائج، حتى يظهر التحليل وكأن القناعات التي توصّل إليها نتيجة طبيعية وموضوعية قادت إليها مجريات البحث والاستقصاء، وليست دفاعا قبليا وتحليلا ذاتيا، يصل درجة الاستلاب، للتبرير والتسويغ والمحاججة. ثانيا، لأن نتائج الاستدلال غير مسنودة بمعطيات واقعية، أو أحداث تاريخية، فالأفكار هي نتائج تفكّر محض يقتات من ذهن الكاتب، بعيدا عن حقائق الواقع ووقائع التاريخ؛ إذ، جلّها يعارض استدلالات الكاتب وقواعده المنطقية، وفي الكتاب المرتقب قدّمت مثالا واضحا على ذلك في العلاقة الشرطية المحكمة صوريا بين الوازع والحافظ، حيث بنى الكاتب جزءا كبيرا من النفوذ المنطقي لأطروحته على نتائجها؛ لكنها علاقة شرطية لا تثبت إلا في ذهن الكاتب، وفي دينامية القاعدة المنطقية التي أحكم مقدمتها الشرطية ونتيجتها الجوابية، والدليل على ذلك أن الكثيرين كانوا أصحاب وازع ولم يحظوا بالحافظ، منهم أنبياء وصحابة والكثير من الناس في مختلف العصور. فالكاتب يقرّر منطقيا أن من تخلَّق وتزكَّى حتى صار يمنع شرّه أن يصل إلى غيره (الوازع)، فإن الله يكافئه بأن يمنع شرّ غيره أن يصل إليه (الحافظ). وقد بيّنت أن هذه القاعدة، في بنيتها العميقة، إجحاف بالحق العام وإهدار للمظلومين وتبرير غير مقصود للظلم: أيكون كل من حاق به سوء مستحقّا له؟ وفي الحقيقة نتائج صورية كهذه صدرت من غير مراجعة وافتحاص، وتولدت بسبب عدم الاحتكام إلى عبرة التاريخ وما حاق بالصالحين من ظلم وهضم وتنكيل، استعرض الله قصصهم وتوعّد الظالمين بيوم تشخص فيه الأبصار؛ وعليه تحتاج الائتمانية مراجعة أصولها الاستدلالية لتتمكّن من تحليل العلاقات الاجتماعية والإنسانية تحليلا موضوعيا.

السؤال السابع:

      في الحقيقة ما تعرضونه الآن في نقدكم هو دعوة لمراجعة أفكار الائتمانية وطروحاتها، ودعوة صريحة لعدم التسليم بنتائجها قبل القيام بما أسميتموه ا”فتحاصا” لبنودها، وهذا سيجعلنا أيضا نفتحص النقد الذي توجهونه للأطروحة الائتمانية. ونحن نشجع على عرض الأفكار على النظر لإقامة الجهود العلمية على البيّنة. فإذا كانت الائتمانية ترفض العقلانية وتزعم أنها عاجزة، كما ذهبتم في تحليلكم، فعلى أي أساس سوف يتم بناء الحقائق العلمية، ثم ما هي البدائل التي تقدّمها الائتمانية لاستنباط الأحكام الشرعية إذا كانت تعارض العقل المسدّد أو ما أسميتموه العقل الفقهي؛ وما هو مصير التراث الفقهي الذي أنتجه الفقهاء بعقولهم. هل تقصدون أننا أمام مأزق حقيقي إذا اعتمدنا الأبعاد الائتمانية في النظر إلى التراث الإسلامي، علما بأن الأستاذ طه يؤكد أن أطروحته هي تمثُّل فعليّ لما ينبغي أن يكون عليه الفكر الإسلامي؟

      نعم إن الحوار العلمي الجاد لا يكون بالذهولية والتقديس للأشخاص، فالقرآن وضع أمامنا قواعد أساسية للجدل والنقاش والمراجعة وتجديد النظر والبيّنة، وكل ذلك في إطار الأخلاق الإسلامية الرفيعة، لأن الاختلاف في الأفكار ممكن لكن الاختلاف في الأخلاق لا يجوز. فالقرآن يدعو للمراجعة كرّتين فما فوق، لأن الصحيح سيبقى صحيحا بالمراجعة والتدقيق، وغير الصحيح سيظهر عدم صوابه بالآليات نفسها. ولهذا السبب قمت بنقد الأطروحة الائتمانية لأستاذنا وصديقنا الدكتور طه عبد الرحمن. فقد ظهر لي أن ما تحمله في طيّاتها من أفكار وبنى معرفية بديلة من شأنها أن تجرف وعي الأمة إلى منحنيات شديدة السلبية: أولا، في عملها على صدّ القدرة المعرفية بالاستعمال الأمثل للعقل والعقلانية وفق مقتضيات قرآنية لا غبار عليها تجعل الذين يعقلون هم المخاطَب الحقيقي والمتلقّي الفعلي لمحتوى الكلام الإلهي، عكس دفوعات الأطروحة الائتمانية، رغم التحجّج أحيانا بالعقل الذي يعلو والعقل الذي يسفل؛ ثانيا، في المخرجات المعرفية والمنجز الفكري للائتمان، خصوصا في المجال السياسي حيث اعتبرت الأطروحة دعوى فكرية للخضوع الطوعي للاستبداد الكهنوتي، حين زعم وجود من يستطيع أن يدبّر شؤون السياسة بطريقة إلهية صرفة، وأن هذا الصنف سوف يعالج الأدواء المرتبطة بالحكم والتحكم اللذان تعاني منهما البشرية، فمتى تولى سدّة التدبير فسوف يتولى تعبّدا وليس تسيّدا بما يجعل تسلّطه مستحيلا. والحقيقة أننا أمام طروحات شديدة الغرابة، لأنها فاقدة لحاسة الاعتبار، وقد تكون دعوة لتجريب الكهنوت الكنيسي بمسمّيات جديدة. رغم أن الكاتب حاول أن يجعل هذا التماثل بين الكهنوت والائتمان مستحيلا، وهو ممكن فقط بين الكهنوت والفقه الذي ينتجه العقل المسدّد وهو “الفقهوت”. ولكن دفوعاته لا تقوم حججا يقينية يمكن الركون إليها في حماية تطلعات الناس إلى الكرامة والحرية والمساواة. خصوصا وأن الأصناف الذين تستعرضهم الائتمانية أشباه آلهة يمتنع سؤالهم أو مراجعتهم أو محاسبتهم. وفي الحقيقة مجرد الحديث عن المحاسبة مثير للاستغراب ائتمانيا، فكيف تجوز مساءلة من لا ينبغي أن يسأل، فهؤلاء أولياء أخرجتهم الائتمانية من دائرة “هم” الذين يُسألون (المسؤولية)، وألحقتهم بدائرة “هو” الذي لا يسأل عما يفعل (السائلية): ﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]؛ كما أشرنا إلى ذلك سالفا. وعليه، فالإمكانيات التسلّطية التي تفتح الائتمانية أبوابها وتتيحها للمدبر الائتماني فادحة، وشديدة المفارقة لمطالب الشورى قرآنيا بصفتها الآلية الوحيدة المتاحة إنسانيا لتدبير الأمر أو تنفيذ الحكم. لكن المدبر الائتماني بحسب مؤهلاته الفوق إنسانية، لا ينبغي أن يُشاوِر، إذ المشاورة تقتضي المماثلة، وهو ليس كمثله أحد في التقدير الائتماني. وهذه أشياء لم تعد مقبولة ولا تؤمن بحاصل التطوّر الذي استنقذ النّاس مما حاول الكاتب أن يجريه عليهم بلغة جديدة واستدلالات صورية.

      لقد توصّل الباحث إلى نتائجه بعد أن اجتهد في الإقناع بضرورة التنحية الكلية للعمل بآليات التفكير الموضوعي المجرد والتي يعتمدها العقل المجرد؛ والتنحية الجزئية للتفكير الشرعي والتي يعتمدها العقل المسدّد. وأستطيع هنا أن أقول جوابا على سؤالكم، نعم الائتمانية تضعنا أمام مأزق حقيقي، لأنها تضع موضع نظر كل التراث الفقهي الإسلامي المتولّد من التفكير العقلي لرجالات الفقه والمفكّرين المسلمين. وهذا يظهر انتقائية الكاتب وتجزيئيته للتراث عكس الدعوى التي يرفعها باعتبار أن الذي أنهضه للبحث هو الدفاع عن التراث وصد القادحين فيه بغير علم. نعم هو يدافع عن التراث ولكن ليس كل التراث، ولأكون دقيقا هو يدافع عن التراث الصوفي مطلقا ويرافع من أجله ويشحذ كل آلياته الإنشائية والاستدلالية لجعله يحتل مرتبة الصدارة ويظهره على غيره من أنظمة الإدراك البيانية والبرهانية؛ فالعرفان، ولا شيء غيره، هو الوسيلة المثلى والأداة الوحيدة القادرة على تحقيق الإدراك الحق، لأنه يستطيع دون سواه إدراك الحقائق المتوارية خلف الحجب، لأن الحقيقة ائتمانيا، كما رسخ صوفيا، ذات طبيعة إشارية وليست عبارية. وهذا البحر من الألفاظ والدلالات المتعلقة بها هي مقدّمة بَدْئِية للمعرفة وليست معرفة، هي قشر يكسو الحقيقة وليست لبابا لها. وعادة ما يقدّم الباحث مثلا بالأحمق والعامي والعالم لمن يدرك الحقائق عرفانيا ومن يقدّمها برهانيا، فإدراكات العامي غير مقدورة للأحمق، وإدراكات العالم غير مقدورة للعامي، وربما استغرب العامي من استدلالات العالم وما يعرضه من حقائق لا يستطيع عقله تصوّرها. هذا أيضا يصدق على الفقيه بالنظر إلى الصوفي (الفقيه المتزكّي، الفقيه الآمري). فحقائق الصوفي لا يستطيع الفقيه إدراكها وربّما استنكرها، لأن أهليته المعرفية المستندة إلى استنباط الأحكام الشرعية من مظانها التفصيلية، موكولة إلى جهوده العقلية في نهاية المطاف، فعقل الفقيه هنا مثل آلة تستفيد من مادة أولية وتقوم بتحويلها أو تكريرها بناء على إرادة الفقيه، وفي النهاية تكون النسبة المصدرية إلى عقل الفقيه أوفى من النسبة إلى الكتاب والسنّة، لأنهما مجرد مادة يحولها هذا العقل أحكاما شرعية مظنونة. ويقرّر الكاتب أن الاعتماد على العقل في استنباط الأحكام يجعل هذا العقل بالنتيحة إلاها يعبد من دون الله، لهذا يرفض القاعدة السيارة المقرّرة عند الأصوليين والفقهاء والتي صارت مسلّمة: العقل مناط التكليف الشرعي. وهذا هو جوهر المأزق، ماذا سنفعل إذن؟ فلا أحد يتصوّر أننا سنحتسي الأحكام الشرعية مباشرة من الكتاب والسنة! أو أننا سنفرغ الكتاب والسنة مباشرة في جوف الإنسان مثل قنّينة زيت أو ما شابه! لقد كانت مصادمة الائتمانية للعقل عنيفة وترتّب عليها نتائج ثقيلة، منها أن الاجتهاد العقلي وتوظيف فاعلية العقل المسدّد ينتج في النهاية حسب الكاتب نظاما “فقهوتيا” أي نظاما كهنوتيا إسلاميا، يجعل الفقهاء فئة تشرّع الأحكام من دون الله، وتلزم النّاس بها إلزاما. وقد عرضت هذه النتائج في الكتاب وبيّنت خطأها وبعدها عن الصّواب بسبب الخلفية الصوفية المضمرة والمتحكّمة في اقتياد الاستدلالات، لجعل البدائل الحقيقية المناسبة للإسلام (الحقيقي) وليس (الشرعي) هي المتولّدة عن العقل المؤيّد، وهو الفاعلية الروحية المتغلغلة في دواليب الغيب لاستقدام التشريعات طرية من مصدرها، لأن هذا العقل هو عقل فقيه متزكّي يرتاض روحيا بالعبادة والتقرب وطلب الوصول حتى يصل، فإذا وصل شاهد الله في تدبيره لأمره. وهنا في اعتقادي يجنح الكاتب إلى نوع من التصعيد المسطري لم يعد ينفع في إخفاء مظهره الصوفي القديم، والذي عبّر عنه جميع المتصوّفة، فيصرّح بأن هذا الفقيه الآمري كما يسميه أو المدبّر الائتماني… أو غيرها من المفردات المستعملة للمواربة عن المفردات القديمة، يكون هو الله ذاته في تدبيره، وهو الله عينه في أمره، مستشهدا باقتباس قياسي: “وما دبرت إذ دبرت ولكن الله دبر” “وما أمرت إذ أمرت ولكن الله أمر”. وعليه يكون الكاتب –في ظنه- تجاوز معضلة الاستنباط العقلي للأحكام، بالتشريع من خلال التوحد أو الحلول. فالفقيه لا يقدم الأوامر بعقله ولكن بمشاهدة ربه والتغلغل في أمره، والمدبّر لا يقدم التدبير باجتهاده ولكن بمشاهدة ربّه والتغلغل في تدبيره. وعلى كل حال ثمة تفاصيل ليس هذا مكان استعراضها كلّها، ولكن الذي توصّلت إليه أن الكاتب يريد شريعة مباشرة تتنزل بقلب الولي وليس برسالة النبي، ويريد تدبيرا يقيمه الائتماني سلطة تعبدية ترعى الناس رعاية الأنعام، وهي عنده غير تسيُّدية. فهذا الخطاب ينطوي على منزلقات كبيرة وأخطار جمة قد تنقض قيم الإعزاز والتحرّر التي نادت بها الشرائع، وتطلّعت إليها أشواق النّاس وضمائرهم.

السؤال الثامن:

      ما تقدمونه من تحليلات يضعنا أمام استفهامات متنوعة، ويضع هذه الأطروحة الائتمانية في سياق جديد يتنافى مع القراءات التي نتابعها بين الفينة والأخرى. أقصد أن قراءتكم تقوم بنقد جذري للأطروحة وربما تنفي عنها ما يحاول صاحبها أن يثبته دائما أنها تمثيل نوعي للقيم الإسلامية الصميمة، وهو يريد أن ينأى بقيم الدين عن المؤثرات الحداثية الغربية وعن الأفكار العلمانية بالخصوص، والمتوقع أن تكون الائتمانية امتدادا للصرح الأخلاقي الذي يود الكاتب بناءه بنوع من التفلسف الحديث. فهل تعتبرون الأطروحة انزاحت بطموحاتها عن حدود المطالب الشرعية مجسدة في روح التشريع الإسلامي، وفي الكثير من المنجزات الفقهية، خصوصا وأنكم أشرتم إلى أن الائتمانية أنشأت قطيعة بين التفقه والتخلق، وجعلت الفقهاء غير الأزكياء في مواجهة مع الفقهاء الأزكياء، وهذا أيضا يثير سؤالا كبيرا حول حدود التزكية التي تنادي بها الائتمانية وهل فعلا هذا الفقيه الائتماني أو الآمري كما سماه الكاتب يملك علم الغيب كما ألمحتم في جوابكم السابق؟

      لم يكن الهدف هو أن أثبت شيئا أو أنفي شيئا، ولكن أن أقوم بتحليل موضوعي للأطروحة في جانبها الآلي الشكلي، وفي جانبها الموضوعي والفكري؛ والحال أن التحليل لابد أن ينتهي إلى نتيجة موافقة أو مفارقة لما يثبته الكاتب. وما يمكن أن أقوله الآن بوضوح هو أن نتائج التحليل جعلتني أقتنع أن المخرجات الفكرية للأطروحة الائتمانية مجانبة لكثير من المسلّمات القرآنية، وغير مفيدة في بدائلها المواجهة للتطلعات الإنسانية. ومن ذلك ما أشرتم إليه في سؤالكم بخصوص التزكية ونوعية الفقه والفقيه القادر على تمثيلها ائتمانيا، كل ذلك يكاد يكون خارج الدائرة التي يرسمها القرآن للإنسان بوجه عام، والحدود التي يضعها لتسييج التطلعات التزكوية. معلوم أن القرآن يدعو إلى التزكي بمعنى الاجتهاد والترقي في الأخلاق، ويمنع منعا صريحا، وفي أكثر من موضع، التزكية بمعنى الحكم للذات ببلوغ المقام المنشود، واستيفاء الشروط الموجبة لإقرار الزكاء ذاتيا أو غيريا، هذا شأن إلهي محض، وأمر متعلق بالذات الإلهية وأحكام الله التي يصدرها على أفعال الخلائق: ﴿فَلَا تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقيٰ ﴾ [النجم: 31] . لكن الائتمانية تستعرض بالكثير من التحيلات الإنشائية لتثبت أن (المتزكّي لا يعرفه إلا المتزكّي)، فتنقل الأمر من دائرة الاختصاص الإلهي إلى الاختصاص البشري الموقوف على فئة خاصة من النّاس وهم الأولياء، أو بتعبيرات طه: فقهاء الآمرية، والفقهاء الأزكياء والمدبّرون الائتمانيون… والواقع أن الائتمانية ترفع من شأن هذه الصفوة المزعومة من الخلق، وتسمو بمقاماتهم إلى حدود غير مقبولة شرعا، ولا يمكن تسويغ الصفات التي أسبغتها الائتمانية على هؤلاء حتى جعلتهم فعلا كائنات عجيبة أو عجائبية بشكل أدق، تستطيع أن تكشف الغيب وتدرك التدبير الإلهي شهودا، وكل ذلك بسبب قدرتها الفائقة على توظيف الطاقة الرّوحية كوسيلة إدراكية عليا قادرة على تجاوز حدود النسبية. والذي يقرأ كتاب “روح الدين…” سينتهي لا محالة إلى كون هؤلاء العجائبيين لا يشملهم قانون النسبية القرآني: علم القليل في الكثير. بل، الأدهى من هذا أن هؤلاء يملكون سِمَات مميِّزة وخصائص لا تختلف في كثير عن الخصائص الإلهية، وهذا نوع من المناهضة للبيان القرآني الذي جعل مقام الألوهية مرتبة لا يدنو منها أحد، وجعل الإله ليس كمثله شيء. ومهما حاول الكاتب إثبات أن إدراك مرتبة التغلغل في التدبير الإلهي محكوم بشرط العبدية وليس التصرّف بالوكالة، إلا أن هذا لا ينفي شيئا عن حصيلة التماس بين الله والمدبر الائتماني، وهذا شيء مرفوض شرعا وعقلا. فالكاتب يرتب على هذا التسامي بالفقيه الائتماني الذي يتولى التدبير، أنه الجهة الوحيدة القادرة على فهم مراد الشرع الحقيقي (الحقيقة) لأنه يوحى إلى روحه، ويتنزّل من خلالها إدراكا مباشرا. ولعلّ أسوأ ما في الأمر أن هذه الأطروحة عندما تمنح الصوفي الائتماني كل هذه الخصائص السامية، ترشّحه ليتولى مهمة التدبير السياسي، وتعهد إليه بإنشاء دولة تستطيع أن تتجاوز كل مساوئ التدبير المجرّبة كونيا. فهذه الدولة سيسيرها مدبّر يسيّر دواليب الحكم، ويشرف على توزيع الأرزاق بطريقة إلهية، أي كأن الله هو الذي يحكم ويدبّر. وقد استعرضت مساوئ هذه التطلعات الصورية، وما تحمله في طياتها من أبعاد غير علمية، وأنها بدون سند من وقائع التاريخ سواء في نماذج من أنبياء جسّدوا هذا الكم من الاقتدار التدبيري أو في نماذج إنسانية سابقة…إنها تطلعات سياسية تزعم أنها تقدم ما تسميه دولة “إزعاجية” (هكذا يسميها الكاتب) تتجاوز سلبيات الدولة الاضطرابية (نموذج الحكم الانقلابي)، وسلبيات الدولة الانتخابية (نموذج الحكم الديموقراطي). لكنه -في نظري- تجاوز إلى شيء ليس بالضرورة أفضل.

      في ختام هذا الحوار المثير، نتطلع إلى تلقي تعقيبات وردود منهجية هادئة مؤيدة أو معارضة لمضمونه، غايتها السعي جهد المستطاع لإنصاف فكر الأستاذ طه عبد الرحمن، وفي ذات الآن تبين ما حصل فيه من الخطأ الذي لا يسلم منه إنتاج العلماء والفلاسفة والمفكرين قديما وحديثا، والله الموفق والهادي إلى الحق المبين.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقان

  1. حوار شيق وممتع ومفيد مع ناقد ما انفك يفرض نفسه في الساحة الثقافية والفكرية، إن من حيث إصداراته،وإن من حيث عمقها وتنوعها. عرفت الأستاذ عبد السلام أول ما عرفته ناقدا أدبيا للشعر والرواية.. ومؤلفاته الأولى ، وإن كانت ذات صبغة أدبية ،لكنها كانت تتضمن إشراقات فكرية ومعرفية خاصة من خلال مؤلفيه النقديين الرواية والتاريخ والرواية والمعرفة. وقد كشف الحوار وموضوعه، أنه مفكر وناقد للفكر الفلسفي على غرار بعض مفكرينا كالجابري والعروي رحمهما الله وكطه عبد الرحمن.. ولاشك أن من يطلع على هذا الحوار سيكون متشوقا للكتاب الذي سيصدر للأستاذ حول الائتمانية عند الأستاذ طه عبد الرحمن ليزداد معرفة بالناقد والمنقود.تقديري للأستاذ عبد السلام أقلمون ولمركز الأمانة والقائمين عليه.

  2. بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين.
    وبعد، فقد قرأت بكل تأن وتأمل هذا الحوار الذي أجراه مركز الأمانة للأبحاث والدراسات العلمية، وإني لأنوه بالعمق الإشكالي للأسئلة التي وجهت للباحث الدكتور عبد السلام أقلمون وكذا إحكام صياغتها، وتنويهي بأسئلة الحوار لا يضاهيه إلا تنويهي بدقة وعمق الإجابات التي تعكس بوضوح كبير مدى اطلاع الأستاذ عبد السلام أقلمون على أطروحة الأستاذ طه عبد الرحمان سواء على مستوى السطور أو مابين السطور من المعاني والمقاصد والغايات، وهذا الذي تقدم به الأستاذ أقلمون من تحليل ونقد أصبح شيئا نادرا في ثقافتنا التي مالت إلى الدعة والقبول بالأفكار الصادرة عن الشخصيات المشهورة لدرجة التقديس وإضفاء العصمة عليها، وإقامة الحروب الكلامية بين الأتباع ، ولعل ذلك بسب أوهام المسرح التي أشار إليها فرنسيس بيكون في كتابه ” الأورغانون الجديد” وحذر منها لأنها عائق رئيس أمام تقدم البحث العلمي. غير أني أسجل على ما تفضل به الأستاذ أقلمون، أنه أكثر من إصدار الأحكام في حق أطروحة الائتمانية والإغراق في تأويل المفاهيم الواردة فيها، والإنصاف يقتضي أن يعطى الدكتور طه عبد الرحمان حق الرد على ما يلاحظه عليه منتقدوه ليثبت أو ينفي ادعاءاتهم، وقد خطرت لي فكرة وأنا أطالع هذا الحوار الشيق، وهي إقامة ندوة علمية لتقديم قراءات في فكر طه عبد الرحمان يشارك فيها مؤيدوه ومنتقدوه على أن يكون حاضرا في هذه الندوة لتكون له كلمة ختامية يصوب فيها لأتباعه ولمنتقديه على السواء ما أصابوا وما لم يصبوا في فهمه لأطروحته الائتمانية، والحمد لله الرجل لازال حيا يرزق أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية. وهذا الذي اقترحه لعله من صميم منهج البحث العلمي والذي لا يجوز فيه النقل بواسطة إلا في حالة فقدان المصدر أو تعذر الوصول إليه، وأستاذنا عبد السلام أقلمون خير من يعرف هذا الأمر.
    وفي الأخير أهنئكم أستاذي أقلمون على شجاعتكم الأدبية لمناقشة أطروحة الائتمانية والسير في شعابها سير العارف الخريت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *