أصول التفسير من خلال التحرير والتنوير وأثرها في ترشيد القراءات المعاصرة للقرآن الكريم في أطروحة دكتوراه

إنجاز  الدكتور مصطفى فاتيحي

تحت إشراف: الأستاذ الدكتور إسماعيل الحسني.

جامعة القاضي عياض

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

مركز دراسات الدكتوراه

مدارك الاجتهاد فـــي المستجدات الإنسانية الـمعاصــــــــرة.

مراكش

السنـة الجامعية: 2018ھ – 2019 م.

      بسم الله الرحمان الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خير الأنام محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه الكرام.

وبعد،

      فإن كتاب الله أجل ما تسترخص في خدمته المهج والأعمار، وتبذل في سبيله الجهود وجلائل الأعمال، وتستعذب من أجله المشاق والأهوال، وكيف لا يكون ذلك وهو كلام رب العزة جل في عليائه، كلام أحيى النفوس وأخرج به سبحانه أمة من العدم إلى الوجود، ومن توفيقه عز وجل أن يلهم المرء الانتماء إلى جملة خدمة كتابه، فهما وتدبرا وتفسيرا، ومن أوجب الواجبات في هذا الميدان البحث في طرق الاستمداد منه، وتأصيل قواعد الفهم والاستنباط واستفراغ الوسع في ذلك، مع تعاقب الأزمان وتجدد الأجيال. ولقد كان العلماء الأوائل الرواد الذين تخرجوا من مدرسة القرآن على وعي عميق بمسألة التأصيل ووظائفها المنهجية، لكن غنى القرآن الكريم وحيوية معانيه وخصوبة مكنوناته أكبر من أن تستوعب من قبل جيل مها علا مقام أعلامه، أو في زمن معين رغم ما توفر فيه من إمكانات وسخر من طاقات، لذا كان لزاما السعي الحثيث إلى امتلاك الأدوات والوسائل التي تعين على تحقيق جودة البيان والفهم والإفهام. ولذلك كان البحث في أصول التفسير عملا راهنا وأثيرا، لما يفتح من آفاق للتجديد والاجتهاد، المحقق لصلاحية القرآن لكل زمان ومكان، والمفارقة للزمان والمكان.

أولا: موضوع البحث ودوافعه

      يكاد يجمع الباحثون والمختصون أن علم التفسير ظل (عريا من سياج يحفه) وقواعد تضبطه وأصول يتم الاحتكام إليها فتكون مرجعية ومستندا، لا سيما أن العلم لا يسمى علما إلا إذا نضجت قواعده وأسسه، واكتملت مقوماته وتميز عن غيره من العلوم بما يضمن له استقلاله ويحدد معالمه وسماته.

      ولا يعني ذلك أن علم التفسير لا أصل له كما شاع على الألسن، وإنما لم تنل قواعده وأصوله من الدراسة والتحقيق كنظائره من العلوم والفنون الأخرى، فقد ظلت متناثرة ومبثوثة في مقدمات مظان التفسير، وعلوم القرآن، وأصول الفقه، وكتب فقه الحديث وكتب اللغة. وهو ما يجعل على عاتق الباحثين في هذا الميدان مسؤولية التصدي على شكل أعمال ومشاريع جماعية، يبني اللاحق على جهود السابق، للقيام بمهمة جمع هذه الأصول، وتمييز الصلبي من العارية ضمنها، لتحقيق هدفين رئيسين متكاملين، تندرج تحت كل واحد منهما أهداف جزئية عديدة، هذان الهدفان هما:

1ـ تحقيق صلاحية القرآن لكل زمان ومكان، وذلك بالتوسل بالوسائل والأدوات الناجعة من أجل استمطار المعاني واستدرار المغازي السليمة، فالقرآن الكريم مثل الطبقات الجيولوجية ينطوي على كنوز مطمورة لا نفاد لها، وطاقات متجددة لا نضوب يعتريها، وكل جيل يستطيع أن يستخرج منها على حسب ما يملك من أدوات الحفر والتنقيب، وعلى حسب الأهلية والاستعداد.

2ـ ضبط وتقنين عملية التفسير التي أصبحت متاحة للجميع دون قيد أو شرط، فقد أصبحنا اليوم أمام كم هائل من القراءات المتناسلة، المفتقدة للحد الأدنى من الشروط العلمية والأهلية المنهجية، رغم أننا اليوم _ ويا للمفارقة_ لا أحد يقبل أن يمارس شخص النقد الفني والأدبي أو تحليل النصوص القانونية، دون أن يثبت الأهلية لذلك، في حين إذا تعلق الأمر بالنص القرآني فقد اقتحم حماه كل قريب وغريب بدعوى _ دمقرطة الفهم_ حتى أصبحت الآيات والسور مرتعا ومنصة تجارب لكل المناهج المنقولة، التي لم تُفعل في بيئات إنتاجها، فهل يمكن مثلا إعمال المنهج (الهرمنوطيقي) لفهم النصوص التشريعية أو القانونية؟ كما أن مستوردي هذه المناهج يدعون قدرتها على تعويض المناهج المأصولة، وفي المقابل يزدرون كل المناهج القديمة ويتفننون في وسمها بأقدح الأوصاف والنعوت.

      ومنه فقد وقع الاختيار على علم من الأعلام المغاربة المبرزين ذوي القدح المعلى والشأن الأسمى في ميدان التفسير، تحريرا وتنويرا، وهو العلامة محمد الطاهر بن عاشور من خلال موسوعته الموسومة (تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد في تفسير الكتاب المجيد)، حيث يقوم الباحث باستخراج أصول التفسير من هذا السفر الضخم، محاولا استفراغ الوسع في تحقيقها والجمع بين الأصل وجمع الشواهد له، في مرحلة أولى، ثم بعد ذلك تقويم أنموذج من نماذج القراءات المعاصرة على ضوء تلك الأصول. وسيحاول البحث أن يجيب عن التساؤلات الآتية:

1ـ ما هي الأصول المعتبرة عند ابن عاشور؟ وما الأصلي وما التبعي منها؟

2ـ ما هي مستندات ابن عاشور في تأصيل الأصول وتقعيد القواعد؟

3ـ ما هي وظيفة الأصول في حسن استثمار النص القرآني وتخليد عطاء الكتاب المجيد؟

4ـ ما هو حظ النظر والاجتهاد في كل ذلك؟ وما هي حدود الإبقاء والإقصاء في المناهج؟

5ـ إلى أي حد تمكن ابن عاشور من أن يلتزم في ثنايا تفسيره بما وضع من قواعد في مقدماته؟

6ـ ما هي أوجه الفرادة والتميز والإبداع في الأصول عند ابن عاشور؟

7ـ إلى أي حد استطاع ابن عاشور أن يحقق توزان العلاقة بين النص والقارئ، بحيث لا تهيمن الخلفيات والأفكار المسبقة على المقروء؟

8ـ كيف يمكن توظيف أصول ابن عاشور من أجل ترشيد القراءات المعاصرة للقرآن الكريم من خلال أنموذج من نماذجها وهو (فهم القرآن الحكيم للدكتور محمد عابد الجابري)؟

9ـ هل يمكن أن تكون المناهج التي يقترحها أصحاب القراءات المعاصرة بديلا لقواعد المفسرين وأصولهم؟

      وبناء عليه تكمن أهمية البحث من خلال الإسهام في استخراج أصول للتفسير ضمن المظان المعتبرة ومنها (التحرير والتنوير). وكذا تقويم القراءات المعاصرة على ضوء أصول تفسير واضحة المعالم، ويكون التقويم منهجيا يغني عن تتبع التفاصيل والجزئيات، والاستدلال على أهمية الأصول والقواعد في الإفادة من القرآن الكريم وتحقيق صلاحيته لكل زمان ومكان. ويتم ذلك من خلال دراسة علمين من أعلام المغرب المعاصر (محمد عابد الجابري ومحمد الطاهر ابن عاشور) والاطلاع على إنتاجهما، فذلك يُكسب الباحث ثقافة واسعة بالنظر إلى المكانة العلمية التي يحظى بها الرجلان، فابن عاشور عرف بثقافته الموسوعية في فنون علمية مختلفة، ومؤلفاته خير شاهد على ذلك، كما عهد منه الباحثون الصرامة العلمية والحس النقدي والمنحى المقاصدي والهم الإصلاحي، مما أعطى لاجتهاداته واختياراته طابع الشمول والتوازن، ومن دون شك أن مصاحبة -من كان هذا شأنه- له فوائد جمة في تكوين الشخصية العلمية وصقل المواهب وتفتيق القدرات.

      والجابري هو أيضا مكانته لا ينكرها أحد، ولا ريب أن طول النظر في كتاباته التي هي عبارة عن موسوعات تتضمن علوما وفنونا شتى، يجعل الباحث واسع الأفق، رحب التفكير، متمكنا من القدرة على الاستشكال وممارسة التساؤل. وما أحوج الباحث إلى التسلح بهذه الصفة والتحلي بهذه الحلية. أضف إلى ذلك قناعة الباحث بأن الاحتكاك بالمظان التي تعنى بالمنهج سبيل ناجع وموفق في تسديد الرؤية، وأرض خصبة للإبداع والإنتاج. ورغم أن كوكبة كبيرة من الباحثين تناولت إنتاج هذين العلمين إلا أن ضخامة مشروعيهما يتطلب جهودا جماعية، ولا تزال كثير من الجوانب والزوايا في إنتاجاتهم لم تنل حقها من الدرس والتمحيص والتفعيل والإفادة. ولقد تولدت الرغبة في اقتحام ما أنتجاه منذ مراحل الطلب الأولى، حيث ما فتئ السيد المشرف – جزاه الله خيرا- يحيل الطلاب على كتبهما ويوصي بالرجوع إليهما، وقد أثمر ذلك فضولا علميا قدح زناد الهمة وشجع على المثابرة في القراءة المتواصلة لهما وعنهما.

ومنه يمكن أن نوجز أهداف البحث فيما يلي:

ـ كشف وتلمس أصول التفسير عند ابن عاشور.

ـ اختبار نجاعتها في بيان معاني القرآن الكريم.

ـ عرض الدراسات المعاصرة والمناهج التي تتوسل بها على أصول ابن عاشور وخاصة (فهم القرآن الحكيم للجابري).

ـ كشف أن التأصيل والتعقيد في التعامل مع القرآن لا يعيق فهمه، بل وسيلة فعالة للفهم السليم والاغتراف من معانيه وبيان مراميه.

ـ الوقوف على سمات الإبداع والتجديد عند ابن عاشور، وتجلية جوانب التكامل والتوازن في التعامل مع النص القرآني، من خلال الوفاء للقديم والتطلع للجديد.

ـ المساهمة إلى جانب الجهود السابقة والآنية في بناء صرح علوم التفسير.

ـ وبهذا يكون عنوان البحث: أصول التفسير من خلال التحرير والتنوير وأثرها في ترشيد القراءات المعاصرة للقرآن الكريم.

ثانيا: منهج البحث

      اقتضت طبيعة البحث الاعتماد على المنهج التحليلي لأنه: ينظر إليه في بعض الأدبيات المنهجية على أنه عملية تفسير ونقد لإشكالات معرفية، القصد من ورائها الوقوف على حقيقتها وطبيعتها العلمية”([1]).

وتكمن أهمية هذا المنهج في ضمه لعمليات ثلاث التفسير والنقد والاستنباط.

ولقد وضح (فريد الأنصاري) المقصود بهذه المصطلحات الثلاث:

أما التفسير: هو عرض الأعمال العلمية، على سبيل التأويل، والتعليل، ذلك أن التراث الإسلامي اليوم محتاج إلى فهم صحيح لمقاصده، من خلال مصطلحاته ونظرياته.

أما النقد: فهو عملية تصحيح وتقويم وترشيد وليسا نقضا.

أما الاستنباط: هو الاستنتاج الاجتهادي، والتجديد العلمي. فكل عمل يهدف إلى وضع نظرية علمية ما، أو تركيبها، أو بناء قاعدة في الفقه أو الأصول أو التفسير”([2]).

      والموضوع الذي أبحث فيه يقوم على التفسير من خلال: محاولة عرض وفهم وتحليل أصول التفسير عند ابن عاشور، وكذا الاستنباط قصد استنتاج وتركيب القواعد والأسس المعتمدة في التحرير والتنوير، لصياغة أصول تمكن من نقد القراءات المعاصرة، وبيان أوجه القصور في أساليبها وآليات اشتغالها، ومناقشة ومساءلة منطلقاتها وأسسها.

ثالثا: خطة البحث

      ولإنجاز هذه المهمة قسمت البحث إلى تمهيد وبابين، أما التمهيد فقد تناولت فيه مفهوم أصول التفسير والحاجة إليها وأهميتها، وكذا تناولت شخصية ابن عاشور من حيث التعريف به وببعض مؤلفاته، ثم في الباب الأول عملت على استخراج أصول التفسير من خلال التحرير والتنوير، واستلزم ذلك تقسيم هذا الباب إلى فصول ثلاثة، في الفصل الأول: عالجت الأصول اللغوية عند ابن عاشور، وفي الفصل الثاني: الأصول النقلية، أما الفصل الثالث: فخصصته للأصول الاجتهادية.

      أما الباب الثاني، فقد جعلته لترشيد وتقويم القراءات المعاصرة على ضوء أصول التفسير من خلال التحرير والتنوير، واخترت من هذه القراءات (أنموذج الجابري) في دراسته الأخيرة (مدخل إلى القرآن الكريم في التعريف بالقرآن) و(فهم القرآن الحكيم) حيث ناقشت في الفصل الأول: القراءات المعاصرة من حيث المفهوم والمنطلقات والخصائص، مع الاستشهاد لذلك بأهم روادها ورموزها. وفي الفصل الثاني: ملامح عامة حول مشروع الجابري، لكشف العلاقة بين السابق منها واللاحق، وفي الفصل الثالث: فصلت وناقشت – انطلاقا من أصول التفسير- دراسة الجابري المذكورة آنفا.

وفي الأخير خاتمة عامة أجملت فيها أهم ما توصل إليه البحث.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1])  مقدمة في مناهج البحث، مولاي مصطفى الهند، ص 159.

([2])   أبجديات البحث في العلوم الشرعية، ص 97/99.   

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *