الأصول الأخلاقية للفكر المقاصدي (فكر الإمام الشاطبي أنموذجا) في أطروحة دكتوراه

الباحث الدكتور عبدالرحيم باحمو

موضوع البحث وأهميته:

       بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين القائل في تنزيله الحكيم، في حق رسوله الكريم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}([1]). والصلاة والسلام على صاحب الخلق الكريم، المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد ﷲ النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى كل من اتبع هديه واقتدى بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

      فإن الباحث في علوم الشريعة الإسلامية، المتأمل في مقاصدها وأحكامها، يلفت نظره ذلك البعد المركزي، والمساحة الشاسعة التي تحتلها القيم الأخلاقية السامية في الفكر المقاصدي عموما، وفكر الإمام الشاطبي خصوصا.

      فقد أكد العديد من أعلام المقاصد([2])، وفي طليعتهم الإمام الشاطبي – رحمه الله – أن الشريعة الإسلامية بجميع مجالاتها وأبوابها مبنية على المبادئ والأسس الأخلاقية السامية، وهي أهم مقاصدها.

      وعلى عكس المقولة التي تحاول أن تقلل من شأن الأخلاق في دائرة المقاصد، أو تحصرها في التحسينيات نجد الإمام الشاطبي يؤكد أن الصرح المقاصدي كله، بل الشريعة بأجمعها، مبنية جملة وتفصيلا على الأسس الأخلاقية. وقد وضع في ذلك قاعدة جليلة تلخص نظريته الأخلاقية، وتنبئ عن مدى سبره لأغوار المقاصد الشرعية، بعبارة عميقة وموجزة يقول فيها: والشريعة كلها إنما هي تَخَلُّقٌ بمكارم الأخلاق([3]).

     فالشريعة كما يقول ابن القيم: “عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل”([4]).

     وقد اختلف العلماء في الأصول الأخلاقية التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية، بين موسع ومضيق ومتوسط ؛ حيث أرجعها بعضهم إلى أصل واحد هو: التقوى. وأرجعها البعض إلى أصلين هما: الإيمان بالله من غير ارتياب، والمجاهدة بالمال والنفس. كما أرجعها بعضهم إلى ثلاثة وهي: العفو، والأمر بالعرف، والإعراض عن الجاهلين. أو هي: العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى. لكن أغلبهم أرجعها إلى أربعة، وهي: الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة.

     أما الإمام الشاطبي فقد توسع كثيرا فيها، وذكر أن أصول المساوئ الخلقية ترجع إلى بضعة عشر خصلة، وهي: قلة العلم، وظهور الجهل، والشح، وقبض الأمانة، وتحليل الدماء، والزنا، والحرير، والغناء، والربا والخمر، وكون المغنم دولا، والزكاة مغرما، وارتفاع الأصوات في المساجد، وتقديم الأحداث، ولعن آخر الأمة أولها، وخروج الدجالين، ومفارقة الجماعة.

    وبين الأصول الأخلاقية والمقاصد الشريعة ارتباط وثيق. فالفضائل الخلقية كلها مقصودة في الشريعة الإسلامية، بل وفي الشرائع السماوية كلها؛ لأنها ربانية المصدر، متسمة بالخلود، صالحة لكل زمان ومكان، وهي من المبادئ الأساسية والأحكام الكلية الشاملة، الموافقة للفطرة الإنسانية، وللعقول السليمة.

     كما أن المقاصد الشرعية كلها أخلاقية، وكل مصلحة لا تراع فيها المبادئ الأخلاقية فهي عارية؛ لذلك فإن علماء المقاصد لما تحدثوا عن المصالح فرقوا بين المعتبرة منها والملغاة في نظر الشارع بالاستناد إلى المعايير والمقاييس الأخلاقية السامية، لا باتباع الأهواء.

     لكن قد يبدو للمطلع على كتب المقاصد أن العلماء ومن بينهم الإمام الشاطبي لم يذكروا الفضائل الخلقية إلا في سياق حديثهم عن التحسينيات، ولم يفعلوا ذلك لا في الضروريات ولا في الحاجيات. وهذا فيه تنقيص لشأنها، واستخفاف بمكانتها. فما موقع الأخلاق في الفكر المقاصدي عند الشاطبي؟ وما مراتبها؟ وما مراده بالأخلاق المندرجة في التحسينيات؟ وهل هي محصورة فعلا في هذا القسم؟ أم أنها تشمل جميع المقاصد؟

    ينبغي أن أؤكد أن ما قاله الإمام الشاطبي في سياق حديثه عن التحسينيات يحتاج إلى تأمل وتبصر؛ حتى لا يفهم من الكلام عكس ما أراد صاحبه. وحاصل ما ذكره الإمام الشاطبي في التحسينيات هو أنها تُجمع في قسم مكارم الأخلاق.

     والحقيقة أن هذا لا يتنافى مع القول بأن الأخلاق تتسع لجميع المصالح والأحكام الشرعية، وتمتد لتنضوي تحتها الضروريات والحاجيات كما التحسينيات.

    أضف إلى ذلك أن الإمام الشاطبي لم يقل بأن مكارم الأخلاق تدخل في التحسينيات، وإنما أثبت العكس تماما، وهو أن التحسينيات تدخل في مكارم الأخلاق. وفي هذا لمحة لطيفة مفادها أن أي مصلحة استحسنها المكلف أو بدت له كذلك، فإنها في نظر الشرع لا تكون كذلك إلا إذا وافقت المكارم الخلقية والفطرة السليمة. وهذا يقطع الطريق أمام كل من سولت له نفسه إدراج الأهواء الفاسدة في المصالح الشرعية.

   فمهما كانت درجة المصلحة فلا بد أن تتقيد بالضوابط الأخلاقية، فالتحسينيات وإن كانت تمثل أدنى مستويات المقاصد الشرعية إلا أنها لا تخرج عن الأساس الأخلاقي فكيف بما هو أعلى منها.

     ثم إن مراد علماء المقاصد بالأخلاق التي تدخل في التحسينيات إنما هي الأخلاق التحسينية وليست الضرورية ولا الحاجية.

     وهكذا فإن موضوع البحث يتضمن علمين أساسيين متكاملين، لا يمكن الاستغناء عنهما، أو عن أحدهما في التشريع الإسلامي؛ إذ الشريعة كلها مقصودة، وخالية من معاني العبث. وكلها أيضا أخلاقية، ولا يوجد فيها محتوى خال من الأصل الأخلاقي.

    ونظرا لهذه المركزية التي تحظى بها الأصول الأخلاقية في المنظومة المقاصدية، فإن البحث فيها عند الإمام الشاطبي، رائد علم المقاصد؛ لمن الأهمية بمكان؛ لذلك اخترت أن يكون البحث بعنوان: الأصول الأخلاقية للفكر المقاصدي “فكر الإمام الشاطبي أُنموذجا”

دوافع الاختيار:

1ــ واذكر أنني لم أخض غمار هذا البحث إلا بعد أن حثني عليه أستاذي الفاضل: الدكتور إسماعيل الحسني حفظه الله؛ وذلك بعدما قرأ ورقتي التصورية حول الموضوع الأول الذي يحمل عنوان: “المنهج المقاصدي والإصلاح الفكري”. ولما رأى أن هذا العنوان عريض اقترح علي الاشتغال على الموضوع قيد البحث. فارتاحت نفسي كثيرا له؛ فكان ذلك من دوافع الخوض فيه.

كما أن اختياري لهذا الموضوع؛ جاء نتيجة عدة أسباب، أجمل أهمها فيما يلي:

2ــ ندرة الدراسات التي اعتنت بهذا الفن اللطيف المفيد، الذي يبني المقاصد على الأصول الأخلاقية، ويكشف عن العلاقية بينهما، وينفي الشبه التي تحاول أن تحصر الأخلاق في التحسينيات، وتقلل من شأنها.

3ــ أن الإمام الشاطبي بالإضافة إلى كونه رائد علم المقاصد، فهو الرجل الرباني، والحكيم الخلوق، الذي سرت بصمته الأخلاقية في آثاره العلمية والفكرية، في مختلف علوم العربية، وميادين الشريعة الإسلامية؛ لينهل منها تلامذته وطلابه، في مختلف بقاع العالم.

أهداف البحث:

       وأما أهداف البحث؛ فيتلخص مجملها في الآتي:

ــ التعريف بالأصول الأخلاقية، وبالفكر المقاصدي عند الإمام الشاطبي.

ــ الكشف عن جانب من جوانب شخصية الإمام الشاطبي العلمية، من خلال دراسة جهوده في الفكر الأخلاقي، ومركزيته وامتداداته.

ــ معرفة العلاقة التي تجمع بين الفكر الأخلاقي والفكر المقاصدي عند الإمام الشاطبي.

ــ معرفة أصول الأخلاق في الفكر المقاصدي عند الإمام الشاطبي.

صعوبات البحث

         أما عن صعوبات البحث فأرى أنها على قسمين: أحدهما عن الصعوبات الذاتية، والثاني عن الصعوبات الموضوعية.

أما الأولى: فأذكر أن أبرزها يتمثل في قلة بضاعتي العلمية، التي قد تسبب في عدم الإلمام بأطراف الموضوع، والإحاطة بكافة جوانبه. خاصة وأنه من المواضيع الشاسعة الممتدة والمنفتحة على علوم شتي.

وأما الثانية: فتتمثل في قلة المصادر والمراجع العلمية التي بحثت في الموضوع.

لمحة عن الدراسات والبحوث السابقة:

       حسب معرفتي المتواضعة، واطلاعي البسيط- فإنني لم أعثر على دراسة أفردت موضوع الأصول الأخلاقية للفكر المقاصدي بالدرس والتحليل. غير أن هناك بعض البحوث والدراسات والموسوعات التي أشارت إلى بعض الجوانب المتعلقة بالموضوع. منها على سبيل المثال لا الحصر:

 معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية([5]).

      وهي موسوعة علمية متخصصة في القواعد الفقهية والأصولية والمقاصدية، أشرف عليها مجموعة من العلماء والباحثين في مختلف بقاع العالم العربي. وهي مقسمة إلى أربعة أقسام، إلى جانب التقديم والمقدمات.

      ففي بعض أبواب هذه الموسوعة إشارة إلى جملة من الأصول الأخلاقية، خاصة في الباب الأول من القسم الأول، الذي كان بعنوان: الأصول والمقاصد الخلقية للشريعة الإسلامية؛ حيث تمت الإشارة فيه إلى حوالي عشرة أصول أخلاقية، وهي: الرحمة، والاستقامة، والتقوى، والشكر، والصبر، والصدق، والعدل، والعفة، والوفاء، والسماحة.

      ورغم الأهمية العلمية لهذه الموسوعة، وإشارتها إلى بعض الجوانب المتعلقة بموضوع بحثي، إلا أنها لم تفصل القول في مركزية الأصول الأخلاقية في الفكر المقاصدي، ولا بينت العلاقة بين الأخلاق والمقاصد، ولا أشارت إلى معايير تمييز الأصول عن الفروع…وهذا ما سأحاول بيان بعضه في هذا لبحث بحول الله.

 “مقاصد الشريعة عند الشاطبي وتأصيل الأخلاق في الفكر العربي الإسلامي”([6])

       وهي أطروحة دكتوراه مقسمة إلى ثلاثة أبواب، كل باب في فصلين. إلى جانب مقدمة وخاتمة وفهارس.

       ففي بعض فصول هذه الأطروحة إشارة إلى بعض الجوانب المتعلقة بموضوع بحثي، وخاصة الفصل الأول من الباب الثالث.

      ورغم أهمية هذه الدراسة وقيمتها المعرفية إلا أنها ومن خلال عنوانها تعالج مسألة تأصيل الأخلاق، وتحاول أن تربطها بالمقاصد. أما دراستي فهي عن الأصول الأخلاقية وعلاقتها بالمقاصد.

كتاب أصول الأخلاق([7]).

     وهو من أوائل الكتب التي ترجمت إلى العربية التي تتحدث عن الأخلاق كعلم مستقل بذاته. تحدث فيه صاحبه عن علم الأخلاق، وعن المذاهب، والشعور، والفضيلة الأدبية والقانون، والضمير أو الوجدان، والواجب، والنظر في الفضائل بالتفصيل، وتكوين الفضائل النفسية أو التربية الأدبية، والعادات وتكوينها، ونظام المدرسة.

       ورغم أن هذا الكتاب يحمل اسم أصول الأخلاق، إلا أن محتواه وعناوينه لا علاقة لها بأصول الأخلاق.

      أما دراستي حول أصول الأخلاق في الفكر المقاصدي –فكر الإمام الشاطبي أنموذجا- فإنها ستفصل –إن شاء الله- القول في الأصول الأخلاقية التي ينبني عليها الفكر المقاصدي، وتكشف عن العلاقة بينه وبين الفكر الأخلاقي. من خلال المنهج الآتي.

المنهج المتبع في البحث:

       وأما منهج البحث فإن طبيعته تستدعي اتباع منهج مركب يجمع بين المنهج الاستقرائي، والمنهج الاستنباطي، والمنهج التحليلي، والمنهج الوصفي. وقد خلصت من خلال هذا المنهج المركب إلى المعالم والتجليات الآتية:

ــ تجميع المادة العلمية للموضوع من مصادرها الأصلية ما استطعت إلى ذلك سبيلا، مع الاستعانة ببعض المراجع والدراسات السابقة.

ــ وضع النص المقتبس بين مزدوجتين، مع عزوه إلى صاحبه، وتثبيت ذلك في الهامش، وفي لائحة المصادر والمراجع.

ــ عدم التقيد أحيانا بنفس حجم وعدد الفصول والمباحث والمطالب؛ لأن طبيعة البحث تقتضي ذلك.

ــ محاولة تتبع واستقراء معاني بعض المفاهيم الإجرائية، واستعمالاتها عند الإمام الشاطبي، من خلال الموافقات والاعتصام، مع الاستعانة بتعريفات بعض العلماء، حسب الاهتمامات والتخصصات.

ــ محاولة استقراء الأصول الأخلاقية، والقضايا المتعلقة بالفكر الأخلاقي عند الإمام الشاطبي، من خلال الموافقات والاعتصام، مع الاستعانة بما كتب في هذا المجال.

ــ محاولة استنباط النظرية الأخلاقية عند الإمام الشاطبي من خلال الموافقات والاعتصام.

ــ تجميع الحقائق والمعلومات المتعلقة بالأصول الأخلاقية، وعلاقتها بالفكر المقاصدي، ثم مقارنة تلك الأصول بالفروع وتمييزها عنها، للوصول إلى تعميمات وضوابط منهجية، ومعايير علمية لتصنيف الأخلاق.

ــ تمهيد الأبواب والفصول والمباحث قبل الولوج إلى محتوياتها ومضامينها. مع وضع خلاصة لكل باب وفصل ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

ــ توثيق المصدر أو المرجع كاملا في أول مرة أقتبس منه، مع الاقتصار بعد ذلك على ذكر اسم المصدر أو المرجع والصفحة.

ــ وضع خاتمة تتضمن أهم الاستنتاجات التي توصلت إليها طيلة مراحل البحث.

ــ إعداد قائمة تتضمن لائحة المصادر والمراجع، صدرتها بالقرآن الكريم، ثم رتبت المصادر والمراجع ترتيبا ألفبائيا حتى يسهل الرجوع إليها.

ــ إعداد فهارس عامة للأطروحة، تتضمن فهارس الآيات والأحاديث والموضوعات.

وهذا كله سيساعد على رسم خطة واضحة المعالم لهذا البحث.

خطة البحث:

       لقد اقتضى منهج البحث أن أقسمه بعد هذه المقدمة إلى ثلاثة أبواب تليهما خاتمة وفهارس.

أما الباب الأول فقد خصصته للتعريف بالإمام الشاطبي وبالأصول الأخلاقية للفكر المقاصدي. وجعلته في فصلين: تحدثت في الفصل الأول: عن الإمام الشاطبي وحياته الأخلاقية. بينما خصصت الفصل الثاني للتعريف بالأصول الأخلاقية وبالفكر المقاصدي.

وأما الباب الثاني: فقد حاولت فيه أن أكشف عن مكانة الفكر الأخلاقي وامتداداته عند الإمام الشاطبي، وذلك من خلال فصول ثلاثة. الفصل الأول: عن مركزية الفكر الأخلاقي عند الإمام الشاطبي. والفصل الثاني: عن علاقة الأخلاق بالمقاصد عند الإمام الشاطبي. والفصل الثالث: عن الامتدادات الأخلاقية للفكر المقاصدي عند الإمام الشاطبي.

وقد أخرت الباب الثالث؛ ليكون جوابا عن ماهية تلك الأصول الأخلاقية للفكر المقاصدي عند الإمام الشاطبي. وقسمته إلى فصلين: الفصل الأول: عن مسميات الأصول الأخلاقية وضوابطها. والفصل الثاني: عن الأصول الأخلاقية عند الإمام الشاطبي.

ثم ختمت البحث بخاتمة: تضمنت أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال أبواب البحث وفصوله ومباحثه مطالبه.

نتائج البحث

       بعد عرض أبواب البحث وفصوله ختمته ببعص النتائج المتواضعة التي توصلت إليها بعون الله وتوفيقه، وسأعرضها في الآتي:

ــ إن سريان النفحة الأخلاقية إلى جانب التشبع بالروح المقاصدية، لمن أهم السمات المميزة للأعمال العلمية والعملية للإمام الشاطبي؛ حيث نجد ذلك في جل كتاباته، كما نجده في خطاباته ودعاويه وفي حياته كلها. وقد دفعته غيرته الأخلاقية إلى استنكار ما شاع في عصره من بدع ومحدثات، زاد من حدتها سكوت بعض العلماء عن الباطل، وتماشيهم مع البدع دون استنكار. كما حملته تلك الغيرة إلى المبادرة إلى الإصلاح، وحمل مشعل الدعوة إلى مكارم الأخلاق والتأدب بالآداب الربانية.

ــ أولى الإمام الشاطبي أهمية بارزة للأخلاق العملية، التي يجتمع فيها عمل القلب وعمل الجوارح؛ بحيث اعتبر الخوض في كل مسألة لا ينبني عليها عمل، خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي.

ــ تنبني الشريعة الإسلامية ومن ثم المقاصد الشرعية على مجموعة من المقاصد والأصول الأخلاقية السامية من أبرزها: التقوى، والحكمة، والعفة، والشجاعة، والعدالة، والعفو، والأمر بالعرف، والإعراض عن الجاهلين، والعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، والإيمان بالله من غير ارتياب، والمجاهدة بالمال والنفس…

ــ وضع الإمام الشاطبي نظرية أخلاقية مستمدة من القرآن والسنة، لخصها في قوله: والشريعة كلها إنما هي تخلق بمكارم الأخلاق؛ بحيث أودع فيها الأسرار الأخلاقية للشريعة الإسلامية. حيث يفهم منها بطريق الموافقة أن الأخلاق الإسلامية تمتد لتستوعب جميع مجالات وأبواب الشريعة الإسلامية، عقيدة وعبادة ومعاملة… كما يفهم من هذا بطريق المخالفة أنه لا يوجد في الشريعة حكم ولا محتوى مجرد عن الأصل الأخلاقي.

ــ لم يحصر الإمام الشاطبي المكارم الخلقية في المقاصد التحسينية.  بل نجده يؤكد عكس ذلك تماما؛ حيث إن الشريعة عنده كلها محصورة في المكارم الأخلاقية. أما ما ذكره في أن التحسينيات يجمعها قسم مكارم الأخلاق، فلا يفهم منه –أبدا- أن الأخلاق محصورة في هذا القسم. وإنما يريد أن يشير إلى مسألة مهمة، وهي أنه ليس كل ما يظهر تحسني هو كذلك، حتى ينضبط بالضابط الأخلاقي.

ــ لا ينحصر موقع الأخلاق في المصالح التحسينية فحسب، بل هي أوسع من ذلك، فمادامت تستوعب الشريعة كلها، فإنها، ومن باب أولى، تستوعب جميع المصالح المقاصدية، ومراد علماء المقاصد من إدراج لأخلاق في التحسينيات إنما هو الأخلاق التحسينية المكملة للضروري منها. وذلك كالتحية وردها، والهدية، والإكرام بالطعام وغيرها. ولا ينبغي أن يعتقد أن المكارم الخلقية محصورة في المقاصد التحسينية.

ــ إن بين الأخلاق والمقاصد رحما لا يمكن قطعها، فهما متكاملان متلازمان على الدوام، فالمقاصد الشرعية كلها أخلاقية، ولا يوجد شيء منها خارج عن التوجيه الأخلاقي. كما أن الأخلاق كلها مقصودة في الإسلام، فمحاسنها مقصودة الفعل، ومساوئها مقصودة الترك.

ــ إن المعيار الأخلاقي هو الضابط الأساسي في اعتبار المقاصد مهما كانت درجتها؛ لذلك فإن أي مصلحة تعارض المكارم الخلقية فهي ملغية.

ــ إن الأخلاق في الإسلام متفاوتة الرتب، كتفاوت المصالح المقاصدية، فمنها ما هو ضروري، وما هو حاجي، وما هو تحسيني، أو بتعبير آخر: منها ما هو من الأصول وما هو من الفروع.

ــ إن اختلاف العلماء في ماهية الأصول الأخلاقية وفي درجاتها العلماء يرجع بالأساس إلى عدم اهتمامهم بوضع ضوابط للتمييز بين الأصول والفروع الأخلاقية؛ لذلك أرى أن أقسم تلك الضوابط إلى نوعين:

ــ الضابط الأصلي: وهو أن أصول الأخلاق راجعة إلى قوى النفس الإنسانية، القوة الفكرية، والقوة الشهوية، والقوة الغضبية؛

ــ الضوابط التبعية: وهي متعددة منها: أن أصول الأخلاق تقع في أعلى مراتب التكليف، والفروع دونها. ومنها أن الأصول ترجع إلى اعتبار المقاصد الأصلية بينما ترجع فروعها إلى المقاصد التابعة . ومنها أن الأصل هو ما ابتنى عليه غيره والفرع ما ابتنى على غيره.

ــ إن سعادة الإنسان تكون على قدر اعتداله فيهذه الأصول الأخلاقية، فمن اجتمعت له كلها فهو السعيد الكامل، ومن حصل له بعضها كان حظه من السعادة بحسب ذلك.

      هذه بعض النتائج والخلاصات التي استطعت الوصول إليها في البحث، ولا أدعي أني خضت فيه خوض المحسن للسباحة، ولكن حسبي أنني بذلت فيه من وسعي ما استطعت.

      وأشكر أستاذي المشرف الدكتور إسماعيل الحسني ما شملني به من عطف ورعاية سامية، وعلى ما قدمه لي من توجيهات وإشراقات علمية قومت اعوجاج بحثي، بالرغم من ضيق وقته، وكثرة مسؤولياته، وأسأل الله تعالى أن يحفظه ويبارك له في عمره وأهله وعمله، وأن يجعله في ميزان حسناته، وأن يجازيه عنا وعن سائر طلبته وقرائه حسن الجزاء.

      كما أتوجه بالشكر الجزيل والامتنان الفائق إلى السادة أعضاء لجنة المناقشة الكرام بقبولهم مناقشة أطروحتي، والتي ستكون لملاحظاتهم الفضل في إخراج الأطروحة على أتم وجه. وأسأل المولى عز وجل أن يبارك لهم في أعمارهم وعلمهم.

      كما أتوجه بشكري وتقديري إلى جميع أساتذتي الفضلاء في شعبة الدراسات الإسلامية في هذه الكلية؛ لما أبدوه من روح طيبة في التعاون لخدمة العلم وطالبيه. وأسأل الباري عز وجل أن يحفظهم في صحتهم ويبارك في علمهم وأعمارهم.

      ولا يفوتني أن أوجه شكري وامتناني لكل من ساهم في إنجاز هذا البحث وإخراجه إلى حيز الوجود. فجزى الله الجميع خير الجزاء على ما قدموه لي من مساعدة.

       فما كان فيه من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو زلل أو نسيان فمن نفسي. وأسأل الله العلي القدير أن يجعل التوفيق حليفي، والسداد أنيسي، وأن يرزقني الإخلاص في القول والعمل. والله ولي التوفيق. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) [القلم: 4]

([2]) زعم الدكتور حمادي العبيدي أن ابن رشد هو الفقيه الوحيد الذي بنى مقاصد الشريعة الإسلامية على الفكرة الخلقية، انظر: حمادي العبيدي، ابن رشد وعلوم الشريعة الإسلامية، ط 1، دمشق- بيروت، دار وحي القلم، 1434ه-2014م، ص 107. لكن الإمام الشاطبي في الموافقات (2/ 124) ، وابن القيم في إعلام الموقعين (1/ 41)، وغيرهما اتجهوا نفس الاتجاه. ولعل الصواب أن يقال: إن ابن رشد من أوائل أو من أشهر من بنوا المقاصد على الأصول الأخلاقية.

([3]) الموافقات، (2/ 124)

([4]) ابن القيم: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (المتوفى: 751 هـ): إعلام الموقعين عن رب العالمين ت مشهور، قدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، شارك في التخريج: أبو عمر أحمد عبد الله أحمد، المملكة العربية السعودية- دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، 1423 هـ، (1/ 41).

([5]) مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية،  الطبعة: 1، أبو ظبي – الإمارات، منظمة التعاون الإسلامي مجمع الفقه الإسلامي الدولي،  1434 – 2013.

([6]) نورة بوحناش، مقاصد الشريعة عند الشاطبي وتأصيل الأخلاق في الفكر العربي الإسلامي، أطروحة دكتوراه الدولة في الفلسفة، نوقشت في موسم 2006-2007.

([7]) ي. دني، كتاب أصول الأخلاق، ترجمه إبراهيم رمزي، القاهرة- مصر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012.

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اسعد الله صباحكم
    احتاج نسخة من هذا البحث كيف الوصول له

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل بالإمكان التواصل مع الكاتب لتزويدي بالرسالة؟ جزاكم الله خيرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *